وفي هذا من الكذب الصريح، والفجور في الخصومة ما لا مزيد عليه، فهل كان مثل هذا الأشدق يصل الحسين كعادته والحسين يقطعه كعادته؟ أو أنه هو صاحب الثلاثين مسلحاً الذين أمرهم بأن يقتلوا الحسين﵇ ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة كما مر في الحديث عن وجود الحسين في مكة واضطراره للخروج من الموسم؟ وأكذب كلامه ما قاله من أن فاطمة منهم! وهو الأموي الوارث العداوة لها ولأبيها وأبنائها من آبائه، وأنه كانت سترحب بمن يقتل ابنها وتؤيد فعله ولا تلوم من يقوم بذلك!
هل رأيت أخي القارئ اختي القارئة خذلاناً إلهيا أعظم من هذا؟!
3. المرحلة الثالثة من وصول الخبر هي مع وصول الإمام السجاد﵇ إلى المدينة، وفيها كما تقدم فقد أمر الإمام السجاد بشر بن حذلم بأن يجدد نعي الإمام الحسين﵇ ويذكر الناس بمصيبته وأن يندبهم للخروج واستقبال ركب الاسارى ومعهم الإمام السجاد، لتعزيتهم وتضميد جراح أنفسهم. وهذا بالفعل ما حصل، فقد خيم الإمام السجاد خارج المدينة لبعض الوقت وجاءه من يعزيه بأبيه ويتعاطف معه فكانت مناسبة اجتماعية لحشد التأييد والنصرة لخط الإمام الحسين﵇، وإدانة الخط الأموي.
والملاحظ هنا أن السلطة الأموية ممثلة في عمرو بن سعيد الأشدق كانت سلبية بحيث لم تستطع أن تتخذ إجراء في هذا الشأن، واكتفى الأشدق بسؤال الإمام فيما قيل بعد أن دخل المدينة وكان قد قرب وقت الصلاة بسؤاله: من الغالب؟
فأجابه الإمام بكبرياء: إذا أذن المؤذن تعرف من الغالب!
وكأنه يقول له: إن معركتنا ونهضتنا كانت من أجل إقامة الأذان والصلاة، وتحشيدكم من أجل إلغاء ذلك، فلما بقي هذا الأذان وتلك الصلاة قائمة على سوقها فهذا يعني أننا حققنا هدفنا وخاب رأيكم وعملكم.
يشار إلى أن الإمام﵇ كان قد خطب خطبة قصيرة في من حضره من أهل المدينة قبل دخوله إياها أشار فيها إلى عظمة مصيبة الإمام الحسين﵇، وما جرى على عياله، فقال: (الحمد لله رب العالمين بارئ الخلائق أجمعين الذي بعد فارتفع في السماوات العلى وقرب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الأمور وفجائع الدهور وألم الفجائع ومضاضة اللواذع وجليل الرزء وعظيم المصائب الفاظعة الكاظَّة، الفادحة الجائحة، أيها القوم إن الله وله الحمد ابتلانا بمصائب جليلة، وثلمة في الإسلام عظيمة، قُتِل أبو عبد الله الحسين وسُبِي نساؤه وصبيته وداروا برأسه في البلدان من فوق عال السنان، وهذه الرزية التي لا مثل لها رزية، أيها الناس فأي رجالات منكم يُسَرون بعد قتله أم أي فؤاد لا يحزن من أجله، أم أي عين منكم تحبس دمعها وتضنّ عن انهمالها، فلقد بكت السبع الشداد لقتله وبكت البحار بأمواجها والسماوات بأركانها والأرض بأرجائها والأشجار بأغصانها والحيتان ولجج البحار والملائكة المقربون وأهل السماوات أجمعون).
الهوامش
- 412. كان معاوية قد أعطى ابنه يزيد قصرا مشرفا على مرتفعات جيرون. في الجهة الشمالية الشرقية لقصر الخضراء /لبيب بيضون: موسوعة كربلاء /413.
- 413. وردت في غير مصدر كأحسن التقاسيم للمقدسي، عند تعداد أبواب المسجد في دمشق، وابن عساكر في قصة عن الوليد بن عبد الملك وعلل الصالحي الشامي التسمية في كتابه المواكب الإسلامية في الممالك الشامية/76 بأنه سمى باب الساعات؛ لأنه كان عمل فيه مكانا تعلم منه أوقات النهار، وهي شيء عليه عصافير وحية من نحاس وغراب..
- 414. ابن الجوزي؛ المنتظم في تاريخ الملوك والأمم 5/343.
- 415. سورة الحديد : آية 22.