الختام إلى مدينة الرسول﵌

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

تصور أن الأمر مهم إلى الدرجة التي تحتفظ فيها أم المؤمنين أم سلمة بهذه القارورة مدة تصل إلى ما يزيد عن نصف قرن من الزمان، وقد نقل هذا الخبر عن أم سلمة غير واحد من محدثي مدرسة الخلفاء وقد مرت الاشارة إلى مصادره.

2. الإعلان الثاني لخبر مقتل الإمام الحسين﵇، جاء من السلطة الأموية نفسها، ونحتمل أنه استغرق ما يقارب عشرة أيام أو نحوها من بعد مقتل الحسين، حتى يصل الخبر إلى المدينة، وذلك أن عبيد الله بن زياد أمر أحد أعوانه ويسمى عبد الملك السلمي أن يذهب إلى المدينة ويبشر عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق (بما فتح الله عليهم) بحسب تعبيره وطلب منه بأن يسرع في نقل الخبر وإيصاله، وبالفعل فقد جاء عبد الملك هذا إلى المدينة حتى قال بأنه أول ما دخل إلى المدينة: سألني رجل من قريش ما الخبر؟ فقلت: الخبر عند الأمير.

فقال على الفور: لقد قُتِل الحسين!

ونعتقد أنه في مثل هذا وبعد أن وصل الخبر إلى بيوت بني هاشم وضجت واعية الهاشميين بل عموم أهل المدينة حزناً على الإمام الحسين﵇، في مثل هذا كان للأشدق كلام وخطبة ونقاش، ويظهر أن قسماً من نقلة الأخبار قد خلطوا بين هذا الموقف وبين الموقف الأخير بعد دخول الإمام السجاد﵇ إلى المدينة.

فإنه لما صار الخبر وضجت الناعيات بالبكاء على الحسين﵇، قال هذا: والله كأني أنظر إلى أيام عثمان، ثم تمثل بالقول:

عجّت نساء بني زبيد عجّة

كعجيج نسوتنا غداة الأرنب

وكان ذلك بكل المقاييس يعتبر من أتفه المواقف وأسوئها من الناحية الأخلاقية! فإن الحسين﵇ وأخاه الحسن لم يكن لهما من شأن في موضوع عثمان، بل ربما أُرسلوا للدفاع عن عياله وأهله! فما معنى أن يتمثل بذلك اليوم وكأنه يوم بيوم؟!

وأسوأ منه تمثله بما نقله عن عمرو بن معد يكرب في وقعتهم تلك، ولو كان يمتلك شيئاً من الحكمة بل حتى المداراة لكان كلامه في غير هذا الاتجاه.

وزاد الطين بلة عندما خرج إلى المنبر، فخطب الناس، ثمّ ذكر الحسين وما كان من أمره. ثمّ قال:

واللّه لوددت أنّ رأسه في جسده وروحه في بدنه، يسبّنا ونمدحه، ويقطعنا ونصله، كعادتنا وعادته.

(ولو أردنا أن نمثل البجاحة والسماجة وسوء التصرف في موقف لما وجدنا أكثر تعبيراً من هذا الموقف)

فقام ابن أبي حبيش، أحد بني أسد بن عبد العزّى بن قصيّ فقال: أمّا لو كانت فاطمة حيّة لأحزنها ما ترى إنّه ابن فاطمة، وفاطمة بنت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى.

فقال عمرو: اسكت لا سكتّ! أتنازعني فاطمة، وأنا من عفر ظبائها؟ واللّه إنّه لابننا وإنّ أمّه لابنتنا. أجل واللّه، لو كانت حيّة لأحزنها قتله، ثمّ لم تلُم من قتله 415..

وفي مصدر آخر كانت العبارات بشكل آخر حيث قيل إنه قال في خطبته: إنّها لدمة بلدمة، وصدمة بصدمة، وموعظة بعد موعظة، واللَّه لوددت أنّ رأسه في بدنه وروحه في جسده كان يسبّنا ونمدحه ويقطعنا ونصله كعادتنا وعادته، ولم يكن من أمره ما كان، ولكن كيف نصنع بمن سلّ سيفه يريد قتلنا إلّا أن ندفع عن أنفسنا.