رؤى في قضايا الاستبداد والحرية

رؤى في قضايا الاستبداد والحرية
رؤى في قضايا الاستبداد والحرية
تأليف: الشيخ فوزي آل سيف
الناشر: أطياف للنشر والتوزيع
سنة النشر: --- الطبعة: الأولى عدد الصفحات: -- ص القياس: -- المشاهدات: ١٣,٥٤٣ التحميلات: ٣,٨٦٠
الملفات المرفقة
رؤى في قضايا الاستبداد والحرية
PDF 0.53 MB 3,860
تحميل الملف

المجالس بالأمانات ولا بد لكل من به سعال أن يسعل ! أفتأذن لي في الكلام ؟ فقال له : تكلم ! فقال ابن أبي العوجاء : إلى كم تدوسون هذا البيدر وتلوذون بهذا الحجر ، وتعبدون هذا البيت المعمور بالطوب والحجر ، وتهرولون هرولة البعير إذا نفر ؟ إن من فكر في هذا وقدّر علِم أن هذا فعل أسسه غير حكيم ولا ذي نظر .. فقل فإنك رأس هذا الأمر وسنامه وأبوك أسه وتمامه . فبدأ الإمام  يبين له أن هذا ( بيت قد استعبد الله به خلقه ليختبر طاعتهم في إثباته فحثهم على زيارته وتعظيمه وجعله محل أنبيائه وقبلة المصلين إليه .. ) الى آخر كلامه .

نماذج سيئة من السلطات الحاكمة : نلتقي في الجهة الأخرى بنماذج سيئة من مصادرة الرأي ، ومقاومة حرية التفكير ، بل والمعاقبة عليه إذا خالف الارادة السياسية الرسمية ، بدءا من زمان الأمويين فإنه كان لدى عبيد الله بن زياد شخص يسمى ( صاحب العذاب )، وكان مجرد ذكر اسمه يسبب الرعب وربما الموت ، وقد ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة قيس بن خرشة القيسي ، أن عبيد الله بن زياد أراد تعذيبه ، لأنه كان قوالا بالحق ، فاستقدمه إليه وقال ائتوني بصاحب العذاب فمال عند ذلك قيس فمات !! وكان ( صاحب العذاب ) عند الحجاج اسمه معد ، ويتكلم بعضهم عما جرى بينه وبين حطيط الزيات الكوفي ، حيث كان عابدا زاهدا يصدع بالحق ، حاوره الحجاج وكان شديدا صلبا ، فقال معد صاحب العذاب للحجاج : إني أريد أن تدفعه إلي فو الله لأسمعنك صياحه فسلمه إليه فظل يعذبه ليلته كلها وهو ساكت حتى كسرت ساقه ، فسأله الحجاج بعد ذلك عنه ، فقال له : إن رأى الأمير أن يأخذه عني فقد أفسد علي أهل سجني . فاستلمه الحجاج وعذبه ثم لفه في بارية وألقاه حتى مات . ولم يكن الحال أحسن في زمان العباسيين الذين ابتدعوا منصب صاحب الزندقة ، والتي هي ـ إضافة إلى سوء تطبيقها بحيث أصبحت سلاحا ضد المعارضين السياسيين ـ طريقة خاطئة من أساسها في مقاومة الأفكار . فإنه يذكر الطبري في تاريخه في أحداث سنة ٢٦٨ هـ أن فيها مات عمر الكلواذي صاحب الزنادقة ، وولى المهدي العباسي حمدويه محمد بن عيسى مكانه ، وفيها قتل المهدي الزنادقة .. ولفظ ( الزندقة ) واسع يدخل فيه ما بين الصوفية إلى الفساق ، والسياسيين ممن خالف السلطة . وفي وقت متأخر حدثت فتنة خلق القرآن ، حيث تداولتها يد الحكام ، ونكلوا بمن يخالفهم الرأي فيها فبينما ضرب المأمون والمعتصم والواثق الناس على القول بخلق القرآن جاء المتوكل وضربهم على القول بقدمه وعاقب من يقول بخلق القرآن !! . فكان ذلك تكريسا لدخول الحكومات على خط الحرية الفكرية وقسر الناس على نمط معين من الفكر والرأي .

ضوابط حرية الرأي في مجتمع المسلمين : هل يمكن الحديث عن ضوابط ومحددات لحرية الرأي والتفكير ، ثم التعبير عنه ؟ ربما يعترض بعض على ذلك بأن الضوابط معناه تحديد حرية الرأي وقمعها ، فوجودها مخالف لعنوان الحرية ! ولكن الصحيح هو خلاف ذلك ، فإن : عدم وجود ضوابط للحرية يعني الفوضى الاجتماعية ، فينتقض الغرض الذي يراد من حرية التعبير تحقيقه ، وتتخلف النتائج التي يفترض كونها ثمار الحرية الفكرية .. من هذه الضوابط : ١/ثوابت الدين : الدين الإسلامي يعتبر حدا لا يصح تجاوزه ، فلا يمكن أن يصار بعنوان حرية الرأي إلى الحديث في نفي الدين من حياة المجتمع المسلم مثلا .. وهكذا لا يمكن الحديث في ثوابت الدين الأساسية . وجهة ذلك أن من المستحيل لأي شريعة أن تشرع إلغاء نفسها ، وإبطال وجودها ، وإلا كان ذلك عبثا . وسواء كان ذلك النظام والقانون إلهيا أو بشريا ، فإن قبوله بأن يكون في أصله محورا للنفي والاثبات ، يعني أنه لا مصداقية له . وهذا لا يختص بالدين الإسلامي بل نحن نجد سائر الأديان كذلك ، بل حتى المناهج البشرية ، فإن العلمانية مثلا في أوضح صورها لا تشرع قانونا يلغي وجودها ، ولا تسمح بممارسة سياسية تنتهي إلى نفيها . ثم إننا عندما نقول ثوابت الدين ، ينبغي أن نفرق بينها وبين المعارف الدينية ، في ما هو واضح هذه الفترة من التفريق بين الدين ( المقدس ) الثابت ، والمعرفة الدينية ( البشرية ) والتي هي نتاج العلماء والفقهاء والتي تخضع للاجتهاد والتغيير والتبديل . ومما يؤسف له أن دائرة ( الثابت الديني ) التي هي في الأصل دائرة محدودة وصغيرة ، قد وسعها المتدينون بنحو كبير جدا ، حتى غدا كل أمر يمكن أن يكون من ( ثوابت الدين ) فقد تحدث بعض هؤلاء عن أن غطاء الوجه من ثوابت الدين ، وأن الاعتقاد بلزوم قتل المرتد من ثوابت الدين .. وإلى غير ذلك مما يوسع هذه الدائرة كثيرا ! إن ثوابت الدين سواء الاعتقادية كأصل التوحيد ، وأصل النبوة ، وأصل الإيمان باليوم الآخر والقرآن .. أو العملية التفصيلية كالصلاة ، والصيام ، والحج .. في أصولها دون التفاصيل التي تخضع للاجتهاد ، وتكون عرضة للاختلاف بين المذاهب ، بل أحيانا بين علماء المذهب الواحد .. هذه الثوابت هي حد من حدود حرية الرأي ، وضابطة من ضوابطها . إننا إذ نؤكد على أن ثوابت الدين خط أحمر في المجتمع المسلم ، لما تقدم ، فإننا نؤكد أيضا على أن كثيرا مما يعده المتدينون ( ثابتا دينيا ) ليس هو كذلك ، وأن دائرة تلك الثوابت دائرة محدودة . ٢/ النظام الاجتماعي : من الواضح أن العقلاء في كل عصر يهديهم عقلهم إلى لزوم الكيان الاجتماعي القائم على نظام وقانون ، لكي تستمر حياتهم بنحو جيد . كما أن الرسالات السماوية عندما جاءت كرست هذه الحقيقة ، وأمضت

مشاركة عبر:
الملفات المرفقة
رؤى في قضايا الاستبداد والحرية
PDF 0.53 MB 3,860
تحميل الملف
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٢

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة