يزيد بن معاوية لا يتوفر لا على الأول، ولا على الثاني. لا أنه من قبل الدين هو ولي وإمام مفروض، ولا حتى بالمقاييس الطبيعية والدنيوية، ليش؟ لأن يزيد كانت بيعته على خلاف إرادة الأمة، وأن الأحق في هذا سواء كان بالنظر الديني أو بالنظر الدنيوي، كان الإمام الحسين (ع).
أما بالنظر الديني فواضح، وأما بالنظر الدنيوي فإن من أساسيات اتفاقية الصلح والهدنة بين الإمام الحسن وبين معاوية، أن الإمام الحسين يترك لمعاوية الحكم في هذه الفترة على أن يكون الحكم بعد معاوية للحسن بن علي، فإن صادف أن مات الحسن أو قتل فيكون الحكم لأخيه الحسين.
وبالتالي الإمام الحسين بحسب مواثيقهم هو الوالي، وبحسب ولاية الله وإمامته التي نعتقدها هو أيضا الوالي. هذا المال تحت تصرفه، يصرفه حيث يشاء. أما ذهابه مثلا إلى يزيد بن معاوية، فلا يوجد أي مبرر له، ويضيف هؤلاء الباحثون شيئا آخر: أن قسما من هذا المال، ربما استخدم في إنقاذ بعض المسلمين من الأسر في يدي الكافرين. كيف؟
يقولون: أنه في يوم عاشوراء، كان أحد أصحاب الحسين واسمه بشر الحضرمي، أخبر في ذلك الوقت أن ابنه عمرا قد أسر في ثغر الري، قريب طهران، الآن الحالية، وكانت هناك اشتباكات مع الديالمة، فأسر ابن هذا، الأسر: إما أن يفتدى وإما أحيانا يقتل، وغالبا ما يقبلون الفدية لأنها بالتالي تؤمن لهم مالا. فقال الإمام الحسين (ع)، لأبيه بشر، وكان من أنصاره، وهو فيما بعد من شهداء كربلاء، قال له: خذ هذا، وأعطاه حللا بما يعادل ١٠٠٠ دينار، يعني ١٠٠٠ دينار ذهب بمقاييس هذا الزمان، حلل، بالتالي كثيرة، ومتنوعة، وجيدة، اذهب وافتد بها ابنك، هو رفض، قال: أنا ما أترك المكان هنا، فقال الإمام الحسين: دع ابنك. عنده ابن خر اسمه محمد، قله: خل ياخذ هذا ويروح يستنقذ ابنه.
فالإمام الحسين (ع)بناء عل هذه الفكرة، من جهة كان الأولى بها، بل الوالي عليها دون يزيد، ومن جهة أخرى: مصرفها كان في إنقاذ رجل من المسلمين كان في أسر الكافرين، ولو ذهبت هذه الأموال إلى يزيد لصارت تحت أرجل الجواري، وبين كاسات المشروب.
على أي حال، سواء قلنا أن هذه الرواية غير تامة، نحن في غنى عن توجيهها، ولو فرضنا أن الرواية صحيحة فتوجيهها بما ذكرنا.
الإمام الحسين (ع) تجاوز التنعيم، وصل إلى منطقة اسمها الصفاح، طبعا احنا ما نقدر الحين نتعرض إلى كل المنازل، وإلا تأخذ الأيام العشرة، ٢٨ منزلا، وكل منزل فيه كلام وفيه حديث. وصل إلى منطقة اسمها الصفاح.
في الصفاح، التقى بالفرزدق بن غالب الشاعر المعروف، صاحب القصيدة في الإمام زين العابدين (ع): هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم. الرواية ينقلها نفسه الفرزدق: يقول: كنت قادما من البصرة إلى الحج مع أمي، فرأينا الحسين بن علي، فجئت إليه، فسألني من الرجل، قلت له: أنا من العرب، يقول: فلا والله ما فتشني أكثر من ذلك، ما سألني أكثر من هذا عن شخصيتي، وهذا فيه تعليم. أحيانا انت تركب وي واحد، مشوار ٥ دقايق، يريد يعرفك ويعرف والدتك، ووالدك، وزوجتك، وأسماء أبناءك، وأسماء بناتك، ومواقفك السياسية، وتقلد منهو، ويرتب عليها أثر أيضا، يعني من الممكن، يريد يحددك حتى إما يقاطعك وإما يستمر وياك، على شنو يابا؟!
يقول: فلا والله ما فتشني أكثر من ذلك. أنت تشوف واحد، شالداعي أنك تسأله أنه: أنت شيعي أو سني؟ شالداعي أنت تسأله أنت تقلد منو؟ شالداعي إلى أن تسأله رأيك في فلان واحد ماذا وفي فلتان ماذا؟ كثير ما يكون هناك محاولة لتحديد هالشخص شنو حتى بناء عليه إما أقاطعه وأتجهم في وجهه، وإما لا، يكفيك منه ما اكتفى الحسين (ع) من الفرزدق.