القسم الثاني
مقدمة
الإقبال الذي شهده القسم الأول المطبوع من هذا الكتاب، تبعا لشرف المكتوب عنه﵇ وعظمة قضيته، حفزني للاستمرار وإصدار القسم الثاني الماثل بين يديك عزيزي القارئ.
كما أن ردود الفعل والتي أرى أن أكثرها ينطبق عليه (الكلمة الطيبة صدقة)141 كانت محفزاً آخر ودافعا إضافيا للاستمرار. وأسأل الله أن يشركهم في ثواب ما كُتب. وهنا أنبه إلى أهمية التفاعل مع عمل الخير، والدفع باتجاه المزيد، فإن كلمة تأييد أو تشجيع يقولها قائلها وينساها بعد فترة من الزمان لكنها يمكن أن تكون بمثابة الجزء الأخير من العلة في إنجاز العمل، فيثاب المرء ويحسب له من الأجر ما لا يتصوره.
ومن هنا أقدم لكل أولئك شكري ومنهم الذين كانت لديهم بعض الملاحظات على ما ورد في القسم الأول، أو كانت له مناقشات في بعض ما جاء فيه، وأعتبر أن تلك الملاحظات من شأنها أن تثري الموضوع وتنير الدرب لمن يريد مناقشة قضايا التاريخ. وليس متوقعا أن يكتب أحد في موضوع (تاريخي) ويكون متسالما عليه من قبل الجميع، وموافقا لآراء الكل.
وقضايا التاريخ تختلف عن القضايا العقيدية في أن الثانية يوجد فيها ثوابت، ومسلمات يعتبر المساس بها غير صحيح، بخلاف الأولى فليس لها من القداسة ذلك المقدار. كما أن منهج مناقشة النوعين من القضايا يختلف.
ومع أنه لا يزال الكثير من الأسئلة، والقضايا التاريخية في السيرة الحسينية على صاحبها آلاف التحية والثناء، مما يمكن أن يكون القسم الثالث للكتاب في المستقبل إلا أن عددا من الإخوة أشاروا علي بأن أقدم هذا للطباعة، فامتثلت ذلك، وهاهو القسم الثاني بين يديك أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع به وأن يجعل ثوابه لوالدي تغمدهما الله بالرحمة.
وأكرر مرة أخرى شكري لذوي الكلمة الطيبة الذين كان لهم أثر واضح في صدور هذا القسم، كما لا أنسى ذوي الفعل الطيب من الطيبين الذين ساهموا في صدور السابق ويساهمون في تاليه.
فوزي آل سيف
تاروت القطيف
جمادى الثاني 1423
الهوامش
- 141. أقول: يظهر أن ما ذهب إليه المحقق التستري رحمه الله هو الأقرب، بالرغم من أن لفظ الناحية إذا أطلق فإنه يقصد منه صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف، إلا أننا وجدنا في كتب الحديث والمصادر الرجالية أيضاً التعبير عن غير الامام الحجة بلفظ الناحية، مما يسهل أمر حمل اللفظ على الاحتمال الثاني وهو أنها صادرة عن الامام العسكري﵇، والذي كان أيضاً في فترات معينة يتعامل مع شيعته بنحو غير مباشر، تمهيدا للمرحلة القادمة وتعويدا لهم على التعامل مع إمام مستور. فنحن نرى أن هذا اللفظ قد استعمل من قبل الامام الجواد﵇ للإشارة إلى أمر التشيع فقد نقل الشيخ الطوسي عن داود أبي هشام الجعفري، قال، قلت لابي جعفر﵇: ما تقول في هشام بن الحكم؟ فقال: رحمه الله ما كان أذبه عن هذه الناحية. أي المذهب.. أو الامام. ونقل الكليني رضوان الله عليه في الكافي عن علي بن عبد الغفار قال دخل العباسيون على صالح بن وصيف ودخل صالح ابن علي وغيره من المنحرفين عن هذه الناحية على صالح بن وصيف عندما حبس أبا محمد﵇، فقال لهم صالح: وما أصنع قد وكلت به رجلين من أشر من قدرت عليه، فقد صارا من العبادة والصلاة والصيام إلى أمر عظيم، فقلت: لهما ما فيه؟ فقالا: ما تقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كله. ويحتمل فيه أن المقصود هو انحرافه عن خط الامامة أو عن الامام العسكري﵇. وحين يتحدث الشيخ الصدوق عن إبراهيم بن محمد الهمداني يصفه بأنه وكيل الناحية مع أنه لم يدرك الامام الحجة بل ولا العسكري وإنما هو من أصحاب الرضا والجواد والهادي فقد قال في من لايحضره الفقيه:إبراهيم بن محمد الهمداني من أصحاب أبي الحسن الهادي﵇ ووكيل الناحية ثقة جليل والطريق إليه حسن كالصحيح بإبراهيم بن هاشم. وأما العلامة في الخلاصة فقد استعمل لفظ الناحية للدلالة على الائمة الحجة و العسكري والهادي فقال: محمد بن علي بن إبراهيم بن محمد الهمذاني ـ بالذال المعجمة ـ روى عن ابيه، عن جده، عن الرضا﵇، وكان محمد وكيل الناحية، وابوه علي وكيل الناحية، وجده إبراهيم بن محمد وكيل الناحية. ويتحدث السيد بن طاووس عن داود بن القاسم (أبي هاشم الجعفري) باعتباره وكيل الناحية الذي لا تختلف الشيعة فيه، وقد كان من أصحاب الجواد والهادي والعسكري﵈، وكان وكيلا لهم وتوفي بعد شهادة الامام العسكري بسنة تقريبا..