ماذا فعل الحسين﵇ في مكة؟

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

ماذا فعل الحسين﵇ في مكة؟

يلفت النظر الكلمات التي تمثل بها الإمام الحسين﵇ أثناء وبعد خروجه من المدينة في طريقه إلى مكة، فإنه حين عزم على الخروج من المدينة سمعه أحدهم وقد دخل مسجد النبي﵌، مودعا يقرأ أبيات يزيد بن مفرغ الحميري:

لا ذعرت السّوام في شفق الصّبح

مغيرا ولا دعيت يزيدا

يوم أعطى من المهانة ضيما

والمنايا يرصدنني أن أحيدا219

وكأن الحسين﵇ بذلك ينبئ عن المستقبل الذي ينتظره فهو، في صدد مهمة كبرى، وأنه سيصطدم بالمنايا ولن يحيد عنها، كما أنه كان يتمثل موقف موسى بن عمران النبي﵇ ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾220 فكانت (مدينُه) مكة المكرمة وسبيله السوي هو الشهادة في كربلاء. وكما قال النبي موسى (عسى ربي) قال الحسين﵉221، ولم يكن هذا من التشكيك أو الترديد في شيء وإنما لأن الأنبياء والأوصياء لا يحتمون على الله شيئاً فهو الذي ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾222.

وبعد أن قطع الإمام الحسين﵇ عدة كيلومترات خارجا من المدينة، كان لا بد له أن يحرم للعمرة من مسجد الشجرة (أبيار علي﵇) حيث هو ميقات أهل المدينة الذين يقصدون مكة معتمرين، وهذا ما حصل فأحرم للعمرة المفردة، وكانت في شهر رجب.

بعد وصول الإمام﵇ إلى مكة المكرمة وأدائه نسك العمرة المفردة نزل في بيت عمه العباس بن عبد المطلب، فإنه لم يكن للإمام﵇ بيت في مكة، ولا لأبيه أو جده بسبب أنهم من بعد هجرة النبي من مكة استقروا في المدينة، وأن ما كان لهم من أملاك قد تم بيعها، لخوف من بقي من الهاشميين عليها223من المصادرة والاستيلاء من جهة قريش كما كانت طريقتهم في السيطرة على بيوت من أسلم وخرج مهاجرا إلى المدينة.

أربعة أشهر وأيام (125 يوما)224 هي الفترة التي قضاها الإمام في مكة المكرمة. وكان من الطبيعي أن يكون الإمام﵇ محل احتفاء من الموجودين في مكة سواء كانوا من المعتمرين الوافدين إلى مكة من أقطار الإسلام أو من أهل مكة أنفسهم، بغض النظر عن كونهم ينتمون إلى أهل البيت﵈ اعتقادا وولاء، أو لا. وهذا ما نجده في كل مكان يفد إليه رجل مشهور ومعروف.

في هذه الفترة، أرسل الإمام الحسين﵇ رسائل إلى البصرة والكوفة، يحثهم فيها النهضة في وجه الظلم الأموي، فقد أرسل خمس رسائل بمحتوى واحد إلى رؤساء الأخماس (أحياء البصرة وقبائلها) كان فيه: «أما بعد فان الله اصطفى محمداً﵌ على خلقه وأكرمه بنبوته واختاره لرسالته ثم قبضه الله إليه وقد نصح لعباده وبلغ ما أرسل به﵌ وكنا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته وأحق الناس بمقامه في الناس فاستأثر علينا قومنا بذلك فرضينا وكرهنا الفرقة وأحببنا العافية ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه وقد أحسنوا وأصلحوا وتحروا الحق فرحمهم الله وغفر لنا ولهم وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه﵌ فان السنة قد أميتت وإن البدعة قد أحييت وأن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد والسلام عليكم ورحمة الله».225

في موقف أهل البصرة من النهضة الحسينية