اذن قمة هذا الأمر صار في زمان الإمام العسكري عليه السلام بحيث عندما غاب الإمام الحجة عليه السلام لم يحدث انهيار في هذا المجتمع , فالمجتمع علاقاته منظمة بين قيادته وبين الاتباع , ودورته المالية الاقتصادية - فيما يرتبط بالزكاة والخمس- مرتبة أيضًا , ثقافته , أفكاره عباداته كلها كاملة , فلا يحتاج إلى شيء حتى لو غاب الإمام الحجة (عج )عن الحضور العلني فلن يحصل انهيار في هذا المجتمع , وهذا معناه أن طريقة الأئمة عليهم السلام في ترتيب ذلك المجتمع الشيعي الموازي في غاية الاتقان .
منهج الأئمة عليهم السلام لحفظ تماسك المجتمع الشيعي :
بيّن أئمة أهل البيت عليهم السلام لشيعتهم خطوط الاسلام الصحيحة التي ورثوها عن جدهم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- سواء فيما يرتبط بالعقائد , أو ما يرتبط بالتشريعات والفقه . نحن نعلم أن التشيع فيما يرتبط بالعقائد وما يرتبط بالله عز وجل ومعرفته وما يرتبط بصفات النبي – صلى الله عليه واله وسلم – وعصمته , وما يرتبط بضرورة وجود الأئمة (ع) يختلف في هذه الجوانب عن كثير من المذاهب الأخرى . أما أئمة أهل البيت عليهم السلام فقد تميزوا بأحكام ونظريات خاصة في العقائد , العبادات – كالصلاة والصيام والحج.. وغير ذلك عن باقي المسلمين . لأنهم (ع) كانوا يأخذون مما ورثوه عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم – فهم يعملون بأحاديث الأصول من رسول الله (ص) , بينما كان غيرهم يُعملون الرأي , يُعملون آراء عقولهم .
١-٢في الجانب الفقهي والاقتصادي :
إذن أصبح للمجتمع الشيعي منظومة فكرية عقائدية وتشريعية فقهية خاصة -هذا أحد جهات التميز - وكذلك فيما يرتبط بالجانب الاقتصادي أيضًا , مثلًا موضوع الزكاة ؛ يقرر الفقهاء - تبعًا لأئمة الهدى عليهم السلام - أن الزكاة الواجبة يجب أن تُعطى للفقير من أهل الولاية لأهل البيت عليهم السلام أولاً وبالذات , وإذا لم يوجد فينتقل إلى غيره , هذا جزء من دورة المال في داخل هذا المجتمع .
أما موضوع الخُمس , خلافًا لما يراه بعضهم من أن تشريعه كان متأخرًا , نحن نعتقد أنه من الأيام الأولى أي زمان الإمام الباقر والإمام علي بن الحسين عليهما السلام .
غاية الأمر أن الموضوع كان شديد الحساسية عند السلاطين والخلفاء في قضية المال , فكان يحتاط فيه أئمة أهل البيت عليهم السلام احتياطًا كبيرًا جدًا , فقد كانت التهمة الأساسية التى توجه إلى الأئمة (ع) وأتباعهم من قِبَـل جواسيس السلطة الأموية والعباسية ؛ أن فلان كان تجتمع عنده الأموال والسلاح , وروى الإمام الصادق عن الباقر عليهما السلام حديث فيه ذكر للخمس أي أن هذا الوضع كان من زمان الإمام الباقر(ع) .
فيما بعد في زمان الإمام الجواد عليه السلام انفتح الموضوع بشكل واسع وعلني , ووصلت إلينا روايات مفصلة عن الإمام الجواد عليه السلام , فأصل هذا النظام الاقتصادي كان موجودًا كما نعتقد من زمان الإمام الباقر(ع) بل قبله عليه السلام أيضًا .
وإلى هذا يشير بعض الباحثين إلى نقطة ملفتة للنظر فيقولون : لو تتبعنا أحوال أصحاب الإمام الباقر وأصحاب الإمام الصادق عليهما السلام لوجدنا عددًا كبيرًا من هؤلاء صيرفيين : إسحاق بن عمار الصيرفي , محمد بن عذافر الصيرفي ,الحسن بن محمد بن سماعة الصيرفي , مؤمن الطاق الصيرفي , وإذا اطلعنا على كتاب ( جامع الرواة) للمولى الأردبيلي رضوان الله عليه نراه يعدد الأشخاص الذين كانوا صيارفة في سوق الكوفة , سنجد عددًا كبيرًا جدًا كانوا من أصحاب الأئمة (ع) , يقول هذه ظاهرة ملفتة للنظر وليست صدفة , بل أمر مقصود ومنظم فمهنتهم كانت تخدم حركة المال السلسة في زمان الإمام الباقر والصادق عليهم السلام وبعضهم ممن يقوم بهذه الأعمال - كالمعلى بن خنيس - قُتل من قُبل الدولة العباسية على يد الحاكم على المدينة لماذا ؟ لم يُذكر السبب , لكن تبين أن هذا الشخص كان أشبه بوزير المالية للإمام الصادق عليه السلام , وزير المالية الذي تجتمع عنده الأموال , من أين الأموال ؟ هل ورث الإمام الصادق (ع) مال قارون ؟!! هذه الأموال كانت من الحقوق الشرعية كالخمس والزكاة التي يوصلها الشيعة إلى الإمام (ع) .
٣- في الجانب الإداري :
قام الأئمة (ع) بتنظيم العلاقة بينهم وبين شيعتهم المتفرقين في مختلف الأماكن وتعددها من المدينة إلى مكة إلى الكوفة إلى البصرة إلى الري إلى خراسان بتطبيق فكرة الوكلاء .