يزيد حين تنصل من الجريمة
كما سبق أن ذكرنا في صفحات سابقة من أن الوضع انقلب على الأمويين، فلا هم يستطيعون أن يبرروا العمل الذي قاموا به لا سيما مع شدة شناعته، ولا يستطيعون تسويقه بين الناس، بل لقد تفاعل الوضع في الشام بنحو لم يتوقعه الأمويون، فقد بدأت الاحتجاجات والمعارضة من داخل الدائرة الأموية الخاصة، وبالطبع فإنها تتوسع كلما ابتعدت تزداد تعاطفاً مع أهل البيت واحتقاناً ضد الأمويين.
لقد نقل المؤرخون أن بعض نساء الأسرة الأموية كانت تتعاطف مع نساء أهل البيت﵈، ولا نستبعد هذا أبداً لما عليه النساء عادة من المشاعر التي قد تتجاوز ما عند الرجال من مواقف سياسية أو غيرها، بل وجدنا أن بعض أفراد هذه الأسرة يقبحون ويشنعون ما قام به الأمويون من قسوة وبشاعة سواء في القتل أو السبي، ونسب بعضهم ليحيى بن الحكم، أخ مروان:
لَهَامٌ بجنب الطف أدنى قرابة
من ابن زياد الوغد ذي الوغل
سمية أمسى نسلها عدد الحصى
وليس لآل الله يعرف من نسل
هذا بالإضافة إلى ما ذكرناه من الأثر الذي تركه المجلسان اللذان تحدثنا عنهما.
وقد تنبه يزيد إلى التغير الحاصل في المزاج العام عند الناس407وأنه لم يعد يحتمل مزيداً من الإيذاء لأسارى أهل البيت﵈، فاتخذ عدداً من الخطوات: منها كان التخفيف عن حضورهن، وفي المقابل افراد مكان مناسب لإقامتهن،408بل نعتقد أنه صار من الطبيعي أن يقام مأتم الحسين﵇ في مثل ذلك المكان.
بل تم تسريب أفكار إلى العامة تنتهي إلى تنصل يزيد مما تم فعله بالحسين وأهله، وألقيت اللائمة في ذلك على ابن زياد! وأنه هو المباشر في كل ما حصل ولو أن الأمر كان ليزيد لكانت النتائج مختلفة، وقد بقيت هذه الكلمات في المصادر التاريخية باعتبار أنها تمثل موقف يزيد الحقيقي مما استفاد منه أتباع الخط الأموي لتبرئة يزيد فيما يزعمون، لكن الحقيقة خلاف ذلك وإنما هو مناورة سياسية من يزيد لأجل دفع اللوم والمسؤولية عنه إلى جهة (غائبة) وكما يقولون تسجيل القضية على (غائب)!
(كلامه في أنه بغّضه إلى الناس..) هل كان ابن زياد متعمداً في ذلك؟
نعتقد أيضا أنه انخدع قسم غير قليل من نقلة الأخبار من أن يزيد كان جاداً في ندمه على ما فعل أو أنه حتى بكى، بل لقد تعثر البعض حتى في الكلمات فقد نقل بعضهم409عن سكينة بنت الحسين أنها قالت: ما رأيت كافراً بالله خيراً من يزيد! والصحيح أنها كانت في صدد بيان قسوته وشدته لا سيما في أول الأمر، وأنها قالت: ما رأيت كافراً شراً من يزيد ولا أقسى قلبا منه! وبالطبع فإن أحداث اليوم الأول على وجه الخصوص كانت تتناسب مع هذا الكلام، من كونه قد نكت ثنايا الحسين﵇ وتهجم على النساء وتهكم عليهن!
المهم في هذا أنه اصبح بقاء الأسارى في الشام، ولا سيما مع إمكانية خروج بعضهم للعامة، وأنهم لم يكونوا في الأيام التالية محبوسين أو معزولين، مثلما ينقل عن لقاء الإمام السجاد﵇ مع المنهال بن عمرو410، أصبح بقاء هؤلاء مشكلة للحكم الأموي، فهم بمثابة علامة استفهام لا بد من الاجابة عليها، لماذا كان ما كان؟ بل هناك سؤال جديد وهو ماذا بعد؟ لنفترض أن الذي قام بما قام به ابن زياد في السابق، ماذا بعد الآن؟
ومع تنصل يزيد من المسؤولية، رأى أن يتخلص من هذا الموضوع من خلال إعادة ركب الأسارى إلى بلدهم حتى ينطفئ السؤال والاستفهام.
فأقدم على الخطوة الثانية وهي الاقتراح والتشاور مع الإمام السجاد في أن يرحلوا من دمشق إلى بلادهم، وهذا ما حصل بالفعل، وبالطبع فإنه لا شيء يربط الإمام السجاد﵇ وعماته وأهل بيت أبيه بالبقاء في الشام، فكان أن تم تجهيزهم لرحلة العودة، وبطبيعة الحال فإنهم سيختاورن في هذه المرة طريق بادية الشام الذي يتجه إلى العراق شرقا، وكما سبق أن ذكرنا أنه يبلغ نحو ألف كيلومتر تقريباً.
وبحسب ما يستفاد من المصادر التاريخية فإنهم خرجوا من دمشق ليلة الأحد411الحادي عشر من شهر صفر سنة 61 هـ، ولأنه تم التوصية بالرفق بهم في المسير وهو ما تقتضيه طبيعة الأمور في هذه المرحلة فيفترض أنهم ساروا قاطعين الطريق بشكل هادئ من دون منغصات واضحة وأنهم كانوا متى شاؤوا الاستراحة والنزول فعلوا، ولعل هذا هو الذي جعل الطريق الذي لا يستغرق من الوقت أكثر من سبعة أيام، جعله يستغرق بهم حدود الأيام التسعة بحيث وصلوا إلى كربلاء يوم الثلاثاء العشرين من شهر صفر سنة 61هـ.
ونعيد إلى الذاكرة لتتميم البحث ما سبق في فصل سفر الركب الحسيني من كربلاء الى كربلاء من الجواب عن سؤال هل التقى الركب الحسيني بجابر بن عبد الله الأنصاري.
الهوامش
- 407. المصطفوي، حسن: التحقيق في كلمات القرآن الكريم 11/144: وأمّا المكر من الله عزّ وجلّ: فتقدير من الله تعالى في عود مكرهم إلى أنفسهم أو مقابلة بتقدير آخر في مجازاتهم وأخذهم في أمورهم وأموالهم وأبدانهم، وفي سلب الرحمة والتوفيق واللطف عنهم ولا يحتاج المكر في الله عزّ وجلّ إلى فكر وتهيئة أسباب ووسائل ومقدّمات والى انتظار زمان والى إخفاء عمل إنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ 8 /30. ﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ﴾.
- 408. تتبع الباحث المهاجر في كتابه موكب الأحزان تلك المشاهد والمواقع فجاءت بما مجموعه في تسعة مواقع في الطريق، أحد عشر مشهدا ومكانا بعضها كان في حين تسجيل الرحالة وكتابته قائما وبعضها الآخر اندثر، كما لاحظ المهاجر أن بعض هذه المواقع لا تزال قائمة إلى أزمنتنا المتأخرة مع أنه تم تغيير عنوانها الأصلي فبينما بعضها كان بعنوان مشهد الحسين أو ما يرتبط به تم تغييره إلى عنوان مسجد وسجل على أساس ذلك لا سيما في فترات كانت فيها السلطات الطائفية مهتمة بإلغاء تلك الهويات والعناوين! فليراجع الكتاب.
- 409. جامع أحاديث الشيعة، ج ١٢، السيد البروجردي، ص ٣٣٠.
- 410. تاريخ المراقد 5 وقد تقدم ذكر بعض المصادر التي صرحت بدخول ركب السبايا في أول صفر سنة 61 هـ إلى دمشق.
- 411. صحة انتساب الشعر إليه عند الفريقين من الشهرة بحيث لا ينكره إلا المتعصب بل لقد اتخذ هذا الشعر -فضلا عن سائر أشعاره- دليلا على كفره وعدم اعتقاده بالنبي ورسالته، بل لقد ألف الكثير من علماء مدرسة الخلفاء كتبا خاصة في هذا الموضوع، فليراجع.