مقدمة
بين أيديكم أيها الأعزاء صفحات في سيرة الإمام الحسين﵇، هي بالدرجة الأولى وسيلة تقرّبٍ من رسول الله﵌ ومن عترته الطاهرة، وخصوصا سيد الشهداء الحسين، كانت في الأصل محاضرات ألقيت في سنوات متعددة، وحيث وجدت أن الكتاب السابق الذي يتناول الموضوع الحسيني والمعنون بعنوان « من قضايا النهضة الحسينية: أسئلة وحوارات« قد لقي قبولا جيداً، وشجع عليه الكثير من أهل الفضل والمعرفة، حدا بي ذلك إلى ترتيب هذه المحاضرات باعتبار أنها ذات موضوع واحد، ورأيت أنها يمكن أن تكون نافعة للجيل الشاب، باعتبار أن أسلوبها يتوافق معهم كما أظن، فأقدمت على صياغتها من جديد، بما استطعت وأسأل الله أن تكون نافعة ومفيدة.
وكخريطة عامة للكتاب، فإنه بعد أن يقدم تمهيداً يبين فيه لزوم إحياء القضية الحسينية بالتعرف على سيرة الحسين على مستوى الأمة الاسلامية، يلاحظ المؤلف أن هناك تغييباً لهذه السيرة والنهضة بشكل متعمد، وبنحو واضح لو استثنينا أتباع أهل البيت فإن أكثرية المسلمين تغيب عنهم تلك النهضة في موسمها وغيره، ويرى المؤلف أن ذلك تم بشكل ممنهج حيث تم العبث في المصادر للواقعة والتغيير فيها واستبدال الصحيح منها بغيره، كما بُثت أفكار فيها وفي غيرها تنتهي إلى إبعاد النهضة وقائدها عن صورة المثال إلى صور أخر، وبدلت مناسبة عاشوراء بدل كونها ذكرى حزن لرسول الله وآله، إلى كونها أفراحاً وأعياداً ومسرات.
وبعد ذلك فقد تابع المؤلف سيرة الإمام الحسين﵇ من يوم ولادته إلى أيام جده المصطفى وأبيه المرتضى ثم أيام أخيه الحسن المجتبى حيث كان المنفذ الأمين لسياسات أخيه الحسن، حتى بعد شهادة الحسن﵈ جميعاً.
وفيما بعده فقد تابع رحلة النهضة الحسينية من حين خروج الإمام الحسين﵇ من المدينة المنورة إلى مكة ثم من مكة إلى كربلاء، وتعرض لشرح مقتل الامام الحسين﵇ وأصحابه في كربلاء بشكل مختصر، وشايع ركب الأسارى إلى الكوفة ومنها إلى الشام ومن الشام إلى كربلاء ليعود في الأربعين (أي العشرين من شهر صفر لنفس السنة) وهو الأمر الذي أثار ولا يزال يثير جدلاً بين الباحثين في القضية الحسينية عن إمكانه ووقوعه، وسيختار المؤلف إمكان ذلك وحصوله بالفعل، ويسعى لتقديم الأدلة عليه.
وكنت قد كتبت في مقدمة كتاب الإمام المهدي: عدالة منتظرة ومسؤولية حاضرة، ما يمكن أن يكون نافعاً هنا أيضا، فقد جاء في احدى فقراته ما يلي: ولك أن تعتبرها فقرة اعتذارية « أعتقد أن من طرق الشيطان في منع الإنسان من العمل، إذا فشل في نهيه عن أصل العمل بشكل مباشر، أنه يطلب منه مواصفات استثنائية أو تعجيزية لا لأجل أن يأتي بها العامل، فلا يهم الشيطان ذلك، وإنما لكي يعجزه عن الاتيان بها.. فإذا كان يريد أن ينفق مقدار بسيطاً من المال شكك الشيطان في فائدته! واقترح عليه أن يجمعه عنده حتى يكون (شيئاً كثيراً)! فإذا أخره عن الخير ففي التأخير آفات! ولكل حادث حديث! وإذا أراد أن يقوم أول الليل مثلا للعبادة! (أقنعه) الشيطان أن وقت العبادة الأمثل هو قبل الفجر، وتركه لينام إلى أن تطلع الشمس!! وإذا أراد الكتابة وهذا لعله خاص بالكتّاب والعلماء ومن يشابههم، (ألقى) الشيطان إليه فكرة (إما أن تكتب شيئا يسوى أو لا تكتب شيئا!!) وهكذا يجعله يلقي القلم من يده، والنتيجة أنه لا يكتب شيئا!
لقد رأينا العلماء الذين خلّفوا تراثاً من الكتابة والعلم، بدأوا من أوائل حياتهم بما يتيسر لهم، ولذلك اختلفت كتابتهم بين أول كتبهم وآخرها، ولولا أنهم بدأوا لما انتهوا إلى كتاباتهم المعتبرة، ولذلك أنصح اخوتي العلماء والخطباء ومن يشاكلهم إلى المبادرة في أن يخلفوا بعدهم (ورقة علم) تكون نافعة لهم في أخراهم، ومفيدة لمن يقرأها بعدهم.
وهذه الصفحات التي بين يديك أخي القارئ وأختي القارئة، هي من نماذج (فاتقوا الله ما استطعتم) ولعلها تأتي بجديد أو لا تأتي، لكني أرجو منها الثواب والأجر، هي بمثابة وسيلة تقرب لمن كتبت حول بعض شؤونه أسأل الله أن يجعل فيها الأجر لمن شارك من الإخوة والأخوات في تحريرها، ولوالدي ولأهلي ولمن يقرأها.
فوزي بن المرحوم محمد تقي آل سيف
21/3/1442 هـ
تاروت- القطيف