قافلة السبايا في الكوفة بعد كربلاء
جاء في الزيارة المنسوبة للناحية المقدسة القول: «وسبي أهلك كالعبيد وصفدوا بالحديد، تلفح وجوههن حر الهاجرات، يطاف بهن في البراري والفلوات».
وصول آثار المعركة إلى الكوفة في مداه الاجتماعي كان على مرحلتين، الأولى في مساء يوم العاشر عندما حمل خِولّى بن يزيد الأصبحي ورافقه حميد بن مسلم الأزدي، بأمر قائد الجيش الأموي عمر بن سعد رأس الحسين﵇ لإيصاله إلى قصر الإمارة لبيان انتهاء المعركة و(الفتح) الذي حققه ابن زياد، وبالرغم من قرب المسافة بين الكوفة وكربلاء حيث لا تزيد عن ثمانين كيلومتراً، وهي مسافة يقطعها الفارس المتعجل في أقل من ثلاث ساعات ربما، ولا ريب أن الأصبحي كان متعجلاً على استلام جائزته، إلا أنه لم يتيسر له الوصول إلى قصر الإمارة في وقت مناسب حيث وصل بعد الغروب، وكان مهما لديه أن يكون هو حامل الرأس والداخل على ابن زياد فلم يشأ -والحال هذه- أن يعطي الرأس مثلاً للحراس ليوصلوه إلى ابن زياد فتضيع بذلك جائزته.
وقد نقل حميد بن مسلم إلى تاريخ العاشر عصراً ما جرى، ثم ذهب برفقة خِولّى، وبالرغم من أن حميداً قد نقل أن القصر كان مغلقاً ونقل ما جرى بين خِولّى وزوجتيه354 إلا أنه لم يتعرض إلى ذكر دوره الخاص في هذه العملية، وهل رافق خِولّى في اليوم التالي للقاء ابن زياد أو لم يفعل؟ وهل أعطي شيئاً أم لا؟ كل هذا لا نجد له أثراً، ويحتاج الأمر إلى دراسة في كيفية كتابة حميد بن مسلم الأزدي حوادث الواقعة بدراسة نقدية فاحصة، ويظهر من بعض كلماته أنه كان مرسلاً من عمر بن سعد لمهمة أن يخبرهم بأنه بعافية وسلامة فقط كما نقل ذلك عنه الطبري في قوله « فسرحني إلى أهله لأبشرهم بفتح الله عليه وبعافيته فأقبلت حتى أتيت أهله فأعلمتهم ذلك».355
مواقف الكوفة المختلفة في تلقي الخبر والسبايا
أرى مناسبا التذكير بقضيتين ربما تكونان واضحتين عند البعض وتخفيان على آخرين، الأولى: التعريف لكلمة سبايا، والثانية كيف يجتمع قول الإمام الحسين﵇ لهن بأن الله حافظكن وحاميكن ومع ذلك تم سبيهن في البلدان؟
بالنسبة للقضية الأولى فإن كلمة سبية (كما ينقل في بلاد الشام) هي من الشناعة في المعنى بحيث لا يقبلون أن تطلق على نساء أهل البيت أنهن سبايا أو أن يعبر عنهن بركب السبايا وكأن السبية تعني المنتهكة من الناحية الجنسية، بحيث أصبح هذا يعني هذا، وهذا ما طبقه دواعش العصر على بعض من أسروهنّ من نساء مخالفيهم.
إلا أن التعبير عن أسارى آل البيت بالسبايا موجود في النصوص، وهو حاصل بمعنى الأسر والضرب والايذاء والتسفير من بلد إلى بلد على رغم ارادتهن، دون المعنى الآخر الذي يتوافق أحياناً مع الخدمة والامتهان، فضلاً عن الاستغلال الجنسي والاعتداء على الأعراض.
ففي خطبة السيدة زينب﵍ -وهي العارفة بشؤون الكلام والدقيقة في استعماله- قالت: (أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن يستشرفهن أهل المناهل والمناقل...)356. ولعلنا نلاحظ أن العقيلة زينب حين أكدت على هذه اللفظة من جهة وشرحتها بالتفصيل بجمل بعدها لكي يتبين حدود ذلك السبي: (هتكت ستورهن وأبديت وجوههن..الخ) لكنها في موضع آخر عندما اراد شامي أخذ فاطمة بنت الحسين (أو بنت علي) للخدمة والامتهان رفضت بقوة وقالت: ما ذلك لك، وعندما رد عليها يزيد بأنه لو شاء لفعل، قالت: لا، إلا أن تدين بغير ديننا357.
وهذه الأسطر الأخيرة توضح جواب القضية الثانية، فإنه﵇ لم يقصد أنه لن تتعرض النساء لأي نوع من الأذى فإن هذا لا يحصل حتى والإنسان في بيته، فكيف إذا كان قد جاء إلى معركة وسيصطلي نارها وآثارها، فمن الطبيعي أنهن عندما يسبين سيتعرضن إلى ما ذكرته العقيلة في خطبتها وشرحته، لكن دون الحدود التي ذكرناها من كلامها مع يزيد والشامي.
كانت هذه مقدمة كي لا يعترض على ما قد يرد من تعبير ركب السبايا أو ما شابهه.
نرجع القول إلى رصد مواقف في المجتمع الكوفي، وسيواجهنا نوع من الغموض في تشكيل صورة عامة عنه، لكن لا يمنع ذلك من اقتناص صور متفرقة قد تشكل بمجموعها صورة مناسبة.
فأول ما نلحظ هو وجود ردود فعل فردية عائلية؟ قامت بها نساء مقاتلين في الجيش الأموي تنكرن لفعل أزواجهن.. وهذا هو الموقف الطبيعي الذي لا يحتاج إلى بيئة خاصة ولا ترتيب اجتماع ولا غيره، وإنما عندما استخبرت هذه النساء فإن قسماً منهن اعترضن ورفضن فعل أزواجهن بل قررن الانفصال عنهم منذ تلك اللحظة، ورأين أن الحياة معهم لا تطاق، وقد أشرنا في صفحة سبقت إلى موقف النوار الحضرمية من زوجها خِولّى بن يزيد الذي جاء برأس الحسين لمنزلها، بالطبع لم يكن هذا حالة عامة فقد نجد نساء سلبيات في موقفهن وكأنه لا يعنيهن الأمر من قريب ولا من بعيد بل ربما كانت زوجتان لشخص واحد وتتخذ كل منهما موقفا مغايرا للأخرى كما فعلت الأسدية التي انضمت إليه.
الاحتجاجات الفردية الصاخبة
الصدمة الكبيرة التي وجهها الأمويون بقتل الإمام الحسين﵇ وأصحابه بتلك الصورة الشنيعة، وبسبي نسائه فيما بعد، والتي جعلت أهل الكوفة سكارى حيارى، لا هم مصدقون ولا مكذبون، ولا قادرون على التحرك، بل ولا على الاستيعاب، لم تمنع بعض أصحاب البصائر من الاعتراض الصريح وتمزيق ستار الصمت والخذلان، عندما قام عبد الله بن عفيف الأزدي وهو كفيف البصر (وهذا يعني أن لديه من المبررات الخاصة بل ومن عذر الناس له ما يكفيه لو كان يبحث عن مبرر وعذر، لكنه بعدما سمع (خطبة النصر) كما أرادها ابن زياد، حولها عبد الله بن عفيف إلى فضيحة أمام الناس.
«فصعد المنبر ابن زياد فقال: الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله ونصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبه وقتل الكذاب بن الكذاب الحسين بن علي وشيعته فلم يفرغ ابن زياد من مقالته حتى وثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي ثم الغامدي ثم أحد بني والبة وكان من شيعة علي كرم الله وجهه وكانت عينه اليسرى ذهبت يوم الجمل مع علي، فلما كان يوم صفين ضُرب على رأسه ضربة وأخرى على حاجبه فذهبت عينه الأخرى فكان لا يكاد يفارق المسجد الأعظم يصلي فيه إلى الليل ثم ينصرف، قال: فلما سمع مقالة ابن زياد قال: يا ابن مرجانة إن الكذاب بن الكذاب أنت وأبوك والذي ولاّك وأبوه! يا ابن مرجانة أتقتلون أبناء النبيين وتتكلمون بكلام الصديقين! فقال ابن زياد: عليّ به قال فوثبت عليه الجلاوزة فأخذوه قال: فنادى بشعار الأزد يا مبرور، قال: وعبد الرحمن بن مخنف الأزدي جالس، فقال: ويح غيرك أهلكت نفسك وأهلكت قومك، قال: وحاضر الكوفة يومئذ من الأزد سبعمائة مقاتل، قال، فوثب إليه فتية من الأزد فانتزعوه فأتوا به أهله فأرسل إليه من أتاه به فقتله وأمر بصلبه في السبخة فصلب هنالك».358
ويظهر من بعض المصادر التاريخية أن حركة الأزدي كادت أن تتحول إلى صراع قبلي بين المضريين وبين اليمانيين الذين زج بهم ابن زياد للقبض عليه كما هي عادة السلطة الأموية في ضرب فئة بأخرى لتثبت كل من الفئتين اخلاصها للسلطة، وربما ولى بعض قادة هذه الفئة تلك لخلط الأمور، فلما أرادوا القبض على ابن عفيف بلغ ذلك الأزد فاجتمعوا، واجتمع معهم أيضاً قبائل اليمن ليمنعوا عن صاحبهم عبد الله بن عفيف، وبلغ ذلك ابن زياد فجمع قبائل مضر وضمهم إلى محمد بن الأشعث وأمره بقتال القوم.
قال: فأقبلت قبائل مضر نحو اليمن ودنت منهم اليمن، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فبلغ ذلك ابن زياد فأرسل إلى أصحابه يؤنبهم، فأرسل إليه عمرو بن الحجاج يخبره باجتماع اليمن عليهم، قال: وبعث إليه شبث بن الربعي: أيها الأمير إنك قد بعثتنا إلى أسود الآجام فلا تعجل، قال: واشتد قتال القوم حتى قتل جماعة منهم من العرب، قال: ودخل أصحاب ابن زياد إلى دار ابن عفيف فكسروا الباب واقتحموا عليه، فصاحت به ابنته: يا أبت أتاك القوم من حيث لا تحتسب، فقال: لا عليك يا ابنتي ناوليني السيف، قال: فناولته فأخذه وجعل يذب عن نفسه وهو يقول:
أنا ابن ذي الفضل العفيف الطاهر
عفيف شيخي وابن أم عامر
كم دارع من جمعهم وحاسر
وبطل جندلته مغادر
قال: وجعلت ابنته تقول: يا ليتني كنت رجلاً فأقاتل بين يديك اليوم هؤلاء الفجرة قاتلي العترة البررة. قال: وجعل القوم يدورون عليه من خلفه وعن يمينه، وعن شماله وهو يذب عن نفسه بسيفه، وليس يقدر أحد أن يتقدم إليه، قال: وتكاثروا عليه من كل ناحية حتى أخذوه، فقال جندب بن عبد الله الأزدي، إنا لله وإنا إليه راجعون أخذوا والله عبد الله بن عفيف فقبح والله العيش من بعده، قال: ثم أتي به حتى أدخل على عبيد الله بن زياد، فلما رآه قال: الحمد لله الذي أخزاك، فقال له عبد الله بن عفيف: يا عدو الله بهذا أخزاني، والله لو فرج الله لي عن بصري لضاق عليك موردي ومصدري، قال فقال ابن زياد: يا عدو نفسه ما تقول في عثمان بن عفان رضي الله عنه؟ فقال: يا بن عبد359 بني علاج! يا بن مرجانة وسمية ما أنت وعثمان بن عفان؟ عثمان أساء أم أحسن وأصلح أم أفسد، الله تبارك وتعالى ولي خلقه يقضي بين خلقه وبين عثمان بن عفان بالعدل والحق، ولكن سلني عن أبيك وعن يزيد وأبيه، فقال ابن زياد: والله لا سألتك عن شيء أو تذوق الموت، فقال عبد الله بن عفيف: الحمد لله رب العالمين أما إني كنت أسأل ربي عزو جل أن يرزقني الشهادة والآن فالحمد لله الذي رزقني إياها بعد الإياس منها وعرفني الإجابة منه لي في قديم دعائي، فقال ابن زياد: اضربوا عنقه فضربت رقبته وصلب - رحمة الله عليه.360
الموقف الكوفي العام
من الواضح أنه تم شل حركة المجتمع الكوفي عن القيام بدورٍ -عام وعاجل- في الرد على استقدام السبايا وهذا ينبغي دراسته والتأمل فيه، وأنه كيف حصل ذلك.
صورة مفترضة لما حدث
لقد تم في اليوم الثاني عشر من محرم صباحاً تعطيل الأسواق في الكوفة، بعد ما أدخل ركب السبايا، واعتبر ذلك عطلة رسمية، ومن الطبيعي أن يخرج الناس للتفرج والاستطلاع كما نجد هذه الحالة في كل المجتمعات حيث يحرص الجميع على أن يكون هو بنفسه شاهد الخبر ما لم يكن هناك مانع يمنعه، لا سيما وأن وسائل الإعلام وهي في ذلك الوقت كسائر الأوقات تستدعي الناس للنظر والاطلاع وإن اختلفت أساليبها وتقنياتها ولكن غرضها واحد وهو الاخبار وإيصال رؤية الدولة للناس من خلال الحدث القائم.
يفترض أنهم قد داروا بركب السبايا في الشوارع الرئيسية لينتهي إلى المجمع الرسمي الإداري الذي كان ولا يزال قصر الامارة ويلحق به سجن، ومن الطبيعي أيضاً أن يكون هناك بعض الادارات المرتبطة به وبجانبه قريباً منه يكون المسجد الأعظم -الكوفة-.
كذلك نحتمل أنه تم إلحاق رأس الإمام الحسين﵇ مع باقي الرؤوس ليكون أبلغ في إيضاح جانب النصر والفتح الأموي بالرغم من أن الرأس الشريف كان قد سبق أن أوصله خِولّى بن يزيد في صبيحة يوم الحادي عشر محرم إلى ابن زياد كما تقدم في سطور سابقة، وربما يكون لهذه الجهة ما نقل من أن زينب عندما رأت رأس الحسين﵇ قد ضم إلى باقي الرؤوس من جديد تمثلت بما هو المشهور عنها.361
كان من الطبيعي أن ينقسم الناس في مواقفهم إلى أقسام؛ متعاطف، وحزين على ما حصل، وآخر متشمت ممن كان من أنصار الأمويين وثالث وهو غير عابئ كثيراً وهو ما نجده في كل المجتمعات فلا تستوقفه المسألة إلا بمقدار ما ترتبط بحياته اليومية من تأثيرها فيها فائدة أو مضرة.
من القسم الأول وجدنا مظاهر من التعاطف النفسي والمساعدة بما يمكن، فإن بعض النساء الكوفيات عندما سألن: من أي الأسارى أنتن؟ قالت سكينة: نحن أسارى آل محمد، فلما سمعت النسوة بذلك، استعبرن وبكين، ورفضن هذا الأمر، وذهبن وجمعن أزراً ومقانع، من بيوتهن وجيرانهن حتى تستتر النساء الأسيرات.
ومن ذلك ما نقل أيضاً من أن بعض النساء الكوفيات لما رأين في الركب أطفالاً ويتامى، أقبلن عليهن يناولنهن الجوز والتمر والخبز، فأخبرت الأطفال أن لا يأكلوا من ذلك فإن الصدقة محرمة على آل محمد.362
يا هلالا لمّا استتم كمالا
غاله خسفه فأبدى غروبا
ما توهّمت يا شقيق فؤادي
كان هذا مقدّرا مكتوبا
بعد العرض العام... الأسارى في مجلس ابن زياد
نفترض أنه وبعد أن تم العرض على الناس استقدم ركب الأسارى إلى قصر ابن زياد، حيث جمع قادته العسكريين والمستشارين السياسيين، ضمن احساس بنشوة النصر ولكي يظهر ما في نفسه أخذ يتهكم عليهن، موجهاً كلامه أولاً إلى زينب بنت علي﵉ وقد تنحت ناحية وهي متنكرة حتى لا تعرف. فقال: من هذه المتنكرة؟ فقالوا له: هذه زينب بنت علي بن أبي طالب. فقال لها: الحمد لله الذي قتلكم وفضحكم وأكذب أحدوثتكم.
ينبغي أن نلاحظ هنا عقيدة الجبر التي كان يبشر بها الأمويون باستمرار وهي على خط التنافي مع (العدل الالهي) الذي يراه أهل البيت﵈، وكيف رتب الأمويون نتائج سيئة واستفادوا من تلك العقيدة الخاطئة بل وأبقوها في الأمة -في الفكر المسلم المتأثر بهم- فهو هنا يرى أن (الله تعالى) هو الذي قتل الحسين وفضحه، وفي موضع آخر سيقول إن الله هو نفسه قتل عليّاً بن الحسين وهكذا! لا أن الذي نفذ الجريمة هو ابن زياد وابن سعد وجنودهم.
وينقل ابن أعثم في كتابه (الفتوح) حواراً شبه مفصل بهذا النحو وهو يختلف بعض الشيء عما في الطبري (هذه زينب بنت علي رضي الله عنه، فقال ابن زياد: الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم، فقالت زينب: الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد﵌ وطهرنا في كتابه تطهيرا، وإنما يفضح الفاسق ويكذب الفاجر، فقال ابن زياد: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟ فقالت زينب رضي الله عنها: ما رأيت إلا جميلا، هؤلاء القوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم يا ابن زياد، فتحاجون وتخاصمون، فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يا بن مرجانة! قال: فغضب ابن زياد من ذلك، فقال له عمرو بن حريث المخزومي: أصلح الله الأمير إنها امرأة، والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها، فقال ابن زياد: لقد أشفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك، فقالت زينب: لقد قتلت كهلي وقطعت فرعي واجتثثت أصلي، فإن كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت، فقال ابن زياد: هذه شجاعة لا حرج، لعمري لقد كان أبوك شاعراً شجاعاً363، فقالت زينب رضي الله عنها: يا ابن زياد وما للمرأة والشجاعة؟)364
موقف نبيل من زيد بن أرقم365
ومن الحاضرين في ذلك المجلس كان زيد بن أرقم، الذي وقف موقفاً نبيلاً في المواجهة مع كبر سنه، فإنه لما رأى رأس الحسين موضوعاً بين يدي ابن زياد وهو ينكت بقضيب (عود) بين ثنيتيه366ساعة فلما رآه زيد بن أرقم لا ينجم عن نكته بالقضيب قال له: أعل بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين فو الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول﵌ على هاتين الشفتين يقبلهما ثم انفضخ الشيخ يبكي! فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك فو الله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك. قال: فنهض فخرج فلما خرج يقول الراوي: سمعت الناس يقولون والله لقد قال زيد بن أرقم قولاً لو سمعه ابن زياد لقتله، قال فقلت: ما قال؟ قالوا: مرّ بنا وهو يقول ملك عبدٌ عبُدا فاتخذهم تلُدا أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم قتلتم ابن فاطمة وأمرتم ابن مرجانة فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم فرضيتم بالذل فبعداً لمن رضي بالذلّ367.
وأمر ابن زياد بإخراج النساء وانزالهن في دار قريبة من قصر الامارة، وقد تكون إحدى غرف السجون المعدة لمثل هذه القضايا، وذلك أن الذي تولى أمره كان مري بن معاذ الأحمري وهو يصنف على ما نسميه اليوم بالشرطة العسكرية.
ثم دعا للصلاة جامعة حيث صار قرب وقت الظهر، وجرى ما سبق الحديث عنه من المواجهة القوية مع الشهيد عبد الله بن عفيف الأزدي.
الهوامش
- 354. راجع المصدر السابق.
- 355. جاء معنى صهيل الجواد فيما أوحى الله به إلى موسى من خبر مقتل الإمام الحسين. بحار الأنوار 44: 308، كما جاء في إخباريات أمير المؤمنين في صفين عن شهادة ولده الحسين. بحار الأنوار 44: 266.
- 356. النصاريات الكبرى: 24.
- 357. النصاريات الكبرى: 2728.
- 358. ويقسم العلماء المشيئة -كالإرادة- إلى قسمين: تشريعية وتكوينية، وبينما الثانية لا تتخلف بل هي حتمية، يمكن للأولى أن تتخلف، وهي مثل ما نقل عنه أيضا شاء الله أن يراني قتيلا.. ومثلما أنه في الإرادة هناك إرادة تكوينية فكذلك التشريعية مثل قوله تعالى ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾، ومثل (ولكن يريد ليطهركم).. فهنا كذلك بمعنى أنه كلف الإمام﵇ بالأمر بالمعروف واختار الإمام القيام بذلك فينتهي الأمر إلى أن يكون قتيلا في سبيل الله وهكذا قضى الله سبحانه أن يواصلن مسيرة الحسين﵇، وتبليغهن رسالته فيكنّ سبايا.
- 359. بعد أن نقل ابن الأثير في الكامل 4/84 أن ابن زياد سير السبايا -بعد أن عرضهم في الكوفة- إلى الشام، قال، وقيل.. إنّ آل الحسين لما وصلوا إلى الكوفة حبسهم ابن زياد وأرسل إلى يزيد بالخبر، فبينما هم في الحبس إذ سقط عليهم حجر فيه كتاب مربوط وفيه: إنّ البريد سار بأمركم إلى يزيد فيصل يوم كذا ويعود يوم كذا، فإن سمعتم التكبير فأيقنوا بالقتل، وإن لم تسمعوا تكبيرا فهو الأمان. فلمّا كان قبل قدوم البريد بيومين أو ثلاثة إذا حجر قد ألقي وفيه كتاب يقول فيه: أوصوا واعهدوا.. ولم ينسبه ابن الأثير لمصدر، وصياغة الخبر لا تجعل المتأمل يطمئن إليه.
- 360. مع الركب الحسيني ٥/١٨٧.
- 361. ترجم بهذا النحو: أبُو الريحان مُحَمَّد بن أحْمد البيروني مَنسُوب إلى بيرون وهِي مَدِينَة فِي السَّنَد كانَ مشتغلا بالعلوم الحكمِيَّة فاضلا فِي علم الهَيْئَة والنجوم وله نظر جيد فِي صناعَة الطِّبّ وكانَ معاصر الشَّيْخ الرئيس ابن سينا وبَينهما محادثات ومراسلات أقام البيروني بخوارزم، له كتب كثيرة في الطب والصيدلة والهيئة والتنجيم والجغرافيا والتقاويم ومن كتبه المهمة: كتاب الآثار الباقِيَة عَن القُرُون الخالية. وتُوفِّي سنة 440هـ.
- 362. البيروني، ابو ريحان: الآثار الباقية عن القرون الخالية 422.
- 363. مصباح الكفعمي: 510. ومؤلف الكتاب هو الشيخ إبراهيم بن علي العاملي الكفعمي (توفي حوالي 905هـ) واسم الكتاب جُنة الأمان الواقية وجَنة الإيمان الباقية، ألّف كتباً ورسائل علمية كثيرة في العرفان، والسير والسلوك، والأدب، والشعر، والتاريخ، والأدعية والزيارة.
- 364. الشيخ محمد بن حسين بن عبد الصمد الحارثي (توفي 1030هـ) يعرف بالشيخ البهائي وبهاء الدين العاملي وهو فقيه، ومحدث، وحكيم، ورياضي وصاحب فنون متنوعة من العلم، انتج من خلالها أكثر من خمسين مؤلفا، وتولى مشيخة الإسلام في زمن الشاه عباس الصفوي، للاطلاع على أدواره وتميزه ننصح بالرجوع لكتابنا: من أعلام الإمامية.
- 365. العاملي؛ بهاء الدين: توضيح المقاصد 4 (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات).
- 366. تقويم المحسنين /للفيض الكاشاني: 15.
- 367. نفس المهموم: 429 وانظر: مقتل الحسين﵇ /للمقرّم: 348.