طريق الكوفة إلى الشام مشاهد ومواقف
يتجلى تدبير الله سبحانه من حيث لا يشعر الإنسان، وقصارى ما يستطيع هذا الإنسان أن يكتشف في ما بعد كيف أن الله سبحانه كان ﴿خير الماكرين﴾388.
لقد أراد الأمويون بقطع الرؤوس وتسيير الأسارى في البلدان القضاء على روح المعارضة لدولتهم وجعل الثائرين وأسرهم عبرة لمن يعتبر، أرادوا أن يكون مصيرهم ذلك سيفاً مسلطاً على عباد الله لكنهم غفلوا عن تدبير الله سبحانه.
فلقد تحول ذلك الطريق الهادئ الذي لولا وصول ركب الأسارى له لم يكن ليعلم بما حدث في العراق وكربلاء لا سيما مع بعد تلك المسافات وانشغال الناس بحياتهم اليومية، تحول إلى طريق للكرامة تنتظر فيه البلدة وصول الركب لتودعه للأخرى بين بلدة متعاطفة وباكية وأخرى شامتة سلطوية، وليستمر النقاش والكلام، فإذا بذلك الهدوء والسكون في تلك المناطق يتحول إلى صخب وسؤال وكلام واعتراض. وإذا به يتمثل بعد مدة في صورة مشاهد ومواقع تشاد ويجتمع فيها الناس لا لشيء إلا لأن ركب الأسارى قد مر في هذا المكان قبل مدة من الزمان، أو أن امرأة من التعب طرحت جنينها في هذا المكان، أو أن قطرة من الدم (مع مرور وقت طويل يفترض فيه أن الدماء قد جفت من حين قطع الرؤوس إلى تلك الفترة) قد تقطرت في هذه الناحية، ليشاد بذلك مزار ومشهد ومقام.
ولم تقتصر تلك المشاهد والمواقع في صمودها وقيامها على فترة المرور أو القريبة منها بل ها هي بعضها بعد نحو من 550 سنة كما سجلها ابو الحسن الهروي الرحالة الجغرافي389مشاهداً آثارها باقية في الأكثر.
إننا نلاحظ الملاحظات التالية في هذا الجانب:
1.إن الأكثر من البلدات والسكان الذين كانوا في هذا الطريق، قد وقفوا موقفاً معارضاً للدولة الأموية وعارضوا تسيير الأسارى وأعربوا بنحو من الأنحاء عن ذلك، وهذا يعني أن ما دبره الأمويون في ظنهم لأجل اظهار قوتهم أمام غيرهم كان يجري في الواقع في تدميرهم وإضعافهم.
لقد تتبع الباحث الكرباسي في كتابه تاريخ المراقد /5، الأماكن التي مر عليها ركب الأسارى والتي سجل التاريخ فيها حدثاً يتناسب مع مرور القافلة، فإذا بنا بعد إحصاء وتلخيص ما جرى نجد أنه من بين 21 منطقة ذكرت أسماؤها، بينها 15 منطقة تم تسجيل حدث فيها، تبين أن تسع مناطق منها شهدت مواجهات بدرجة من الدرجات بين الناس وبين رجال الدولة الأموية الذين كانوا يسيرون مع ركب السبايا.بعضها يقتصر على رفض الاستقبال وبعضها الآخر يتطور إلى المواجهة المباشرة وقطع الطريق عليهم ومنعهم من الحصول على الميرة والعلف وما شابه، هذا مع فرض أن هذه المناطق كلها خاضعة للدولة وفيها وال وجهة تابعة للأمويين وهذا بلا ريب يوضح مقدار المعارضة العامة.
هذا في مقابل ست مناطق في طول هذا كانت قد رحبت بالجيش الأموي واستقبلته وذلك من خلال الجهاز الرسمي التابع للأمويين في تلك المنطقة.
ولا نعلم عن باقي المناطق كيف كانت؟! ولكن هذه النسبة (تسع مناطق معارضة قياسا لست مناطق مؤيدة) تعتبر نسبة كبيرة للغاية.
2. يلحظ أن موقف الرهبان وأصحاب الأديرة من النصارى وأمثالهم كان بشكل عام موقف المتألم لما أصاب أهل البيت والتعاطف معهم بل ربما جر ذلك بحسب ما كان عندهم من العلم بالكتب إلى إيمان بعضهم بالإسلام والنبي الخاتم﵌، وهذا يعني أن رسالة الحسين﵇ لم تتوقف في حدود المسلمين فقط بل تعدت هؤلاء لتدخل على خط سائر الديانات وأن ركب السبايا أثر حتى في هذا المقدار.
3. إن هذه المشاهد والأبنية وإن تعددت مناسباتها وجهات بنائها وإنشائها، وفترات ذلك لتكشف عن التعبير العفوي الإيماني والصادق الذي لا ينتظر قراراً من دولة أو تمويلاً من جهة ميزانية حتى يشاد ويبنى بمقدار ما هو تعبير عن التعاطف والاحساس بألم الأسارى الذين مروا من هذا الطريق حتى وإن مرت بالرغم من ذلك السنوات الطوال، فإنها لم تستطع أن تمحو منطقة المشاعر والعواطف، فأقل تعبير لحفظ ذلك هو أن يتم إقامة موضع ومشهد ومحل تجمع، يكون مناسبة لذكر الله وتلاوة القرآن وتذكر تلك الأحزان، ولعل أكثر هذه المشاهد كانت بهذه الصورة وضمن هذه الدوافع.
نعم كان هناك بعض المشاهد والمزارات التي حظيت بتأييد ومباركة بعض المعصومين، ولو لأجل أنها كانت قريبة من أماكنهم، مثل مشهد الحنانة الواقع بعد كربلاء باتجاه الكوفة، فإنه قد صلى فيه الإمام جعفر الصادق﵇ في أوائل أيام أبي العباس السفاح عندما أحضر إلى منطقة الحيرة وبقي قريباً من الكوفة مدة سنتين فكان يتقصد تلك الأماكن للإشارة إليها والتأكيد عليها، فقد جاز الصادق﵇ بالقائم المائل في طريق الغري فصلى عنده ركعتين فقيل له ما هذه الصلاة فقال هذا موضع رأس جدي الحسين بن علي﵇ وضعوه ها هنا.390