طريق السبايا من الكوفة إلى الشام
تشكل فترة بقاء ركب الأسارى الحسيني في الكوفة (من حيث طول المدة وقصرها وتاريخ السفر من الكوفة باتجاه الشام) العقدة الرئيسة التي جعلت الباحثين يتورطون في رسم خريطة المسير الى الشام ثم إلى كربلاء بل لقد ألقت بظلالها على كامل المشهد فجعلته غائماً جداً بالرغم من أن فيها مفتاح الحل لو تم التوجه إليه.
فالمشككون في إمكانية وصول الركب الحسيني في أول صفر من نفس السنة إلى دمشق اعتمدوا على خبر غير مسند بل صيغته غير واضحة، إضافة إلى أنه مخالف للقرائن التاريخية والحقائق التي سيتبين مخالفتها لها، بينما لو كان يتم استبعاد هذا الخبر لجهات الضعف المذكورة فيه لكان يأتي الحل واضحاً والصورة جلية.
ولقد ذكر المحقق الكرباسي -ما نتفق معه فيه- من أن بقاء الركب لم يزد عن مدة اسبوع حيث انطلق في اليوم التاسع عشر من محرم سنة 61هـ إلى الشام على الطريق الذي سنتعرض إليه فيما بعد موافقين إياه الرأي.
لكننا هنا نتوقف عند العقدة الأساس التي جعلت مثل المحقق النوري ومن تبعه فيما بعد يصرون على استحالة الذهاب والعودة إلى كربلاء خلال أربعين يوماً.
خبر البريد إلى الشام لا يصح سنداً ولا مضموناً
فلنكن أولاً مع ما نقله السيد ابن طاووس (ت 664هـ) وهو الأساس في اعتماد المؤلفين الشيعة حيث قال: «وأما يزيد بن معاوية فإنه لما وصله كتاب عبيد الله بن زياد ووقف عليه أعاد الجواب إليه يأمره فيه بحمل رأس الحسين﵇ ورؤوس من قتل معه وعمل أثقاله ونسائه وعياله»380.
وقد علق صاحب381 كتاب (رجوع الركب بعد الكرب) ص 116 على خبر السيد المذكور بأنه لم أعثر في أي كتاب مع كثير الفحص والتفتيش على كيفية إيصال هذا الكتاب إلى الشام وجوابه إلى الكوفة وأنه على أي نحو كان، لكنه انتهى نهاية غير سليمة في تقديرنا وهي أن الأمر كان بواسطة الحمام الزاجل فتورط في الرد عندما أشكل عليه بأن استعمال الحمام الزاجل كان متأخراً وفي أواخر أيام الأمويين، والصحيح الذي كان ينبغي أن يصير إليه هو أنه لا شيء يثبت وجود هذا الكتاب ولا الجواب ولا القرائن العامة تساعد عليه ولا أن ابن زياد كان ينتظر أوامر يزيد كما سيأتي عن قريب.
وأما ابن الأثير الجزري (ت 630هـ) فقد قال: «وقيل382 إنّ آل الحسين لما وصلوا إلى الكوفة حبسهم ابن زياد، وأرسل إلى يزيد بالخبر، فبينما هم في الحبس إذ سقط عليهم حجر فيه كتاب مربوط، وفيه: إنّ البريد سار بأمركم إلى يزيد، فيصل يوم كذا ويعود يوم كذا، فإن سمعتم التكبير فأيقنوا بالقتل، وإن لم تسمعوا تكبيراً فهو الأمان، فلمّا كان قبل قدوم البريد بيومين أو ثلاثة إذا حجرٌ قد أُلقي، وفيه كتاب يقول: أوصوا وأعهدوا فقد قارب وصول البريد».383