الأئمة وبناء المجتمع الشيعي الموازي ( شهادة العسكري )

الأئمة وبناء المجتمع الشيعي الموازي ( شهادة العسكري )
00:00 --:--

الأئمة عليهم السلام  وبناء المجتمع الشيعي الموازي

( شهادة الإمام العسكري عليه السلام )

تفريغ نصي الفاضلة رملة العلوي
تصحيح الفاضلة زهرة عبد الله اليوسف

مقدمة :
قال سيدنا ومولانا أبو محمد الحسن بن علي العسكري صلوات الله وسلامه عليه : (( علامات المؤمن خمس ؛ صلاة إحدى وخمسين , وزيارة الأربعين , والتختم باليمين , وتعفير الجبين والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم  ))  .
صدق سيدنا ومولانا أبو محمد الحسن العسكري (ع) ، هذا الحديث المروي عن الإمام العسكري عليه السلام تارة يذكر في بيان بعض المستحبات ويستشهد بهذا الحديث على تلك المستحبات مثل : تعفير الجبين الذي هو تعبير عن السجود على الأرض , ومثل البسملة والجهر بها في الصلاة الإخفاتية , ومثل أن يكون الإنسان مصليًا للنوافل بالإضافة للفرائض التي هي سبع عشرة ركعة مفروضة وضعفها أي أربع وثلاثين ركعة نافلة مستحبة , استحباب التختم باليمين  , وأيضًا زيارة الأربعين  , وهي على القول الراجح الذي عليه القرائن : الزيارة الحسينية المعهودة  ,  لا زيارة أربعين مؤمن , وقد تحدثنا عن القرائن التي يستفاد منها هذا المعنى في مناسبة الأربعين .
 المجتمع الشيعي :                                                                                                      
   قد يكون هذا الحديث يناقش ضمن إطار ذكر بعض المستحبات عند الإمامية وتارة أخرى يُنظر إليه من زاوية اجتماعية وهو أن المجتمع الإمامي الشيعي أصبح لا سيما في زمان الإمام العسكري عليه السلام مجتمعًا له ميزاته وله اختصاصاته , ولم يعد ذائبًا في ذلك المجتمع الكبير المسلم , مع أنه يعيش في داخل هذا المجتمع المسلم إلا أنه له خصائصه مميزة له عن غيره بحيث عندما ينظر الإنسان لهذه الخصائص في أي مجموعة من المجتمعات يتعرف بسرعة إلى أن هذا المجتمع يتبع أئمة أهل البيت عليهم السلام , وهذه العلامات التي سماها الإمام (ع) الخصائص المميزة , يمكن للإنسان أن يتعرف عليها بسرعة فأنت لا تحتاج مثلًا عندما تذهب إلى مجتمع ما , أن تسأل أي شخص هل أنت شيعي أم لا ؟  هل أنت على مذهب أهل البيت (ع) أم لا ؟   يكفي أن تنظر إلى هذه العلامات والتي هي في الغالب علامات مميزة .                                                                            التختم باليمين على سبيل المثال علامة من العلامات , وكذلك الجهر بالبسملة , والسجود على الأرض أو ما يشبهها وزيارة الإمام الحسين عليه السلام , فهذه إذن ينظر إليها على أنها علامات اجتماعية تميز وتشخص المجمتع التابع لأهل البيت عليهم السلام , هذا يجرنا إلى موضوع المجتمع الشيعي الذي سماه بعض الباحثين بالمجمتع الموازي أو سماه بعض الباحثين في سيرة الأئمة بالجماعة الصالحة أو غير ذلك من التعابير وحاصل هذه الفكرة أن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام بنوا لشيعتهم مجتمعاً خاصاً بهم يعيش في داخل المجتمع الإسلامي ولكنه ليس ذائبًا فيه ولا مواجهًا له , لا هو محارب لذلك المجتمع ولا هو ضد له  . 
   بداية تكون المجتمع الشيعي :

  بعدما استشهد الإمام الحسين عليه السلام سنة ٦١ هـ كان أمام شيعة أهل البيت عليه السلام أحد ثلاثة طرق :

الطريق الأول : أن يذوب مجتمعهم في المجتمع العام , بمعنى أن يكون فقههم هو الفقه الرسمي العام , وأن تكون عباداتهم على طبق ما يقوم به حكّام المسلمين في ذلك الوقت  - بني أمية ومن بعدهم بني العباس - عقائدهم وتشريعاتهم تصير جزء من المجتمع العام , وهكذا الحال بالنسبة إلى اقتصادهم وأموالهم وزكواتهم.... وكذلك في إدارتهم الداخلية . فيصير حالهم كحال سائر المذاهب الأخرى وسائر العلماء الآخرين ؛ ينسجمون انسجامًا تامًا مع الوضع الموجود في العبادة والعقائد والفكر .  وهذا الاتجاه  طبعاً غير مقبول .  لماذا ؟                                                                                           
   لأن أئمة أهل البيت عليهم السلام يرون ذلك الفكر فكرا غير صحيح , و يعتقدون بأن ماكان عليه المجتمع العام لا يمثل الصورة الأفضل للدين , فالصورة الأفضل للدين عند آل محمد , فمن غير المعقول إذن أن يأمر الإمام (ع) أصحابه أن يتركوا هذا الماء الزلال الصافي ويذهبوا ليأخذوا أفكارهم وعقائدهم وعباداتهم وعاداتهم من أشخاص آخرين اذن هذا الخيار الأول غير معقول .
الاختيار الثاني: أن يواجه شيعة أهل البيت (ع) كل ما كان خطأ في المجمتع المسلم , فعندما يقول خطيب يوم الجمعة  فكرة غير صحيحة يقفون في وجهه , مفتي يبين فتوى يخطئونه , قاضي يحكم بقضاء غير عادل يعارضونه , فيتصدون لكل شيء خاطئ في المجتمع المسلم العام , هذا لو كان اختاره أئمة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم من بعدهم فمن الممكن أن تتحول حالة الشيعة إلى حالة اصطدام دائم ولا يستطيعون أن يعيشوا حياتهم الاعتيادية .  فقط عملهم صراع مع إمام هذا المسجد وذاك القاضي وهذا الحاكم وذاك المتحدث فهذا اختيار غير سليم .
 الاختيار الثالث : أن يوجد مجتمع آخر إلى جانب ذلك المجتمع العام , ويكون تحت قيادة أهل البيت عليهم السلام , له فكره الخاص , آراءه الخاصة به ,علاقاته الداخلية مع الأئمة (ع) ,و له دورته المالية الاقتصادية , وفي نفس الوقت هو في داخل المجتمع العام يتعايش معه  , فلا يعاديه ولا يحاربه , يكون فيه  ولا يكون معه , ولا يتبعه في آرائه الخاطئة .                                     
     نعتقد أن هذا ما صنعه الأئمة عليهم السلام , وكان أعلى مستويات هذا المجتمع في زمان الإمام الحسن العسكري عليه السلام , قمة هذا النتاج ونهايته كانت علي يد الإمام العسكري عليه السلام , فلما صار هذا المجتمع مجتمع كامل من مختلف الجهات آنئذ أصبح من السهل جدًا أن يبقى ويستمر إذا غاب قائم آل محمد عجل الله فرجه . 

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٢

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة