في ظلال وصية الامام الكاظم ما هو العقل؟ 4
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 1/11/1442 هـ
تعريف:

في ظلال وصية الامام الكاظم لهشام 4

ما هو العقل ؟

كتابة الأخت الفاضلة تراتيل

 

اعوذ بالله من الشيطان الرجيم   بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين

 جاء في وصية موسى بن جعفر عليهما السلام لهشام بن الحكم : " يا هشام ان الله بشر اهل العقل فقال( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هلَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ) الزمر:18 "

 لا يزال حديثنا في وصية الامام الكاظم عليه السلام لهشام بن الحكم ومن خلاله الى عامة شيعته بل الى المسلمين في تعظيم شأن العقل وبيان صفاته واثاره , فبعد ان الفت الامام عليه السلام الى قيمة العقل واهميته كما وردت في آيات القران الكريم فسيشرع في بيان علائم العقل وكيف يكتشف صاحب العقل الكامل من غيره ويجدر بنا قبل الدخول الى هذه البحر الخضم ان نشير ولو إشارة الى العقل 

ما هو العقل 

القران يمدح العقلاء ويثني على الذين يستعملون عقلهم و لعل موضوع العقل مما ينطبق عليه ما يقال بانه كلما زاد وضوحا زاد ابهاما , فهناك بعض الأشياء هي من الوضوح بمكان لو اردت تعريفها لعرفتها بما هو اخفى , فمثلا لو اردت تعريف الماء لشخص لا يعرفه فتقول : ان الماء سائل بارد بالطبع , فهل هذا التعريف ينتهي بالجاهل بالماء الى التعرف عليه ؟ الاجابة لا, لكن لو تعرف على اثاره كرفعه للعطش و كغسلة للدرن وامثال ذلك لكان افضل , فانك تجد ان هذه التعاريف المعرفة الى الماء هي مبعدة للطريق 

قد يكون العقل من هذا القبيل ان الانسان يعرفه من خلال اثاره وادواره ولكن لو اريد وضع كلمات شارحه لهذا العقل ربما زادت في الابهام، من الناحية اللغوية فان كلمة العقل جاءت من عَقَلَ يعقل , العقل في اللغة في الأساس جاء من الربط والاحكام وبشكل أساسي يستخدم للبعير بحيث ان صاحب البعير يثنى رجله و يربطها فيقال: عَقَل البعير .فاذا ربطته بحبال فانه لا يستطيع ان يقف على قدمية فيحكم ربطه فلا يستطيع ان يهرب او يتحرك , فالعقل نوعا من الاحكام والربط والامساك , وهنا ملاحظة ان في اللغة العربية الكثير من المعاني هي ذات منشأ من الطبيعة ثم تنقل من الطبيعة الملحوظة المرئية او المسموعة الى معنى من المعاني المجردة الغير مرئية الغير مسموع

فمثلا كلمة (قصة) اصلها من القص الذي هو في الطبيعة , قص أي تتبع فينقل الى ترتيب احداث بشكل معين وهذه من الأمور التي أشار اليها  صاحب معجم مقاييس اللغة ابن فارس فهو يرجع المعاني الى معنى او معنين ثم تتفرع الى عشرات المعاني و منشأها من الطبيعة .

والعقل من عقل وكأنها من اثار العقل وهي القوة التي سناتي عليها و من اثارها انها تحكم الانسان وتربط ردود فعله وتحجز شهواته فلا تجعلها منطلقة وامثال هذه الأمور 

معنى العقل عند غير اللغوين  , هل العقل شيء مادي كالمخ والمخيخ او الدماغ , قد يكون هناك نحو ارتباط بينه وبين الجسم ولكن هذا شيء وذاك شيء ا خر فلو فرضنا مثلا ان هناك مجنون كفاكم الله وايانا فوضِع له مخ فليس من المعلوم ان يصبح له عقل الذي نتحدث عنه فهو ليس شيء مادي كاليد او القلب او كلى حتى نجري عملية وننقله الى الجسم الجديد , اذن القلب ليس عضو بدني ولكنه مرتبط بالبدن فنَصِف فلان بانه عاقل وفلان ليس عاقل .

ادراك الأشياء مثلا الجزء اصغر من الكل فهذا عقل نظري فأي انسان يعرف ان السجادة الموجودة في المسجد هي اصغر من كل المسجد وان الطوبة الموجودة في المسجد هي جزء وهي اصغر من كامل المسجد , ولكن الامر لم يتضح بعد فالحاصل هنا هو ليس احاطه بل إشارة , البعض يرى ان العقل له ارتباط بالعلم بل العقل هو العلم و لا شيء اخر غير ذلك , لكن البعض قال ان العقل هو ملكة نفسانية يقدر بها صاحبها على التمييز بين الأشياء وعلى ادراك الغائبات , العقل ليس هو العلم حسب هذا التعبير الثاني انما هو قدره وملكة عند الانسان و بهذه الملكة يستطيع التميز بين الأفكار والاشياء وبين الصواب والخطاء , فكما ان لدينا للمحسوسات أدوات لإدراكها فالعين تعرف ابعاد قنينة الماء مثلا  واليد تعرف ملمسها وهكذا فانه كما ان الحواس الخمس لإدراك الأمور المحسوسة فان هناك العقل لإدراك الأمور الغير محسوسة مثلا الفكر كيف نستطيع ان ندركه فتعامل الانسان مع الأفكار والعلوم فانت لا تلمس العلم بيدك و لا بأذنك وهكذا قضايا الايمان بالغائبات كالإيمان بالله عز وجل ومنها الايمان بالغيب فالغيب كله لا تستطيع ان تتناوله بأدوات حسك فانت لا تلمسه ولا تشمه ولا تسمعه 

اذن كيف نؤمن بالغيب واغلب قضايا الايمان هي قضايا الغيب فهنا لما عجزت أدوات الحس عن الوصول الى المجردات والغائبات والغير محسوسات فانه لابد من وجود جهاز وإداة وقدرة للتعامل مع الغير محسوسات , وهكذا فالعقل قدره عند الانسان وملكه الله وضعها عنده حتى يستطيع ان يتعامل معها 

تعاريف العلماء للعقل 

لذك اختلفت تعبيرات العلماء عن  موضوع العقل , سنذكر بعض ما قيل ثم سنشير الى تفصيل الكلام الذي قاله العلامة المجلسي رضوان الله عليه حيث حاول ان يجمع اطراف الموضوع 

مما جاء في تعريفه مثلا عند السيد على خان شارح الصحيفة السجادية صاحب كتاب رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين قال: العقل قوة نفسانية يدرك بها الانسان حقائق الأشياء ويميز بها بين الخير و الشر 

 وقال اخرون: ان العقل هو مبدأ التصديقات الكلية والاحكام الدائمية التي لا ترتبط بزمان او مكان او شخص – فاصبح هذا الشرح اصعب من اصل المطلب- هو يرى ان هناك نوعان من الادراكات والاحكام , ادراكات واحكام كلية وادراكات و ادراكات واحكام جزئية , غالب الادراكات الجزئية ترتبط بالحواس و تحتاج الى مراقبة وملاحظة فمثلا تقول هذا ازرق وذلك خشن وهذا كبير وذلك صغير وهذا  اكبر من هذا , اما الاحكام الكلية مثل انه لابد لكل من مخلوق من خالق فهو لا يرتبط بالحواس بل هو يرتبط بالاستنتاج حيث ان هناك جهة تستنتج من خلال استقراءها الى الالف او مئات الالاف ان وراء هذه المخلوقات سببا , فالذي يدرك هذا الاستنتاج هو العقل . اذن من يدرك الاحكام الجزئية هي الحواس ومن يدرك الاحكام الكلية -التصديقات العامة - هو العقل .

العلامة المجلسي حاول ان يجمع اكثر الاقوال التي قيلت و باعتبار ان حديثنا هو عن العقل كما جاء في وصية الامام الكاظم عليه السلام فهو مرتبط بالأخبار والاحاديث والروايات فنحتاج الى معرفة العقل كما جاء في روايات ال محمد وقد يختلف هذا التعريف عما هو موجود عند الفلاسفة والحكماء فبعض فلاسفة المسلمين عندما حشّو على بحار الانوار وكتبوا تعليقات عليه أشاروا الى ما قاله العلامة المجلسي عن قضايا العقل واثارة هو مختلف تماما عما هو موجود عند الفلاسفة والحكماء وهذا طبيعي لان العلامة المجلسي رضوان الله عليه هو محدث يتعامل مع المفاهيم من خلال الاحاديث و الروايات بينما الحكيم و الفيلسوف هو يتعامل مع العقل بمبادئ فلسفية وعقليه فنحن باعتبار ان كلامنا عن وصية الامام عليه السلام وهي روايات واحاديث فمن المناسب التعرف على العقل كما ورد في الروايات فلو ذهبنا الى بحث فلسفي وعقلي فلابد من نذهب الى الحكماء والفلاسفة ولكن طالما اننا نتحدث عن العقل في الروايات اذن من المناسب ان نتحدث عنه من خلال المحدثين وافضل من يُعَرّف العقل هو العلامة المجلسي بسبب احاطته وجامعيته , المجلسي ذكر عدة تعاريف للعقل هي كالتالي  :

1-  التعريف الأول كما جاء في البحار الجزء الأول صفحة مائة وواحد قال : العقل هو قوة ادراك الخير والشر والتمييز  بينهما والتمكن من معرفة أسباب الأمور وذات الأسباب وما يؤدي اليها وما يمنع منها , وهذا تعريف نظري تعقلي – العقل النظري- يعرف الأسباب والنتائج والبدايات والنهايات 

 فاذا انسان لدية قدرة للتميز بين الخير والشر فانه يسمى عاقل وكذلك المقدمات والنتائج التي تحصل اذا تعرف عليها الانسان يتبين ان لديه هذه القدرة فهو يعرف ان هذا سببا لذاك وهذا نتيجة ذالك فمثلا في علم الطب يقول لك انك اذا عملت كذا سيحصل كذا فاذا شربت ماء بارد يسبب لك التهاب الحلق وأيضا لو استخدمت هذا الدواء فانك تتشافى , هذا الارتباط بين المقدمات والنتائج يدركه العقل . والعقل بهذا المعنى مناط التكليف والثواب والعقاب 

اذا للإنسان هذه القدرة التي تنتهي الى ان هذا الكون لا يمكن ان يكون بلا هدف وبلا خالق وبلا نتيجة هذا يترتب عليه ان يُعاقب الانسان مع العصان ويُثاب مع الاحسان  , اما اذا كان جسمه كبير عريض ودماغه اكبر من دماغك من حيث الوزن ولكنه لا يفهم ولا يلتفت الى وجود ارتباط بين  وجود الخلق و وجود الخالق  او بين وجود الخلق وجود الهدف ثوابا وعقابا فهذا يتبين  اما ان عقله منعدم او عقله ناقص , العقل بهذا المعنى هو مناط التكليف والثواب والعقاب 

2-  ملكة وحاله في النفس تدعوا الى اختيار الخير و النفع واجتناب الشرور والمضار فهذا هو الجانب العملي – العقل العملي – فالطفل الذي لا يميز بين ان يأخذ تمره او جمره  هو في حينها لا يستخدم عقله فهو لا يستطيع ان يميز بين المشي على الأرض الثابتة او على السطح وانه سيهوى من اعلى هو في ذلك الوقت لا يستخدم عقله اما لنقص في تعقله او لانعدامه او  انه يمتلك لكنه لا يستخدم هذا العقل 

بعض الناس في أمور الدنيا لا يوجد اعقل منهم ولكن في أمور الاخرة لا يستخدم عقله مع انه يعلم انه عند ارتكابه للذنب فانه سيدخل النار ولكنه مع ذلك فانه يقتحمه، بينما لو تقول له توقف عشر دقائق في الشارع في معرض للسيارات فانه لا يقف خوفا على حياته حتى لو اردت اعطاءه مبالغ مالية ضخمة , فما الذي يجعله هنا يترك الوقوف وهناك يقف ؟ هذا ما يعبر عنه القران ( لا يعقلون ) هو يستخدم للدنيا العقل لكن للأخرة لا يستخدمها , للحديث تتمة تأتي ان شاء الله وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين .

مرات العرض: 330
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (0) حجم الملف: 27786.95 KB
تشغيل:

في وداع الحبيب شهر رمضان
تعريف العقل عند العلامة المجلسي 5