ماذا يعني شجرة النبوة وموضع الرسالة 3
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 10/8/1442 هـ
تعريف:

ماذا يعني شجرة النبوة وموضع الرسالة؟3

كتابة الفاضلة أم سيد رضا

لا يزال الحديث مستمراً حول الصلوات المحمدية التي ورد التأكيد عليها والأمر بقراءتها مستحباً في شهر شعبان المبارك، وإن كان لا ينبغي أن يتركها الإنسان المؤمن في طول السنة كما كان يصنع ويفعل غير واحد من العلماء ويقولون أنهم يزورون المعصومين عليهم السلام بهذه الصلوات، وهو نفس الأمر الذي كان يقوم به سيدنا ومولانا زين العابدين وسيد الساجدين عليه السلام، حيث ورد في الرواية كما ذكرنا في جلسات سابقة بأنه عليه السلام كان إذا زالت الشمس صلى ودعا ثم قرأ هذه الصلوات، نعم فإن في شهر شعبان ورد فيها إضافة ذيل خاص بشهر شعبان ولكن أصل ورودها غير مقيد بهذا الشهر المبارك، فهذه الصلوات مما ينبغي الاهتمام بها والتأكيد عليها وذلك لما فيها من المعاني الكثيرة والمنازل الراقية والمقامات العظيمة لمحمد وآل محمد.

إن تعبير شجرة النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومعدن العلم ورد متكرراً في كلمات المعصومين عليهم السلام واصفاً به النبي المصطفى وأهل بيته صلوات الله عليهم، ولذلك لسنا بحاجة إلى ما ذكر في مصادر مدرسة الخلفاء للإستشهاد به مع أنه وارد عندهم، لكن كما ذكرنا في وقت سابق بأن الإتجاه الأموي في مصادر مدرسة الخلفاء من رجاليين ومحدثين كانوا يرقبون الأحاديث التي يوجد فيها تفضيل لأهل البيت عليهم السلام فيتعقبونها إما بالإغفال رأساً أو بالتضعيف لرواتها أو بالتأويل لمعانيها، في حديث مرَّ مفصلٍ قبل هذا، ولذلك عندما مروا على مثل هذه الرواية التي وردت في أكثر من مصدر من المصادر عندهم (نحن آل محمد شجرة النبوة وموضع الرسالة وأهل بيت الوحي) تعقبوها بأن هذا الحديث هو حديث فيه رواة ضعفاء كبحر السقاء وجويبر وفلان وفلان.

نحن أساساً لسنا بحاجة للإستشهاد بهذا الجانب لأن هذا التعبير ورد مكرراً في أحاديث المعصومين عليهم السلام، وإليك بعض ما جاء في كلمات المعصومين عليهم السلام:

1 – في نهج البلاغة تحدث أمير المؤمنين عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: (حتى أفضت كرامة الله سبحانه وتعالى إلى محمد صلى الله عليه وآله فأخرجه من أفضل المعادن منبتاً وأعز الأرومات مغرساً من الشجرة التي صدع منها أنبياءه وانتجب منها أمناءه، عترته خير العتر وأسرته خير الأسر وشجرته خير الشجر، نبتت في حرم وبسقت في كرم، لها فروع طوال وثمر لا ينال).

2 – نفس التعبير في خطبة 109 في نهج البلاغة يقول أمير المؤمنين عليه السلام: (نحن شجرة النبوة ومحط الرسالة ومختلف الملائكة ومعادن العلم وينابيع الحكمة، ناصرنا ومحبنا ينتظر الرحمة، ومبغضنا وعدونا ينتظر السطوة).

3 – فيما روي في الكافي عن الإمام زين العابدين عليه السلام يقول: (ما ينقم الناس منَّا فنحن والله شجرة النبوة ومنبت الرحمة ومعدن العلم ومختلف الملائكة).

4 – في الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (نحن شجرة النبوة ومنبت الرحمة ومعدن الحكمة ومصباح العلم وموضع الرسالة ومختلف الملائكة وموضع سر الله).

5 – عن الإمام الصادق عليه السلام في الصحيفة الصادقية في الصلوات على النبي وآله يقول: (وصل على عبادك في أرضك الذين أنقذت بهم من الهلكة وأنرت بهم الظلمة، شجرة النبوة وموضع السالة ومختلف الملائكة ومعدن العلم، صلى الله عليهم أجمعين، آمين آمين يا رب العالمين).

فإذاً هذا التعبير وارد مكرر بل وحتى قد نُقِل عن مثل الحسن البصري وهو شخص غير ممدوح عندنا في الإمامية، بل هناك ذم له من قِبَل أئمتنا عليهم السلام، فالحسن البصري يخاطب الإمام الحسن عليه السلام في مسألة القضاء والقدر لأن فهم قضية القضاء والقدر كانت معضلة بالنسبة إلى غير خط أهل البيت وإلى الآن البعض منهم لا يستطيعون أن يوفقوا بين اختيار الإنسان والجبر فيه، بين قضاء الله عليه وبين قدر الله فيه، فهنا يسأل الحسن البصري الإمام الحسن عليه السلام في رسالة إليه ويقول: أنت من أهل بيت هم شجرة النبوة وموضع الرسالة فأوضح لنا هذا الأمر، فرد عليه الإمام الحسن عليه السلام برسالة توضيحية.

 فإن مسألة ماذا يقول أصحاب المدرسة الأخرى، إنما هو من باب إلزام الخصم وإلا فنحن لا نأخذ عقائدنا من مصادر هي في الأساس مبنية على منهج مخالف وفي اعتقادنا هو منهج مختل، وإنما نبني اعتقاداتنا وأفكارنا على ما ورد بطرق وأسانيد صحيحة عن أهل البيت عليهم السلام.

نلاحظ أن أول كلمة في هذه الصلوات الشعبانية التي ننصح أن لا تترك في أيام شهر شعبان وحتى في غيره لأنها تحوي معانٍ كثيرة ومنازل شامخة لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، نلاحظ أن أول كلمة هي شجرة النبوة، فنحن نعلم أن من البلاغة تشبيه المجرد بالمجسد، فأي إنسان عندما نقول له شجرة فسيتبادر إلى ذهنه مباشرة شكل شجرة فيها جذر وجذع وفروع وأراق وثمار، فعندما نقول شجرة النبوة فإن ذلك يمثل النبوة بشجرة لها انغراس وتعمق تمتد إلى إبراهيم وإلى ما قبل إبراهيم وهي الشجرة التي صدع منها أنبياء الله كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام وتستمر إلى نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإلى عترته وذريته والأئمة المعصومين عليهم السلام، ولذلك نقرأ في دعاء الندبة: (وقال يا علي أنا وأنت من شجرة واحدة وسائر الناس من شجر شتى)، فإن هذه الشجرة التي صدع الله منها أنبياءه نفسها التي انتخب منها أمناءه وانتجب منها أوصياءه.

الشجرة كما قلنا تختلف عن النبتة، فالنبتة تكون في موسم واحد بينما الشجرة مستمرة وممتدة، فلها تركز في الزمان ولها فروع وأغصان وامتدادات، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ولذلك ورد في تفسير آيات القرآن الكريم حتى من بعض طرق مدرسة الخلفاء فضلاً عن مصادرنا، في آية النور: ((من شجرةٍ زيتونةٍ مباركةٍ لا شرقيةٍ ولا غربية)) قال هي شجرة النبوة وهي شجرة محمد وآل محمد، وهكذا في قوله تعالى: ((ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة))، أيضاً ورد هنا تأويلها بالشجرة النبوية.

فأولاً: إن محمداً وآل محمد ليسوا أفراداً متفرقين، ولا أحد يستطيع أن يقول هذا الكلام بالنسبة إلى نفسه غير أهل البيت عليهم السلام، ولذلك عندما أراد الخط القرشي أن يغلب الأنصار ادعى زوراً بأنه من شجرة رسول الله وهذا غير صحيح، فأين تميم وأين تيم وأين عدي وكنده، فهذه شجرة أخرى، ولذلك من أبسط البديهيان أن حق القرابة المالي والمعنوي لا سيشمل الخط القرشي الذي احتجوا به، فإن أبناء قريش من غير بني هاشم ليسوا من قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين يحل لهم الخمس ويجب على المسلمين في حقهم المودة، لذلك عندما جاء بعضهم إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقالوا له بأن قريش احتجت بأنهم من شجرة رسول الله، فتبسم الإمام وقال: نعم احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة، إذاً فإن هؤلاء ليسوا ثمار تلك الشجرة بل هم ثمار من أشجار شتى.

في إكمال الحديث: نحن شجرة النبوة وموضع الرسالة، فالرسالة بمعنى التشريع، أي الأحكام والعقائد والفقه ونظام الحياة، أي أنها القرآن بأحكامه وثقافته، فهذه الرسالة لها موضع ومكان تستقر فيه ولذلك لا نجد كل الناس يعرفون كل التشريع، ولا يدعي أحد من المسلمين لا من السابقين ولا من اللاحقين بأنهم يعلمون كل الشريعة وأنهم موضع الرسالة، ولو ادعى أحد فإنه يُكذَب من قِبَل الكل، ولكن هذا الكلام يقولونه أهل اليت بضرس قاطع: نحن موضع الرسالة أي أنها وضعت عندنا والتشريع وضع في صدورنا ونحتوي علم القرآن كله، فعندما تتجلى بعض جهات أهل البيت عليهم السلام نجد أن حتى مخالفيهم يقرون لهم بذلك، فالقرآن الكريم يقول: ((الله أعلم حيث يجعل رسالته))، فنجد أن الرسالة لا تنجعل في أي مكان وإنما لها مواضع محددة وأماكن مخصصة، ومن تلك الموارد:

1 – قضية الإمام الحسن عليه السلام مع ذلك الرجل الشامي وهي قضية معروفة، فهذا الرجل الشامي جاء متأثراً بالدعاية الأموية، ولما عرف بأن هذا هو الحسن بن علي بن أبي طالب أقبل عليه يفحش في القول له، فقال له الإمام الحسن عليه السلام: أظنك غريباً فلو استعطيتنا أعطيناك ولو استضفتنا أضفناك، فالإمام عليه السلام أبدى له ما هو من شأنه كما أن ذلك الرجل أبدى للإمام ما هو من تربيته، فلما رأى من الإمام طيب الكلام ودعوته إلى الطعام واستضافته في بيته قال: الله أعلم حيث يضع رسالته.

2 – جاء رجل إلى الإمام الصادق عليه السلام فقال له: يا بن رسول الله في نفسي مسألة أريد أن أسألك عنها، فقال له الإمام عليه السلام: إن شئت أخبرتك عنها قبل أن تسألني وإن شئت سألت وأجبتك، فقال الرجل: يا بن رسول الله وبأي شيء تخبرني بما في نفسي قبل سؤالي عنه، فقال له الإمام: بالتوسم والتفرس، أما سمعت قول الله عز وجل: ((إن في ذلك لآيات للمتوسمين))، وقول رسول الله: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله)، فقال الرجل: يا بن رسول الله أخبرني بمسألتي، فقال له الإمام: أردت أن تسألني عن رسول الله صلى الله عليه وآله لما لم يطق علي عليه السلام حمله عند حطه للأصنام من صحن الكعبة مع قوته وشدته؟، فأجابه الإمام، فقام إليه الرجل وقبل رأسه وقال له: الله أعلم حيث يجعل رسالته.

نلاحظ أن أجوبة الأئمة عليهم السلام بحسب مستوى من يخاطبون، وهذا مهم في أنه لماذا كانت أجوبة الأئمة عليهم السلام على الأسئلة مختلفة من شخص إلى آخر.

3 – كان رجل من مخالفي الإمام الكاظم عليه السلام يذم الإمام ويشتمه، فأراد أصحاب الإمام أن يعاقبوه فنهاهم الإمام عن ذلك، واتهم الإمام بتخريب مزرعته، فقال له الإمام بطيب الكلام: كم ترجو منها فأعطاه الإمام عليه السلام ما صرف على تلك المزرعة وما كان يرجو من الربح، فعندما رأى الرجل موقع الإساءة منه للإمام وموقع الرحمة والصلة من الإمام له قال: الله أعلم حيث يجعل رسالته.

إذاً فإن هناك موضع للرسالة ومكان خاص ليس متاحاً لكل أحد وإنما لأهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة.

معنى مختلف الملائكة هو المكان الذي تختلف إليه الملائكة فتصعد وتنزل، قد يتساءل البعض بأنه كيف تنزل الملائكة على الأئمة وهم ليسوا أنبياء؟، فالجواب هو: أن الممتنع من نزول الملائكة هو نزول جبرئيل بوحي من السماء على غير رسول الله صلى الله عليه وآله، ولكن تنَّزُل الملائكة موجود والدليل على ذلك سورة القدر، فيستحب الإكثار من قراءة سورة القدر لما فيها من فضائل كثيرة للتأمل في معانيها، قال تعالى: ((تَنَزَّل الملائكة والروح فيها))، تنزل على وزن تفعل بصيغة المضارعة وفائدتها الإستمرار، وهذا الشأن الطبيعي للملائكة فهي موكلة بشؤون الكون المختلفة، فمن الطبيعي أن تراقب وتأتي وتذهب.

ننهي الحديث بهذه الروايات:

الرواية الأولى: الإمام الحسين عليه السلام في أثناء مسيره التقى به أحدهم، وينقل الرواية الشيخ الكليني في الكافي وهي رواية طويلة، إلى أن يقول له الإمام الحسين عليه السلام: من أي البلاد أنت؟، فقال: من أهل الكوفة، فقال الحسين عليه السلام: أما والله يا أخ أهل الكوفة لو لقيتك بالمدينة لأريتك أثر جبرئيل عليه السلام من دارنا ونزوله بالوحي على جدي، أفمستقى الناس العلم من عندنا فعلموا وجهلنا؟ هذا ما لا يكون

وقول الإمام هذا ليس لأجل التفاخر بل لكي يقول له بأن العلم الذي عندهم هو علم سماوي، فيقول له بأن لا يبحث عن العلم في جهات أخرى بل يجده من أهل بيت النبوة وأن ما أفاضوه من العلم على الناس هو جزء من علمهم عليهم السلام.

الرواية الأخرى: عن أبي الحسن الرضا عليه السلام: إن في خراسان لبقعة يأتي عليها زمان تصير مختلف الملائكة، فلا يزال فوج ينزل من السماء وفوج يصعد إلى أن ينفخ في الصور، فقيل له: يا بن رسول الله وأي بقعة هذه؟، قال: هي بأرض طوس وهي والله روضة من رياض الجنة من زارني في تلك البقعة كان كمن زار رسول الله صلى الله عليه وآله.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا زيارته وزيارتهم وشفاعته وشفاعتهم إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

 

 

مرات العرض: 41
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (0) حجم الملف: 34994.96 KB
تشغيل:

كيف شرح النبي والمعصومون الصلاة المحمدية 2
الفلك الجارية في اللجج الغامرة 4