كيف شرح النبي والمعصومون الصلاة المحمدية 2
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
المكان: كيف شرح النبي والمعصومون الصلاة المحمدية 2
التاريخ: 3/8/1442 هـ
تعريف:

كيف شرح النبي والمعصومين الصلاة المحمدية 2

كتابة الفاضلة أم سيد رضا

ذكرنا في حديث سابق أن هذه الصلوات خلافاً لما اشتهر عنها ليست صلوات شعبانية فقط، وإنما هي من المفترض أن تكون طول السنة تبعاً لما جاء في رواية أن الإمام زين العابدين عليه السلام كان إذا زالت الشمس صلى ودعا ثم قرأ هذه الصلوات إلى آخرها بإستثناء الفقرة التي يشار فيها إلى شهر شعبان (وهذا شهر نبيك سيد رسلك شعبان ...إلخ)، وهناك روايات أخر فيها هذه الإضافة، والجمع بين الأمرين يقتضي أن يقال بأن هذه الصلوات فيها مزية خاصة في شهر شعبان ولا سيما بإضافة ذلك الذيل الذي فيه إشارة إلى أن هذا الشهر هو شهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وثانياً أن النبي كان يدأب في صيامه وقيامه، والدأب هو المواصلة والإستمرار من دون انقطاع، وبهذه المناسبة يدعو الداعي لنفسه بأن يكون النبي شفيعاً له وتكون طريقته سنة له وطريقاً في حياته إلى أن يلقاه يوم القيامة.

أشرنا أيضاً إلى أن الصلوات على محمد وآله هي الأصل في الدين وليس عندنا أصل يقتضي بإفراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالصلاة بمفرده، وذلك أن الرواية وردت من طريق مصادر مدرسة الخلفاء مكرراً، ومن طرق الشيعة الإمامية متواتراً في قضية تعليم النبي صلى الله عليه وآله أصحابه كيفية الصلاة، فمع أن في القرآن الكريم جاءت الصلاة على النبي في قوله تعالى: ((إن الله وملائكته يصلون على النبي)) ولم تأتي وآله، إلا أن النبي فسرها بهذا التفسير وهذا ما يسمى بأن السنة النبوية شارحة للقرآن الكريم، ففي الخبر عندهم وعندنا أنهم كانوا جالسين في مجلس سعد بن عبادة وجاء بشير بن سعد فسأل رسول الله: (كيف نصلي عليك، فقال: قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ولهذا استفاد العلماء من هذا: الوجوب وذلك لأنه أمر نبوي والأمر فيه يدل على الوجوب إلا إذا خرجنا عن ذلك بقرينة.

ذكرنا أيضاً أن الإتجاه الأموي والمخالف في التاريخ لأهل البيت عليهم السلام، وعندما نقول الإتجاه الأموي لا نقصد الحكام الأمويين فقط فإنهم انتهت دولتهم الظاهرية سنة 132 للهجرة، لكنهم حفروا خطاً وشرعوا طريقاً في الأمة يتجنب فضائل ومناقب أهل البيت عليهم السلام ويحاول إلغاءها إن استطاع أو تزييفها وتحريفها عن مواضعها الحقيقية وهذا مستمر إلى يومنا هذا، فيوجد كثر من هذا الخط الأموي في المحدثين والفقهاء، كما يوجد هناك أيضاً من هم محبون لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا يعتبر بحث لو يتوجه له بعض العلماء أو أهل العلم فهو موضوع مهم للتأليف، وأيضاً قام هذا الإتجاه برصد الخط الأموي في الحديث والفقه المحارب والمعاند والرافض لمناقب العترة النبوية كما أنهم قاموا بإضعاف الروايات التي فيها فضل عن محمد وآل محمد ويكفيك بأن تنظر إلى كتاب منهاج السنة لكي ترى الأمر على وضوحه، فإذا كان الحديث أكبر وأوضح من أن يلغى بالكامل قاموا بالإضافة إليه وتغيير فحواه ولفظه ومعناه، فمثلاً كأن يقول: (اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته)، هنا قاموا بإزالة كلمة الآل ووضع الذرية، ونجد أن الذرية تعني ملايين الأشخاص، ولو نظروا إلى أنفسهم فإنهم يقولون ببدعية أي شي في العبادة زيادة، فلماذا أذاً يقومون بإبدال الكلام؟ فهذا ابتداعاً أيضاً فلم يأتي هذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

البعض الآخر أيضاً قال: بأن تكريم الآل والأسرة هو من بقايا الجاهلية ل كما في منهاج السنة لابن تيمية الذي قال بأن الجاهليون كانوا يعظمون الرؤساء ويعظمون أسرهم بتبع ذلك، فنجد هنا بأن القرآن الكريم لم يقل ذلك بل قال كما في أكثر من آية من الآيات: ((أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله* فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب)) فكيف أصبح هنا آل إبراهيم معظمين ومكرمين ولم يكن هذا من بقايا الجاهلية؟، كما في آية أخرى أيضاً: ((ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب))، وقوله تعالى: ((اعملوا آل داوود شكراً))، فكيف يقولون بأن تعظيم آل البيت من بقايا الجاهلية؟ على أن آل البيت لا يعظمون أسرة النبي لأنها أسرة النبي وإنما يعظمون بعضهم المنتخبين بالنص لأنهم أئمة وقادة وورثوا العلم، وإلا كان بهم تعظيم محمد بن الحنفية كما يعظمون الحسنين، والحال ليس كذلك، أو أنهم كان بهم تعظيم إسماعيل بن جعفر الصادق كما يعظمون موسى الكاظم، والحال ليس كذلك. فأسرة النبي لا يعظمون كل ذرية رسول الله باتباعهم أو الصلاة عليهم أو اعتبارهم حجة بل يوقرون الصالح من ذرية النبي بشكل عام لمكانه من رسول الله ولكنه إن لم يكن صالحاً فإنهم لا يعترفون به، كما أنه لو كان صالحاً أيضاً لا يعتبرونه إماماً، فالإمام الكاظم عليه السلام على المشهور عنده 17 ابن ذكر، فالذي يعظم من بين هؤلاء تعظيماً كبيراً هو علي بن موسى الرضا عليه السلام والباقي من كان منهم صالحاً فإنه يحترم ويوقر ولكن ليس كالإمام الرضا عليه السلام، الشاهد هنا بأن هذا الإتجاه وهذا الخط أراد أن يلغي خصوصية العترة.

أحد الأخوة الأفاضل قال بأنهم يعترضون أيضاً على أنه كما لديهم صلاة بتراء فنحن أيضاً عندنا صلاة بتراء وذلك لأننا لا نكمل الصلاة فلا نقول: (اللهم صلى على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم)، فلمثل هؤلاء نقول:

أولاً: بأنه اعترف بأن لديهم صلاة بتراء وأن هذا موجد فعلاً في الروايات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لاتصلوا عليَّ الصلاة البتراء، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: تقولون اللهم صل على محمد وتمسكون، ولكن قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد)، فأولاً هذا اعتراف منهم بأنهم يصلون على النبي الصلاة البتراء، والأبتر منها عندما يقول الخطيب (صلعسلم)، التي لا يوجد لها معنى في قواميس اللغة العربية، فهل هي اختصار أو أن الوقت لا يكفي لقول الصلاة كاملة؟

ثانياً: الرد على هذا القول هو أن الجملة (كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم) ليست جزءاً من الصلاة وإنما عدٌّ وحدٌّ، أي كما نقول مثلاً: اللهم صل على محمد وآل محمد عدد الأشجار وعدد ما تواتر من الليل والنهار وغير ذلك، فهذا عدد وحدّ وليست جزءاً من الصلاة، إذاً فإن معنى (كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم) هو أنه لو صليت على إبراهيم مليار تريليون مرة فصلِ على محمد وآل محمد بعدد ذلك أيضاً.

لقد أنصف الفخر الرازي وهو من علماء مدرسة الخلفاء العظام، فبعض علماء تلك المدرسة يستخسر الإنسان أن يقرأ ما كتبوا، وبعضهم الآخر على العكس فإن لديهم العلم الوافر وإن كان خطهم العام ليس صحيحاً، فقد جاء الفخر الرازي في كتابه مفاتيح الغيب في الجزء السابع صفحة 391 يقول: (أن الدعاء للآل منصب عظيم ولذلك جُعِل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة، وقوله اللهم صل على محمد وآل محمد وارحم محمداً وآل محمد هذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل، فكل ذلك يدل على أن حب آل محمد واجب) فقد جعلت هذه الصلوات في خاتمة التشهد في الصلاة وذلك لأن الصلاة اليومية خمس صلوات والإنسان ملزم بها، فلو جعلت في الصيام فهو مرة واحدة في السنة، ولو جعلت في الحج فهو مرة واحدة في العمر، لكنها جُعلت في الصلاة في خاتمة التشهد حتى يصلي المسلمون جميعاً على رسول الله وعلى آله.

كما يقول الفخر الرازي أيضاً في موضع آخر: (أهل بيته صلى الله عليه وآله ساووه في خمسة أشياء: في الصلاة عليه وعليهم في التشهد، وفي السلام والطهارة وتحريم الصدقة والمحبة)، وهذا ما انتهى إليه هو، وإلا مقامات أهل البيت عليهم السلام هي أعظم من هذا بكثير وأهمها إمامتهم للخلق وعصمتهم من الذنب.

ندخل الآن في نفس هذه الصلوات: (اللهم صلى على محمد وآل محمد شجرة النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومعدن العلم وأهل بيت الوحي)، إن هذا التعبير وجدناه في مواضع كثيرة جداً في مصادر مدرسة الخلفاء وفي مصادر مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وهذا أيضاً نوع من أنواع التعليم للأمة بأنه كيف يصلون على رسول الله وأهل بيته ببليغ الكلام، فقد جاء في تفسير أبي حاتم الرازي المتوفى سنة 327 للهجرة أي أنه مزامن لشيخنا الكليني رضوان الله تعالى عليه يقول: حدث الضحاك بن مزاحم أن نبي الله كان يقول: نحن أهل بيتٍ طهرهم الله، من شجرة النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة وبيت الرحمة ومعدن العلم) ومعناه أننا نحن أهل البيت من هذه الشجرة ومن معدن العلم ومن مختلف الملائكة أي المكان الذي تختلف إليه الملائكة صعوداً ونزولاً، فهندما تقول مثلاً: أنا أختلف إلى هذا المسجد فهذا ليس بمعنى الخلاف والمخالفة إنما بمعنى الذهاب والعودة.

أيضاً في كتاب الأمالي الخميسية للشجر المتوفى في سنة 499 للهجرة، قال بإسناده عن علي عليه السلام بأنه قال: (قال رسول الله نحن أهل بيت شجرة النبوة وعدن الرسالة، ليس أحد من الخلائق يفضل أهل بيتي غيري) أي أنه ليس أحد أفضل من أهل بيتي على الإطلاق.

وأما في مصادرنا فشيء كثير، منها ما جاء في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: (نحن شجرة النبوة ومحط الرسالة ومختلف الملائكة ومعادن العلم وينابيع الحكمة، ناصرنا ومحبنا ينتظر الرحمة، وعدونا ومبغضنا ينتظر السطوة).

في الكافي عن مولانا زين العابدين عليه السلام قال: (ما ينقم الناس منَّا فنحن والله شجرة النبوة وبيت الرحمة ومعدن العلم ومختلف الملائكة).

وعن مولانا الباقر صلوات الله وسلامه عليه في حديث طويل راوياً فيه عمن هم هذه الأنوار التي خلقها الله سبحانه وتعالى قبل خلق آدم ثم قال: (محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والتسعة من ولد الحسين تاسعهم قائمهم)، ثم عدَّهم بأسمائهم وقال:  (نحن والله الاوصياء الخلفاء بعد رسول الله ونحن المثاني التي أعطاها الله نبينا محمداً صلى الله عليه وآله ونحن شجرة النبوة ومنبت الرحمة ومعدن الحكمة ومصباح العلم وموضع الرسالة ومختلف الملائكة).

عن الصادق عليه السلام أيضاً في الصحيفة الصادقية بعد أن ذكر بعض صفات أهل البيت قال: (وصل على عبادك في أرضك الذين أنقذت بهم من الهلكة وأنرت بهم الظلمة، شجرة النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومعدن العلم، صلى الله عليهم أجمعين آمين آمين يا رب العالمين)

فهذه كلمات اكتفينا بها وإلا فإن هناك الشيء الكثير مما ورد في هذا الترتب والتركب بشكل متطابق تماماً أو شبه متطابق، فماذا تعني شجرة النبوة وموضع الرسالة وماذا يعني معدن العلم؟ فهذه إن شاء الله نتحدث عنها في موضع آخر، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

 

مرات العرض: 44
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (0) حجم الملف: 27453.26 KB
تشغيل:

صلوات شعبانية أو لطول السنة 1
ماذا يعني شجرة النبوة وموضع الرسالة 3