الفلك الجارية في اللجج الغامرة 4
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 16/8/1442 هـ
تعريف:

الفلك الجارية في اللجج الغامرة 4

كتابة الفاضلة أم سيد رضا

في الصلوات التي تستحب في هذا الشهر مؤكداً وفي سائر الشهور جاءت الفقرة التالية: (اللهم صل على محمد وآل محمد شجرة النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومعدن العلم وأهل بيت الوحي، اللهم صل على محمد وآل محمد الفلك الجارية في اللجج الغامرة، يأمن من ركبها ويغرق من تركها، المتقدم لهم مارق والمتأخر عنهم زاهق واللازم لهم لاحق).

تقدم لنا بعض الأحاديث في شرح قسم من مفردات هذه الصلوات، ووصلنا إلى كلمة (ومعدن العلم)، فلا بد أن نشير هنا قبل أن نبدأ في بيان هذه الكلمة إلى أن أدعية المعصومين عليهم السلام هي جزء من المدرسة العلمية الفكرية والتربوية الأخلاقية التي كان المعصومون قد أنشأوها في الأمة، أي أن مصادر العلم عند المعصومين متعددة، وأحد تلك المصادر العلمية عقائدية كانت أو فقهية أو غير ذلك فأحد تلك المصادر هو الدعاء، فالدعاء ليس مجرد أن ترفع يديك إلى خالق السماء وتطلب منه حاجتك فهذا جزء من الدعاء، ولكن جزءاً كبيراً لو لم يكن الجزء الأكبر من الأدعية هي عبارة عن معارف، ولذلك يمكن أحياناً حتى تصنيف الأدعية بحسب المعارف الموجودة فيها، فمثلاً دعاء الندبة يختلف في معارفه التي يريد أن يوصلها إلى الداعي عن دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام، فهذا حزمة معارف وثقافات يريد أن يوصلها وذاك حزمة معارف وثقافات أخر يريد إيصالها، فكلها تتكامل لكي تشكل المدرسة الفكرية والعلمية والثقافية للمعصومين عليهم السلام، لذلك من المهم عندما يقرأ الإنسان الدعاء بالإضافة إلى توجهه إلى حاجته التي يطلبها من الله سبحانه وتعالى ينبغي أن يلتفت إلى المعاني والمفاهيم والأفكار الموجودة في هذه الأدعية، ومن ذلك تلك الكلمة (ومعدن العلم وأهل بيت الوحي)

معدن العلم وأهل بيت الوحي: فالمعدن هو ما يصطلح عليه الآن بالمنجم، فلو قلنا مثلاً في المنطقة الفلانية منجم الفوسفات أو منجم الذهب، ففي اللغة العربية يعبر عن المكان الذي ينشأ فيه هذا الفلز أو تلك الثروة بالمعدِن بكسر الدال، وأصلها من عَدَنَ، نجد أن هذا التعبير عندنا أيضاً فعندما نقول أن فلان عَدَنَ على فلان أو عَدَنَ على مكان أي استقر وارتاح إلى ذلك المكان، فاستقرار أحد في مكان يقال له عَدَن أو أن المكان يسمى مكان عَدن، كما جاء في قول تعالى: ((جنات عدن)) أي جنات استقرار وبقاء واستمرار.

إذاً فإن معدِن هي من هذه التركيبات، فمعدن كل شيء هو أصله ومنشأه ومكان وجوده وبقائه، فعندما نصلي ونسلم على رسول الله وأهل بيته نصلي عليهم بإعتبار أنهم معدن العلم ومكانه وأصله، فمنهم ينشأ العلم، كما مر حديث عن الإمام الحسين عليه السلام أنه قال: أفيستقي هذا الخلق العلم من عدنا ويتبعون غيرنا؟، وعلى هذه الفكرة هناك الكثير الكثير من الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام ومنها ما ورد في الكافي وفي غيره بأسانيد معتبرة بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنال وأنال وأنال (وعندنا أصول العلم). وهذا له تفسير جميل في القضية العلمية للأمة.

فما المفرق بينكم يا آل بيت رسول الله وبين غيركم؟ 

أحد أجوبته هو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنال وأنال وأنال أي نشر علمه فأعطى هذا وذاك، ولذلك هذا التعبير ما جاء في غيرهم (أنا مدينة العلم وعي بابها)، لا يوجد أحد آخر يقال عنه أنه باب مدينة العلم، إذاً فلا يوجد عندنا في علماء الأمة غير آل محمد صلى الله عليهم أجمعين من ادعى ولو على سبيل الإدعاء اللفظي بأنه محيط بعلم الكتاب، لكن أهل البيت عليهم السلام قالوا: وعندنا علم الكتاب فكل ما عند غيرنا عندنا وليس عند غيرنا ما عندنا، فهم إذاً أهل العلم ومنشأه.

من الكلمات الجميلة التي هي تنزل على المرتكزات العقلائية عند الناس بأن الخليل بن أحمد الفراهيدي مؤسس علم العروض (علم العروض هو مقياس الشعر)، وهذا الرجل من شيعة أهل البيت عليهم السلام وكان في زمان الإمام الكاظم عليه السلام، يسأله بعضهم بأنه بالرغم من علمه كل هذا العلم فلماذا يقدس علي بن أبي طالب عليه السلام ويقدمه على غيره من الصحابة، فرد الخليل وقال كلاماً جميلاً: (احتياج الكل إليه في الكل واستغناءه عن الكل في الكل دل على أنه سيد الكل في الكل) أي أن الإمام علي عليه السلام كان مستغنياً عن كل الصحابة في كل المجالات، بينما أولئك احتاجوا إليه في توضيح العقائد والقضايا الفقهية ومسائل القضاء وفي مختلف الجهات، فأهل البيت إذاً هم معدن العلم وأهله وفي بعض النصوص: خزان العلم.

لماذا التأكيد على أهل بيت الوحي؟ لأنه من الممكن أن يدعي إنسان بأن ليه إحاطة علمية عظيمة جداً، فيكون الرد عليه هنا بأن العلم قسمان: 

علم بشري خاضع للخطأ والصواب، لكنه إذا أصبح وحياً فلا مجال فيه للخطأ.

فيكون هنا التأكيد من قِبَلِهم على أنهم أهل بيت الوحي، أي أن سنخ علمهم لا يتطرق إليه احتمال الإشتباه والخطأ أبداً، فلا يستطيع غيرهم أن يقول نحن أهل بيت الوحي وبالتالي حتى لو كان عالماً فمن الممكن أن يكون علمه هذا علم خاطئ، ولذلك نجد في بعض المذاهب الإسلامية يقوم شيء كبير منها على القياس، والسنة إذا قيست محق الدين، وأيضاً قسم كبير من المذاهب الأخرى يقوم استدلالهم على أراء عمل أهل المدينة (أهل مدينة رسول الله)، وهذا قد يكون شيء غير صحيح.

(اللهم صل على محمد وآل محمد الفلك الجارية في اللجج الغامرة، يأمن من ركبها ويغرق من تركها، المتقدم لهم مارق والمتأخر عنهم زاهق واللازم لهم لاحق)، الفلك بضم الفاء هي السفينة، فالفلك الجارية أي السفن التي تجري في اللجج الغامرة، واللجج هي جمع لجة أي الموج، وغامرة أي أنها تغمر ما يكون عليها، فتعبير هذه الصلوات عن الأئمة والمعصومين بالفلك الجارية تارة ينظر إليهم كمجموع فيعبر عنهم بسفينة واحدة، وتارة ينظر إليهم بإعتبارهم أفراد متعددين في أزمنة متعددة ومختلفة فيعبر عنهم بالسفن والفلك المتعددة، هذا التشبيه هو تشبيه جميل كما جاء في القرآن الكريم بأن جعلت الفلك من آيات الله العظيمة في قوله تعالى: ((إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس))فتجعل هذه الآية المباركة خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار التي هي من الآيات العظيمة فتجعل بجانبها الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وهذا تعداد ينبغي أن يلفت النظر فلو رمينا مسماراً واحداً في البحر فإنه سيغرق بينما هذه السفينة تحمل فوقها ألف طن من الحمولة لكنها تطفو على سطح الماء.

هذه الأيام جاء في الخبر بأن هناك سفينة جانحة في قناة السويس وأغلقت القناة فجاءت عشرات الناقلات وغير ذلك، ولو استمر هذا لفترة طويلة لتعطلت حركة التجارة العالمية، لأنه إلى هذه الساعة لا يوجد شيء ينقل حاجات البشر أكبر وأرخص من الفلك الجارية، وكل هذا قائم على نظرية أن يكون الشيء هذا في كثافته أقل من كثافة الماء فقط بحيث لو كانت كثافته أكبر من كثافة الماء فإنه سيغرق، فنجد السفن الآن كيف انها مصنوعة من الحديد والفولاذ وتتكون من عدة طوابق ولكن بطريقة معينة  فإنها تطفو وتسير رخاءً فوق الماء، لذلك جعل الله تعالى الفلك من الآيات العظيمة التي ينبغي أن يتأملها الإنسان، وهو سبحانه وتعالى الذي جعل القانون الفيزيائي هكذا وجهل كثافة الماء بهذه الصورة، ولو أراد الله بالإنسان نصباً وتعباً لما صنع هذه المعادلة في الماء، وآنئذٍ لا يستطيع أن يستفيد من الماء حتى في الصيد.

على كلٍ فإن هذا ليس محط الحديث وإنما محط الحديث هي سفينة نوح، لأنها في ذلك الوقت كانت هي محط النجاة الوحيد للبشرية، كما جاء في القرآن الكريم: ((وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين * قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم)) فالجبل في الأمور الظاهرية هو أولى أن يُعتصَم به لثباته ولكن لا عاصم من أمر الله، وهذه دعوة لا بد أن تكون لجميع البشرية وجميع الديانات والمذاهب، فلا عاصم من أمر الله سبحانه وتعالى إلا من رحم وركب سفينة آل محمد صلى الله عليهم أجمعين.

المرحوم المير حامد حسين النقوي رضوان الله تعالى عليه، وهو عالم من أعاظم العلماء من الهند والعجيب أنه درس كل دراسته في الهند ولم يأتي إلى الحواضر العلمية الأساسية كالنجف وغيرها، ألف كتاب اسمه عبقات الأزهار وقد طبع منه في النسخة القديمة عشرات المجلدات، والآن القسم المطبوع منه هو بعض أجزائه وقد يصل إلى سبعين مجلد في الإستدلال على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام وأهل البيت، وهنا يتبين لنا كم هو جهد هؤلاء العلماء رضوان الله تعالى عليهم، فقد بذلوا جهوداً دونها سفك الدماء في سبيل الله، لهذا إذا جاء يوم القيامة يرجح مداد العلماء على دماء الشهداء.

عموماً فإن هذا الكتاب هو كتاب مفصل كَتَبتُ عنه في كتاب أعلام الإمامية، فالشاهد أن هذا الرجل فقط في الحديث عن سفينة نوح ألف مجلداً كاملاً بحسب ذلك الطبع القديم الذي يكون الآن حوالي ستة إلى سبع مجلدات بالطباعة الحديثة، وقد اختصر الكتاب آية الله السيد الميلاني ولم يطبع بكامله ومع ذلك جاء في عشرات المجلدات، فقد تتبع ما ذُكر ومن ذكر حديث سفينة نوح من الحاكم النيشابوري إلى الطبراني في المعاجم الثلاث إلى غير هؤلاء، ومن أشهر الروايات هي التي تنقل عن أن أبو ذر الغفاري فيقول الراوي: (رأينا أنا ذر الغفاري وهو متعلق بعضادة باب الكعبة وهو يقول: أيها الناس من عرفي فقد عرفني، أنا جندب بن جنادة الغفاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله، أسمعتم قول النبي: ما أضلت الخضراء (السماء) ولا أقلت الغبراء (الأرض) على ذي لهجة أصدق من أبي ذر؟ فأجاب بعض الحاضرين: بلى سمعنا ذلك، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق)، وهذا نفس المعنى الذي جاء في الصلوات: (المتقدم لهم مارق والمتأخر عنهم زاهق واللازم له لاحق)، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من اللازمين لهم والتابعين لخطواتهم والمهتدين بهداهم إنه على كل شيء قدير وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

مرات العرض: 44
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (0) حجم الملف: 30733.8 KB
تشغيل:

ماذا يعني شجرة النبوة وموضع الرسالة 3
آثار وتجليات الصلاة على محمد وآله 5