مستشرقون في مواجهة القرآن الكريم 8
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 8/9/1440 هـ
تعريف:

مستشرقون في مواجهة القرآن الكريم

 

تفريغ نصي الفاضلة فاطمة أم هادي

تصحيح الفاضلة أفراح البراهيم

قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم: ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ) 1
حديثنا بإذن الله تعالى بعنوان ( مستشرقون في مواجهة القرآن الكريم ) وقد بدأنا بهذه الآية "وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُون َإِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ" نظراً لأنّ هذه الفرية والتهمة قالها كفار قريش ،  إلا أنّ المستشرقين الذين واجهوا القرآن الكريم أعادوا إنتاج هذه الفرية والكذبة من جديد وحاولوا تسويقها في الثقافة العربية عبر الكتب وفي الجامعات عبر تلامذتهم.
في ذلك الزمان كفار قريش حاولوا أن يسقطوا روحانية القرآن الكريم وكونه  وحيًا من الله عز وجل، نظرًا لأنّهم لو سلّموا بأنّ هذا من عند الله فإنهم ملزمون بقبوله وباتباعه!
 فالطريق إلى عدم اتباعه أن يقال إنّه ليس من عند الله، إذا من أين؟ قالوا عدة ملاحظات حول القرآن الكريم وحول رسول الله :

- الملاحظة الأولى
 أنّ هناك غلامًا نصرانيًا صانعًا للسيوف من بلاد الروم، وكان عنده علم بالتوراة والإنجيل ، وأنّ محمدًا صلى الله عليه وآله  حسب افترائهم كان يذهب لهذا الغلام صانع السيوف الرومي ويأخذ منه المعلومات حول قصص الأنبياء والتاريخ وما يرتبط بالفرائض والعبادات. فالقرآن يقول: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ) أي هذا الغلام النصراني الرومي وقيل اسمه ( جبر )  أو ( يسار ) كان هو المعلم والكلام الذي يقوله محمد إنّما علّم من هناك، كتابه من هناك فالقرآن يردّ عليهم مباشرة: " ِلسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ" لسان هذا الغلام رومي أعجمي غير عربي و غير قادر على إنتاج مثل هذا الكلام العربي الراقي الذي عجز عنه فحول شعراء العربية!
  العجيب أنّ هذه الفرية التي كانت في زمان الجاهلية وغيرها من الأكاذيب والافتراءات وبعد مرور الآلاف السنين تلقّفها بعض المستشرقين بصياغة جديدة وعبارات جديدة وأصدرها في كتب باللغة العربية ليقرأها العرب من جديد!
هذا الكلام الذي صدر من جهلة قرشيين وغفلة عرب أعاد إنتاجه مستشرقون أجانب من جديد وأعادوا تصديره وقسم من تلامذة هؤلاء المستشرقين ،  كما سنتحدث في تيار الحداثة من علمانيين وموقفهم من القرآن الكريم وكيف أعادوا هذه الفرية بصيغة جديدة.

 الاستشراق والمستشرقون

 اصطلاح يتكلم عن مجموعة من الغربيين سواء كانوا أمريكيين، أم فرنسيين أوروبيين هولنديين أو حتى يابانيين ، فهم فئة من الغرب التفتوا إلى بلاد الشرق لاسيما البلاد المسلمة فحاولوا دراسة عادات وتقاليد أهل الشرق، و دياناتهم و قبائلهم ، و بيئتهم و زراعتهم وأدبهم ، و البعض منهم وهو الأكثر جاؤوا إلى الشرق ومكثوا فيها لاسيما الإسلامية منها وحاولوا التعرّف عليها.

الغرض من اطلاع المستشرقين على بلاد الشرق

 معرفة هذه البلاد وأحوال أهلها و ما يحرّكهم وكيف يفكرون، وما هو تاريخهم وماهي أديانهم ، و ماهي فرقهم ومذاهبهم.
وخلال قرن ونصف من الزمان مع أنّ حركة الاستشراق كانت مبكرة جدًا ولكن ليتبيّن لك حجم الاهتمام الذي أولته هذه الجماعة ببلاد الشرق لاسيما بلاد المسلمين ، إذ أنّ بعض الإحصاءات تقول أنّه بلغ عدد ما أصدره المستشرقون خلال قرن ونصف من الزمان من كتب كان عشرون ألف كتاب في مجالات الاستشراق المختلفة، وكانت  حول تاريخ القرآن الكريم، و تاريخ الأدب العربي، و حول القراءات، و حول المذاهب والفرق، و حول جغرافيا العالم الإسلامي، و حول التحريف في القرآن على حدّ ما زعموا، و حول المكي والمدن ، وحول الكثير بما يرتبط بالدراسات القرآنية .
وإذا صحّت هذه الإحصائية فإنّ هذا الإنتاج من منتصف القران الثامن عشر لهذه الفترات المتأخرة فهذا العدد من الكتب شيء مذهل بحجمه ، ويجب أن نهتم في هذه الحركة لأكثر من سبب لعدة أسباب:

الأول /  أنّ هذا الإنتاج الثقافي وكثير منه معاد ٍللقرآن الكريم ومعادٍ للإسلام والنبي محمد -صلى الله عليه وآله- لايزال يتربّع على رأس قائمة المصادر الرئيسية التي يرجع لها طلاب الدراسات العليا عند دراستهم الإسلامية مثل ( كتب كارل بروكلمان ، و كتب قولد تسيهر، وكتب ادوارد بروان ، و كتب لامانس) أمثال هؤلاء وهم كثيرون جدًا يعود لهم أصحاب الدراسات العليا ، و تلامذة هؤلاء المباشرون كانوا لفترات طويلة في بلاد مسلمة وعربية مشرفين تربويين و مستشارين تعليمين و أساتذة جامعات يتكفّلون بالتوجيه العلمي والثقافي لطلاب الجامعات بل لاستراتيجيات الجامعات،  فإذا كان هؤلاء من يوجّه الجامعة ويوجّه الدراسات العليا وطلابها وينتج الثقافة والعلم ، وهؤلاء  معاديين ومخالفين لهذه المنظومة الدينية من القرآن الكريم والنبي والشريعة فلا شك ولا ريب أنّ هذه الأفكار تنعكس بشكل أو بآخر على طلابه ، و عامة  على التوجيه التعليمي في الأمة .
الثاني /  العديد من هذه الشبهات تعاد وتتردّد فيما يرتبط بقسمٍ من طلابنا المغتربين في الخارج عن طريق تسريبها من أساتذة الجامعات لأبنائنا الذين أقصى ما درسوه هو مستوى الثانوية ومقدار بسيط من الثقافة ، وبالتالي تتسرّب لهم هذه الأفكار الخاطئة عن دينهم وقرآنهم ونبيهم فتُلقى الشبهات في أذهانهم .

 الثالث / الكثير من الجاليات  التي تعيش في بلاد الغرب يُقدّم لهم هذا الطعام المسموم ! ولهذا يجب أن نتعرّض لشيء من هذا المعنى عن نظرة أولئك وما يجب أن يُقال في نقدها ومواجهتها.

أقسام المستشرقين
لا ريب أنّ قسمًا من المستشرقين كانوا منصفين بل إنّ بعضهم حينما انفتح على المصادر الإسلامية بدون خلفيات مسبقة اعتقد بها وآمن بها و أسلم، فالبعض منهم بدراستهم للقرآن الكريم و بدراستهم لتاريخ رسول الله وللتاريخ الإسلامي توصّل إلى نتائج انتهت بمثل الإيمان له .
 و قد ذكرنا في أيام مضت أنّ مثل ( موريس بوكاي )  مؤلف كتاب (التوراة والإنجيل والقرآن والعلم بمقياس العلم الحديث  ) قد أطّلع على القرآن الكريم  ووجد التطابق بينه وبين مؤدّيات العلم و حقائق التاريخ الثابتة ، و اعتقد أنّ هذا القرآن كتاب الله وأنّه لم يتطرّق إليه خلل خلاًفا لباقي الكتب السماوية التي طرأ عليها التحريف.
وقسم آخر من المستشرقين لم يسلموا أو يؤمنوا بل بقوا على طريقتهم السابقة ولكنهم درسوا الإسلام والقرآن الكريم بعقلية منفتحة و منصفة، بل إنّ بعضهم ردّ على المستشرقين المتطرّفين وعلى تلك التهم الجزافية والشبه الاعتباطية التي ذكروها بما يرتبط بالقرآن والنبي صلى الله عليه وآله.
 ونحن لا نتحدّث عن أيٍ من هذين القسمين لكنّنا  نتحدث عن القسم الثالث الذين جعلوا طريقتهم معاداة القرآن الكريم والوحي الإلهي والرسول والشريعة المحمدية.
 وقد نلاحظ أنّهم قد أتوا من جهات كالتعصب الديني مثل ( قولد تسيهر ) الذي كان  متعصبًا ليهوديته بشكل كبير فلا يعقل أن يقول في القرآن الذي يقول في اليهودية:
 ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ) 2  أو  ( وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ )3
أو  ( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ  )4 وقوله ( وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ )5وغير ذلك! فحين يأتي من خلفية دينية متعصّبة لا يستطيع أن يتقبّل أنّ هناك دين آخر بعد اليهودية وأنّ هناك وحيًا إلهيًا من قبل الله ، وأنّ هناك كتابًا ككتاب التوراة الأصلي الذي كان من قبل الله.

الملاحظة الثانية

 هذه الفئة المتعصبة والمتطرفة يؤمنون بأنّ القرآن الكريم ليس نازلاً من السماء وأنّ ورقة بن نوفل بن خويلد ، ( هذا الرجل الذي للأسف نال تضخيماً كبيراً وهو من أقارب السيدة خديجة عليها السلام وكان مسيحيًا، ولقد أُعطي في كتب الخلفاء دورًا كبيرًا استغله المستشرقون وفسّروه بتفسيرات نعق بها الكثير!) حيث ورد ذكره في مدرسة الخلفاء وقالوا عنه في بعض الروايات بأنّه من أقنع محمداً بالنبوة! وأنّ النبي جاء من غار حراء فزعًا لا يعرف ما يفعل ، وجاء ورقة بن نوفل وهدّأ من روعه وقام بتجربة للتأكد من أنّ الذي زار النبي في الغار كان جبرائيل عليه السلام وليس شيطانًا وطمأنه بأنّ هذا جبرائيل وكان ينزل على موسى وأنّه نبيٌ مرسل من عند الله كموسى ، وأنّه لولا ورقة لما علم رسول الله بأنّه نبي ، وهذه الرواية غير صحيحة عند أهل البيت ولا أصل لها!
المستشرقون قالوا أنّ هذه الرواية موجودة في كتب صحيحة عند المسلمين وقالوا أنّ ورقة بن نوفل أعلّم محمد بالنبوة ، وأنّ كلّ ما يعرف من علوم كان من ورقة وكانت له معه جلسات تعليمية فكلّ ما عنده علمّه إياه ورقة بن نوفل وقد كان ذكيًا وفهم الدرس جيدًا! إذاً هو ليس نبياً من السماء كما يزعم ، وهذا القرآن إنّما هو كلمات ورقة بن نوفل جاء بها من التوراة والإنجيل ودرسّها لمحمد!
هذه فكرة باطلة اتخذها المستشرقون ،  وبالإضافة لهذه الفكرة ما ذكرناه سابقاً عن الغلام النصراني صانع السيوف وكان عنده علم بالتوراة والإنجيل ودرّس النبي فتعلم منه وقام بصنع القرآن. لهذا يقول تعالى: ( وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ) 6 إذ أنّ  النبي مع علمنا أنّه يقرأ ويكتب على الرأي المختار في قضية الأمي إلا أنّه كان ممنوعًا عليه أن يظهر القراءة والكتابة، لأنّه لو عُرف أنّه كاتب لكانت التهمة أسهل أنّه قرأ ودرس الإنجيل والتوراة من عند ورقة بن نوفل ويسار الرومي! ولو كان يُعرف عنه الكتابة لصدق مقالهم  ( أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا )7!
المستشرقون واجهوا القرآن الكريم وقالوا أنّه غير منزّل من السماء إنّما هو تجميع من العهدين القديم التوراة والجديد الإنجيل بمختلف الوسائل ، وهذا ينفي كون النبي يُوحى إليه وأنّه وحي من السماء وهذا ضرب لكون القرآن الكريم وحيًا من السماء ! وذهب إليه بعض المستشرقين لنفي قوله تعالى (  نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِين )8

الملاحظة الثالثة

  تعرضّ هؤلاء المستشرقين للنبي -صلى الله عليه وآله- وقالوا كلامًا أدناه حتى لا يجرحوا أحدًا أنّه كان لدى النبي هوس ووضعه النفسي غير مستقر ، و أمّا الإساءة الأكبر ما صرّح به بعضهم (  تبّت يداه وخرُس لسانه )  أنّ محمدًا لديه صرع حيث أنّه عند نزول الوحي   يتعرّق بدنه وتصيبه برحاء الوحي وينقطع عمّن حوله ، و يتّجه لجبريل وما ينزل منه! وما يحدث له حالة صرع وحين إفاقته منه يتذكّر ما يصيبه بهذه الحالة ويلقيها على الناس على أنّها وحي قرآن. وقال بعضهم أنّ هذه الحالة ليس صرعًا إنّما هي حالة انفعالية شعورية!

الرد على هؤلاء المستشرقين

1/  إنّ العلماء يقولون أنّ حالة الصرع حين تعتري الإنسان فإنّها تسيطر على قواه العقلية وتعطّلها ( فهم يصفون أنّ بعض أنواع الصرع إنّما هي زيادة في كهرباء المخ وفي هذه الحالة تتعطّل القوة الذهنية) فكيف بمن تعطلت قواه الذهنية  يستطيع بأن يأتي بتاريخ البشر من آدم ماراً على كل الأنبياء بدقة لا مثيل لها! أو يأتي بآيات في الإعجاز العلمي لم تكنْ تخطر على بال البشر في ذلك الوقت ، وفي حالة اليقظة والتفكير لا يخطر ببال الإنسان الطبيعي أنّ الأرض تدور والجبال أوتادًا أو الغلاف الجوي والضغط الجوي يتغيّر ويضيق على الإنسان ، فهل في حالة الصرع سيدرك المصروع ذلك!
 أو هل يستطيع هذا المصاب بالصرع أن يأتي بالقوانين والتشريعات التي لم يتوصّل البشر إلى كمالها مع اجتماعهم وتجاربهم! وتلك المبادئ الأخلاقية ، والقضايا العقائدية مثل  قضايا السماء والقيامة! كيف سيختلق كل هذا!

2/  الهوى والعصبية حين تلازم إنسانًا تجعله لا يبصر الطريق ، وهذا حال المستشرقين الذين كان همّهم معارضة القرآن  الكريم والنبي محمد -صلى الله عليه وآله - ، وكان تركيزهم على ما يعتبرونه ثغرات في الدين كتحريف القرآن و يبحثون في هذه الأمور! فتراهم يذهبون لمصادر مدرسة الخلفاء ويبحثون في تلك  الروايات الضعيفة عن تحريف القرآن ، وفي الزيادة والنقيصة وهي روايات غير صحيحة ثم يأخذونها ويضعونها في كتبهم ، ثم يأتون لكتب مدرسة أهل البيت  عليهم السلام وهناك روايات ساقطة من حيث السند والدلالة تتحدّث عن تحريف القرآن فيجمعونها في كتبهم ولا يذكرون آراء العلماء في أنّ هذه الروايات ساقطة سندًا ودلالة، لم يقلْ بها علماء معتبرون والرأي العام الذي قام عليه الإجماع في المدرستين وهو عدم التحريف ولكنه يتمسكّون بهذا الرأي!

فهؤلاء المستشرقون يتركون الرأي العام والمحقّق فيه والمجمع عليه والقائل بعدم تحريف القرآن الكريم و يذهبون للرأي الشاذ ، الذي ينفعهم في كتابهم ويساعدهم على ضرب القرآن الكريم وإثبات تحريف القرآن ، ونحن لا نؤمن بأيٍ تحريف للقرآن بناء على أنّ النسخة الموجودة لدى المسلمين هي ما كتبها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -عليه السلام - وهي قراءته وجمعه للقرآن.

الملاحظة الرابعة

جاءت فئة منهم تقول إنّ القرآن لا بلاغة عربية فيه  ( مع العلم أنّ قسمًا كبيرًا منهم لم يقرأوا القرآن بلغته بل بترجمته) فأيّ مترجم لا يستطيع إعطاء تمام المعنى في القرآن الكريم إنّما يعطي معنى تقريبي ،  فيعني  هنا أنّ المحاسبة هي للمترجم وليس للقرآن لقصر فهم المترجم و قلة استطاعته على التعبير عنها.
ثم قالوا إنّ القرآن يتحدّث عن قصة موسى ثم يقطعها في المنتصف! وأوعزوا هذا  لكون السرد القرآني والقصص القرآني ليس له صيغة أدبية! فهو يبدأ في قصة موسى وينتقل لقصة عيسى أو يتوجّه لتوجهات أخلاقية!
 ونقول للردّ عليهم في ذلك :

أنّ القرآن الكريم ليس ككتاب ألف ليلة وليلة ، ولكنّ غاية القصص القرآني  ( ما نثبّت به فؤادك )9 ! موضع العبرة يأتي به القرآن في الآية فتراه لا يذكر بعض الأسماء أو التواريخ تارة لأنها غير مهمة في هذا الجانب  ، وأحيانًا لا يأتي بجانب القصة الأول لأنّ غرضه استنباط العبرة في القسم الأخير منها ، فمثلا إذا أراد شرح كيف تنحرف المجتمعات بعد غياب قائدها فيأتي بقصة نبي الله موسى بعد ذهابه إلى ميقات ربه ، وفائدة من ذكر قصة رميه في النيل!
وهذه كانت مشكلة بعض هؤلاء المستشرقين الذين لم يحيطوا بآداب اللغة العربية وبيانها، فبعض العرب الأقحاح الذين عاشوا في بيئة عربية لا يتوجّهون لبلاغة اللغة إلا بالدراسة والتحقّق والتوجّه ،  فكيف بمن لمن تكنْ العربية لغته الام!
مثال ذلك عندنا في اللغة العربية والبلاغة بحث الالتفات، وهو من الأساليب البلاغية المتقدمة ويستخدمه الشعراء الفحول الكبار والخطباء الجاهليون المهتمون وهو عبارة عن تحدّث المتكلم بصيغة الغائبين ثم يتغيّر بخطابه لصيغة الحاضر  ، فهو  تارة يتكلّم عن نفسه ثم يغيّر الخطاب لصيغة الغائبين ، ويعتبر هذا من أساليب البلاغة المتقدمة ويساعد في رفع السأم عن السامعين وهو أسلوب متفّقٌ على بلاغته عند العرب.

لكن المستشرقين لا يلتفتون إلى ذلك ويذمّون هذا الأمر ومثال ذلك في القرآن الكريم:
( وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) 10 والمفروض أن يُقال في ذيل الآية (وإليه أرجع ) أو ( أنا راجع )  فالقرآن الكريم هنا استخدم أسلوب الالتفات  حيث كان يتحدّث المتكلم عن نفسه ثم غيّر الخطاب الى السامعين وغيرها من متكلم (فطرني) إلى (ترجعون)  ، فكانت الصيغة أحسن وأفضل وأشرك السامعين في كلامه بينما لو قال (إليه أنا راجع) لقال السامعون وما دخلنا في هذا!

أيضًا اية أخرى:  ( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُون )11
وأيضاً  ( وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ) 12 يتحدّث عن الأبرار بصيغة الغائب  ، ثم يخاطبهم ( إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا ) 13 بينما هو يتكلم عن جماعة  يفترض أنّهم غائبون ثم نقل الخطاب وكأنّهم أمامه! وقوله تعالى: ( حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ )14 وليس  ( بكم ) ، لكنّه يبعد القول عن هؤلاء وغيره من أساليب البلاغة في القرآن الكريم .
 ولكنّ المستشرق لغته لا تساعده على فهم ذلك ، و تبحّره القليل في قوانين العربية لا يعينه على الفهم ، وهي مشكلة بالإضافة إلى المشكلة العقائدية والانطلاق من منطلق الطعن فيه ومواجهته.

دوافع  وأهداف أخرى للمستشرقين

 كما أنّ بعض هذه الموارد وراءها سياسات استعمارية ، حيث أنّ بعض المستشرقين موظفون رسميون في وزارات الخارجية في بلادهم فيأتي أحدهم في مهمة ليراقب المنطقة فيسجّل ملاحظاته ويكتب كتابًا ويقدّمه للناس ويستهدف به العرب ؛ لأنّه غالبا يُترجم للعربية فيرجع له أستاذ الجامعة وطالب الجامعة والمثقف العربي بل يعتبره قمة القمم لأنّه ينظر للغربي بوجاهة.
وأيضًا البعض منها قضايا تبشيرية فكتاب التبشير الاستعمار ل  (عمر فروخ )  يبيّن تعارض التبشير المسيحي واليهودي بالحركات الاستعمارية لتلك البلاد الغربية في بلاد المسلمين.
خلاصةّ أنّ ما يفعله المستشرقون إذا لم ينقل الطرف الآخر لدينهم لكنّهم بحركة أو بأخرى يزحزحونه عن دينه !
  لكنّ الإنسان المؤمن العارف بدينه و الواعي لهؤلاء  يتمثّل موقف علي الأكبر سلام الله عليه القائل : أو لسنا على الحق؟
----------------------------------------------------
1 سورة النحل آية 103
2 سورة المائدة آية 13
3 سورة النساء آية 155
4 سورة النساء آية 46
5 سورة المائدة آية 14
6 سورة العنكبوت آية 48
7 سورة الفرقان آية 5
8 سورة الشعراء آية 193/ 194
9 سورة هود آية 120
10 سورة يس آية 22
11 سورة الزخرف آية 70
12 سورة الانسان آية 21
13 سورة الانسان آية 22
14 سورة يونس آية 22

 

مرات العرض: 196
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (52)
تشغيل:

7 عن الاعجاز العلمي والتشريعي في القرآن
9 الحداثيون تمييع القرآن وتضييع الشريعة