9 الحداثيون تمييع القرآن وتضييع الشريعة
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 9/9/1440 هـ
تعريف:

الحداثيون :تمييع القرآن وتضييع الشريعة

تفريغ نصي الفاضلة أم سيد رضا

في العصر الحديث حصل طلاق وانفصال في المجتمعات الأوروبية بين العلماء والمجتمع من جهة وبين الكنيسة ورجالها وكتابها من جهة أخرى على أثر تراكمات تاريخية كانت فيها الكنيسة ورجالها قد تجاوزوا حدودهم الإعتيادية وفرضوا حصراً على فكر الناس وجعلوا المجتمع ينحو منحى الجهل، وكل ذلك كان بإسم الدين والكتاب المقدس وإرادة الله عز وجل.

أنتج هذا ردود أفعال إجتماعية أدت إلى أن تتفاصل المجتمعات، فالفئة الدينية والكتاب المقدس عندهم أصبح على هامش الحياة الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والعلمية، وأصبح المجتمع لا ينظر إلى هذه الفئة على أنها تجلب له السعادة ولا يتوقع منها الخير الدنيوي، فقد أصبحت عنواناً للتخلف والجهل ومحاصرة العقول فتم الإنفصال والطلاق بين هاتين الفئتين، وأصبح المجتمع عموماً مجتمعاً منفصلاً عن الدين، علمانياً في اختياراته وأصبحت الفئة الدينية على هامش الحياة، وقد تعمق هذا الإتجاه وجاؤوا بدراسات تبين وجوه الخلل في الكتب المقدسة عندهم مع أن الإعتقاد الإسلامي بأنها ليست هي الكتب المنزلة من السماء ولكن أرباب الكنيسة كانوا يعتقدون بانها الحق، فجاء العلماء الطبيعيون والعلماء التجريبيون في تلك البلاد وأثبتوا بالحقائق أن هناك مضادة بين مؤديات هذه الكتب وبين آياتها وما يكشف عنه العلم، فحدث هذا الإنفصال وسمي بحسب المراحل بأسماء متعددة كعصر الثورة الصناعية، عصر التنوير، عصر الحداثة وغيرها من المسميات الأخرى، فهذه حقيقة حصلت في البلاد الاوروبية.

على أثر التواصل العلمي والثقافي بين المجتمعات العربية والمسلمة من جهة وبين المجتمعات الاوربية فقد برز هناك عدد من المفكرين العرب والمسلمين وحاولوا ان ينقلوا نفس التجربة الموجودة في الغرب إلى بلاد المسلمين، فقد استوردوا قسماً من المناهج، قسماً من المصطلحات وقسماً من الأفكار، وأيضاً استوردوا تلك الحالة المضادة للدين والتي تعتبر أن الدين هو احد العوائق أمام النهضة وتعتبر ان الكتاب فيه إشكالات حقيقية ومخالفات للعلم، وهذا الامر كان خاصاً في كتب التوراة والإنجيل وقد حصل التحريف فيهما، فالكتاب الموجود الآن ليس الكتاب الذي أنزل على موسى عليه السلام وإنما حدث فيه التحريف.

قام المفكرون العرب والمسلمون بنقل هذه الحالة ونسخها إلى الحالة الإسلامية والمجتمع الإسلامي، فكما طبق المجتمع الغربي مناهج على الكتاب المقدس وبينوا انه يوجد فيه خلل، قام المفكرون أيضاً بتطبيق نفس هذه المناهج على القرآن الكريم، فأصبح لدينا تيار في المجتمع العربي والمسلم، تارة ما يعبر عنه بالحداثيين وتارة ما يعبر عنه بالعصرانيين وأخرى بالعلمانيين.

ليس مهماً أسماءهم ولا عنوانهم وإنما الكلام هو حول الأفكار التي يذكرونها ويطرحونها، والتي مع الأسف فيها شيء من الإنتشار ولا سيما في صفوف بعض الشباب المثقف.

ما قام به هؤلاء المفكرون هو صياغة كلام المستشرقين بصورة أهدأ وأقل عنفاً، لان بعض المستشرقون صريحون بقولهم أن القرآن ليس وحياً من السماء وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن صادقاً في ذلك، وهذا الكلام يشكل صدمة للإنسان المسلم وقد لا يقبله، لذا جاؤوا هؤلاء المفكرون وغيروا الصياغة والإتجاه وتحدثوا عن ثلاثة عناوين.

العنوان الأول: التجديد في فكرة الوحي

العنوان الثاني: بشرية النص القرآني

العنوان الثالث: تاريخية النص القرآني

فلو لاحظنا بأنهم لا يصفون القرآن بأنه كلام الله عز وجل وإنما يعتبرونه نصاً من النصوص وله مناهج وبرامج لمحاكمته.

فعندما نأتي للعنوان الأول وهو التجديد في فكرة الوحي: فقد قالوا أن الفكرة الموجودة عند المسلمين بأن الوحي عبارة عن كلام من الله عز وجل قد أعطاه لجبرئيل ونزل من السماء إلى الأرض حاملاً إياه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قالوا أن هذه الفكرة هي فكرة قديمة وغير صحيحة وعندما تريد الامة أن تمسك بشروط النهضة فلابد أن تغير نظرتها في قضية الوحي.

الفكرة الصحيحة عندهم بأنه لا يوجد شيء يسمى جبرئيل وأنه ينزل من السماء ولا يوجد كلام من الله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما النبي يبتكره ويبتدعه من تلقاء نفسه، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كالشاعر عندما يمر بمنظر طبيعي ويستثير فيه أحاسيس معينة فتنبعث قريحته في شكل قصيدة، وقد وصفوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه مصاب بالصرع فعندما تأتي له تلك الحالة تنبعث منه بعض الكلام والعياذ بالله وقد رأوا أن هذا الكلام عظيم على النبي صلى الله عليه وآله فقالوا بانه تمر عليه حالات معينة يتفاعل معها وتجعله ينتج كلاماً من عند نفسهن وبما أنه ليس كلاماً من الله فلا قداسة له ولسنا ملزمين بإتباعه، هذه هي فكرة هؤلاء المؤرخون والمستشرقون.

الرد على هؤلاء:

أولاً: هذه الفكرة تضرب في صميم الوحي وفي صميم القرآن الكريم، والذي يلتزم بها لابد أن يكذب كل الآيات التي وردت فيها عبارة (إنا أنزلناه، نزل، انزل ..)، مثل قوله تعالى: ((إنا انزلناه في ليلة القدر)) و ((إنا انزلناه تنزيلاً)) و ((بالحق انزلناه وبالحق نزل))، والغريب في الأمر أن البعض يلتزمون بتلك الأفكار مع اعتبار انفسهم مسلمين.

ثانياً: كل ما ورد في القرآن الكريم وفيه أمر بالقول هو أمر من الله عز وجل للرسول صلى الله عليه وآله وسلم مثل قوله تعالى: ((قل هو الله أحد))، ((قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم))، فكلمة قول وأمثالها وهي موجودة فيما يقارب 300 موضع في القرآن الكريم وهو أمر صادر من الأعلى إلى الأدنى، فلو قلنا أن القرآن هو كلام من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف يأمر نفسه ويقول لها (قل)؟! فهذا نوع من البلاهة ولا يوجد إنسان عاقل يقول لنفسه (قل هو الله أحد)، أو أن يقول لنفسه ( لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله) وبعد ذلك هو يأتي بالقرآن؟! فهذا تناقض ومخالفة وتهافت، فمن يقبل هذا الكلام لا بد أن يسقط كل الآيات التي فيها إشارة إلى أمر قل وكل الآيات التي توجد فيها مفردات التلاوة كقوله تعالى: ((تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين))، فالمرسل هو من يعطى شيئاً حتى يوصله لغيره ولا يعطي شيئاً من عنده لأنه عندئذ يصبح أصيلاً وليس رسولاً، فبهذه الأفكار جاؤوا لقضية الوحي وقد أتوا بها بهذا الترتيب فبينوا أولاً أن الوحي ليس نازلاً من السماء وليس بواسطة جبرئيل ولا يوجد ( لقد نزل به الروح الامين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين).

العنوان الثاني وهو بشرية النص القرآني: قالوا بأن هذا النص القرآني هو نص بشري وليس إلهي مقدس وليس نازلاً من السماء، فإن كان كذلك فإنه سيصبح متأثراً بثقافة المتكلم وبيئته وطبيعته ووضعه النفسي، ولذا فإنه غير صالح لكل زمان ومكان وإنما يصلح لبعض الأزمان وبعض البيئات والجماعات.

العنوان الثالث وهو تاريخية النص القرآني: قالوا بأن هذا النص القرآني له زمان معين وبيئة معينة وفترة معينة والدليل على ذلك أنه يتحدث عن الإبل والغن والبقر كقوله تعالى))أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت))، وهذا يبين أن القرآن ينطلق من بيئة معينة ويعبر عنها ويقنن لها، وكذلك قالوا بأن الآية التي توضح الإرث أن للذكر مثل حظ الأنثيين هذه كانت في الزمن التي لا تعمل فيه المرأة وليس لها اهتمامات أخرى ولكن الآن قد تغير الحال بها، وفي زمن من الأزمنة كان الحجاب جزءاً من شخصية المرأة ولذلك فرض الحجاب ولكن الآن في هذا الزمن فقد تغير الحال ولا بد من ترك الحجاب، وعلى هذا المعدل بدأوا بالتكلم.

الرد على ذلك: أن القرآن صالح لكل زمان ومكان ومن جملة تلك الأزمنة هو الزمان الذي انزل فيه، والمراد توجيه عظمة الله فيه لمن يخاطبهم كقوله تعالى (( وترى الجبال جامدة وهي تمر مر السحاب))، فو استبدل الله في آياته بعض الكلمات بكلمات أخرى مثل لو استبدل كلمة الإبل بكلمة الكنغر أو الباند والناس في ذلك الزمان لم يروا هذه الحيوانات أبداً فهذا يكون خلاف الحكمة، فالله سبحانه وتعالى يريد أن يبين مظاهر عظمته للإنسان ولذلك لابد أن يجعله يرى ما هو قريب له كالمطر، الجبال، الغنم والإبل.

هناك آيات أخرى كقوله تعالى: ((سنريهم ءاياتنا في الآفاق وفي أنفسهم))، فهذ الآية لا تختص فقط بالإنسان الذي يعيش في مكان معين أو في زمان معين وإنما لكل شخص أينما يعيش فليتأمل في بدنه وجسمه وسيجد مناحي عظمة الله عز وجل، ولينظر في الأفلاك ويسير في الآفاق ليرى عظمته سبحانه وتعالى، فالله عز وجل كما يخاطب الناس الذين نزلت هذه الآية في زمانهم فبأسلوب آخر يخاطب غيرهم.

العجيب في الامر انهم عزلوا القرآن عن التشريع لهذا الزمان وقد نصبوا أنفسهم مشرعين، فالمفكر العربي والمثقف العربي الذي لا يكون عالماً في القضاء ولا عالماً في الإفتاء ولا ما يرتبط بهذه الأمور وإنما لديه فكرة قد استوردها من مكان آخر فقد جعل لنفسه منصباً قضائياً وهو منصب الإفتاء بأن الميراث لابد أن يكون بالتساوي بين الذكر والأنثى وأن الحجاب غير واجب وغيرها من القضايا، وهذا من أغرب المفارقات بأن هؤلاء الذين لديهم صلاحية حتى ضمن الظروف الإعتيادية وليسوا متخصصين في الأمر يجعلون أنفسهم مشرعين، فضلاً من أن القرآن به تشريعات وقد خاطب الناس بقوله تعالى: ((وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا))، فهذا الكلام ينطبق على ذلك الزمان وهذا الزمان وبعد مائه عام وبعد ألف عام، فهم جعلوا الله سبحانه وتعالى وكانه غافلاً في رأيهم عن أن الظروف ستتغير وستتبدل المجتمعات وانهم يحتاجون إلى قوانين أخرى، وقد ظنوا ان الله تعالى نسي فقد توجه إلى العرب في الزمان الاول ونسي المجتمعات الأخرى وتغيرها بعد مدة من الزمان.

فهم قد غفلوا بان حلال محمد هو حلال الى يوم القيامة، وأن حرامه هو حرام إلى يوم القيامة، وهذا من الاحاديث التي اجمع عليها الفريقان وهم مدرسة الخلفاء ومدرسة أهل البيت عليهم السلام، فما كان قد وضعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبلغه على أساس الدوام فهو دائم وما كان دون ذلك من احكام ولائية مؤقتة فإنه يشار إلى انها مؤقتة بحسب زمانها ومكانها، وإلا فإن الأصل في التشريع هو دوامه واستمراره لأن التشريع ناظر غلى تكامل الإنسان، فصلاة الإنسان تصنع تكاملاً له سواء في القرن الأول أو في القرن العشرين.

فهؤلاء الحداثيون تدرجوا، اولاً قاموا بتغيير مفهوم الوحي والقرآن الكريم النازل من الله عز وجل بواسطة جبرئيل وبعد ذلك قالوا أن القرآن بما انه كلام البشر فهو مرهون بظروف تاريخية زماناً ومكاناً وبيئة معينة، وينتهي هذا كله عندهم إلى ان أحكام الدين الإسلامي في يومنا هذا ليست واجبة الإتباع وإنما نستطيع أن نقرر بأنفسنا قرارات وقوانين في العبادات والمعاملات.

لماذا نحن إذاً عندنا تأكيد من قبل أئمة الدين ومن القرآن الكريم نفسه على تعظيمه وصيانته كما جاء في قوله تعالى: ((أنه لقرآن كريم لا يمسه إلا المطهرون))، سواء عن جاء بمعنى أنه لا يعرف أعماقه إلا المطهرون الذين أذهب الله عنهم الرجس وهم أهل البيت، أو جاء بمعنى انه لا يجوز لمس حروفه إلا والإنسان على طهارة، فكلا المعنيان يفيدان تعظيم القرآن الكريم فهو كلام الله عز وجل وكل ما لله من عظمة وهو ليس نصاً ولا كلاماً بشرياً، فمجرد النظر للقرآن هي عبادة من العبادات، وأيضاً جعلت درجات الجنة على أساسا آيات القرآن الكريم فيقال لقارئ القرآن يوم القيامة (اقرأ وارقى)، فقد عظمت منزلة القرآن الكريم وجعلت في أعلى الدرجات وهذا كله لأن عظمته نازلة من عظمة منشؤه وخالقه وهو الله سبحانه وتعالى.

لو كان القرآن كما قالوا بأنه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبداً فيه وفي كتابته قبل ان ينزل عليه الوحي في السابع والعشرين من شهر رجب وقد كان عمره أربعين عاماً، ولبدأ في كتابته في سن الثلاثين أو أقل فالشاعر يستطيع ان يكتب الشعر وهو في سن العشرين والخامسة عشر أيضاً، ولم ينتظر نزول الوحي عليه.

في مقابل هذا التمييع لقضية القرآن في تيار الحداثة الموجود في عالمنا العربي والإسلامي فقد كان هناك تعظيم وتكريم للقرآن من قبل القرآن نفسه ومن قبل أئمة الدين والهدى، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يأخذ القرآن بيساره وكان إذا جلس لا يمد رجله أمام الكتب لأنها قد تكون تحتوي على بعض الآيات القرآنية، وذلك حتى يعلم الناس مقدار العناية والإحترام الذي لابد أن يلاحظوه في القرآن الكريم، ويستحب للإنسان أن لا يقرأ القرآن إلا وهو على وضوء.

وقد اهتم أئمة الهدى سلام الله عليهم بل وأصحابهم أيضاً في قضية القرآن الكريم، فكانوا يعلمون القرآن ويشجعون على قراءته، وقد نقل في احوال الإمام الحسين عليه السلام أنه دفع بعض ولده لمعلم قرآن فلما علمه سورة (قل هو الله أحد) وجاء يحفظها، حشى الحسين عليه السلام فم المعلم دراً.

وكذلك الإمام الحسين عليه السلام طلب من أخيه العباس ان يسأل الجيش ليلة عاشوراء بأن يمهلوهم سواد هذه الليلة حتى يصلوا لربهم ويقرؤوا القرآن، فأصحاب الحسين عليه السلام كانوا بين تال للقرآن وبين قارء له والبعض منهم كانوا اساتذة للقرآن الكريم كبرير الهمداني فقد كان المعلم الأول في الكوفة، هكذا كان أصحاب الإمام الحسين عليه السلام، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من السائرين على نهجهم.

 

مرات العرض: 194
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (69)
تشغيل:

مستشرقون في مواجهة  القرآن الكريم 8
10 قرآنيون .. ضد القرآن !