عقوبات تارك الصلاة 19
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 2/7/1440 هـ
تعريف:

  عقوبة تارك الصلاة

 

تفريغ نصي فاضلة مؤمنة

حديثا هذا اليوم - ضمن الحديث عن ثواب الأعمال، وعقاب الأعمال - يتناول عقوبة تارك الصلاة.

جعلنا الله وإياكم من المصلين الخاشعين الذين تنفعهم الصلاة في تهذيب أخلاقهم في الدنيا وفي دخولهم الجنة.

في الآية المباركة يقول ربنا سبحانه وتعالى مستثنياً أصحاب اليمين من الإرتهان بسوء الأعمال فيقول ( إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45)) - سورة المدثر.
هؤلاء مجرمون يتساءل عنهم أصحاب اليمين، بل يسألونهم، وهذا يشير إلى أن هناك نحو تواصل بين أهل الجنة والنعيم، وبين أهل النار والجحيم، إما قبيل دخول كل منهم إلى مقره. مثل ما يحدث لو افترضنا أن هناك فئتين فئة الناجحين ، وفئة الفاشلين. فكل واحد منهما يكون في اتجاه، وكل منهما يسأل الآخر ماذا فعلتم في الإختبار! فيجيبه.

إما في هذا الموقع أهل الجنة يسألون المجرمين: ما الذي جعلكم تذهبون إلى سقر؟. سقر: إما هي درك من دركات جهنم، كما قيل أنها الدرك الخامس في جهة السفل. مثل ما هناك درجا للجنة في جهة العلو، هناك دركات و مهاوي في دركات النزول. إما سقر هكذا، وإما هي اسم من أسماء جهنم. في موضع آخر رب العالمين يصفها في القرآن الكريم : ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)) - سورة المدثر.

فهذا من العقوبات الواضحة قرآنياً، و أنها "تصلي". التصلية: هي تماما الشوي. مثل عندما نقول دجاجة مصلية، عندما تدور حول المحور في النارو في هذا الأثناء تشوى هذا يسمى تصلية، صلى الدجاجة صلياً أي شواها.

هنا القرآن الكريم يشير إلى أن هذا الإنسان تارك الصلاة لم يكن من المصلين فكانت نتجيته أن يصلى سقر، في الروايات عندنا شيء كثير و مفصل نحن نكتفي بما أورده أحد كبار علمائنا وهو السيد علي بن طاووس الحسني رضوان الله تعالى عليه (احد أعاظم علماؤنا حفيد شيخ الطائفة الطوسي و تذكر له كرامات كثيرة ليس فقط الجانب العلمي عنده تميز وتفوق، وانما في جانب الكرامات ينقل عنه الشيء الكثير).

لديه كتاب (فلاح السائل) ، في هذا الكتاب ينقل رواية طويلة. هذه الرواية في مصادر ورأي مدرسة الخلفاء غير ثابتة و من العجيب أن بعض المـتأخرين قالوا أن هذه الرواية موضوعة ومكذوبة مع أن هذا يفترض مخالفا للمنهج العلمي، ذلك أن المحقق في أسانيد الروايات يأتي ويقول لنفترض فلان ضعيف في الحديث غير حافظ ، وغير ثبت في النقل وبالتالي لم تثبت عندنا. هذا اقصى ما يمكن أن يقول، أو يقول الرواية ضعيفة لكن ادعاء أن الرواية مكذوبة أو موضوعة فهذا غير علمي، إلا إذا أقر الراوي بأنه أنا وضعت ذلك بإقراره هو. بعض الرواة مثل هكذا، يقول مثلا: رأيت الناس مشغولين بمغازي ابن اسحاق و التواريخ فوضعت روايات في فضائل السور حتى يرجع الناس لقراءة القرآن. هنا بإقراره هو أنا وضعت هذا الحديث. إما إذا لم يكن هكذا، لكن الرجل غير حافظ ، أو غير متثبت في النقل، هنا لا يمكن أن نقول أن هذه الرواية مكذوبة أو موضوعة، فكم يصدق الكاذب!. حتى الكذابين ليس كل رواياتهم واحاديثهم كذب، ممكن 50% صادق ، و 50% كاذب .. فإن يأتي عالم ولا سيما من المتأخرين عن مدرسة الخلفاء ويقول هذا مكذوب فهذا خلاف المنهج العلمي.

من طرقنا لا مشكلة في الرواية، فإن السيد ابن طاووس ذكر في كتابه( فلاح السائل) إنه أنا وإن حذفت الأسانيد من هذا الكتاب إلا أنه لي طريق إلى ثقاة أصحابنا، والروايات فيه من خواص اصحابنا الثقاة وحتى لو كان في احدها شخص مطعون عليه فإن لي سند آخر تام لا اشكال فيه. اضافة لذلك التمسك بقاعدة التسامح في أدلة السنن وقد سبق تناول ذلك في حديث سابق.

ما يرتبط بالوعد بالثواب والوعيد بالعقاب - اذا الانسان اتى بما وعد عليه ثوابٌ وانتهى عما تُوّعد عليه بالعقاب - هذا الانسان يعطى الجزاء في يوم القيامة وان كان هذا الحديث لم يقله رسول الله (صلى الله عليه وآله). في هذا الكتاب (فلاح السائل) وعنه نقل البحار للمجلسي وكل من تأخر عنه سيد بن طاووس أيضا نقل عنه. ينقل هذا الحديث بهذا النحو:

أروى بحذف الاسناد عن سيدة النساء فاطمة ابنة سيدة الأنبياء صلوات الله عليها وعلى أبيها وعلى بعلها وعلى أبنائها الأوصياء أنها سألت أباها محمدا صلى الله عليه وآله فقالت: يا أبتاه ما لمن تهاون بصلاته من الرجال والنساء؟ قال:

يا فاطمة من تهاون بصلاته من الرجال والنساء ابتلاه الله بخمس عشرة خصلة: ست منها في دار الدنيا، وثلاث عند موته، وثلاث في قبره، وثلاث في القيامة إذا خرج من قبره.

فأما اللواتي تصيبه في دار الدنيا: فالأولى يرفع الله البركة من عمره، ويرفع الله البركة من رزقه، ويمحو الله عز وجل سيماء الصالحين من وجهه، وكل عمل يعمله لا يوجر عليه، ولا يرتفع دعاؤه إلى السماء، والسادسة ليس له حظ في دعاء الصالحين.

وأما اللواتي تصيبه عند موته فأولاهن أنه يموت ذليلا، والثانية يموت جائعا، والثالثة يموت عطشانا، فلو سقي من أنهار الدنيا لم يرو عطشه.

وأما اللواتي تصيبه في قبره فأولاهن يوكل الله به ملكا يزعجه في قبره، والثانية يضيق عليه قبره، والثالثة تكون الظلمة في قبره.

وأما اللواتي تصيبه يوم القيامة إذا خرج من قبره: فأولاهن أن يوكل الله به ملكا يسحبه على وجهه والخلايق ينظرون إليه، والثانية يحاسب حسابا شديدا، والثالثة لا ينظر الله إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم)

 

من تهاون بصلاته من الرجال والنساء: التهاون إلى حد ترك الصلاة.

أحدهم سأل هذا السؤال: انا اذهب العمل من الصبح، أرجع الساعة 4 لأن في العمل لا استطيع الصلاة، اتغذى وأكون تعبان فأنام وأصحى المغرب، فما أصلي صلاة الظهر الا بعد المغرب. هل هذا يعد من التهاون أولا؟ فكتبت له : ماذا تريد أيضا أسوء من هذا التهاون؟ لديك من الساعة 12 الى 6، ست ساعات لا تتسع ل10 دقائق صلاة، و تتسع لكل شيء . ماذا يراد أكثر من هذا التهاون؟

(من تهاون بصلاته من الرجال والنساء ابتلاه الله بخمس عشرة خصلة: ست منها في دار الدنيا، وثلاث عند موته، وثلاث في قبره، وثلاث في القيامة إذا خرج من قبره)

1) يرفع الله البركة من عمره:
(قد تكون بمعنى تقصير العمر، مثلاً كان في علم الله عز وجل عمره 85 سنة، ولكن مع التهاون يمحو الله ما يشاء ويثبت - بدل أن يكون عمره كما كان مقرر له 85 سنة يكون 75)،

2) يرفع البركة من رزقه: يكون عمره صحيح 85 لكن ليس فيه فائدة، و لا بركة، يجهد نفسه من الصبح لليل لكن لا يحصل شيء آخر الشهر. عيشة الكفاف وجهد المجهد. البركة في هذا الرزق غير موجودة و في هذا العمر غير موجودة، و غيره مما طرح الله البركة في رزقه وعمره اذا يخليه على الحجر ذاك الحجر يكون نبات، انسان مبارك في عمره. هناك عمره 70 سنة من عمره عندما توفي لكن عنده من التأليف ما يذهل العقول، فكيف تمكن من التوفيق بين الكتابة و بين شؤون حياته. فكيف استطاع أن يؤلف كل هذه التأليفات الكثيرة، وغيره لا بركة في عمره.

3) يمحو الله سيماء الصالحين من وجهه:

في حديث: (سئل علي بن الحسين عليهما السلام: ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجها؟ قال: لأنهم خلوا بالله فكساهم الله من نوره). وجهه مشرق أو مزهر ليس لأنه أبيض، أحيانا يكون لونه داكن أسمر أوأسود لكن له نورانية خاصة. الله نور السماوات والارض. فاذا افرغ عليك من نوره انار قلبك وحياتك ووجهك. هذا الانسان الذي لا يقيم وجه لله تعالى عاصياً تاركاً للصلاة ، سيماء الصالحين

أنوار الصالحين تتراجع من وجهه.
4) كل عمل يعمله لا يؤجر عليه: فيقول مثلا: اذهب واعمل عملي خيري، أتصدق أو اساعد فلان، يقول أمير المؤمنين عليه السلام لمحمد بن ابي بكر في خطابه اليه عندما ولاه مصر (واعلم أن عملك تبعٌ لصلاتك). واشتهر بين الناس حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن قبلت قبل ما سواها، وإن ردت رد ما سواها)، فتارك الصلاة إن عمل عملاً، لا يؤجر عليه.
5) لا يرتفع دعائه للسماء: انت تدعو تحتاج لوقود يرفع هذا للسماء. ليس لديك وقود أو شيء يرفع اعمالك للأعلى, الذي يرفعه هو صلاتك وصلاتك غير موجودة.

6) ليس له حظ من دعاء الصالحين: اي انسان يقول (رب اغفر للمؤمنين والمؤمنات) يصيبك نصيب منها قسمة ونصيب، لذلك من يدعو للمؤمنين والمؤمنات يأتي يوم القيامة وله فضل عظيم على كل هؤلاء، ويجزى بحسب ذلك، فأنت دعوت لهذا الكم من المؤمنين، لابد أن يرد هذا الجميل لديك، فإن ردوه لك بدعوة مقابلة فهو، أو يهيء لك الله عز وجل عدد من الملائكة يدعون لك بعدد من دعوت لهم. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات ، عدد المؤمنين والمؤمنات من البداية حتى الآن مثلاً 10 مليارات .. يجعل لك 10 مليارات من الملائكة يدعون لك بعدد من دعوت لهم. هذا الانسان الذي لا يصلي (اللهم اغفر للمؤمين والمؤمنات ) مستثنى منه لأنه لا يصلى فليس بمؤمن ولا يشمله الدعاء.

 

7 - 8 - 9 ) (وأما اللواتي تصيبه عند موته فأولاهن أنه يموت ذليلا، والثانية يموت جائعا، والثالثة يموت عطشانا، فلو سقي من أنهار الدنيا لم يرو عطشه)

العطش والجوع ليس أنا من يشعر فيه . الذي يشعر فيه صاحبه، هناك انسان للتو شارب ماء ومع ذلك عطشان يحتاج للزيادة. طبيعة بدنه بالمقدار الذي يكفيه من الماء لا يكفي غيره. بناء على هذه الرواية ان من لا يصلي يموت عطشانا، يموت ذليلا، .. الذلة واضحة: شعور الانسان وهو مقبل على ربه وهو مذنب في حق ربه والملائكة يتعتعونه يضربون وجههم وأدبارهم، بالنسبة لهؤلاء العصاة والكفار من أول سكرات الموت يتولونه. نحن لا نشعرولا نرى لكن صاحب الموقف يشعر بذلك.

 

10- 11- 12) (وأما اللواتي تصيبه في قبره فأولاهن يوكل الله به ملكا يزعجه في قبره، والثانية يضيق عليه قبره، والثالثة تكون الظلمة في قبره)

يوكل الله له ملك يزعجه في قبره إلى أن تقوم الساعة، و الثانية: يضيق عليه في قبره ، ضغطة القبر وضيق القبر، والثالثة ظلمة في قبره. (ضيق و ظلمة وفوق ذلك ملك يزعجه)

 

13- 14- 15) (وأما اللواتي تصيبه يوم القيامة إذا خرج من قبره: فأولاهن أن يوكل الله به ملكا يسحبه على وجهه والخلايق ينظرون إليه، والثانية يحاسب حسابا شديدا، والثالثة لا ينظر الله إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم)

 

هذه العقوبات الخمس عشرة، كما قلنا وردت في حديث من طرقنا، في كتاب(فلاح السائل). عند العامة، بتبع ابن حجر العسقلاني في كتابه (لسان الميزان) قال: إن هذا الحديث من جهة الطرقية يعني المتصوفة. مجرد كونه ورد من جهة جماعة من المتصوفة الذي هذا هو شغلهم أي المتصوفة بالنسبة لهم احاديث الفضائل والرذائع ، الأعمال المستحبة والأعمال المقابل لها. مجرد أن يكون ورد من طرقهم فهذا لا يعد كذبا. هو عنده ابن حجر قال في سند هذا الحديث أن من طرف هذا الحديث فلان وهذا الفلان ركب هذا الحديث على رسول الله. لو فرضنا أن هذا الحديث ضعيف من طريق مدرسة الخلفاء، إلا أنه من طريق مدرسة أهل البيت عليهم السلام، ولا سيما ان الناقل له مثل السيد ابن طاووس، وتعهد بوجود أسانيد معتبرة في كتابه، بالإضافة إلى وجود تسامح في أدلة السنن، ينبغي للإنسان أن يعتني به.

 

كيف يتقي الإنسان مسألة التهاون في الصلاة؟

الشيطان دائماً يشتغل على الإنسان في أهم نقطة مركزية، أكبرخط دفاع عن الإيمان هو الصلاة، ولذلك لدينا في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( لا يزال الشيطان ذعرا من المؤمن ما حافظ على الصلوات الخمس، فإذا ضيعهن تجرأ عليه وأوقعه [في] العظائم). العظائم: أي في الجرائم / الكبائر.

 

يمكن أن نتقي ذلك باتخاذ طرق مقابلة. على سبيل المثال: قدر الإمكان : التزم بصلاة جماعة في مسجد. من يلتزم بالصلاة جماعة في المسجد، حتماً لن يفكر أن يترك الصلاة بشكل نهائيا. و لو لم تستطع ذلك كون الجماعة بعيدة أو المسجد بعيد، صلها في المسجد وهذا يعتبر خط دفاع آخر.اذا لم يكن في المنطقة مسجد، قدر الإمكان التزم بالنوافل مع الصلاة، قدر الإمكان التزم بركعتين قبل الفجرنافلة، قدر الإمكان التزم بصلاة النافلة بين صلاة العشائين وبعد العشاء. ممكن صلاة النافلة في الظهر تتعذر، حيث تكون تكون مشغول بعمل او درس او ما شابه، لكن بقدر الإمكان التزم بها في الفجر والعشائين. هذا يصد عنك الشيطان بعيدا، عندما يراك الشيطان محافظ على النوافل فلن يتجرأ عليك في أصل الفريضة. اذا لم يتاح لك النافلة، التزم بالصلاة في أول الوقت. اذا وضعت لنفسك خطوط الدفاع هذه لن يتحقق منك التهاون، لان الشيطان عندما يراك تصلي أول الوقت سوف يشتغل على أن تتأخر عن الصلاة وليس ترك الصلاة بشكل كامل.

 

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المصلين الخاشعين وأن يجعل صلاتنا طريقاً لنا إلى الجنة إنه على كل شيء قدير. وصلّ اللهم على محمد و آل محمد الطيبين الطاهرين

والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين

 

 

 

 

مرات العرض: 370
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (58)
تشغيل:

عقوبة نسيان الله والشرك به 18
من صور الاستخفاف بالصلاة وعقوبته 20