المشرع الحقيقي هو الله تعالى 1
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 1/9/1439 هـ
تعريف:

المشرع الحقيقي  هو الله سبحانه وتعالى


تفريغ نصي الأخت الفاضلة فاطمة
 تصحيح الاخت الفاضلة أفراح آل ابراهيم

قال تعالى " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصى به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه " 1 صدق  الله  العلي العظيم
حديثنا بإذن الله تعالى   سيكون خلال هذه الليالي المباركة بعنوان قصة تشريع العبادات والغرض منها الإشارة إلى الظروف التاريخية   التي رافقت تشريع العبادات التي نلتزم بها. 
نحن مكلفون  وبعون  الله ملتزمون بالعبادات  التي  فرضها الله سبحانه  وتعالى علينا  من الطهارة  والصلاة والصوم  والحج  والزكاة والخمس، وهذه العبادات  كانت لها  ظروف معينة  تمّ من  خلالها تشريعها،  و من  المناسب للإنسان  المؤمن   حينما يمارس  هذه العبادات أن يتعرّف عليها وعلى  مقاصدها  وعلى
الظروف  التي  كانت  حولها  حتى  يتفهّم هذه العبادة ، فإنّ من خطوات  العبادة الحقيقية   التفهّم  و التعرّف  لذات العبادة  وللمعبود سبحانه وتعالى .
سنتطرق في بداية البحث لهذا الموضوع الذي يرتبط  بموضوع  التشريع  أولًا :
من هو المشرع  الحقيقي ؟   ولماذا  يكون الله  سبحانه وتعالى هو صاحب التشريع   لا  سواه من البشر؟
و لماذا يرفض  مثلًا  تشريع  المجالس التي  تسمى بالمجالس  التشريعية  في  ما لو خالفت  أحكام الله  عز وجل، هل إنّ لرسول الله صلى الله عليه وآله حقٌ في  هذا التشريع ، بحيث  يشرّع بعض الأشياء أو  لا  يحق له ذلك ؟   هل حصل منه  تشريع  في العبادات فضلًا عن  المعاملات  أو لم  يحصل؟  هل للائمة المعصومين  عليهم السلام   نفس  هذا الحق  من  التشريع الذي  كان  لرسول  صلى الله عليه  وآله  أم  لا ؟ 
بالإضافة إلى بعض القضايا التي   ترتبط  بنظام  التشريع  الإسلامي   في ثباته وفي تطوره  وتجدّده .

١-   المشرع الحقيقي سبحانه وتعالى
في ضلال هذه الآية المباركة   من سورة الشورى ( شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصّى به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرّقوا فيه ) 
في ضلال مفردات الآية  نرى :

1/ كلمة (شرع) التي  يشتق منها التشريع   تأتي باستخدامات  متعددة   ولكن يجمعها   كما قال  بعض  المحققين  في اللغة معنى واحد وهو( إنشاء طريق واضح إما مادي  وإما  معنوي )  إنشاء طريق واضح لذا يقال شرع العمل شرعة وتشريعًا.
ومنه جاءت  استعمالات  متعدّدة  كالشارع الذي في الخارج نقول هذا  شارع  ، شقّ  العمال شارعًا أي  طريقًا  واضحًا .
الشارع هنا في هذا الاستعمال  يعني طريق واضح  
أيضًا منه تقول ( شرع فلان في الأمر الفلاني يعني بدأ بطريق بيّن وواضح ) ونقول أيضًا شريعة الماء، ودائمّا ما نذكر هذا المصطلح أيام العباس عليه السلام فنقول عنه حامي الشريعة ، هنا  ليس المقصود الشريعة الإسلامية وإنما المقصود  بها  حامي المشرعة ، والمشرعة والشريعة هو   الطريق  الذي  يؤدّي  إلى الماء، لهذا يقال وصل إلى شريعة الفرات.
 يعني  الطريق  الواضح الذي يوصل  إلى الماء فأنت لا تستطيع من أي  مكان  أن تأخذ من  النهر من الممكن أن تزلق   ومن الممكن أن تغوص رجلك  فيجعلون طريقًا  إلى النهر  يقال  له  شريعة  النهر أو شريعة  الفرات أو شريعة  الماء أو مشرعة الماء وهكذا،
ومنه أيضًا  يستخدم  الشريعة بعنوان الطريق وبالنسبة  للأحكام   فتقول  شريعة  الله و شريعة موسى و شريعة عيسى يعنى الطريق  الواضح  ولكن ليس الطريق  المادي  مثل هذا  الشارع المسفلت   وإنما طريق  أحكامي   طريق مبادئ و طريق  معارف  و طريق عبادة يقال لذلك الشريعة  ( ثم  جعلناك على  شريعة  من الأمر  فاتّبعها )2 جعلناك على طريق  واضح وبيّن  وجلي  في أمور  الأحكام  والعبادات  والمبادئ  الدينية ، ولأجل أنّ الله سبحانه وتعالى   هو الذي  يقوم  بوضع الطريق   العبادي  و الإحكامي يقال له  الشارع ، لذا ترى دائمًا  يقول ( الشارع  المقدس  ) وهو  الله سبحانه وتعالى   الذي  يشرع الأحكام  وهنا  في الآية المباركة   شرع لكم  من الدين  الفاعل   لديها    شرع  فهو  شارع مثل  ضرب  فهو  ضارب                                        
وأيضًا يقال شرع وشرّعه الله سبحانه وتعالى  ، شرع للناس  أحكامهم  فهو المشرّع  سبحانه  وتعالى.
  شرع لكم  من الدين
2/ كلمة الدين :  لها معاني متعددة منها ولكن هذه الكلمة يجمعها  شيءٌ واحد وهو الخضوع  والانقياد والطاعة  ، حتى قضية أنّ فلان مديون  تأتي من  هذا الباب  لأنّه على  أثر  أنّه  مقترض  من غيره  فهو  خاضعٌ  له في هذه  الجهة  ومطلوب منه  أن  يؤدّي  ويسدّد .
إذن الشيء الذي ينتهي إلى خضوع و إلى  طاعة وإلى انقياد يقال له  الدين ، بل أنّ بعض  اللغويين   قالوا إنّ نفس كلمة   المدينة   سميت المدينة  مدينة   لأنّها  محل للخضوع  و للأنظمة  والأحكام ، مدينة على وزن مفعلة  المكان  الذي لا بدّ للإنسان أن يخضع  فيه للأنظمة ، لأنّ المدينة تختلف عن القرية ففي المدينة مكان يطبّق فيها  الانقياد  والخضوع  والطاعة ، ولكن في القرية الوضع مختلف يستطيع أي شخص أن يبني بأي كيفية بعكس المدينة التي تخضع ساكنيها لمجموعة من الأنظمة والقوانين.
وكذلك الدين جملة  المعاني  الأساسية   التي  ينتهي  إليها هو  قضية  الخضوع  والانقياد  والطاعة ، شرع لكم من الدين  الله سبحانه وتعالى    ما وصّى به  نوحًا  وما أوحينا إليك  يا رسول الله  ووصى به إبراهيم   وموسى  وعيسى .

2- ماذا شرع الشارع الحكيم؟
من ضمن العناصر المشتركة بين الديانات المختلفة هو ما شرعه الشارع الحكيم ، فالديانات في أصولها العامة واحدة لكنها تختلف في تفاصيلها ، وهذا ما تتحدّث عنه الآية الكريمة، وأساس العقائد الدينية بالنسبة لجميع الديانات هو التوحيد ، والتوحيد له تجليات متعدّدة ولكي يعترف الانسان بوحدانية ربه لابدّ له من أن يفكّر في جهات متعدّدة:
 
- توحيد الخالقية  :  أن يعتقد  أنّ الله  هو  الخالق للأشياء  لا يشترك معه أحد  ولا  يستعين بأحد  ولا يندّه  و لا  يضاده  ولا يقف إلى جانبه أحد  في أصل  الخلق ( ألا  له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين )3
- توحيد الربوبية   :أن يعتقد  الإنسان  أنّ الله وحده  لا شريك له  هو ربّه  ورب كل  شيء  وأنّه  يعبده ولا يعبد أحدًا سواه   ولذلك لا يسمح   الله سبحانه  وتعالى  للإنسان  بأدنى  اشتراك  في هذه  حتى بمقدار  العجب  والرياء لذا يقول لك: لا تشرك   معي أحدًا بل اجعل عملك وعبادتك لي لا لأحد ولو بنسبة بسيطة.

- أن يعتقد الإنسان  أنّ  المشرع للقوانين  والأحكام  هو الله سبحانه  وتعالى   وأنّ أي حكمٍ  يراد  تشريعه  لا بدّ أن يكون  تحت  تشريع الله  ومنبعث  من أحكام  الله  وإلا  فإنّه مرفوض ، وهذه معركتنا من قديم الزمان إلى اليوم.

هل العقل قادر على التشريع ؟

 هناك بعض  النظريات في زمننا الحاضر تقول بأنّ زمن الأنبياء قد ولّى فقد أتوا في مرحلة زمنية معينة وعملوا على هداية الناس وأنقذوهم من الظلمات ، أما الآن فتأتي مرحلة العقل ، لأنّ العقل قادر على التشريع ، لنفترض أنّ هناك تشريعات كانت ملائمة إلى أزمنتها و ملائمة لمجتمعاتها ، لكنها الآن في الزمن الحاضر غير مناسبة ، إذن العقل هو من يشرّع ، ولدينا من يقول أنّ هناك عقول مفكّرة وكفاءات من الأطباء والمهندسين والمفكرين يجتمعون في مكان واحد ويستطيعون الخروج بتشريعات وأحكام تناسب الناس ، نحن نقول إن كان ذلك الحكم تحت الإطار الإلهي ومنبعثًا من الأحكام الإلهية ومن البصائر الدينية ، وممّا جاء به القرآن الكريم فلا بأس به ، أما إن كان لا يوازي الحكم الشرعي فلا يعمل به وليس له قيمة ، ولا يستطيع أحدهم أن يفتري على الله ويقول هو من عند الله أو هو حكم الله ، بل هو حكم المجلس التشريعي ، قال تعالى ( أم شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله )4
إذن قضية التوحيد في التشريع ليست قضية نظرية ولا قضية سابقة إنما هي مستمرة تقود الحالة الإسلامية والدينية الأصيلة المنبعثة من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله صلى الله عليه وآله ومن هدي العترة الطاهرة ومازالت تخوض معركة صريحة مع التشريعات المخالفة للأحكام الدينية سواء كانت من نتاج العقل كما يقولون أو لأنّ العقل أصبح حجة على العباد، لذا له الحق في التشريع، ونحن نقول جعله الله حجة إن كانت العبادة تحت أمر الله عزّ وجل وشرعه ، أما إن صار العقل إلى جانبه  فيكون إلهًا آخر ، لأنه صار موازيًا لشرع الله ولأمر الله لذا يصبح معبودًا آخر، إذن لم يجعله حجة على العباد.

لماذا ينبغي أن ينحصر التشريع  في الله عز وجل ؟

 نحن لا نقبل هذه المجالس وتشريعاتها إذا كانت تتعارض مع أحكام الله ، فعلى سبيل المثال في أحد المجالس التشريعية التي عقدت في أحد البلاد الإسلامية  في  سنة ستة وتسعين ميلاديًا  ولأجل أن يقبل  ذلك البلد  في  الاتحاد الأوروبي   البرلمان  المجلس  صوّت على  أن   لا يعتبر الزنا  عملا جنائيًا وليس ممنوعًا ، ويعتبر اغتصاب إذا كان برغم إرادة أحد الطرفين ، إما إن كان عن تراضٍ فلا مشكلة في الموضوع  وإن لم تكن هناك علاقة زوجية.
لماذا ؟ قالوا لأنّ القول بأنه ممنوع   يتعارض مع قانون الحرية  الشخصية  الذي يعتبره الاتحاد الأوربي   من أساس النظام  الاجتماعي ،  فأنتم  ياأيتها الدولة  المسلمة إن أردتم الانضمام إلى نادي الاتحاد  الأوربي  وتصبحوا جزءًا منا  فلابد أن تصبحوا مثلنا وتأخذون من قيمنا ، فالعلاقات الجنسية تكون بالتراضي خارج مؤسسة الزواج ولا يوجد مشكلة ، وإنّ تسميته بالزنا ووصفه بالحرام ليس مقبولًا لدينا ، إذن هذا التصويت أصبح مقابل التشريع الذي يقول  ( ولا تقربوا  الزنا إنّ الزنا كان فاحشةً وساء سبيلًا )5

1/ إنّ أول مبرّر يجعل التشريع والتحليل والتحريم والإجازة والمنع منحصر بالله  عز و جل لأنّه هو من  يمتلك  الخلق والتكوين وهو الذي يمتلك حق التشريع لأنّ التشريع في حقيقته إلزام بفعل أو بترك ، عندما يحرم عليك الخمر إذن هو يلزمك بالترك، يحرّم عليك الزنا إذن يلزمك بالترك ، وهكذا..، وإما أن يلزمك بالفعل عندما يشرع لك الصوم إذن هو يلزمك بالصوم ( كتب عليكم الصيام )6
لابدّ أن تمسك من الفجر  إلى  الليل عن  المفطرات  المعهودة ، وكذلك بالنسبة للصلاة والحج  وتقسيم الميراث والخمس، وكل تلك التشريعات ضمن ضوابط محدّدة  
هذه كلها التزامات شرعية يلزمنا بها الشارع المقدس الذي هو الخالق الرازق المنعم مالك الملك المتصرف في ملكه كيف يشاء، أنت مالك لدابة أو سيارة إذن هي تحت تصرّفك وبالنحو الذي تراه مناسبًا ، ولا يحقّ لأحد أن يتصرّف بدلًا عنك.
إذن هذا الكون  وما فيه ومن فيه وما عليه  كله ملك لله  عزّ و جل   والخلق كلهم بيد الله " إلا له  الخلق  والأمر "
ولأنّ له الخلق لذلك  يكون له الأمر لأنّه مالك  لذلك ، و يستطيع أن يتصرّف  فيقول لك  أفعل  ولا تفعل.
بينما تلك المجالس النيابية الموجودة الآن ماذا تملك من الأعضاء ومن أفراد المجتمع ، إنّه لا يستطيع أن يملك شيء وأقصى ما يستطيع أن 
يمتلك هو التفويض فقط والنيابة عن الأفراد يملك  أنني  فوضته  في إصدار حكم ما والتصويت عليه، بينما لا يستطيع أن يقرّر أنّ الخمر حلال أو أنّ الصوم غير واجب ، ومن العجيب أنّ بعضهم يفعل ذلك في بلد إسلامي ، وقد حدث ذلك قبل شهرين كان هذا البلد من البلدان التي تبيح استهلاك الخمر والكحول بل ويعد سكانه من أكثر المستهلكين فكانوا  يناقشون  في مجلسهم قانون فرض الضرائب  الإضافية على بيع الخمر أو تبقى الضرائب موجودة كما هي، للأسف لم يناقشوا حرمة الخمر وحرمته، بل ناقشوا فرض الضرائب الإضافية ، بل ومن الظريف أنّهم التفتوا أثناء المناقشة إلى وقت صلاة المغرب فأعطاهم رئيس الجلسة فرصة نصف ساعة لأداء الصلاة، ثم يكملوا نقاش هذا الموضوع.

إذن من يمتلك  التكوين  والخلق هو  الذي  يستطيع  أن  يمتلك  حق التشريع   وذلك الذي لا يمتلك هذا الأمر فلا حقّ له في التشريع    غير الله سبحانه وتعالى ، ولا يستطيع أحدٌ مهما علت رتبته  حتى  الأنبياء إلا أن يأذن  لهم الله ويدخلون في نطاق إذن الله  ( قل  آلله  أذن لكم أم على الله  تفترون)7
فإن لم يؤذن له بالتشريع إذن هو مفتر على الله ، وفي الآية الأخرى ( شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله )

2/ إنّ الذي  ينبغي  أن يشرّع  ينبغي أن يكون  عالمًا  بالمشرع له  وهذا لا يحصل   في البشر
الآن لو أنّ إنسانًا صنع الطائرة وجعل السلك من جهة ولم يجعله من جهة أخرى لا يعاتب لماذا ؟ لأنّه هو الصانع الخبير بها  وقد جعل  السلك  هنا لحكمة ولم يجعله هناك لنفس الحكمة،
لابد أن تكون بهذا الحجم ليس أكبر ولا أصغر  لحكمة  يعرفها  هو فهو صانع الطائرة 
وكذلك صانع الإنسان  ، الله سبحانه وتعالى   خلق هذا الإنسان  ( ولقد  خلقنا الإنسان ونعلم  ما توسوس  به نفسه  ونحن أقرب  إليه من حبل الوريد )8
ولذلك  أي شيءٍ  يقرّره الله  لهذا الإنسان من فعل أو ترك فهو يلحظ هذا الإنسان في كل حاجاته ، وكل  غرائزه وكل  أهوائه و كل توجهاته ، مثل صانع تلك الطائرة يعلم ما تحتاج إليه وكيف يوجّهها وماذا يلزمها.
أما إذا أتى شخص مثلي ومثلك في ذلك البرلمان لا يعرف أمور الإنسان الظاهرية فما بالك بالأمور الباطنية ، فهو يفعل ويقرّر شيء ويظهر أثره السلبي في مكان آخر.

وفي هذا العصر الحديث انتهى البشر إلى توجهين:
1/ التوجّه الشيوعي الاشتراكي بتفرعاته الاقتصادية  وغيرها 
2/ التوجّه الرأسمالي   
وكلا التوجهين  أوقعا الإنسان في مشاكل ومتاعب ، وسبّبا له الإرهاق ، ومع أنهم وظّفوا العقول وحاولوا جهدهم ، إلا أن من يريد أن يصنع تشريعًا  لا بدّ أن يكون  عالمًا   عارفًا خبيرًا  بهذا  الإنسان وبأهوائه  وبغرائزه وبما يريد  وبما  لا يريد  وبما  يصلح دنياه  وبما  يصلح آخرته  ، خبيرًا بحياته  الأسرية وبحياته  الفردية  و بحياته الدنيوية  والأخروية  حتى  يستطيع أن يقرّر قانونًا  سليمًا  وليس يفقه ذلك سوى الله سبحانه.
من هنا نجد موقف التوجّه الديني بما فيها الحوزات والعلماء والفقهاء والمفكرين الإسلاميين كان موقفًا سلبيًا تجاه المجالس التي تدّعي أنّها تشرع للإنسان.
والمجالس التشريعية على قسمين:
1/ المجالس النيابية التي ترتبط بالأمور التنظيمية للبلد كمحاسبة وزير الاقتصاد على الخطة الاقتصادية وهذه ليست محذورة إذا سلمت من الفساد وسائر الأعراض الأخرى.
2/ المجالس النيابية التي تقرّر قوانين تفصيلية لإدارة البلد ضمن الإطار العام الذي لا يخالف الدين ، وهذه ليست محذورة أيضًا، ولكن إن كانت مخالفة للشرع فهي محذورة ، كما فعلت بعض المجالس وقرّرت أنّ 
 نظام الإرث  لا يتميّز فيه  الذكر عن الأنثى بل يتساوى  الرجل والمرأة  في  الميراث ، هذا القرار يخالف  نص كتاب  الله عز وجل
( يوصيكم الله في أولادكم   للذكر مثل حظ الأنثيين )9
حينما يأتي المجلس ويقرّر قرارًا خلاف الشرع فإنّه لا قيمة لقراره ولا قيمة لهذا المجلس ، وكثير من الأحكام المخالفة صدرت من هذه المجالس فعلى سبيل المثال يأتي أحدهم ليقول  أنّ الطلاق بيد من أخذ بالساق ، بينما نحن لدينا كما ورد في الروايات والأخبار وما أشار إليه القرآن الكريم أنّ الطلاق بيد الرجل ، ولا ينسب الطلاق إلى المرأة ، بينما يأتي برلمان مسلم ويعطي الزوجة الحق في ذلك ولها أن تطلّق الزوج ، وهذه من الأمور المخالفة التي تجعل الشرع يقف موقفًا سلبيًا تجاه هذه المجالس التشريعية التي عملت على استفزاز المؤمنين في أحكامهم تاركين مراقبة أداء الحكومات ومصارف الميزانية وإدارة الدولة ومتفرغين للفتوى والتدخّل  في الأمور الأسرية كالطلاق والحضانة والميراث وجعلها في إطار مخالف لأحكام الله.
وعندما ندقّق النظر في هذه المجالس نجد أنّ الكثير منها ما هو مستنسخ من الخارج ، يقولون أنّ أقدم مجلس برلماني في البلاد العربية  والمسلمة كان قبل مئة وخمسين سنة  في مصر  وغالبًا كان مستوردًا من الخارج  من أوروبا ‘ إذ أنّ أوروبا  لم  تكن لديها شريعة  دينية  حاكمة فقد عزلوا المسيحية  واليهودية و جعلوا لهم نظامًا علمانيًا   والنظام العلماني  يحتاج إلى  قوانين فجمعوا الناس ووضعوا القوانين حسب اجتهادهم.
بينما نجن نمتلك الشريعة المتكاملة والمفصلة الموجودة بين أيدينا كمسلمين فما الحاجة إلى استيراد شرائع وضعية تتعدّى حدود الله وأحكامه؟
في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام عندما سمع عن أحد الفقهاء أنه أفتى على خلاف القوانين الإلهية قال   الإمام الصادق عليه السلام ( من مثل هذه الفتوى  تمنع السماء قطرها والأرض بركاتها )10
يعني الله سبحانه وتعالى   يمنع خيره يمنع بركته عن الناس  على أثر  تعدّي  هؤلاء  الناس  حدودهم إلى حدود الله 
إنّ الله  قد  جعل لكل  شيءٍ  حدًا وجعل على من تعدّى ذلك الحد حدًا
 "حدود الله فلا تقربوها "11  ، فلا تتعدّوا عليها ولا تحاولوا اقتحامها، فما هو حلال هو حلال فلا تجعله حرامًا ، وما هو حرام لا تجعله جائز.
وهذا بعض ما أشار مولانا الإمام  الحسين عليه السلام  وهو الذي  جعله ينهض في وجه  تلك الزمرة  الطاغية   من بني أمية   التي جاءت وأظهرت  تحليل الحرام  وتحريم  الحلال ،  أحدهم أبو الدرداء  يقول للخليفة  الأموي  أراك  تلبس الحرير    وقد سمعت رسول الله    صلى الله عليه وآله   ينهى عنه  وأنت خليفة  المسلمين والذي تصعد  على منبرًا  باسم رسول الله  كيف تلبسه  والنبي قد  نهى عنه  قال أما أنا فلا  أرى به بأسًا وإن قال النبي إنّه حرام فأنا لا أرى به مشكلة.

لذلك  يشير إمامنا الحسين عليه السلام بقوله ( ألا وإنّ هؤلاء  قد  لزموا طاعة الشيطان   وتركوا  طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطّلوا الحدود واستأثروا  بالفيء وأحلوا حرام الله ، وحرّموا حلاله  وأنا أحقّ من غيّر )12
----------------------------------------------------------
1 سورة الشورى آية 13
2 سورة الجاثية  آية 18
3 سورة الأعراف آية 54
4 سورة الشورى آية 21
5 سورة الإسراء آية 32
6 سورة البقرة آية 183
7 سورة يونس آية 59
8 سورة ق آية 16
9 سورة النساء آية 11
10 منية الطالب ج1 ص143
11 سورة البقرة آية 187
12كربلاء الثورة والمأساة ص254

مرات العرض: 259
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (79)
تشغيل:

والدة النبي : آمنة بنت وهب
الأئمة والمجتهدون هل هم مشرعون ؟ 3