الامام الكاظم من الميلاد إلى الاستشهاد
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 25/7/1435 هـ
تعريف:

الإمام الكاظم  عليه السلام من الميلاد الى الاستشهاد

 

تفريغ نصي الفاضلة أم سيد علي الفلفل

تصحيح الأخ الفاضل أبي محمد العباد

 

 

المقدمة:
   روي عن سيدنا ومولانا أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق  عليه السلام أنه قال مشيراً إلى الإمام الكاظم : ( إن هذا الذي رأيت لو سألته عما بين دفتي المصحف أجابك فيه بعلم )

حديثنا بإذن الله تعالى يتناول تسلسلاً تاريخيا عن حياة الإمام السابع من أئمة أهل البيت عليهم السلام وهو الإمام  أبو الحسن موسى  بن جعفر الكاظم صلوات الله وسلامه عليه .

فعندما نتحدث عن الإمام الكاظم ينبغي أولا أن نحدد معنى الإمامة وماذا يعني الإمام؟ 

معنى الإمام في الاصطلاح اللغوي:

   الإمام له معنى لغوي وهو كل من أمّ قوم وتقدمهم في شيء يقال له إمام, الذي يتقدم جماعة للصلاة يقال له إمام الصلاة، والذي يتقدم قوم في الطريق يقال له إمام، كذلك هناك أئمة أيضاً يدعون إلى النار يتقدمون بعض الجماعات وهم أئمة بهذا المعنى اللغوي متقدمون ولكن إلى النار. والإمام قد يكون إمام مذهب كرجل عنده نظرية في الفقه أو في أصول تفسير القرآن ويتقدم فيها على غيره فيقال له الإمام للمذهب الفلاني، هذا المعنى اللغوي الذي يصدق على الكثيرين، يصدق على إمام الجماعة حتى وإن كانوا ثلاثة أشخاص يصلون خلفه، وأيضاً في بعض الأماكن الحاكم السياسي يعتبرونه إماماً.

 معنى الإمام في العقيدة الإمامية:

    الإمام في العقيدة الامامية الأثني عشرية هو ذلك الشخص الذي عينه الله تعالى في هذا المنصب إماماً وقائداً للناس دين ودنيا وتم تبليغ ذلك كان على يد رسول الله محمد صلى الله عليه وآله، وهو معصوم عن أي ذنب كان صغيراً أو كبيراً بعمد كان أو خطأ، فلا يمكن أن يصدر منه ذلك، هذه خصائص معنى الإمام ضمن العقيدة الشيعية.

   إذا فرضنا أن الإمام أخطأ أو أذنب هذا ليس إمام عند الشيعة ممكن يكون إمام عند غيره ولكن عند الشيعة لا تجتمع الإمامة مع ارتكاب ذنب صغيراً أو كبيراً عمداً أو خطأ، هناك عصمة هناك نصب إلهي هناك نص نبوي أو من قبل معصوم، ولا يضره أن يكون على رأس السلطة أو لا يكون، لأن هذه المناصب ظاهرية خارجية، تؤثر في الإمام في المعنى اللغوي لأنه لا يكون إمام إلا إذا صلى خلفه جماعة ولا يكون إمام إلا إذا مشوا خلفه جماعة، أما إذا كان شخص واحد فلا يطلق عليه إمام، ولكن هذه الأمور ليست مرتبطة بالإمامة في المذهب الأثني عشري، الإمام في مذهب الأثني عشري إذا نص عليه ونصب وكان معصوم صار إمام حتى لو فرضنا لم يتبعه أحد من البشر.

فنحن نتحدث عن الامام موسى بن جعفر بهذا العنوان المصطلح فهو واحد من الأئمة الأثني عشر الذين لابد أن يقبلهم المؤمن الإمامي الأثني عشري جميعا ولو أنكر احدهم فقد أنكرهم جميعاً. 

ولادة الإمام الكاظم عليه السلام وتعريف بوالدته المكرمة: 

 

 الإمام موسى بن جعفر  عليه السلام  كانت ولادته المباركة في سنة 128 هجرية من أم تسمى حُميدة المصفاة كانت جارية أخذها الإمام الصادق  عليه السلام  بملك اليمين، وكما هو في القرآن الكريم احد أنحاء النكاح كما في قوله تعالى ( إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ )[1] حيث كان هذا موجود في الأزمنة السابقة، ونحن نلاحظ أن آخر إمام أنجبته امرأة حرة كان الإمام الصادق عليه السلام وبدءاً من زمان الإمام الكاظم عليه السلام إلى الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف كل أمهات الأئمة كانت جواري أو أمهات أولاد حسب التعبير الفقهي يعني ينكحهن الإمام بملك اليمين فإذا أنجبن ولد وتوفي الزوج تعتق وتصبح حرة يقال لها أم ولد وتحرر وتصبح من نصيب ابنها، هذه الظاهرة ملفتة للنظر لماذا؟

    هذه القضية جدا مهمة، أهميتها هي أن من أسوء ما يبتلى به مجتمع من الناحية الاجتماعية هو الشعور بالفخر الكاذب أنا أعتبر نفسي أفضل من غيري، لماذا ؟ 

   إذا عند المجتمع أتقاهم اعتبر نفسك أفضل، إذا عند المجتمع أعلم اعتبر نفسك أفضل، أما لأنك فلان بن فلان أو لأنك ابن فلانة أو لأنك تتحدث هذه اللغة أو لأنك بهذا اللون أو بهذا العنصر كيف يصبح لك فخراً وميزة على غيرك ؟! 

   إن أهم ما جاء به الإسلام  أن يقول للناس : يا أيها الناس أنتم جميعاً عبيد الله وكلكم في هذا سواء، الناس سواسية كأسنان المشط ، هذا الكلام بالرغم من كثرة الآيات الواردة فيه والأحاديث والروايات لم يتحول الى واقع ليس فقط في ذلك الزمان بل إلى يومنا هذا.

  هل اشترط الإسلام كفاءة النسب في الزواج؟

     أصبح هذا في الفقه الإسلامي نظرية، على سبيل المثال المذهب الحنفي وفي بعض المذاهب الأخرى يشترطون في الزواج كفاءة النسب إذا كان قرشي فهو كفء لكل أحد ولا يوجد أحد كفء للقرشي، فيأتي تشريع أهل البيت عليهم السلام ويقول المؤمن كفء المؤمنة والمسلم كفء المسلمة (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)[2]

   فأصبحت هذه النظرية في بلادنا وفي غيرها من البلدان موجودة، كم طُلِقت نساء من أزواجهن بناء على هذه النظرية؟! هذا في زماننا فكيف تلك الأزمنة وإلى اليوم يوجد مثل هذه الحالات.

   مثل هذه القضايا تحتاج إلى كسرها إلى آخر درجة، فيأتي الإسلام ويقول أشرف الخلق وأفضل الناس وإمام الكل هو ابن جارية بحسب تعبيراتكم، والذي هو تاج على رأسك ويجب طاعته وإذا عصيت أمره  تذهب إلى نار جهنم، ولا تتصور أن الشرف والرفعة والعلو والسمو وحسن العنصر محصور في منطقتك ولا في عروبيتك، بل موجود في كل البشرية ولا تتصوره أنه خاص بك وبقبيلتك والباقي لا يملكون شيء.

   هناك أصلاب طاهرة وأرحام مطهرة يقول الإمام الصادق  عليه السلام:  ( حميدة أو حُميدة مصفاة من الأدناس كسبيكة الذهب ما زالت الأملاك  تحرسها حتى أديت الي كرامة من الله لي , والحجة من بعدي ) هذه المرأة التي ليست عربية بحسب تعبيراتكم وليست حرة هي سبيكة ذهب في صفائها هذه كانت مقرونة بالأملاك، فلا تتصور أن عناية الله محصورة في مكان معين بل عناية الله على الخلق جميعا، فنجد أحد الأئمة  عليه السلام يأتي من جارية مغربية آخر من جارية نوبية ثالث يأتي من جارية رومية وسيدنا وإمامنا صاحب العصر والزمان من جارية رومية كما ذكروا.

   فهذه الأرحام الطاهرة وهذه المقامات العالية ليست محصورة في العرب ولا في قريش ولا في بلدك أو عند قومك ولا تتصور أنك أعلى من غيرك، ليكن فخرك بعملك الصالح بأخلاقك بعلمك، فجارية في عرف الناس جاء منها الإمام موسى بن جعفر صلوات الله وسلامه عليه.

 

إشارة الإمام الصادق عليه السلام بإمامة الكاظم من بعده:

   عاش الإمام موسى مع والده الامام جعفر الصادق عشرون عاما من سنة 128 الى 148 بناء على شهادة الإمام الصادق  عليه السلام  سنة 148 هـ فعشرون سنة كان الإمام موسى بن جعفر تحت رعاية والده الإمام الصادق  عليه السلام، في تلك الفترة التي شهدت انفجاراً علمياً قاده الإمام الصادق  عليه السلام هذه المدرسة العامرة والجامعة الهائلة سواء في الكوفة عندما كان موجوداً فيها لمدة تقارب العامين أو في المدينة والتي امتدت إمامته لما يقارب الـ 34 سنة، وهي كفترة إمامة الامامين الكاظم والهادي عليهما السلام التي امتدت امامتهما فترات طويلة وكانت مباركة بالعطاء.

   فلا ريب أن الإمام الصادق  عليه السلام  وهو يشير إلى سائر أصحابه أن هذا الأمام من بعده في أكثر من مورد وهذا جزء من النص منها ما ذكرناه، أن رجلاً جاء اليه فسأله عن مسائل فأحاله الى الإمام موسى بن جعفر وذهب فسأله ثم جاء يقدم تقريره حسب التعبير الى الإمام الصادق فقال له : ( إن ابني هذا الذي رأيت لو سألته عما  بين دفتي المصحف لأجابك بعلم )، ونحن نعلم أن الكتاب فيه تبيان لكل شيء. قد تقول أن المفسر يفعل هذا الشيء، نعم يجيب ولكن ليس بعلم وإنما ظنون أو آراء، ليس هناك من المفسرين من يقول هذا الذي أقوله من تفسير هذه الآيات هو الحق وهو مراد الباري سبحانه وتعالى فإن قال ذلك عُدّ كاذبا فيقول أن اقصى ما فهمته من الآيات المباركة هذا المقدار فقد يكون مصيب أو يكون مخطئ ولكن الذي يجب به  بعلم هو محمد وآل محمد، فهذا النص وغيره من النصوص ما دلت على إمامته

لقاء أبي حنيفة بالإمام الكاظم عليه السلام:

   قبل هذه الفترة والإمام الكاظم لم يزل غلام أي كان بين السادسة عشر أو السابعة عشر كان هناك حادثة ينقلها مؤرخين سنة وشيعة، أن أبا حنيفة النعمان إمام المذهب الحنفي مر بالإمام الصادق عليه السلام بالمدينة عندما أراد الحج وقبل أن يؤذن له، رأى غلاما دون الخامسة عشر سنة فسأله مسألة فقهية وهي أين يقضي الغريب حاجته؟

   لم يكن يقصد دلني على بيت الخلاء وإنما كان يريد يبين له الحدود الشرعية في هذا الجانب مما يقوم عليه ومما يكره ومما يستحب، فأجاب الإمام إجابة مفصلة أدهشت أبو حنيفة الذي كان إمام المذهب ذلك الوقت، وكان معتمد من قبل الخلافة العباسية كواحد من العلماء الكبار، فأراد أن يسأله مسألة أخرى في العقائد فسأله عن مسألة اشكالية في ذلك الوقت قال له ممن المعصية يا فتى ؟ فقال له الإمام : إن المعصية لا تخلو ان تكون من أحد أمور إما أن تكون من الله أو من العبد أو منهما معاً فإن كانت من الله فلا تكون فكيف يعاقب الله عبده على شيء لم يرتكبه وإن كانت منهما معا فكيف يعاقب الشريك الأقوى الشريك الأضعف، فثبتت ان المعصية لا تكون إلا من العبد فيعاقب عليها، فقال له أحسنت والله هذا الكلام معقول ودقيق.

   هذا والإمام كان في عمر 15 سنة أو تزيد أو تقل، كان الإمام موسى بن جعفر عليه السلام من طليعة من استفاد وانتفع من علم أبيه الصادق  عليه السلام ، وكما يقول الأئمة إنما هو علم نتوارثه كابراً عن كابر.

 تحمل الإمام الكاظم عليه السلام لأعباء الإمامة أبيه الصادق:

                                           

   استشهد الإمام الصادق  عليه السلام  سنة 148 هـ فتحمل الإمام أعباء الإمامة في جو كان مشحون بالتوتر، هذا المنصور العباسي كان قد تنمر في آخر السنوات في استئصال شأفة أهل البيت عليهم السلام، فقامت ضده عدة ثورات، فبدأ بتصفيات خصومه فملئ السجون وخاض معارك عسكرية مع الحسنيين إلى أن انتهى به الأمر بأن اغتال الإمام الصادق  عليه السلام  بواسطة السم، وأرسل أيضا إلى واليه في المدينة أن أنظر من أوصى اليه جعفر بن محمد وقدمه وأضرب عنقه، والإمام الصادق عليه السلام  كان قد حسب لهذا الأمر حسابا فأوصى الى خمسة أشخاص، أوصى الى عبد الله الأفطح وإلى والي المدينة وأوصى إلى موسى بن جعفر وأوصى إلى زوجته حميدة وإلى أبو جعفر المنصور، فأرسل الوالي إلى المنصور العباسي أن لا سبيل إلى قتله لأنه أوصى لك ولي. لذلك التفت الامام الصادق الى هذا المعنى وأوصى الى متعددين وأعطى بذلك رمزاً إلى شيعته، فلذلك قال هشام بن سالم الجواليقي أحد أصحاب الإمام ومن المتكلمين ومن أصحاب المعرفة بالعقائد لما سمع بهذا الكلام قال سبحان الله دل على الصغير وعزل الكبير وستر الأمر الخطير فقالوا له كيف؟ فقال لهم: واضح لدينا الشيعة الامامية قطعاً لا تكون الامامة الى امرأه فاستبعدوا حميدة ولا تكون لظالم فاستبعدوا ابو جعفر المنصور ووالي المدينة فتبقى عبد الله الأفطح وموسى بن جعفر، الأكبر لو كان امام لا يضم اليه الاصغر اضافة إلى أن الأفطح وهو في عقيدة الشيعة مرتكز أن الإمام لا يكون ذا عاهة والأفطح كان به عيب خلقي أفطح الرجلين مما لا يكون من علامات الامامة.

   فاستلم الإمام الكاظم الامامة في ظروف دقيقة جداً وحرجة، فمارس اتجاهها أفضل ما يكون أن تمارس.

 رباطة جأش الإمام:

    لقب الإمام عليه السلام بالكاظم، والبعض يتصور أن الكاظم هو الذي لا يغضب وإذا أعتدي عليه لا ينفعل وهذا صحيح ولكن ضمن اطار فردي، الكاظم شيء أعظم من هذا، الكاظم يمثل أهم دور من أدوار موسى بن جعفر وهو أن في ظروف السلطة السياسية التي تريد أن تستفز هذا الإنسان وتريد أن تحرجه وتسجنه وتطارده عليه أن لا ينفعل بل يحافظ على رباطة جأشه ويكظم غيظه ولا يُستفز ولا ينزلق.

   هناك قسم من الناس اذا أغضبه أحد أو استفزه يخرج عن طوره، وهذا على مستوى فردي وقد تكون اضراره محدودة ولكن على المستوى الاجتماعي إذا جاءت سلطة ظالمة كالسلطة العباسية والأموية  واستفزت عالماً دينياً أو استفزت اماماً شرعيا وتجاوب مع الاستفزاز وخلفه مجاميع كثيرة من الناس سوف يدخل في مطحنة.

 حياة الإمام عليه السلام في زمان المنصور العباسي وحرصه على قضاء حوائج الناس:

    الإمام الكاظم  عليه السلام  كان كاظم الغيظ ولذلك بقي الفترة الأولى التي استمرت احد عشر سنة في زمان المنصور العباسي، فكان في المدينة يمارس فيها دوره التعليمي والارشادي بل الاجتماعي كقضاء حوائج الناس بل وأوصل أصحابه الى مراكز القرار السياسي، فهناك عدد كبير من أصحاب الإمام  عليه السلام الذي أصبح منهم والي والذي أصبح وزير والذي أصبح منهم أمير يخدمون شيعة أهل البيت عليهم السلام.

   أنقل لكم حادثة أحدهم يقال له علي بن طاهر جاء من الري وهذا الرجل وأمثاله أصبحت السلطة تفرض عليهم ضرائب جائرة وهم مزارعون فتراكم على عذا الرجل الدين، وجاء الى المدينة ودخل على الإمام موسى بن جعفر  عليه السلام  وقال يا سيدي أنا واحد من شيعتكم وقد ركبني دين لهؤلاء- أي من الدولة من غير حق - وقد علمتُ أن الوالي عندنا يواليكم - أي واحد من شيعتكم - وهذه الاموال ضرائب غير مبررة فإن رأيت أن توصيه بي فكتب اليه الإمام  عليه السلام رقعة بسيطة ( بسم الله الرحمن الرحيم إن الله عز وجل تحت عرشه ظل لا يسكنه إلا من قضى حاجة مؤمن أو نفس كربته أو أدخل عليه سرور ).

   فقال قضيت من زيارة النبي ورجعت إلى الري ووصلت المغرب فذهبت مباشرة إلى دار الوالي قال له الحاجب: ما لذي جاء بك الآن ليس الوقت مناسبا؟ فقال له: لا لدي رسالة مهمة لا بد أن أوصلها الى الوالي استأذن وجاء، فقال له: ممن الرسالة؟ فقلت له: من موسى بن جعفر، فقال: هذه من موسى بن جعفر؟! فقام ووضع الرسالة  على عينه وقبلها، ثم قال له: ماذا عليك؟ فقلت له: كذا وكذا، فأمر أن تزال كلها عني واسقط اسمي من ديوان الخراج، وقال له: لا تدفع شيء ما دمت واليا، وقال: هذه الضرائب غير مبررة وخصوصا أنك لا تعترف بولاية العباسيين، قال: لم أكن أتوقع أن يحدث هذا الشيء، فأخذت الرسالة ورجعت الى المدينة حتى أخبر الإمام الكاظم، يقول ذهبت إلى الإمام وأنا مبتسم قلت له: يا أبا الحسن والله لقد سرني، قال له الامام: سرك فحسب! قال: والله لقد سرني وسر علي أمير المؤمنين وسر جدي رسول الله محمد صلى الله عليه واله والله لقد سر الله في عرشه.

     حتى الخدمات الانسانية العادية أحياناً قسم من الناس لا يعملها، ولكن لا نقول له شيء إلا إن لله عز وجل تحت عرشه ظل لا يسكنه الا من قضى حاجة أخيه فإن كنت تريد أن تسر المؤمن فهذا هو الطريق وان كنت تريد أن تسر الامام وتسر الرسول وتسر الله عز وجل فهذا الطريق .

   فكان بالإضافة إلى تعليمه وتدريسه يقضي حوائج اصحابه بل عامة الناس، عجبت أن من وصلته صرر موسى بن جعفر كيف يشكو الفقر كل صرة ما بين 150 في بعضها الى 300 دينار في بعضها الآخر. يأتي اليه رجل يقال له الصوري يقول له سيدي أنا زرعت مزروعات خارج المدينة هذا الصيف غثاء وبطيخ وقرع وقد هجم عليها الجراد وأتلفها وأنا هذا عملي فأصبحت كالصريم فقال له الإمام لا عليك كم غرمت فيها قال مئة وعشرون  دينار فقال له هذه مئة وعشرون دينار وثلاثون دينار فوقها لما كنت ترجو منها .

بداية المحن بالسجن أيام المهدي:

   بعد وفاة المنصور العباسي، جاء زمن المهدي العباسي الذي عاصره الامام الكاظم  عليه السلام   مدة عشر سنوات من 159 الى 169 للهجرة، المهدي العباسي قام بسجن الإمام لفترة ثم رأى رؤيا انتهى إلى أن يطلق سراح  الامام من السجن، كان عنيفاً وسيئاً،

   بقي  الإمام في المدينة - باستثناء تلك الفترة التي سجن فيها لفترة قصيرة في زمن المهدي العباسي - الى أن انتهى زمن المهدي.

وضع الإمام عليه السلام في زمان هارون العباسي:

بعد موت المهدي العباسي، جاء بعده هارون العباسي الذي لم يكن رشيداً من سنة 170 الى 183 للهجرة حيث كانت شهادة الامام سلام الله عليه على يده.

   استغرب كثيراً كيف أن المسلمين إلى الآن لا يريدون تجديد النظر في التاريخ، أصبحوا أسارى لبعض الكلمات لقبه الرشيد ولكن هل هناك رشداً أن يسجن الإمام الكاظم لا لشيء حتى مجرد ابداء مخالفة وليست قضية ثورة وسلاح ومحاربة لا، الإمام الكاظم كان يكظم غيظه للدرجة التي لم يكن يحارب فيها بالكلمة العلنية، ومع ذلك لم يتحمل هارون وسجن الامام أي رشد في هذا؟! هل من لا يوافق منهجك لا بد أن يسجن لسنوات طويلة ويعاقب؟! وهل الرشد في تلك الأموال الطائلة التي كانت تصرف تحت أقدام المغنيات والجواري والشعراء العابثين؟!

   ألم يأن للمسلمين ان يعيدوا النظر وأن لا يكونوا اسارى لأصنام الفكر التي تحبسهم عن التفكير من جديد بها، قيّموا هؤلاء بمقاييس الديموقراطية، قيموهم بمقاييس الحرية والتسامح والفكر والعلم بأي مقياس من هذه المقاييس، لن تستطيع أن تجد لهم مبرر أنتم تدّعون قضايا الحريات والديموقراطيات هل فعلاً كانت حكوماتهم فيها حريات وديموقراطيات؟ هل كان فيها أخلاق وضمانات للناس؟

   الإمام الكاظم  عليه السلام  في زمان هارون تعرض إلى الكثير من الأذى، وقمة ذلك الأذى أنه أخذ من سجن إلى سجن ومن معتقل إلى معتقل، بدأت تلك الأحداث عندما جاء هارون إلى المدينة لزيارة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أراد أن يفتخر على من حضر، فقال السلام عليك يا ابن العم يا رسول الله - هذه هي معركة صارت في قضية وراثة الخلافة من هو الأولى بوراثة الخلافة هل هو العم أي العباس بن عبد المطلب أو علي بن أبي طالب وابناءه وكان كل طرف يريد أن يثبت أنه أقرب لرسول الله صلى الله عليه وآله. الإمام الكاظم على رسله جاء يزور، وقال السلام عليك يا جداه يا رسول الله - ماذا تؤثر فيك هذه الكلمات يا هارون وأنت تملك الخزائن والاموال وهذا جاء يسلم على جده ما الذي يضرك من ذلك ؟! -
التفت اليه هارون وقال له: يا موسى لماذا قلتم أنكم أقرب الى رسول الله منا ونحن أبناء عمومه؟
فرد عليه اعفني من هذا - وهذا يعلمنا منهج أن الإمام والائمة عليهم السلام ليس طريقتهم هل من مبارز كان يستعفون ولا يريدون المواجهة ليس لأنهم لا يملكون الحق، بل لأنهم لا يرون ان هذه في معركة -
قال له هارون: لابد من ذلك - أي لا أعفيك - فقال الإمام كلمة: يا هارون لو أن رسول الله صلى الله عليه وآله بُعث من وراء هذه الأكمة وخطب منك ابنتك ليتزوجها وقال لك يا هارون زوجني ابنتك أكنت تزوجه اياها ؟ قال: بلى ويكون بذلك الفخر لي على سائر الناس، قال له: لكن لا يخطب مني، وإن خطب مني لا أزوّجه، قال: عجباً لا تقبل أن تزوّج رسول الله بنت من بناتك! قال: بلى لأنه جدي وهي تكون ابنته فلا يصح أن ازوجه إياها فمن هو الأقرب إلى رسول الله؟ فبعد ذلك صمم هارون أن يتخلص من الإمام الكاظم  عليه السلام  وأن يغيبه عن الناس، ويقال أيضاً أن هارون قال يا رسول الله اعتذر اليك من أمر أنا عازم عليه أن أسجن موسى بن جعفر لأنه يريد الفتنة بين الناس فأمر هارون بعد عوته من المدينة أن يحمل الإمام سلام الله عليه إلى سجن البصرة.

 معاناة الإمام الكاظم عليه السلام في سجون هارون:

     سُجِن الإمام في سجن البصرة وكان هناك أحد بني عمومة هارون ورأى من الإمام الكاظم ما رأى من الصالحين العابدين الزاهدين رآهم من رجال الله عز وجل، فكان في ذهنه أن يخاطب هارون في الإفراج عن الإمام  عليه السلام لأنه رجل عبادة، رجل أخلاقه في القمة منقطع الى الله عز وجل ليس من أهل السجون، فلما  سمع هارون من الوالي أنه قد رق عليه، أمره أن يحمله إلى بغداد، فتصور الوالي أنه قد أفرج عن الإمام، لكن هارون أخذ إمامنا إلى بغداد إلى سجن الفضل بن الربيع - وهذا الرجل فيه كلام هل كان من المائلين عقدياً إلى الإمام أو لا - هذا الرجل كان يرى سجدة الإمام من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس ساجداً لله عز وجل ويتعمد أن يلفت نظر هارون حينما يأتي ليراه فيسأل ما هذا الثوب؟ فيقول: ما هذا بثوب إنما هو موسى بن جعفر هذه سجدته لله عز وجل منذ الفجر إلى ساعته. فبدأ أيضاً يميل اليه، فأمر هارون إخراجه من سجنه، وأمر به إلى سجن السندي بن شاهد، وهذا السجن لا يعرف فيه الليل من النهار لأنه كان تحت الأرض وعلاوة على كان الإمام فيه مقيداً في قدميه بالحديد، والإمام عليه السلام في ذلك الوقت كان عمره تجاوز الخمسين عاماً، وهذه التي تشير اليه الصلاة المروية الواردة : ( اللهم وصلِ على موسى بن جعفر إمام الأبرار حليف السجدة الطويلة والدموع الغزيرة ذي الساق المرضوض بحلق القيود والجنازة المناداة عليه بذل الاستخفاف والوافد على جده المصطفى وأبيه المرتضى وأمه سيدة النساء بدم مطلوب وسم مشروب وارث مغصوب ) .

   هذا كان حال الإمام  عليه السلام  ومرت الايام يوم بعد يوم وشهر بعد شهر وإمامنا في ذلك السجن لا يرى إلا القليل من أصحابه حتى تاقت نفسه الى لقاء جده المصطفى وأمه فاطمة  الزهراء من جهة وشيعة أهل البيت مع طول المدة وشدة المحنة ازدادوا أسفا وحزنا، إذا جاء بعضهم اليه سيدي يا أبا الحسن متى الفرج ؟ متى خروجك؟

   قال : بلغ شيعتي عني السلام وقل لهم أن فرجي مما أنا فيه بعد ثلاثة أيام على جسر بغداد هذا الرجل يقول أنا لم يكن همي إلا أن أذهب وأخبر شيعة أهل البيت عليهم السلام أن الإمام بعد ثلاثة أيام يوم الجمعة على جسر بغداد يخرج .

   فخرج الناس يوم الجمعة وإمامنا سلام الله عليه في ذلك السجن قد دُس له السندي ذلك الطعام المسموم فلما أكل منه وصل الى أحشاه فقطعها

 [1] ) سورة المؤمنون : آية 6

[2] ) سورة الحجرات : آية 13

 

مرات العرض: 762
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (174)
تشغيل:

سيد الأنبياء محمد ومراحل حياته المباركة
معرفة الله وتوحيده في خطبة الزهراء