سيرة الامام السجاد من ولادته إلى كربلاء 1
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 4/8/1435 هـ
تعريف:

سيرة الإمام السجاد (ع) من ولادته إلى كربلاء.

كتابة الأخ الفاضل صادق اللواتي ـ عمان

روى ابن عباس عن رسول الله (ص) أنه قال :(إذا كان يوم القيامة، نادى منادٍ عن الله عزوجل: أين زين العباد؟ فيقوم ولدي علي بن الحسين، يخطر بين الصفوف) صدق سيدنا ومولانا رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله ).
حديثنا بإذن الله تعالى يتناول جوانب من سيرة مولانا زين العابدين علي بن الحسين (صلوات الله وسلامه عليه)؛ حيث أن هذه الأيام هي أيام اضطلاعه بالإمامة وقيامه بالدور الذي كان قد أعده إليه رسول الله (ص) ووالده الإمام الحسين (ع). وإضافة إلى ذلك فإن التعرف على حياة المعصومين (عليهم السلام)، يمثل التعرف على الإنسان الكامل، الذي ينبغي الاقتداء به والسير على خطاه.

ففي عصرنا الحالي يصور لنا العالم أبطالاً وشخصيات كبيرة بمقاييس دنيوية لكي يدعو الناس أن تقلد حياة هذه الشخصيات، وطريقة معيشتهم، وشعرهم، ولباسهم ، كما هو الحال بأهل الرياضة وأهل الفن والغناء. وما أحرى بأهل الإيمان أن يظهروا حياة المعصومين (ع) ،وينشروا سيرتهم؛ فهي سيرة الإنسان الأفضل الذي ينبغي على الناس الاقتداء به والتأسي بخطواته.
ومن هنا سوف نتعرض إن شاء الله إلى حياة الإمام زين العابدين (ع)، وذلك في حلقتين:
*الأولى: نتناول فيها سيرة حياته المباركة من بداية ميلاده إلى واقعة كربلاء، وهي فترة ما قبل الإمامة.
*الثانية: ما بعد كربلاء إلى شهادته، وهي فترة إمامته صلوات الله وسلامه عليه.
كان ميلاد الإمام السجاد، على المشهور، في سنة 35 هـ تقريباً، أي مع بدايات الخلافة الظاهرية لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام، عندما انتخبه الناس حاكماً، بعدما كان في الأصل إماماً، وأجمعوا عليه في المدينة المنورة وما حولها، نعم هناك رأي آخر يقول بأن الإمام السجاد (ع) ولد في سنة 37 هـ، إلا أن الأشهر أن ولادته المباركة كانت في سنة 35 هـ، وبذلك يكون عمره الشريف في كربلاء يناهز 26 سنة تقريباً، وهذا يبين لنا سبب تسمية أخيه الشهيد علي ب (الأكبر) باعتبار أن علي الأكبر الشهيد في كربلاء كان أكبر سناً من الإمام السجاد (ع) وذلك بسنتين أو ثلاث سنين، ولذلك يلقب بعلي (الأكبر) (أي من حيث السن)، و يلقب الإمام بعلي (السجاد) أو (زين العابدين (ع)). وهذا يبين لنا أمراً في باب العقائد، وهو ما أجمعت عليه الإمامية، وهو أن الإمامة غير خاضعة لمقاييس الكبر أو الصغر في السن، وإنما تخضع للاختيار الإلهي.
أم الإمام شهربانو
كانت ولادة الإمام (ع) من أمه (شهربانو)، وهي سليلة أسرة فارسية عالية المقام، وهذا هو القدر المتيقن من نسبها، أما السؤال حول هل أنها سليلة كسرى والأسرة الحاكمة، فإن ذلك محل كلام ونقاش، حيث يوجد هناك رأيان تاريخيان فيما يتعلق بوالدة الإمام (ع) :

*الرأي الأول: وهو المشهور عند المؤرخين، ولعله الرأي الرسمي عند مؤرخي مدرسة الخلفاء، ويتلخص في أنه وفي زمن الخليفة الثاني تم افتتاح فارس على مرحلتين، الأولى في سنة 17 هـ، والأخرى بقرب سنة 22 هـ، وعلى أثر الفتح لبلاد فارس تم أسر ثلاث بنات لكسرى يزدجرد (حيث أن  كسرى هو لقب للملك وليس اسم له)، وجيء بهن إلى المدينة المنورة، وعلى اعتبار أنهن من الغنائم، وبحسب الرواية الرسمية، خيرت كل واحدة منهن بمن تريده زوجاً لها، فيكون ثمنها من نصيبه، وما زاد عن ذلك يعطيه لخزينة الدولة، فاختارت شهربانو الإمام الحسين (ع)، واختارت أختها محمد بن أبي بكر، واختارت الثالثة عبدالله بن عمر، وقيل اختارت غيره، وبناء على ذلك أنجبت كل واحدة مولوداً، ومن جملة من وُلد الإمام زين العابدين (ع). إلا أن هناك اعتراضاً على هذه الرواية فإذا كان هؤلاء قد جاؤوا بتلك السبايا في سنة 17 هـ، سواء في المرحلة الأولى من فتح فارس، أو في المرحلة الثانية أي في سنة 22 أو 23 هـ، ولنفترض أن ذلك كان في سنة 23 هـ، فمعنى ذلك أنه لو تزوج الإمام الحسين (ع) بأم الإمام السجاد (ع) في ذلك العام، فإنه يفترض أن يكون عمر الإمام السجاد (ع) في كربلاء ،إذا أنجبته والدته  بعد عام من الزواج، بين 37 و 38 عاماً، وهذا مخالف لإجماع المؤرخين الذين يقولون بأن عمره الشريف آنذاك كان بين 26 و 27 عاماً. كما أنه ليس من المعقول أيضاً أن يتزوجها الإمام الحسين (ع) في سنة 17هـ، أو في سنة 23هـ، فلا تنجب إلا في سنة 35 هـ، فهذا أمر غير متعارف وغير طبيعي. إضافة إلى إشكالات أخرى قد لا يتسع لها المقام الآن.

*الرأي الثاني: يختار المعترضون على الرأي الأول رأياً آخر، وهو أن هذا الأمر قد حصل في زمان أمير المؤمنين (ع)، أي في حدود سنة 35 هـ أو في مطلع هذه السنوات، وذلك كما يُذكر في (نهج البلاغة) وغيرها من الكتب، حيث يُذكر أنه جيء بسبي من ناحية المشرق (أي من ناحية إيران)، من بعض الأسر المرتبطة بالحالة الملكية، وكانت بينهن (شهربانو)، وتزوجها الإمام الحسين (ع) في تلك السنة، وبناء على ذلك تكون أم الإمام السجاد (ع) قد ولدت به في أواخر سنة 35هـ، ومطلع 36هـ، وهذا يتوافق مع الرأي الأشهر القائل بأن ولادته المباركة كانت في سنة 35هـ أو 37هـ.
توفيت أم الإمام السجاد (ع) في نفاسها به، فلم تبقَ حتى ترضعه أو تربيه، وإنما جيء له بمربية أخرى غير والدته، حيث بقيت معه إلى أن تربى ونشأ. لقد كان السبب في اختيار الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أو الإمام الحسين عليه السلام للإنجاب من امرأة غير عربية مثل أم الإمام السجاد (ع) هو أن (يتّضع) النكاح كما أشار إليها النبي الأكرم (ص) ، فقد كان هذا الأمر غير مرغوب فيه في ذلك الزمان في المجتمع العربي، فكانوا لا يحبون أن يستجيبوا من غير العربيات (كالفارسيات، والروميات ،والهنديات) ،وقد يتزوجوا بهن، ولكن دون أن يطلبوا منهن الولد بسبب العقلية السائدة آنذاك بأن العرب أفضل من غيرهم من الأعراق، حتى أنه كان يسمى الناتج من العربي وغير العربي بالهجين (أي غير أصيل وذو مرتبة أدنى). واستمر الحال كذلك، حتى ولد الإمام زين العابدين (ع)، فرأوا أن الحسين (ع) وهو من علية قريش وبني هاشم قد أنجب من إمرأة غير عربية، وبدأت ملامح النجابة والتفوق تظهر عند الإمام زين العابدين (ع)، عندها رغب الناس في الاستنجاب من غير العربيات.

لماذا كانت أكثر أمهات الأئمة بعد الحسين غير عربيات

ونجد أنه جميع أمهات الأئمة  بدءاً من زمن الإمام الصادق (ع)، كأم الإمام الكاظم،والرضا،والجواد (ع) إلى الإمام الحجة (عج) كن غير عربيات،بل أمهات أولاد، أي جواري اشترين ثم نكحهن الإمام بملك اليمين، وفي ذلك فلسفة مفصله سوف نبينها في محاضرة أخرى إن شاء الله.
لقد كانت قضية الافتخار بالقبائل والأنساب أمراً عظيماً جداً لدى العرب، إلى حد أنه قد يكون ممهداً لحروب ومعارك وغزوات. فكانت كل قبيلة تدعي الأفضلية، بل إنه كانت قصيدة يلقيها شاعر قبيلة  ضد قبيلة أخرى سبباً في قيام المعارك وسفك الدماء. ومع الأسف نجد أنه إلى يومنا هذا لا يزال الاعتزاز بالقبيلة وما يتولد عنه من تفضيل أحد على الآخر لفوارق قبلية بغض النظر عن العلم والأخلاق لا سيما عند غير الحضر. فقد جاء النبي الأكرم (ص) وشرع التشريعات من قبيل قوله تعالى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)الحجرات 13،و(لا فرق بين عربي وأعجمي ولا بين أسود وأبيض إلا بالتقوى)، كانت تلك توجيهات عامة تطلق، لكنها مع الأسف لم تتعمق عند فئة من الناس، وإنما لامست السطح منهم فقط، ولذلك نجد أنه إلى وقت متأخر في زمن الأمويين كان إن تزوج أحد الموالي (غير العربي) من عربية، فإنه يعاقَب، وكأنه ارتكب إثماً، بل كان بعض الحكام والولاة الأمويين يفرقون بين الزوجين ويجلدون الزوج لأنه غير عربي، برغم أن الزواج قد تم على كتاب الله وسنة رسوله، وباتفاق ورضا الزوجين وأهليهما. بل إن الموالي كان في فترة من الفترات، لا سيما في زمن الإمام السجاد (ع) من علية الفقهاء.

زواج زيد بن حارثة وزينب بنت جحش

وعلى الرغم من ذلك كان هناك ممن يعتز بعروبته وإن كان غير العربي أعلم منه،  والنبي الأكرم (ص) جاء ليكسر تلك الحالة من الافتخار النسبي الفارغ، فزوج من الموالي لعربيات، وزوج ذوي الطبقات الاجتماعية الأقل من ذوي الطبقات الاجتماعية الأعلى، فزوج زيد بن حارثة لبنت عمته زينب بنت جحش. وأم زينب قرشية من بني هاشم، وبحسب التعبير فهي سيدة من علية قريش. وأما زيد بن حارثة فقد اشترته السيدة خديجة (ع) في مكة المكرمة، من قبل زواجها بالنبي (ص)، وكان زيد قد جُلِب من قبل أحد الحروب، فعندما تغير قبيلة على الأخرى فإن القبيلة المنتصرة تستعبد شباب القبيلة التي هزمت وتبيعهم. ولما تزوجت السيدة خديجة من النبي (ص) وهبت زيداً له (ص) فأعتقه النبي وجعله حراً في سبيل الله، لكنه رباه وحرص عليه، وعندما بلغ مبلغ الزواج، زوجه زينب بنت جحش (فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها) الأحزاب 37. وقد كانت هذه الخطوة عند العرب أمراً غير متعارف عليه وغير طبيعي بالنسبة لهم، حيث أن زيداً كان عبداً ثم أُعتق وهو في مرتبة اجتماعية دنيا، ويتزوج بنت عمة رسول الله (ص) وهي من قريش من بني هاشم ومن علياء القوم، كان ذلك شيئاً صعباً آنذاك لكن كل ذلك من أجل أن (يتّضع النكاح).

كما زوج النبي (ص) جويبر من الذلفاء بنت عبيد البياضية، وقد كانت من أجمل نساء قوامها، وكانت من قبيلة ذات شأن عالٍ. أما جويبر فكان غير عربي، وكان وضعه المادي حرجاً، فهو من (أهل الصُّفّة) أي من ليس لديهم مكان للنوم وبحسب التعبير ينامون في الصُّفة،أي في ملحق للمسجد ينام فيه من ليس لديهم مكان للنوم. كما نقل أن جويبر كان مظهره الخارجي غير مطموع فيه، نعم لا يقاس الإنسان بشكله، لكن المراد أن النبي الأكرم (ص) وبرغم وضع جويبر، زوجه بالذلفاء وهي في تلك الدرجة الاجتماعية العالية وكان الهدف أيضاً من أجل أن يتّضع النكاح. ومع الأسف الشديد لا تزال توجد في بعض بلاد المسلمين هذه الظاهرة، وذلك فيما يعرف بتكافؤ النسب.وإن كنا نتعجب من وجود هذه الظاهرة في ذلك الزمان، إلا أنه الأعجب أن لا تزال موجودة في هذا الزمان ،فعلى سبيل المثال إن تزوج رجل وامرأة وكلاهما عربيان، ولكن يستطيع بعض من أبناء قبيلة المرأة أن يرفع دعوى ضد زوجها على أنه ليس كفؤاً لها، وإن كان رجلاً عربياً مسلماً عاملاً بالصالحات، إلا أنهم يرونه أدنى من القبيلة التي ينتمون إليها، وقد يتم التفريق بين الزوجين. هذا في زمننا فما ظنك بذلك الزمان؟!

تربى الإمام السجاد (ع) في كنف والده الكريم الإمام الحسين (ع)، وذلك بعد أن نهل كذلك من جده أمير المؤمنين (ع) (بناء على ولادته في سنة 35هـ يكون الإمام (ع) قد أدرك 5 سنوات من زمن جده أمير المؤمنين (ع)، وإن كان بناء على أن ولادته كانت في سنة 38هـ،فيكون قد أدرك سنتين). وبعد ذلك أدرك الإمام زمن عمه الإمام الحسن المجتبى (ع) إلى سنة 50هـ (أي نحو 15 سنة)، فعاصر زمنه، وسمع منه، ورأى نهجه في الحياة وخلقه، ولا ريب أنه انتفع بذلك، ومن بعد ذلك إلى زمن كربلاء في سنة 61 هـ كان تحت رعاية أبيه الإمام الحسين (ع). وينقل أنه في هذه الفترة كان (ع) يتصدى للتعليم وعمره الشريف 25 سنة، فكان محلاً وأهلاً لإفادة الناس وطالبي العلم في المدينة المنورة، وكان الحدث الأبرز في حياته أيام كربلاء.
أولاد الامام زين العابدين عليه السلام
يُذكر أنه كان له من الأبناء 12، 9 من الذكور و3 من الإناث. أبرز أبنائه دوراً وتأثيراُ هو الإمام الباقر (ع) ،وهو إمام معصوم بشر به النبي (ص) وأخبر عنه في حديث جابر المعروف، حيث بلغه سلامه إليه عبر جابر بن عبدالله الأنصاري (رضوان الله عليه) المتوفى سنة 70هـ، حيث بلغ النبي (ص) سلامه للإمام الباقر (ع) عبر جابر، وقال سوف تدركه يا جابر، فإذا رأيته فأقرئ عليه مني السلام. فأدركه جابر كما قال له النبي وبلغه السلام، وكان الإمام لا يزال صغير السن. أما الابن الأبرز الآخر للإمام السجاد (ع) فهو زيد الشهيد (رضوان الله عليه)، الذي ثار في زمن الأمويين، وتحديداً في زمن هشام بن عبدالملك سنة 121هـ،واستشهد في الكوفة وله قضية مفصلة في مقاومة أولئك. كان زيد على منهاج آبائه الكرام في الاعتراف بالأئمة المعصومين بالإمام، وذلك خلافاً لما يذهب إليه بعض ممن يتسمون باسمه من إنكار إمامة بعض الأئمة (ع). بل ينقل عن خزاز القمي في كتابه (كفاية الأثر في النص على الأئمة الإثني عشر) عن زيد الشهيد رضوان الله تعالى عليه أنه سئل: هل أوصى رسول الله (ص) بشيء في الإمامة؟ قال: بلى، أوصى لإثني عشر إماماً بعدد نقباء بني إسرائيل، أربعة منهم مضوا، و ثمان لمّا يأتوا. وذكر من الأربعة الإمام علي والحسن والحسين والسجاد عليهم السلام، وسمى بأسماء الباقين كذلك. وزيد الشهيد أصغر سناً من أخيه الإمام الباقر (ع) بحوالي 10 سنوات، وتتلمذ على يد أبيه وأخيه الأكبر، كما كانت أمه جارية كذلك، مما أهداه المختار ابن أبي عبيدة الثقفي للإمام زين العابدين (ع) كما يذكر، فدخل بها وأنجبت له زيداً، ولما بُشّر به الإمام (ع) وهو جالس التعقيب بعد صلاة الفجر، تفائل بالقرآن الكريم، فإذا بالآية المباركة (... و فضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً)النساء 95. فقال (ع) : هو والله زيد. كأنما عنده خبر عن رسول الله (ص) عن أن هذا الشهيد الثائر المجاهد يكون اسمه زيد بن علي فسماه الإمام بهذه التسمية. ولزيد الشهيد مدح كثير من قبل أئمتنا، منها عن الإمام الصادق (ع) قوله: (رحم الله عمي زيداً، فإنه لو ظفر لوفى، وإنه لقد استشارني في أمر خروجه، فقلت له إن كنت تحب أن تكون مصلوباً بالكناسة (كناسة الكوفة، الميدان الرئيسي في البلد) فافعل) . أي أن الإمام في قوله يخبر زيداً أن ثورته سوف تكون ثورة شهادة ولن تكون ثورة انتصار، ولكن إن كان قيامه من أجل إنكار المنكر وإحقاق الحق وثورة في وجه الظلم، فليفعل ما بدا له.
هل قاتل الامام السجاد في كربلاء ؟
كانت للإمام السجاد (ع) أدوار مختلفة وأهمها أنه سار مع الإمام الحسين (ع) إلى كربلاء، وبعد الحادثة تحمل مسئولية الدفاع عن الرسالة، وعن أبيه سيد الشهداء (ع) وثورته المباركة. وهنا نشير إلى نقطة وهي أن أحد الباحثين وهو باحث جيد واسمه السيد الجلالي، له كتاب بعنوان (جهاد الإمام السجاد (ع)) يجيب فيه إلى التساؤل حول طبيعة مرض الإمام السجاد (ع) في كربلاء، كما هو المتعارف بأن الإمام كان مريضاً في كربلاء. وقد تكون الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون الإمام (ع) مريضاً حتى يكون معذوراً عن القتال، وإلا كان واجباً عليه الدفاع عن حياة أبيه الحسين (ع) ،ويستشهد حاله حال باقي الأصحاب وآل البيت، وعندها ينقطع نسل النبي (ص) في الإمامة الفاعلة؛ لأن الإمام الباقر (ع) كان عمره عامين فقط في كربلاء. فلا يمكن أن تُعَطّل الإمامة بهذا النحو. إن الرأي الذي ذهب إليه هذا الباحث، والذي ينقله عن مصدر من مصادر الزيدية، هو أن الإمام السجاد (ع) قد قاتل بالفعل في يوم كربلاء، وجُرِح حتى (ارْتُثّ)، كما ذكر في النص، حيث يشير إلى أن الإمام لم يكن جالساً في الخيمة، وإنما لبس الدرع وسلّ السيف وقاتل وجُرِح حتى ارتث، أي أن الجراحات فيه كانت كثيرة جداً إلى حد أنه لا يستطيع أن ينهض للقتال مرة أخرى. وهذا الرأي (والله العالم) ولأن الباحث نقله من مصادر الزيدية، فإن الزيدية عندهم من شروط الإمامة أن ينهض الإمام بالسيف ويقاتل. لذلك فهم لا يعتقدون بإمامة الإمام الصادق (ع)، والإمام الباقر (ع) والأئمة المتأخرين؛ لأنهم لم يخرجوا بالسيف. لذلك فهم يعتقدون بإمامة الإمام السجاد (ع) ،ومن خلاله وصلت الإمامة إلى زيد الشهيد. هذا ما يعتقد به الزيدية، فهم يعتقدون أنه لا بد للإمام أن يسل السلاح، وإلا فإنه لا يعد إماماً. ولذلك قد يؤخذ على هذا الباحث أنه نقل هذا الرأي من مصادر الزيدية. أما المشهور في مرض الإمام (ع) أنه يعادل ما يسمى اليوم اصطلاحاً ب (الجفاف)، فالإنسان قد يصاب بجفاف في البدن على أثر فقد السوائل، فيمنع الجفاف الإنسان من القدرة على الحركة والقتال، وقد أشارت معظم الروايات التاريخية إلى هذا الرأي.

نشر الامام عليه السلام تفاصيل كربلاء
يبتدئ دور الإمام السجاد (ع) بشكل حقيقي بعد كربلاء، حيث حمل راية الإسلام والصبر، ونشر فكر أبيه الحسين (ع) ومنهجه، ومزج ذلك بالدمعة الساخنة وذكر المصيبة الراتبة. فنلاحظ أن أكثر الروايات المروية حول تفاصيل المقتل مروية عن الإمام الباقر (ع) ،فتفاصيل المقتل طويلة جداً. جاء رجل يقال له معاوية الدهني، وهو مقبول عند أتباع مدرسة أهل البيت (ع) و أتباع مدرسة الخلفاء، وقال للإمام الباقر (ع) : يابن رسول الله حدثني حديث كربلاء حتى كأني أنظر إليه (أي مفصلاً). فبدأ الإمام يحدثه عما جرى في كربلاء في رواية مفصلة جداّ، ونقلها الطبري وغيره. وقد كان الإمام الباقر (ع) في كربلاء في حدود السنتين،فستكون إحاطته لما جرى في كربلاء إحاطة علمية غيبية والتي تتلازم مع إمامة الإمام (ع). كما يمكن القول أنه بالإضافة إلى ذلك فهو مما علمه أبوه الإمام السجاد (ع) ،الذي كان يقص حديث كربلاء على الأباعد، فكيف بالأقربين كمثل الإمام الباقر، فهو تلميذ أبيه أولاً وأخيراً،فقصّ على ولده ما جرى كما قص ذلك على غيره. ونحن نسمع ونقرأ ما ورد أن الإمام السجاد (ع) بكى على أبيه الحسين (ع) بكاءً طويلاً. حيث أن الروايات تشير إلى أنه عاش بعد أبيه 34 سنة (من 61هـ إلى 95هـ)،واستوعبت تلك الفترة أحزان الإمام (ع) ،فكان كلما مر بمكان ما يتذكر ويُذكر الناس بما جرى، فخشي أهل البيت عليه، فأرسلت فاطمة بنت الحسين (ع) إلى جابر بن عبدالله الأنصاري، وعندما جاء إليها، قالت له يا جابر، أنت من أصحاب رسول الله (ص)، وإن لنا عليكم حقاً. قال جابر :بلى يا بنت رسول الله، ماذا تريدين؟ قالت هذا علي بن الحسين خليفة أبيه الحسين يكاد يتلف نفسه هماً وغماً وزناً، فاذهب إليه فإننا نخاف عليه من الهلاك حزناً. جاء جابر إلى الإمام، وقال له هوّن عليك يابن الحسين إن لنفسك عليك حقاً، إنهم يخشون عليك من الهلاك. فأخبره الإمام السجاد (ع) عما رأى وشاهد في يوم كربلاء،وقال يا جابر إن الله غيّب عن يعقوب ابنه يوسف وهو يعلم أنه على قيد الحياة فبكى عليه حتى ابيضت عيناه واشتعل الرأس شيباً من الهم والحزن، وأنا رأيت أبي وعمومتي وإخوتي وأبناء عمومتي مجزرين مطرّحين قد قطعت رؤوسهم وأسيلت دماءهم، فكيف أصبر على ذلك يا جابر؟ لا أزال على هذا الحال حتى يلحقني الله بهم

مرات العرض: 72
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (52)
تشغيل:

الأئمة وبناء المجتمع الشيعي الموازي ( شهادة العسكري )
الامام الكاظم من الميلاد إلى الاستشهاد