الأئمة وبناء المجتمع الشيعي الموازي ( شهادة العسكري )
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 8/3/1440 هـ
تعريف:

الأئمة عليهم السلام  وبناء المجتمع الشيعي الموازي

( شهادة الإمام العسكري عليه السلام )

تفريغ نصي الفاضلة رملة العلوي
تصحيح الفاضلة زهرة عبد الله اليوسف

مقدمة :
قال سيدنا ومولانا أبو محمد الحسن بن علي العسكري صلوات الله وسلامه عليه : (( علامات المؤمن خمس ؛ صلاة إحدى وخمسين , وزيارة الأربعين , والتختم باليمين , وتعفير الجبين والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم  ))  .
صدق سيدنا ومولانا أبو محمد الحسن العسكري (ع) ، هذا الحديث المروي عن الإمام العسكري عليه السلام تارة يذكر في بيان بعض المستحبات ويستشهد بهذا الحديث على تلك المستحبات مثل : تعفير الجبين الذي هو تعبير عن السجود على الأرض , ومثل البسملة والجهر بها في الصلاة الإخفاتية , ومثل أن يكون الإنسان مصليًا للنوافل بالإضافة للفرائض التي هي سبع عشرة ركعة مفروضة وضعفها أي أربع وثلاثين ركعة نافلة مستحبة , استحباب التختم باليمين  , وأيضًا زيارة الأربعين  , وهي على القول الراجح الذي عليه القرائن : الزيارة الحسينية المعهودة  ,  لا زيارة أربعين مؤمن , وقد تحدثنا عن القرائن التي يستفاد منها هذا المعنى في مناسبة الأربعين .
 المجتمع الشيعي :                                                                                                      
   قد يكون هذا الحديث يناقش ضمن إطار ذكر بعض المستحبات عند الإمامية وتارة أخرى يُنظر إليه من زاوية اجتماعية وهو أن المجتمع الإمامي الشيعي أصبح لا سيما في زمان الإمام العسكري عليه السلام مجتمعًا له ميزاته وله اختصاصاته , ولم يعد ذائبًا في ذلك المجتمع الكبير المسلم , مع أنه يعيش في داخل هذا المجتمع المسلم إلا أنه له خصائصه مميزة له عن غيره بحيث عندما ينظر الإنسان لهذه الخصائص في أي مجموعة من المجتمعات يتعرف بسرعة إلى أن هذا المجتمع يتبع أئمة أهل البيت عليهم السلام , وهذه العلامات التي سماها الإمام (ع) الخصائص المميزة , يمكن للإنسان أن يتعرف عليها بسرعة فأنت لا تحتاج مثلًا عندما تذهب إلى مجتمع ما , أن تسأل أي شخص هل أنت شيعي أم لا ؟  هل أنت على مذهب أهل البيت (ع) أم لا ؟   يكفي أن تنظر إلى هذه العلامات والتي هي في الغالب علامات مميزة .                                                                            التختم باليمين على سبيل المثال علامة من العلامات , وكذلك الجهر بالبسملة , والسجود على الأرض أو ما يشبهها وزيارة الإمام الحسين عليه السلام , فهذه إذن ينظر إليها على أنها علامات اجتماعية تميز وتشخص المجمتع التابع لأهل البيت عليهم السلام , هذا يجرنا إلى موضوع المجتمع الشيعي الذي سماه بعض الباحثين بالمجمتع الموازي أو سماه بعض الباحثين في سيرة الأئمة بالجماعة الصالحة أو غير ذلك من التعابير وحاصل هذه الفكرة أن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام بنوا لشيعتهم مجتمعاً خاصاً بهم يعيش في داخل المجتمع الإسلامي ولكنه ليس ذائبًا فيه ولا مواجهًا له , لا هو محارب لذلك المجتمع ولا هو ضد له  . 
   بداية تكون المجتمع الشيعي :

  بعدما استشهد الإمام الحسين عليه السلام سنة 61 هـ كان أمام شيعة أهل البيت عليه السلام أحد ثلاثة طرق :

الطريق الأول : أن يذوب مجتمعهم في المجتمع العام , بمعنى أن يكون فقههم هو الفقه الرسمي العام , وأن تكون عباداتهم على طبق ما يقوم به حكّام المسلمين في ذلك الوقت  - بني أمية ومن بعدهم بني العباس - عقائدهم وتشريعاتهم تصير جزء من المجتمع العام , وهكذا الحال بالنسبة إلى اقتصادهم وأموالهم وزكواتهم.... وكذلك في إدارتهم الداخلية . فيصير حالهم كحال سائر المذاهب الأخرى وسائر العلماء الآخرين ؛ ينسجمون انسجامًا تامًا مع الوضع الموجود في العبادة والعقائد والفكر .  وهذا الاتجاه  طبعاً غير مقبول .  لماذا ؟                                                                                           
   لأن أئمة أهل البيت عليهم السلام يرون ذلك الفكر فكرا غير صحيح , و يعتقدون بأن ماكان عليه المجتمع العام لا يمثل الصورة الأفضل للدين , فالصورة الأفضل للدين عند آل محمد , فمن غير المعقول إذن أن يأمر الإمام (ع) أصحابه أن يتركوا هذا الماء الزلال الصافي ويذهبوا ليأخذوا أفكارهم وعقائدهم وعباداتهم وعاداتهم من أشخاص آخرين اذن هذا الخيار الأول غير معقول .
الاختيار الثاني: أن يواجه شيعة أهل البيت (ع) كل ما كان خطأ في المجمتع المسلم , فعندما يقول خطيب يوم الجمعة  فكرة غير صحيحة يقفون في وجهه , مفتي يبين فتوى يخطئونه , قاضي يحكم بقضاء غير عادل يعارضونه , فيتصدون لكل شيء خاطئ في المجتمع المسلم العام , هذا لو كان اختاره أئمة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم من بعدهم فمن الممكن أن تتحول حالة الشيعة إلى حالة اصطدام دائم ولا يستطيعون أن يعيشوا حياتهم الاعتيادية .  فقط عملهم صراع مع إمام هذا المسجد وذاك القاضي وهذا الحاكم وذاك المتحدث فهذا اختيار غير سليم .
 الاختيار الثالث : أن يوجد مجتمع آخر إلى جانب ذلك المجتمع العام , ويكون تحت قيادة أهل البيت عليهم السلام , له فكره الخاص , آراءه الخاصة به ,علاقاته الداخلية مع الأئمة (ع) ,و له دورته المالية الاقتصادية , وفي نفس الوقت هو في داخل المجتمع العام يتعايش معه  , فلا يعاديه ولا يحاربه , يكون فيه  ولا يكون معه , ولا يتبعه في آرائه الخاطئة .                                     
     نعتقد أن هذا ما صنعه الأئمة عليهم السلام , وكان أعلى مستويات هذا المجتمع في زمان الإمام الحسن العسكري عليه السلام , قمة هذا النتاج ونهايته كانت علي يد الإمام العسكري عليه السلام , فلما صار هذا المجتمع مجتمع كامل من مختلف الجهات آنئذ أصبح من السهل جدًا أن يبقى ويستمر إذا غاب قائم آل محمد عجل الله فرجه . 

 اذن قمة هذا الأمر صار في زمان الإمام العسكري عليه السلام بحيث عندما غاب الإمام الحجة عليه السلام لم يحدث انهيار في هذا المجتمع , فالمجتمع علاقاته منظمة بين قيادته وبين الاتباع , ودورته المالية الاقتصادية - فيما يرتبط بالزكاة والخمس-  مرتبة  أيضًا , ثقافته , أفكاره عباداته كلها كاملة , فلا يحتاج إلى شيء حتى لو غاب الإمام الحجة (عج )عن الحضور العلني  فلن يحصل انهيار في هذا المجتمع  , وهذا معناه أن طريقة الأئمة عليهم السلام في ترتيب ذلك المجتمع الشيعي الموازي في غاية الاتقان .

                                                                                
منهج الأئمة عليهم السلام لحفظ تماسك المجتمع الشيعي :
   بيّن أئمة أهل البيت عليهم السلام  لشيعتهم خطوط الاسلام الصحيحة التي ورثوها عن جدهم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم-  سواء فيما يرتبط بالعقائد , أو ما يرتبط بالتشريعات والفقه .  نحن نعلم أن التشيع فيما يرتبط بالعقائد وما يرتبط بالله عز وجل ومعرفته وما يرتبط بصفات النبي – صلى الله عليه واله وسلم – وعصمته , وما يرتبط  بضرورة وجود الأئمة (ع) يختلف في هذه الجوانب عن كثير من المذاهب الأخرى . أما أئمة أهل البيت عليهم السلام  فقد تميزوا بأحكام  ونظريات خاصة في العقائد , العبادات – كالصلاة والصيام والحج.. وغير ذلك  عن باقي المسلمين . لأنهم (ع) كانوا يأخذون  مما ورثوه عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم – فهم يعملون بأحاديث الأصول من رسول الله (ص) , بينما كان غيرهم  يُعملون الرأي , يُعملون آراء عقولهم .

1-2في الجانب الفقهي والاقتصادي :
إذن أصبح للمجتمع الشيعي  منظومة فكرية عقائدية وتشريعية فقهية خاصة -هذا أحد جهات التميز -  وكذلك فيما يرتبط بالجانب الاقتصادي أيضًا , مثلًا موضوع الزكاة ؛ يقرر الفقهاء - تبعًا لأئمة الهدى عليهم السلام - أن الزكاة الواجبة يجب أن تُعطى للفقير من أهل الولاية لأهل البيت عليهم السلام أولاً وبالذات , وإذا لم يوجد فينتقل إلى غيره , هذا جزء من دورة المال في داخل هذا المجتمع .  

أما موضوع الخُمس , خلافًا لما يراه بعضهم من أن تشريعه كان متأخرًا , نحن نعتقد أنه من الأيام الأولى أي زمان الإمام الباقر والإمام علي بن الحسين عليهما السلام . 

غاية الأمر أن الموضوع كان شديد الحساسية عند السلاطين والخلفاء في قضية المال , فكان يحتاط فيه أئمة أهل البيت عليهم السلام احتياطًا كبيرًا جدًا , فقد كانت التهمة الأساسية التى توجه إلى الأئمة (ع)  وأتباعهم من قِبَـل جواسيس السلطة الأموية والعباسية ؛ أن فلان كان تجتمع عنده الأموال  والسلاح , وروى الإمام الصادق عن الباقر عليهما السلام حديث فيه ذكر للخمس أي أن هذا الوضع كان من زمان الإمام الباقر(ع) . 

 فيما بعد في زمان الإمام الجواد عليه السلام انفتح الموضوع بشكل واسع وعلني , ووصلت إلينا روايات مفصلة عن الإمام الجواد عليه السلام  , فأصل هذا النظام الاقتصادي كان موجودًا كما نعتقد من زمان الإمام الباقر(ع) بل قبله عليه السلام أيضًا .  

وإلى هذا يشير بعض الباحثين إلى نقطة ملفتة للنظر  فيقولون :  لو تتبعنا أحوال أصحاب الإمام الباقر وأصحاب الإمام الصادق عليهما السلام  لوجدنا عددًا كبيرًا من هؤلاء صيرفيين : إسحاق بن عمار الصيرفي , محمد بن عذافر الصيرفي ,الحسن بن محمد بن سماعة الصيرفي , مؤمن الطاق الصيرفي , وإذا اطلعنا على كتاب ( جامع الرواة) للمولى الأردبيلي رضوان الله عليه نراه يعدد الأشخاص الذين كانوا صيارفة في سوق الكوفة , سنجد عددًا كبيرًا جدًا  كانوا من أصحاب الأئمة (ع) , يقول هذه ظاهرة ملفتة للنظر وليست صدفة , بل أمر مقصود ومنظم  فمهنتهم كانت تخدم حركة المال السلسة في زمان الإمام الباقر والصادق عليهم السلام وبعضهم ممن يقوم بهذه الأعمال - كالمعلى بن خنيس - قُتل من قُبل الدولة العباسية على يد الحاكم على المدينة لماذا ؟ لم يُذكر السبب , لكن تبين أن هذا الشخص كان أشبه بوزير المالية للإمام الصادق عليه السلام , وزير المالية الذي تجتمع عنده الأموال , من أين الأموال ؟ هل ورث الإمام الصادق (ع) مال قارون ؟!!  هذه الأموال كانت من الحقوق الشرعية كالخمس والزكاة التي يوصلها الشيعة إلى الإمام (ع) . 
3- في الجانب الإداري :
قام الأئمة (ع) بتنظيم العلاقة بينهم وبين شيعتهم المتفرقين في مختلف الأماكن وتعددها من المدينة إلى مكة إلى الكوفة إلى البصرة إلى الري إلى خراسان بتطبيق فكرة الوكلاء  . 

عيّن الأئمة عليهم السلام وكلاء لهم لإدارة أوضاع الشيعة في تلك الأماكن , وفوضوا إليهم أمورًا معينة  , ويتحدث الباحثون في زمان الإمام العسكري عليه السلام عن وجود سبعة عشر وكيلًا للإمام  (ع) في مختلف بلدان العالم الإسلامي  , وبعضهم كان في مناصب رسمية عند العباسيين لا يعلمون أنه وكيل للإمام (ع) ومدير لشئوون شيعته .
هؤلاء الوكلاء كانوا يديرون أمور الشيعة في مختلف الأنحاء , فصار عندنا نظام إداري يدير فيه الإئمة عليهم السلام هذا المجتمع عبر الوكلاء , فيما بعد نفس هذا النظام تطور إلى نظام المرجعية الدينية الذي إلى الآن لا يزال قائمًا عند شيعة أهل البيت (ع) ويعتبر من أهم نقاط القوة في الوجود الشيعي في العالم الإسلامي .
إذن هيأ الأئمة عليهم السلام لشيعتهم منظومة دينية كاملة في العقائد والتشريعات والفقه , وهو الذي نعتقد أنه الإسلام الحقيقي المفصل الأصيل الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وآله .
4- في النظام القضائي:
 النظام القضائي الجاري في تلك الأيام زمن بني أمية و بني العباس  , إما كان بحسب رأي نفس القاضي وإما - لا سيما في زمن العباسيين - بحسب المذهب الغالب , في بعض الأحيان كان مذهب الحنفي غالبًا وأحيانًا كان المذهب المالكي , وفيما بعد في زمان المتوكل ومن بعده كان الحنبلي هو المذهب الغالب , وكان القضاء به يعم كل المنطقة .
أئمة أهل البيت عليهم السلام يرون أن منهجهم هو المنهج الصحيح الأصيل الذي ورثوه عن رسول الله – صلى الله عليه واله - لذلك أوصوا شيعتهم بأن التقاضي إلى من يكون عارفًا بالحلال والحرام طبق قضاء أهل البيت (ع) , في الحديث عن الإمام العسكري وهو أيضًا مروي عن الإمام الصادق عليهم السلام :(إياكم أن يحاكم بعضكم بعضًا إلى أهل الجور, ولكن انظروا إلى رجل منكم  يعلم شيئًا من قضائنا فاجعلوه بينكم , فإني قد جعلته قاضيًا فتحاكموا إليه  )   -أي لا يصح أن يذهب مثلا إلى قاضي من القضاة الذين ينطبق عليهم قضاة الباطل.  وهذه علامة التدين للإنسان المتقي ,  ففي بعض الأحيان بعض الناس يذهب إلى قاض على غير مذهبه لأن ذلك القاضي يوفر له المال أو يقضي بالحكم الذي يريده.
مثال : امرأة ليس حق الحضانة ضمن آراء المذهب الامامي , ولكن على رأي مذهب آخر يحق لها الحضانة , فتترك القاضي الذي على مذهبها وتذهب لقاض آخر كي يقضي لها بالحكم الذي تريده , وهذا غير جائز شرعًا . مثال آخر : رجل ليس له حق الميراث مثلًا لأنه عم والمتوفي عنده بنت , عند غيرنا بعد أن تعطى البنت نصيبًا , يُعطى الباقي للأعمام باعتبارهم عصبة الرجل , أما عندنا في المذهب الامامي يكون هذا المال للبنت , قسم منه بالفرض وقسم منه يُرد عليها الباقي  , ولا يذهب للعم ما دام الولد – ذكرًا أو أنثى - موجود , فيذهب هذا الرجل لقاض على غير مذهبه ليأخذ مال ليس من حقه , هذا غير جائز شرعًا  , وما يأخذه مال حرام  , ويكون سحتًا  ولن ينفعه حتى لو تصدق بجزء منه , لأن المال أصلًا ليس له  .
 التقية في المجتمع العام :
هذا المجتمع المتميز كيف يتعامل مع أفراد المجتمع العام حوله ؟ هل يعاديه أم يتصادم معه؟  كلا  , لأنه أحيانًا في نفس البيت الواحد انسان يتبع توجه أهل البيت عليهم السلام, وأخوه أو قريبه  يخالف توجهه , هل المطلوب منه التصادم معهم ؟  كلا , وإنما المطلوب منا التقية .
التقية نظام انسجام وطريقة تعايش بين أتباع أهل البيت عليهم السلام وبين سائر المسلمين .    
 إذا أنت تتقبلني كما أنا طريقتي , صلاتي , عبادتي لربي .. لا يوجد محل للتقية  , لكن أنت انسان لا تتحمل هذا الأمر مني , لا تقبله ,  أو تكون في موضع قوة تؤذيني , أو أنك لا تؤذيني ولكن تنفر مني وتجتنبني , يوصي أئمة أهل البيت عليهم السلام  بالتعايش مع هؤلاء وأن يسلك سبيل التقية حتى في الأمور العبادية التي أهم شيء.
وفي الحالة الاجتماعية حديث عن الإمام العسكري عليه السلام يعتبر من أصول توجيهاته صلوات الله عليه : ( صلوا في عشائركم , واشهدوا جنائزهم  , وعودوا مرضاهم ,  وأدّوا حقوقهم  , فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق في حديثه وأدى الأمانة , قال الناس هذا شيعي فيسرني ذلك )  , وقوله عليه السلام : ( ..فأما من كان من الفقهاء صائنًا لنفسه , حافظًا لدينه مخالفًا على هواه , مطيعًا لأمر مولاه  فللعوام أن يقلدوه )   هذا من أصول الكلمات التي سوف يعتمد عليها الإمامية كنظام إلى آخر الزمان .
 كيف يرتبون أمورهم , كيف ينظرون إلى قيادتهم  مع عدم وجود الإمام الظاهر؛ البديل عن ذلك هوقوله: ( صائناً لنفسه .......) هذا بالنسبة للجانب القيادي أما بالنسبة للجانب الاجتماعي فهذا ينطلق من أن ( التقية ديني ودين آبائي )  هذا ليس فقط لي وإنما لكل آبائي هذا الحديث مروي عن الإمام الصادق عليه السلام  والذي يشمل هذا الحديث حتى أمير المؤمنين عليه السلام فهو من آبائه ويشمل الحسن والحسين ويشمل زين العابدين , وهذا من الأصول العامة التي وضعت لحماية هذا المجتمع وهذا المذهب وللتعايش بأفضل صوره  مع غيره , حتى يبقى هذا المجتمع يمارس عباداته وقضاياه الخاصة لا هو ذائب في غيره ولا هو متخلي عن المنهج الصحيح , وليس عنده معركة  وصدام مع أحد . وعند المواجهة يستخدم التعايش والتقية ولكن فيما بينه وبين ربه يمارس عبادته  وقضاياه بشكلها الصحيح والأصيل ولا يتنازل عنها أبدًا .  
        علامات المجتمع الشيعي :                                                                                    
كيف نعرف هذا المجتمع ؟ هذا المجتمع له علامات ومميزات  منها :                                            1- التختم باليمين : أي مكان ترى فيه شخصًا متختم باليمين هذه إحدى العلامات على تشيعه , قد لا يكون شيعي حقيقي لكن ضمن المدى الاجتماعي نقدر تعرف هذا لماذا ؟ لأن المذاهب الأخرى يقول بعض علمائهم أن الروايات تدل على استحباب التختم باليمين , أساسًا التيامن في كل شيء مطلوب ,ووردت روايات عن التختم باليمين على وجه الخصوص حتى من غير طرق الإمامية  والبعض الآخر من علماء المذاهب أخرى أقروا بوجود روايات تشير إلى قضية التختم باليمين  لكن لما اتخذه أهل البدع – كما يزعمون – شعارًا لهم , علينا أن نخالف ذلك فنتختم باليسار , فالعلة لأن أهل البدع وهم أتباع أهل البيت (ع)  صارهذا الأمر شعارًا لهم فلهذا سوف نخالفهم ونتختم في اليسار.
 الطريف في الأمر أن الإمام العسكري عليه السلام في زمانه لفترة معينة أمر شيعته أن يتختموا باليسار, ( أمرناكم بالتختم في اليمين ونحن بين ظهرانيكم ,والآن نأمركم بالتختم في الشمال لغيبتنا عنكم , إلى أن يُظهر الله أمرنا وامركم , فإنه اول دليل عليكم في ولايتنا أهل البيت )   لقد كان في زمان العسكري (ع) وضع خاص من قبل السلطة العباسيين الذين كانوا يرصدون من هم جماعة الإمام ؟ من أتباعه ؟ من أوليائه ؟ فكانت هذه علامة من علائم المؤمن التختم باليمين فيتبين أنه من أتباع أهل البيت عليهم السلام فيؤذونهم ويضيقون عليهم , لذلك قال لهم الإمام (ع) انزعوا الخاتم من اليمين واجعلوه في اليسار ولكن في الأحوال العادية الطبيعية يبقى في اليمين وهو أيضاً علامة من علامات المجتمع المؤمن . 

2- الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم: كذلك في قضية البسملة إذا ذهبت إلى مكان واجتماع ما  ورأيت المجتمع ملتزم بالجهر بالبسملة  , غالبًا ما يكون مواليًا لأهل البيت عليهم السلام .                           
    في ذلك الوقت في زمان الإمام العسكري (ع) وصلت الأمور لأرقى درجاتها وتكاملت الفكرة الشيعية , تكاملت النظرية في العقائد والفقه حسب روايات أهل البيت (ع) التي توارثوها من النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم  بدءًا من زمان أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى زمان الإمام العسكري عليه السلام الذي استشهد عام 260 هـ أي  حوالي 250 سنة من الزمان  خلالها كان الإئمة (ع) يبينون الأحكام والتشريعات حسب إرادة الله ويفيضون فيها ,فهم حجج الله .
ختامًا:     
المجتمع الشيعي  بدأ يتعود على فكرة الوكلاء ونواب الإمام (ع) وأن يرجع إلى أحد العلماء الثقات الورعين العارفين بأمور الدين , هذا بدأ من زمان الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام , وتكرس هذا الاتجاه في زمان الإمام العسكري عليه السلام , وهناك عدد كبير من الروايات عن الإمام العسكري (ع) في كيفية التعامل بين الوكلاء وبين سائر الناس .

فتعود المجتمع الشيعي على هذا النظام لذلك عندما يتوفى أحد النواب يكون انتقال إلى عالِم آخر  باعتبارهم نواب عامين للأئمة (ع) فكانت العملية سلسة وطبيعية جدًا لم تشهد مشكلة .
 إلى أن وصل المجتمع إلى زمان الغيبة  الصغرى وما بعدها  بشكل  يُعد أمرًا طبيعيًا , وفي نفس الوقت استمروا بالتعايش مع الناس – غير الشيعة الإمامية - بالتقية والمداراة و بالمعاملة الحسنة .
    و قد رأينا تأثير ذلك في المجتمع الشيعي التابع لأهل البيت عليهم السلام , فقد استطاع أن يحافظ على شعائره وأخلاقه وعباداته وأن يحسّن معاملته مع غيره , ولم يصطدم مع الآخر . 
    هذا كله ببركات تخطيط أئمة أهل البيت عليهم السلام وكان نتيجة ذلك وقمة ذلك في زمان سيدنا ومولانا الإمام الحسن العسكري عليه السلام بالرغم من أن فترة بقائه محدودة  , فعمر  الإمام صغير بين من قائل ثلاثين أو ثمانية وعشرين سنة , وإمامته بين من قائل ست أو ثمان سنوات  وهذا شيء مثير للدهشة أن الإمام (ع) يتولى الإمامة مدة ست سنوات فقط  , ومع ذلك الحاكم العباسي الذي بيده الطول والقوة والجنود لا يتحمل بقاءه أكثر من هذا , هذا ملفت للنظر . 

عادة إذا كانت هناك فئة تعارض السلطة والحاكم  ؛ تارة لا يلتفت إليها ولا يهتم لأمرها , وتارة أخرى لا يتحمل وجودها فيواجهها بقوة , فيسعى للقضاء عليها  . 

 يتبين أن هذا الحاكم العباسي , فشل في إدارة الصراع مع الإمام العسكري (ع) ‘ ولذلك رأى أنه لا سبيل أن يتجاهله , ولا أن يقاوم مخططاته  , لا سبيل إلا أن يقتله ويقضي عليه , لأن الإمام (ع) كان يدير هذا المجتمع الكبير بذكاء منقطع النظير , وبصورة مثالية كاملة وفي نفس الوقت لا يعطي للسلطة الحاكمة  أي مستند أو مدرك , وهذا ما لا يتحمله المعتمد العباسي فسعى للقضاء على الإمام الحسن العسكري صلوات الله عليه  .

 

مرات العرض: 7247
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2568) حجم الملف: 47116.73 KB
تشغيل:

عن عصر الامام محمد الجواد ودوره
المولد النبوي وثلاثة اتجاهات