28 الشهيد برير بن خضير الهمداني سيد القرآء
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 29/1/1440 هـ
تعريف:

الشهيد برير بن خضير الهمداني سيد القراء

 

تفريغ نصي الفاضلة فاطمة الخويلدي

تصحيح الفاضلة أفراح آل ابراهيم

( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن يجتبي من رسله من يشاء )1

الآية المباركة التي تمثّل بها الإمام الحسين سلام الله عليه في ليلة العاشر من المحرم تحكي قاعدة إلهية هي أنّ الله سبحانه وتعالى يعرّض الناس للامتحانات والابتلاءآت ، وغرض ذلك أن يتميّز الطيبون من الخبثاء والمؤمنون من المنافقين وأصحاب الحقيقة من أصحاب الادعاء ، القرآن الكريم يعيّن للإنسان مسارًا وطريقًا ويطلب منه أن يسير عليه حتى يصل إلى هدفه الذي خلق من أجله والذي عبّرت عنه الآية المباركة:
(وما خلقت الجن والأنس الا ليعبدون )2


في مقابل هذا نجد الكثير من الناس من يتعامل مع هذه الحياة تعاملاً عبثيًا ، تعامل البطالين الذين يتخذون هذا العمر ضحكة وعبثاً ، فتراه ويقضي أيامه يومًا بعد يوم وسنةً بعد أخرى غير عابئ بما ينتظره يصرف رصيده الأساسي وهو أيام عمره وسنوات حياته ، حتى إذا وصل إلى نهاية المشوار واستنفذ هذا الرصيد قال ( يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله )3

الكثير  من الناس تكون حياتهم هكذا و أيام عمرهم تمضي وهم في غفلة ، والبعض الآخر من الناس ينظرون إلى هذه الحياة نظرة جدية ، حيث  يعتبرون أيام عمرهم جزءًا منهم كما ورد في الحديث عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام
(يا ابن آدم إنّما أنت عدد أيام فإذا مضى بعضها فقد مضى بعضك)4

 أيام حياتك عبارة عن ساعات إذا ذهبت منها ساعة ذهبت ، و إن مضى منه يوم  فقد مضى جزء منك ، وكما في الحديث المعروف
  كل يوم يمر على ابن آدم يخاطبه أول الصباح فيقول ( يا ابن آدم أنا يوم جديد وغداً عليك شهيد فقل فيّ خيرا واعمل فيّ خيرً ا فإنك لا تراني بعد هذا أبدًا )5
 يوم الأربعاء مثلاً خمسة عشر من صفر ألف وأربعمائة وأربعين هجرية إذا انتهى هذا لا يرجع إليك ولو بذلت المستحيل وأعطيت الغالي والنفيس لا يعود انتهى وسقط من الرصيد وهكذا الحال بالنسبة للسنوات ، هذا الذي يجعل أهل المعرفة ينظرون إلى الغرض الأساسي من حياتهم وهي العبادة ولو بمعناها الأعم فيجعلونها عنوان حياتهم.

 وهذا ما عرف به أحد شهداء كربلاء وأبطالها وهو برير بن خضير الهمداني

كلّ من أرّخ له ومن تحدث عنه قال بأنه كان عابدًا متنسكًا لأنه عرف الهدف من حياته وهو العبادة فسلك العبادة بأنساكها والعبادة هنا بمعناها الأعم ليس فقط العبادة الخاصة (صلاة وصيام ) بل هذا جزء مهم ، قد يكون إنفاقك على أهلك ناوياً به وجه الله فهذه عبادة ،  و مساعدتك للضعيف ناوياً به وجه الله أيضًا تعتبر عبادة ، دفاعك وإبعادك الأذى عن غيرك من المؤمنين عن أعراضهم ممن يغتابهم أو يتهجّم عليهم قاصداً بذلك وجه الله تلك أيضًا  عبادة وهكذا ، هذا الرجل كان عابدًا متنسكًا وهو مثال للحياة الهادفة والجادة في مقابل من سوف نتحدث عنهم من أهل العبث في هذه الدنيا من أعدائه وممّن واجههم في كربلاء وقبل كربلاء.

 هذا الرجل برير بن خضير الهمداني أسماه بعض المؤلفين  يزيد بن حصين وهو تحريف لاسمه وتصحيف الصحيح هو المشهور أنّه برير بن خضير الهمداني  .

وهو همداني مشرقي .. ذكرنا في ليلة سابقة  مضت أنّ العرب يقسمون القبائل إلى قسمين عرب الشمال وعرب الجنوب ، مضر عدنان شمالية واليمن جنوبية وهي قبائل كثيرة من جملتها همدان  وهمدان  هذا يختلف عن البلد الموجود في إيران  وينسب إليها علماء وفقهاء فقيه آغا رضى الهمداني أحد  أعاظم الفقهاء ،  وهذا ليس مرتبط بهمدان اليمنية وإنما مرتبط ببلدة همدان في إيران بينما  همْدان في اليمن بتسكين الميم ، و همدان لها مدن كثيرة ، و قد لاحظ المرحوم الشيخ شمس الدين في كتابه (أنصار الحسين )  أنّ الفئة الأكبر في أنصار الثورة الحسينية كانت من القبائل اليمنية فلو استثنينا قادة الثورة وهم بنو هاشم  وبنو
 هاشم  من قريش مضر عدنان من عرب الشمال ولو استثنينا من هؤلاء الإمام الحسين عليه السلام وأخوته وأبنائه وأبناء عمومته ، لو استثنينا هؤلاء ثم جردنا أصحاب الحسين وأنصاره لوجدنا أنّ النسبة الغالبة هي من قبائل اليمن من الجنوب بل أكثر من هذا كانت هذه القبائل وتلك المنطقة في زمان الإمام الحسين عليه السلام معروفة بتشيعها وولائها لآل محمد صلى الله عليه وآله ، ولذلك فإنّ ثلاثة من الأشخاص اقترحوا على الإمام الحسين عليه السلام أنّه إذا أراد النصرة والمنعة والأعوان فليذهب إلى اليمن ، و محمد بن الحنفية عندما رأى الإمام الحسين عليه السلام يريد الخروج إلى العراق قال له اذهب إلى اليمن فإنّ فيها أنصارًا وأعوانًا وهم أولياء أبيك.
وكذلك ابن عباس اقترح على الإمام الحسين أنه إذا ذهب إلى اليمن فإنّ فيها منعة ، حيث نظر  إلى الحالة الجغرافية ، وكذلك الطرماح بن عدي الطائي عندما التقى بالحسين عليه السلام في الطريق اقترح عليه أن يأتي إلى اليمن وأنّه إذًا يستطيع أن يحشّد له من الأنصار والأعوان ليس فقط من الرجال بل  حتى النساء ، ولعلّ هذا الولاء كان منذ أن آمنت همدان بالإسلام على يد أمير المؤمنين عليه السلام فقد ذهب إليهم في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله  داعياً إلى الاسلام في اليمن فاستجابت له سريعاً قبائل اليمن ولا سيما همدان ، وقد قال فيهم شعرًا يروى إلى يومنا هذا:

 لو كنت بواباً على باب جنة لقلت لهمدان ادخلوا بسلام6

وهذا يشير إلى مقدار تقديره لهذه الأسرة وهذه القبيلة  ليس فقط من الرجال حتى النساء.

 عبيد الله بن زياد كان لابد أن يرجع إلى البصرة فأراد أن يعين عمر بن سعد على الكوفة هذه، فقامت نساء همدان في كل مكان وظللن يبكين الحسين ويعدّدن مصائبه وبالتالي جرائم عمر بن سعد وأصبحوا يقولون لم يكتف عمر بن سعد بقتل ابن بنت رسول الله وسبطه حتى أراد أن يتأمّر علينا لا كان ذلك ابداً ، واستمروا يردّدون ذلك فكان هذا بمثابة المظاهرة النسائية في الكوفة ضد تعيين عمر بن سعد ، وقد تزامن هذا مع نهضة التوابين ممّا شكل ضغطًا على بني أمية في هذه الجهة ، وكما ذكرنا أنّ هذه الأسرة هي التي ينتمي إليها برير بن خضير الهمداني و كان في أول أمره كباقي القبيلة في المنطقة اليمنية ، وتمّ الانتقال إلى الكوفة لأن هذه القبائل اليمنية انتقلت على مرحلتين أساسيتين :

- المرحلة الأولى مع بدء تمصير الكوفة فقد كانت تتأسّس كمدينة في زمان الخليفة الثاني سنة سبعة عشر هجرية حيث انتقلت لها قبائل كثيرة على أساس أنّهم سوف يشكّلون جزءًا من الجيش الذي سيذهب لقتال الفرس واستقر قسم من هؤلاء ثم استدعوا نساءهم وعوائلهم.
- المرحلة الثانية كانت بعد مجيء أمير المؤمنين عليه السلام إلى الكوفة بحدود سنة خمسة وثلاثين هجرية حيث انتقل كثير من القبائل اليمنية من الرجال و الشخصيات سواء كانوا من الذين لا يزالون في المنطقة الجنوبية في اليمن أو كانوا في مكة والمدينة ، انتقلوا إلى الكوفة وبرير بن خضير أصبح من أبناء الكوفة ،  وبناءً على هذا لذلك عندما التحق بالحسين عليه السلام خرج من الكوفة مبكرًا والتحق بالحسين وهو لتوه قد خرج من مكة المكرمة ، وفي الكوفة في هذه الفترة نقل عنه أنّه منذ زمان أمير المؤمنين عليه السلام إلى شهادته سنة واحد وستين هجرية كان يعلّم القرآن وهذا ورد في أكثر من مصدر ، بل حتى نقل عن أعدائه وبعض من أراد  قتله  كان يؤمر من قبل آخرين بأن لا تقتل هذا الرجل إنّه برير بن خضير الهمداني معلم القرآن الذي كان يقرؤنا القرآن في الكوفة ، ويروى عن زوجة القاتل الذي قتل  برير بن خضير وهو كعب بن جابر أنّه لما رجع إلى الكوفة قالت له زوجته أعنت على الحسين وقتلت سيد القراء برير بن خضير والله لا أكلمك من رأسي كلمة واحدة ، إذن يتبين من هذا أنّ الرجل كان معروفاً بأنه مقرىءٌ للقرآن لأكثر من جيل بل في تعبير هذه المرأة أنه سيد القراء في الكوفة ،  هنا لا بدّ لنا من وقفة عند   قارئ القرآن والمهتم فيما يرتبط بمنهج أهل البيت عليهم السلام حيث أننا  نعتقد أنّ هذا الرجل كان يهتم بمعاني القرآن وبمواضيعه وبأفكاره وأحكامه أكثر من اهتمامه بالألفاظ ، وفي تاريخ المسلمين  نجد توجهين فيما يرتبط بقضية القرآن الكريم :

- التوجه الأول كان توجّه الخلافة الرسمية قبل خلافة أمير المؤمنين عليه السلام الظاهرية وبعدها ايضاً في أيام الأمويين الخلفاء هنا لم يكن بإمكانهم أن يمنعوا الناس عن قراءة القرآن وهذا واضح  حيث أنّ كتاب الله المنزل ومعجزة النبي صلى الله عليه وآله لا يستطيع أي شخص أن يمنع أحدًا من قراءة القرآن الكريم . وإن قرىء القرآن وأقبل عليه القارىء فإنّ فيه من الإشارات بل التصريحات في حق أهل البيت عليهم السلام وسلامة منهجهم ، وقد أمر الناس باتباعهم ، فإنّ في القرآن الكريم  الشيء الكثير ، كآية التطهير وأمثالها من الآيات الكثيرة تشير إلى حق أهل البيت عليهم السلام ، لكن الخلافة الرسمية لا تريد أن يصل  هذا المعنى لأذهان الناس لذا أخذت تمنع الناس من قراءة القرآن الكريم  لكنها لا تستطيع ، إذن لا بد أن توجّههم إلى شيء آخر وهو الألفاظ ، فلا بدّ من إتقانه وإخراج الغنة بالشكل الصحيح .
وكذلك بالنسبة للصوت يجب أن يكون حسنًا ، فكان توجّه الخلافة الرسمية إلى التأكيد على أشكال القرآن وألفاظه وإعرابه وتجويده، أما بالنسبة لباطن القرآن ومعانيه ومضامينه ، وعقائده وفلسفته فهناك  أمر صريح صرّح به معاوية عندما قال لابن عباس (لا تفسر القرآن )  فقال له أتنهانا أن نفسّر القرآن ؟ قال له كلا ولكن إن أردت أن  تفسره فلا تفسره كما تريدون أنتم ، فقال له ابن عباس  إنّ القرآن نزل في بيوتنا ونحن أقرب للقرآن ، فقد نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى أوصيائه وأوليائه ، فهل نذهب لطلب تفسيره من غيرهم ، هل نذهب إلى كعب الأحبار مثلا، أو وهب بن منبه ، أم من عبدالله بن سلام ،  هؤلاء الذين أسلموا فيما بعد وجاؤوا بثقافة اليهود والنصارى ، فكان الأمر قاطعًا بمنع  تفسير القرآن الكريم ، وأصبح التوجه العام فقط لألفاظه وحروفه وإعرابه ، وهذا التوجه استمر لمدة طويلة  في بلاد المسلمين ، إلى الوقت الحاضر  تجد من النادر أن تكون هناك مسابقات في معاني القرآن الكريم ، بل تجد مسابقة في الحفظ والحفظ مجرد  ألفاظ ، و كذلك  مسابقة في التجويد والتجويد مجرد  ألفاظ ، ومسابقة في الإعراب والإعراب مجرد  ألفاظ، وكذلك  في المقامات والمقامات هي ألفاظ وكيفية أداء للصوت ، و في مقابل هذا كان توجّه أئمة الهدى عليهم السلام يركّز على موضوع معاني القرآن الكريم وأحكام القرآن،  وفلسفة القرآن و هداية القرآن ، وكانوا يأمرون أصحابهم بذلك ، من رواية نقلها الشيخ الكليني في كتابه (الكافي ) عن الإمام الباقر عليه السلام حيث
يقسم المسلمين الذين يتعاملون مع القرآن إلى ثلاثة أقسام :
يقول القسم الأول هو

(فقسمٌ اتخذه بضاعة واستدرّ به الملوك واستطال به على الناس ) 7
هذا القسم اتّخذ القرآن تجارة يبيع منه ما يريد ليشتري ذلك السلطان الذي يبحث عن آية تخدم أهدافه ومصالحه ، لذا يتعامل مع القرآن كبضاعة ويستطيل و يتكبر به على الآخرين.
القسم الثاني
يقول ( وقسمٌ قرأ القرآن فحفظ حروفه وعطّل حدوده )
الحدود و المعاني و الأفكار والعقائد معطلة لديه لا تعمل لكن الحروف بالنسبة له قضية مهمة جداً ، فلا يعتني بالمعنى لكنه يعتني باللفظ فقط.
والقسم الثالث  ( ورجلٌ قرأ القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه فأسهر به ليله وأظمأ هواجره فأولئك يدفع الله العزيز بهم البلاء عن الناس )

قسم ثالث يجد في القرآن الكريم حلول لمشاكله النفسية وحلول لمشاكل المجتمع وأحكام ينتفع بها الناس ، وبرنامج عملي لهذا المجتمع المسلم ، حيث جعل من القرآن الدواء و جعله في كل مكان فيه مرض وهذا هو المطلوب وهم القلة الذين يتعاملون مع القرآن الكريم بهذه الكيفية ، ولذا فإنّ الله  يدفع بهم البلاء عن الناس ، فإذًا كانت هذه الرؤية موجودة عند أهل البيت وأتباعهم .لابد إنّ مثل برير بن خضير الهمداني وهو مقرئ القرآن الأول وسيد القراء في الكوفة لابدّ أن يكون ملتزماً بها ، ومن المهم أن يتقن الإنسان  قراءة القرآن و لا يتساهل الإنسان في ذلك لأن ذلك وسيلة ومقدمة لفهمه، فنحن نقرأ على سبيل المثال
( إنّما يخشى الله من عباده العلماء )8 فإن لم نجيد قراءتها بالشكل الصحيح سينعكس المعنى
إنّما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ يعني أنّ العلماء يخشون الله ويخافونه .

لكن إذا لم نقرأها بالشكل الصحيح وقرئت ( إنّما يخشى اللهُ من عباده العلماءَ ) يعني أنّ الله يخاف من العلماء انعكس المعنى وفي هذا شيء مخالف لعقيدتنا في أنّ الله يخاف منه كل شيء ولا يخاف شيء .
القراءة الصحيحة ليست هي الغرض ولكنها وسيلة ومقدمة وجسر يعبر بصاحبه إلى المعنى  ولذا علينا خاصة المؤمنين والمؤمنات الذين يعملون ويجتهدون في لجان القرآن الكريم ألا يكون أقصى غرضهم قضية اللفظ والظاهر والتجويد واللسان والمقامات فليكن جزء بسيط من الاهتمام  وليكن خمسة وعشرين بالمئة ، وخمسة وسبعين بالمئة  لابدّ أن نسخر الاهتمام للمعنى ، وإدراك مضمونه.

برير بن خضير كان في كربلاء مع الإمام الحسين وكان معه ليلة عاشوراء رجل يقال له يزيد بن معقل  وهو من ضمن جند بني أمية يلتفت إلى برير بن خضير يقول له يا برير ألست تذكر أننا كنا نتماشى في بني دودان ( منطقة في الكوفة حي من أحياؤها )
ألم تذكر يا برير انك كنت  تقول أنّ عثمان قد أسرف على نفسه وأنّ معاوية ضالٍ مضل وأنّ علي بن أبي طالب هو إمام الحق والعدل ، ألم تقل هذا الكلام ،  برير قال له نعم وأنا ما زلت أعتقد بذلك الكلام ، فقال له أشهد أنّك كاذب إن كنت تعتقد بذلك ، فقال له برير هلم فلنبتهل إلى الله عزّ وجل ونتقاتل ونطلب من الله أن يهلك الكاذب منا ،النتيجة أنّ برير قتل ذلك الرجل .  نستفيد من هذا بهذا المعنى أنّ برير بالإضافة إلى كونه معلمًا للقرآن ومفسرًا له وسيد القراء في الكوفة كان خطه وتوجّهه واضحًا ، فكان يتحدّث عن  معاوية و يقول هذا رجل ضال ومضل استطاع أن يضلّل الناس بعدما كان ضالاً وهذا موقفي ثابت منه ، وكذلك عثمان الذي تجاوز وأسرف على نفسه حتى أدّت هذه التجاوزات إلى ثورة المسلمين عليه وقُتل على أثر ذلك،  وأما علي بن ابي طالب فهو إمام الحق والهدى هذا يبين شيئين:

١ -  وضوح هذه الفكرة عند برير .
٢ -  أنّه كان يبلغها وينشرها والدليل أنّ الرجل قال له كنت تحدثنا ، أي أنه كان يمارس دور التبليغ والإرشاد مع هؤلاء ومع غيرهم من أجل أن يقنعهم بهذه الأفكار وهذا أيضًا نضيفه إلى شيء من سيرته.
 بعض العلماء مثل الشيخ علي النمازي الشهرودي لديه كتابٌ اسمه (  مستدركات علم الحديث ) نسب إليه أنه قد روى كتاباً   باسم ( القضايا والأحكام ) عن أمير المؤمنين عليه السلام فإذا صحّ  هذا الكلام فإنّ هذا الرجل أولًا هو معلم للقرآن وسيد القراء ،  وثانياً هو راوي لروايات فقهية.  وأيضاً بناءً على هذا راوي لروايات فقهية حيث ذكروا بإنّ هذا الكتاب ( القضايا والأحكام) كان مرويًا عن طريقه.
 وكذلك  السيد محسن الأمين العاملي صاحب كتاب أعيان الشيعة مجتهد من المجتهدين العظام ومؤلف من المؤلفين الكبار لديه كتاب (أعيان الشيعة) خمسة وأربعين مجلداً تتبّع فيها شخصيات الشيعة منذ الزمان الأول ، حيث عدّ رسول الله صلى الله عليه وآله  كأول اسم من أسماء الشيعة وعاب أحد مخالفيه عليه ذلك وقال لم يتبق إلا الله الذي لم تجعله من ضمن الشيعة، فردّ عليه بقوله إنّ  هذه الفكرة ليست غائبة عنا و لكن كتابنا مهيئ للكتابة عن من توفي ولو لا أنّ الله حي لكتبنا اسمه أيضاً في هذا الكتاب ، ولذلك جعلنا النبي صلى الله عليه وآله واحدًا منهم لكنّ الله حيٌ لا يموت لذلك لم نذكر هذا الاسم ،هذا من باب الطرفة تذكر عنه .

السيد الأمين هذا البحر من التأليف والعلم يشكّك في هذا ويقول لم يذكر في كتاب الرجال المتخصصة أنّ برير نقل هذا الكتاب عن أمير المؤمنين عليه السلام ، ولكن الكتاب موجود ولكن لم نعرف أنه رواه عنه لذلك يشكك فيه لذلك القضية ذات قولين .

 هل هو راوي  للحديث والفقه أو ليس كذلك ، ومن المعلوم أنّ برير لمّا علم بخروج أبي عبدالله الحسين عليه السلام من مكة المكرمة التحق به و خرج معه  و رافقه طوال الطريق ، وفي ليلة العاشر من المحرم هناك أكثر من حدث يستوقف الناظر والمتأمل .

أحد هذه الأحداث أنّ الإمام الحسين عليه السلام لما طلب الاستمهال إلى ليلة العاشر ثم يوم العاشر ، كان الحسين وأصحابه  في تلك الليلة  يتعبّدون ويقرؤون القرآن في الخيمة فجعل الحسين عليه السلام بعض الأشخاص حرسًا خارج الخيمة  و من جملتهم برير بن خضير وكذلك  الضحاك بن عبيد الله المشرقي كلاهما مشرقيان وكلاهما همدانيان وأبناء عمومة، وفي هذه الأثناء كان  الإمام الحسين عليه السلام يتلو  هذه الآية التي توّجنا بها حديثنا ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الله الخبيث من الطيب )
وهي الآية المناسبة لهذا الموقف الذي كانوا فيه والابتلاء حتى يتميز فيها من يثبت ومن يستمر ومن ينهزم ومن يتراجع ومن لا يقبل على الحسين ، وفي هذه الأثناء مرّ جماعة من جند بني أمية قرب الخيمة فسمعوا كلام الحسين عليه السلام والآية المباركة فظنوا أنّهم هم المخاطبون بها حتى يميز الخبيث من الطيب  فرفع أحدهم صوته لكي يسمع برير و الضحاك وقال نحن الطيبون وأنتم الخبثاء ، فالتفت  الضحاك  لبرير بن خضير يسأله إن كان يعرفه ، فلم يعرفه فقال الضحاك هذا أبو حرب السبيعي وهو رجلٌ مبطالٌ مضحاكٌ ندوم يعني أنه يعاقر الخمرة ،  فأقبل عليه وقال له يا فلان إنّ عليك ذنوبًا  كثيرة ومشهور أمرك بين الناس  فهلا  أتيت وتبت إلى ربك من ذنوبك لعل الله يغفرها لك ، وهذا منطق الإنسان العاقل الذي ينصح الناس بالقرآن ، حتى في هذا المكان لربما يستجيب ويعود إلى رشده.
لكن البعض كما ذكرنا مسبقًا حياته حياة عبث لامعنى لها، لكن برير الذي يرى من الحياة الجد والعمل وحتى في هذا المكان بعد أن تأهّبوا لقتال الإمام الحسين عليه السلام ، يرى أنّه من الممكن لو دعي إلى مثل هذا قد يستجيب فقال له فمن ينادم يزيد بن عذرة الغزي إن أنا تبت وتراجعت...
شاهدنا هنا أنّ برير بن خضير كان يملك الإحساس بمسؤولية الهداية للآخرين حتى في مثل هذا الموقع يرى نفسه عابدًا متنسكًا ولكن أيضًا صاحب مسؤولية اجتماعية اتجاه المنحرفين،  يريد استتابتهم واسترجاعهم إلى طريق الهدى.
وكذلك في قضية المباهلة ايضاً ذكرنا شيئاً عنها في ذلك اليوم مرّ عليه أحدهم وقال له هذا الكلام تذكر إنك كنت تقول لنا كذا وكذا عن عثمان وعن معاوية وعن علي بن ابي طالب،  قال له نعم وأنا لا أزال على رأيي ولا أتنكّر له وهذا هو الحق ، فقال له أشهد أنك كاذبٌ وقبل هذا ما كنت عندنا كاذبًا.
 حتى هذا الاعتراف يتبين منه أنّه لو لا هذا الموقف لكان يعترف له بالصدق طبعا ، هو في ضلال وهذا الموقف يبين صدق برير بن خضير،  قال له أشهد أنّك من الضالين المكذبين ،فقال له دعنا نبتهل إلى الله ونتبارز لكي يميت ونطلب من الله عزّ وجل أن يقتل ويميت المبطل منا ، مع ملاحظة أنّ موضوع المباهلة  ليس هو القاعدة في الفصل بين الأفكار وليس المنهج الطبيعي لإثبات الرأي الصحيح كما لو اختلفنا حول فكرة ما فأنت ترى شيئًا وأنا أرى شيئًا آخر ، لذا نجد أنّ قضية  المباهلة دائرتها دائرة جداً في التاريخ  حيث نرى لها مورد أول في حياة رسول الله محمد صلى الله عليه وآله .
( فقل تعالوا ندعوا أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل )9

وهنا  لم تتم المباهلة إذا كان مجرد  استعداد لها، حيث أنّ نصارى نجران لما وجدوا النبي صلى الله عليه وآله مصر عليها وأتى بأهل بيته وقال ما قال تراجعوا ولم تكتمل المباهلة لأنه نقل أنّ كبير النصارى قال أرى وجوهاً لو أقسمت على الله لامتلأ علينا الوادي نارًا )10 فخافوا من مواجهتهم وانسحبوا وانتصر رسول الله دون ان تستكمل حلقة المباهلة.
وكذلك المورد الثاني والذي وصلت إلى نهايته في زمان العباسيين أيضًا يحي بن زيد الشهيد قام بالمباهلة مع  من كان يريد الإيقاع به أمام هارون وكان كاذباً عليه وحصلت وبالفعل ذلك الرجل  مات بعد ثلاثة أيام.
إذن قضية المباهلة لم تكن مشهورة ولم تكن الأساس لتصحيح المسار ، ولكن هنا في قضية برير مع صاحبه أراد أن يباهله ليدلّل على صدقه ،  وفعلاً تبارز برير بن خضير ويزيد بن معقل الذي كان من بني أمية والذي حمل على برير و ضربه ضربة على كتفه ولم تؤثر فيه بل رفع  سيفه وضربه ضربة قوية جداً قدّت (المغفر) أي الخوذة ووصلت إلى نصف رأسه يقول راوي الرواية وهو الضحاك المشرقي يقول ( حتى رأيت برير ينضنض السيف حتى يخرجه) و مات من أثر الضربة لأن الضربة كانت قوية ، وكأنما كانت إجابة من الله سبحانه وتعالى لبرير وبيان أنّ هذا الشخص هو مبطلٍ وظالم وأنّ برير هو صاحب الحق لأنه على منهاج الإمام الحسين عليه السلام ، بعد ذلك أتى أحدهم ويدعى رضي بن منقذ العبدي وهو أخ مرة  وكلاهما كانا أموين على خط بني امية ، بينما لهما أخت اسمها مارية العبدية التي كانت الشيعة تجتمع عندها حيث كانت تأتيهم رسائل الإمام الحسين عليه السلام إلى أهل البصرة إلى هذا المكان وتتلى ولذلك كانوا يتابعون حركة الحسين عليه السلام في بيت هذه المرأة ، في زمان كان يحكمها عبيد الله بن زياد هذا الرجل الشرس الذي كان يعتبر القتل أمرًا هيٍنَا وكان عنده أسهل ما يكون.
ومع ذلك هذه امرأة عادية ليس عندها حماية ومع ذلك تفتح بيتها إلى اجتماعات شيعة أهل البيت ومن هذا البيت انحدر من البصرة إلى كربلاء أربعة شهداء مباشرة أ، هم ربعة شهداء من بني عبد القيس من بيتها ذهبوا إلى كربلاء وأصبحوا شهداء ، كان عدد شهداء البصرة حوالي عشرة ولكن أربعة من بيتها خرجوا من هذه الجلسة التي تنعقد في بيتها، هذه المرأة التي كانت  بالنسبة إلى إخوتها نسبة الشمس الضاحية إلى الفحمة المنكدرة رضي بن منقذ العبدي أخوها وأخوهم مرة ابن منقذ قاتل علي الأكبر.
رضي بن منقذ لما رأى برير بن خضير قد قتل ذلك الرجل حمل عليه لكي يقتله  فاستدار له برير واصطرع معه وأوقعه على الأرض وصار على ظهره حتى يريد ذبحه فنادى رضي بن منقذ العبدي في الجيش مستنقذَا مستغيثاً   مستنجداً، ( مع أنّ هذا خطأ من الناحية العسكرية فلا يجوز لأحد التدخل بين متبارزين ) لكن كعب بن جابر أتى لبرير وهو جالس على صدر رضي فطعنه  برمحٍ في ظهره وأراد أن يقوم برير فثنى عليه بضربة على رأسه ، فذهب إلى رحاب ربه راضياً مرضياً شهيداً حسينيًا، وقد  أبّنه الإمام الحسين عليه السلام بما يناسب شأنه ومقامه كسيد للقراء سائرًا على منهاج آل محمد في الاهتمام بالقرآن الكريم.
اهتمام أهل البيت عليهم السلام بالقرآن الكريم اهتمام عظيم ، حتى روي أنّ رأس الحسين عليه السلام نطق بآيات القرآن الكريم وهو على الرمح منفصلاً عن جسده الشريف ، أحدهم سأل  الشيخ الصدوق كيف لرأسٍ مفصولٍ عن الجسد أن يقرأ القرآن ؟؟  فقال لقد ضرب القرآن لنا مثلاً في ذلك عندما قال:
 ( يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون)11
بفارق أنّ الأيدي والأرجل ليس من شأنها الكلام أصلاً وليس لها قابلية على ذلك وإن كان صاحب اليد حيًا ، بينما   الرأس له قابلية على الكلام لكن يوجد هناك مانع وهو أنّه منفصلٌ عن الجسد ، ولكن الله إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون. ؟؟
إنّ كان الله هو القادر على أن ينطق رجلًا لا قابلية له على الحديث أليس قادراً على أن ينطق رأساً له قابلية على الحديث ، فهذا أسهل.
 وكمثال  معاصر لدينا سيارة لها قابلية السير لكنه لا يوجد  فيها وقود  وهذا أسهل من أنّ هذا المنبر مثلاً يمشي وهو في الأساس ليس له قابلية الحركة والسير. فهنا  الرأس له قابلية النطق لكنّ وجود المانع وهو انفصاله عن الجسد مانع لذلك ،ولكن قدرة الله فوق كل شيء والتي انطقت ما لا ينطق وجعلته يتكلم من يدٍ ورجلٍ وجلدٍ وعينٍ، كيف لا ينطق لأجل إظهار حجة الله عزّ ،وجل وبيان منهجه كيف لا ينطق رأس الحسين سلام الله عليه ، ولقد ذكر المؤرخون أن رأس مولانا الحسين عليه السلام لما كان في الكوفة كان ينطق بالآيات ولما صار في الشام أيضاً نطق بالآيات وسمعه الناس وكما قال الشاعر:

لهفي لرأسك فوق مسلوب القنا        يكسوه من أنواره جلبابا
يتلو الكتاب على السنان وإنما          رفعوا به فوق السنان كتابا12


1 سورة آل عمران آية 179
2 سورة الذاريات آية 56
3 سورة الزمر آية 56
4 شبكة المعارف الإسلامية
موقع المجلس اليمني
7 الكافي الكليني ج2ص 627
8 سورة فاطر آية 28
9 سورة آل عمران آية 61
10 شبكة المعارف الإسلامية
11 سورة النور آية24
12 العتبة العلوية

مرات العرض: 189
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (78)
تشغيل:

29 شخصیة زهير بن القين البجلي
31 الموالي الشهداء في أصحاب الحسين عليه السلام