تشريع الخمس من زمان الحسنين إلى زمان الحجة 27
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 27/9/1439 هـ
تعريف:


تشريع الخمس من زمان الحسنين إلى زمان الإمام المهدي عليه السلام

تفريغ نصي الفاضلة / فاطمة الخويلدي
تصحيح الفاضلة أفراح البراهيم
قال تعالى:(واعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل )1
حديثنا بإذن  الله تعالى يتناول تاريخ تشريع الخمس فهو من ضمن تشريع العبادات ، وقد ذكرنا في حديثٍ سابق شيئًا عن تشريع الخمس في عهد  رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليهم السلام ، وكيف كان وضع الخمس في عهدهما ،  كما ألقينا نظرة على ما يراه الإمامية في تفسير الآية المباركة من سورة الأنفال  وأشرنا إلى النقاط التي يمكن لهم أن يستدلوا بها على فريضة الخمس في أرباح المكاسب والتجارات وما يفضل عن مؤنة الإنسان ،و أنّ الآية المباركة لا تختص بالغنائم الحربية كما ذهبت إليه مدرسة الخلفاء.

زمان الحسنين والسجاد

ولو نظرنا إلى زمان تشريع الخمس في زمان الحسنين والسجاد إلى عهد الامام المهدي وما يرتبط بأدوار الأئمة المعصومين عليهم السلام سوف نجد أنّ زمن الحسنين والإمام السجاد عليهم السلام يكاد يخلو من ذكر روايات الخمس أو ممارسات الشيعة في قضية دفع الخمس على خلاف المراحل التالية من زمان الإمام الباقر عليه السلام فصاعدًا ، وبالرغم من أنّ الأمر لا يختلف لو أتت رواية تامة السند واضحة الدلالة من إمامٌ متأخر أو من إمامٌ متقدم لأننا نعتقد أنّهم في هذه الجهة على حدٍ واحدٍ وأنهم نورٌ واحد ، بل يوجد عندنا بعض التشريعات لا يوجد دليلٌ عليها إلا في زمان الإمام الهادي عليه السلام غير موضوع الخمس ،  ومع ذلك يفتي العلماء بلزوم اتباع تلك الروايات وإن كانت متأخرةً بحسب المرحلة والزمان كأن توجد رواية  في زمان الإمام الحسن عليها السلام أو رواية موجودة في زمان الإمام  الصادق من الناحية التشريعية ، فلا يصح لإنسانٍ أن يقول بما أنّ الرواية غير موجودة في زمن الحسنين فإذن أنا لن ألتزم بذلك !، إذَا إذا كانت الرواية في زمان الإمام الباقر أو الصادق أو الكاظم أو الرضا أو أي إمام من الأئمة المتأخرين وكانت تامة في دلالاتها وسندها فإنها تعتبر عنصراً من عناصر التشريع  للأحكام بل أكثر من هذا، و نحن نقول لو فرضنا إنّه لا توجد آية في القرآن ولكن أتت رواية تامة من حيث السند والدلالة من إمامٍ من أئمة المعصومين فضلاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله  وهو رأس القائمة وسيد الكل ولكن حتى وإن أتت رواية  من إمامٍ متأخر كرواية الإمام الرضا عليه السلام  ولا يوجد في القرآن هذا الشيء، لدينا نحن الإمامية أنّ رواية الإمام مشرعة وملزمة للإنسان ولو لا ذلك لمحي أغلب الفقه ؛ لأنّ القرآن الكريم إنّما أتى بالأصول العامة  ولم يأتِ بتفاصيل العبادات ، فلو قلنا لابدّ أن تكون هناك آية ولابدّ أيضاً أن يكون هناك روايةٌ من إمام متقدم وإلا فلا ، لكانت كثير من التشريعات غير حاصلة ،فإن كان في زمان الإمامين الحسنين لا توجد روايات هذا لا يضر  بالمطلب ، و نحن نسجله باعتبار ملاحظته كقضية تاريخية وحديثية وقد يكون ذلك راجعًا إلى بعض الظروف ، فعلى سبيل المثال كان التشكيل الشيعي في زمان الإمامين الحسنين في المدينة المنورة غير واضحٍ ذلك الوضوح ويشهد له ما رأينا من قلة من خرج مع الإمام الحسين في نهضته وقلة من ناصره من المدينة خارج دائرة الهاشمين ، فهذا يشير إلى أنّ التشيّع بالمعنى الخاص العقائدي والفقهي إلى ذلك الوقت في المدينة المنورة لم يتشكّل كمجتمع ، ربما كان هناك ولاء قلبي و هناك محبة لأهل البيت عليهم السلام ، أما كمجتمع متشكل له منهج فقهي وله انحياز اجتماعي وعلائم معروفة لم يكن كذلك .
 هذا من جهة و من جهة أخرى ما أثّر  على ممارسة الناس في قضية إعطاء الخمس في زمان الأئمة الثلاثة السجاد والحسنين عليهم السلام أنّ الوضع الاجتماعي  والاقتصادي في زمان الإمامين الحسنين للناس كان وضعًا حرجًا من جهة لم يكن هناك تجمع شيعي بهذا المعنى ، والمقدار القليل الذي كان موجودًا حورب من قبل الدولة الأموية في زمان معاوية حربًا اقتصاديةً ضروسًا بعد أن أخلّ معاوية بالشروط التي تعاقد فيها مع الإمام الحسن عليه السلام حيث بدأ الهجوم المضاد وهذا يذكره ابن أبي الحديد وغيره نقلًا له عن كتاب ( الأحداث ) للمدائني أبي الحسن وهو قديمٌ جدًا أنّه عمّم تعميمًا حيث قال انظروا من اتّهمتموهم بموالاة هؤلاء القوم فأسقطوا عطاءه ورزقه وامحوا اسمه من الديوان ، ومحو  اسمه من الديوان يعني أنّه يحرم من العطاء والضمان الاجتماعي ، وكانت هذه الحركة تهدف إلى افقار للمجتمع ؛ لذا اشترط الإمام الحسن عليه السلام من خلال الصلح أن يخصّص لهؤلاء المحرومين مقدارًا من المال ، والإمام الحسن عليه السلام كان معروفًا بالعطاء الكثير حيث أنّه قاسم الله ماله مراراً ، فكانت عطاءآته كثيرة بل وتشير إلى أنّ الوضع الاجتماعي كان وضعًا حرجًا بالنسبة للناس من الناحية الاقتصادية  فقد تمت محاربة الموالين القلة اقتصاديًا وبشكل كبير ، لذا لم يكن من المناسب أن ترد الروايات في الحث على إخراج الخمس ولم يلاحظ أية ممارسات وإجراءات اجتماعية توحي بأنّ أحدهم أتى بالخمس وأعطاه لأحد الأئمة الثلاثة عليهم السلام.
وقد انعكس الحال في زمان الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام وبشكل أخص في زمان الإمام الكاظم عليه السلام.

زمن الإمام الباقر والصادق والكاظم عليهم السلام
 تغيّر الوضع في زمان الإمام الباقر في أواخره وزمان الإمام الصادق بكامله وزمان الإمام الكاظم عليهم السلام فقد تبلور المجتمع الشيعي بشكل واضح ، وأصبح  المجتمع الشيعي واضح جداً في الكوفة و في المدينة أيضاً ، بل وظهرت مناطق جديدة تدين بالتشيع  على  أثر قيام الحجاج الثقفي بالضغط على شيعة أهل البيت في الكوفة زمان عبد الملك بن مروان  حيث هاجر قسم كبير من القبائل الشيعية إلى مناطق جديدة ، فهاجر قسم منهم إلى جبل عامل في لبنان والذي هناك بدأ التشيع كما هو صحيح وليس كما قال البعض أنّ أباذر الغفاري  هو من أسّس التشيّع لأنّ هذا لا يعضده دليلٌ تاريخيٌ ، وهاجر قسم كبير إلى إيران في منطقة الري وهي  أيضًا بداية التشيع في إيران ، وكان ذلك  في حوالي سنة ثمانين للهجرة ، حيث بدأت هذه القبائل تنتشر على أثر الضغط الأموي عليها في الكوفة ، فهاجرت هنا وهناك ومع هجرتها أدّت إلى انتشار التشيع ، وكان وضع الأئمة عليهم السلام يتّصف بنوع من الاسترخاء السياسي فقد كان في زمان نهاية الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية ، حيث أصبح لدى الأئمة عليهم السلام فرصة للحديث  في الأحكام ، فنجد هنا روايات عن الإمام الباقر متعددة ، وروايات عن الإمام الصادق كثيرة جداً ، ونجد ممارسات لشيعة أهل البيت في هذا الموضوع كثيرة ، فعلى سبيل المثال

هناك رواية عن الإمام الصادق عليه السلام يقول : ( إنّ الله لا إله إلا هو لمّا حرّم علينا الصدقة أبدلنا بها الخمس فالصدقة علينا حرام والخمس لنا فريضة والكرامة لنا حلال ..)2
كلمة فريضة هنا إشارة إلى ما جاء في القرآن الكريم في الآية المباركة ، إذ لدينا أنّ التعبير بكلمة فريضة أي حكم ورد ذكره في القرآن، والرواية صحيحة وواضحة وصريحة تشير إلى تفسير الآية المباركة في سورة الأنفال.
بل أكثر من هذا على أثر مراجعة الناس إلى الأئمة عليهم السلام ولا سيما في عهد الإمام الصادق سلام الله عليه سواء أيام إقامته في المدينة أو في السنتين اللتين بقي فيهما في الكوفة ، فقد حدثت وشايات ضد الإمام الصادق عليه السلام ، وفيما بعد بشكل أشد على الإمام الكاظم حيث قيل أنّ هؤلاء الأئمة  يجبى لهم المال والخراج.

أما بالنسبة للخراج فلم يكن يعطى للأئمة كما قالوا لأنّ الخراج هو عبارة عن أرض من الأراضي تفتح ويستأجرها صاحبها ثم يعطي للدولة أموالاً ، والإمام عليه السلام لم يكن متصديًا لهذه القضية السياسية الرسمية ، ولكنّ هذا كان تعبيرًا عن اجتماع الأموال عند الأئمة سلام الله عليهم وأنّ الناس كانوا يعطونها إليهم ، وهؤلاء الوشاة والجواسيس أيام بني أمية وأيام بنو العباس كانوا يريدون أن يستغلوا هذه الجهة في تحريض السلطات على الأئمة عليهم السلام ويشيعون بين الناس إنّ هؤلاء يعملون على إثارة الشعب والانقلاب على السلطة الحاكمة واحتلال موقعها.
ولا سيما في زمان  الإمام الكاظم عليه السلام حتى كان أحد أقاربه وهو محمد بن إسماعيل بن جعفر ابن أخ الإمام كان لديه ولد اختلف فيه هل كان محمد أم كان علي ، هذا الشاب كان مراهقًا  يريد الدنيا وقد أراد أن يبدّل حياة آبائه البسيطة والعادية إلى الأفضل ، كان لديه طموح سياسي اقتصادي زائد فأراد أن يسترزق بالانتماء إلى السلطة والدولة ، فأراد ذلك عن طريق الوشاية بالإمام الكاظم عليه السلام وقال أنّه يستلم الأموال الطائلة لكي ينقلب على السلطة فذهب من المدينة إلى بغداد زمان هارون،  ومرّ على الإمام الكاظم حتى يخفي خروجه وقال له أنا لدي حاجة سأخرج في طلبها وأتيت  لأودعك ، لكن الإمام عرف غايته فأعطاه صرة فيها ثلاثمائة دينار ذهب وهي تساوي ثمن مئة شاة ، أعطاه إياها وقال له يابن أخي اتق الله في عنقي ، فقال له لا يصيبك من جهتي إلا خير ، ثم ذهب إلى هارون وقال له : أنا ما علمت في الأرض  خليفتين  إلا عندما دخلت على موسى بن جعفر كما تأتي لك الأموال هو أيضا تأتي له الأموال ، هنا زاد حنقه على الإمام ، وهذا الواشي لم ينل ما أراده من القرب لدى السلطة الحاكمة فقد أعطوه مبلغًا زهيدًا وخابت كل توقعاته وخابت آماله في الحصول على منصب الوزارة لديهم ، فرجع ووافاه الأجل في الطريق ، فقد مات على هيئة لا يحبها إنسان ، إذ دخل بيت الخلاء فمات في بيت الخلاء وقد خسر الدنيا والأخرة ، وذلك هو الخسران المبين.

 علي بن يقطين كان بمثابة رئيس الوزراء كان في ديوان هارون الرشيد وكان من أفضل خيار شيعة أهل البيت ولم يبق في هذا المكان إلا بمشورة الإمام عليه السلام ،  كلما حاول أن يعفى من منصبه ينهاه الإمام ويقول له ( إنّ لله تبارك وتعالى مع السلطان أولياء يدفع بهم عن أوليائه )3 أي أنّك بوجودك في هذا المنصب نافع  للمؤمنين ويجب أن تبقى .
 و مع كونه الوزير الأول  عند هارون إلا أنّه كان جارياً على رسم قضية إيصال الخمس إلى الإمام الكاظم عليه السلام وقد ذكرت حادثة مشهورة أنّ هارون أكرم علي بن يقطين بهدايا كثيرة من بينها دراعة خز سوداء غالية الثمن  وهذا الخز نوع من أنواع الحرير الغالي ، ابن يقطين على عادته كان يخرج الخمس فذهب بها للإمام وقال له هذه هدية أهديت لي فأخذ الإمام شطر من ثمنها وأعاد له الباقي  وقال له هذه الدراعة احتفظ بها فإنك ستحتاج إليها ولا تفرّط فيها ، قال له هي لك يا أبا الحسن، قال له الإمام كلا دعها لك  وحافظ عليها .
وفي يوم من الأيام حدث موقف بين علي بن يقطين وأحد غلمانه    ،  فذهب وأخبر هارون  وأفشى بعلي بن يقطين عند هارون قائلا له إنّ ابن يقطين له علاقة بموسى بن جعفر وقد أرسل إليه دراعة الخز السوداء التي أهديتها إياها على رسم ما يقوم به الشيعة في هذا الأمر، فغضب هارون وقال كيف أنا أكرمه وأجعله رئيس الوزراء وهو يوالي موسى بن جعفر ، فاستدعاه وقال له يا علي أين دراعة الخز؟ أحتاجها الآن ، قال له هي موجودة عندي سأذهب لجلبها ، لكنّ هارون رفض أن يذهب وطلب من أحد غلمانه أن يذهب ويخبر زوجته بمكانها لتعطيه إياها ، وبالفعل ذهب الغلام وأحضرها ، وقال له علي بن يقطين : لأنها هدية منك أنا طيبتها وحافظت عليها ـ عندها اندهش هارون وانكشف له كذب الغلام الشاكي وعاقبه أشد  العقوبة ، وعلت منزلة علي بن يقطين عنده وقال لا أصدق عليك أحداً بعد هذا أبداً ، وهذا كان من لطف الله عزّ وجل الذي أجراه على تخطيط وتدبير الإمام الكاظم 4، والشاهد هنا أنّ هذا  الوزير المقدم  الثري كان ملتزماً بأن يخمس أمواله حتى في هذا المقدار.
رواية  أخرى تنقل عن شطيطة  التي هي في غاية الفقر وهي امرأة  يوجد  مدفنها الآن في نيسابور  ولها مقام عظيم ، كانت تعيش في زمن الإمام الكاظم عليه السلام  ، وكانت تعطي خمس أموالها مع أنّها فقيرة ، وأحد وكلاء الإمام الكاظم عليه السلام قال أنا ذاهب بعد مدة إلى بغداد ومنها إلى المدينة حتى ألتقي بالإمام الكاظم  عليه السلام وكلّ من لديه أخماس ورقاع ومسائل شرعية كان يأتي بها إليه لكي يأخذها معه ، أتت هذه المرأة العجوز المسكينة قالت له أنا لدي درهم احمله إلى الإمام الكاظم وهذا خمس أموالي، فاستصغر ذلك وقال لها أنا أحمل له درهم ماذا يساوي؟ قالت له لا يكلّف الله نفساً إلا وسعها ، وهذا  مقدار ما زاد عندي ، لديّ خمسة دراهم خمسها درهم أخرجته منها ، وحمله على مضض مقابل ما يحمله من أموال  كثيرة فذهب والتقى بالإمام ، وأخذ الرسائل الإمام وأجاب عليها ، ثم  أعطاه الأموال وعدّدها مع ذكر أصحابها  وسكت ، لكنّ الإمام قال له يوجد درهم أعطوك إياه أين هو ، فمدّ يده في الخرج وأخرجه ، أخذه الإمام عليه السلام وتأمله دون الأموال الكثيرة وقال هذا الدرهم يحب الله صاحبته وأنا سوف أعطيك شيء من ملابسي   فتذهب لها وتقول لها تجعل هذه الملابس التي صليت فيها في أكفانها إذا توفاها الله عز وجل .
 الشاهد في الأمر  أنّه في ذلك الزمان كما أنّ الوزير صاحب الأموال ودراعة الخز الغالية يجد أنّ رسمه وعادته وطريقته أن يذهب إلى  الإمام باعتباره قريب منه ويعطيه خمس أمواله ، كذلك هذه المرأة في نيسابور  وهي تبعد عن بغداد  وخمس أموالها فقط درهم واحد ومع ذلك الإمام يستقبله ويثني على صاحبته ، إذن من الناحية النظرية  وجدنا روايات عن الأئمة عليهم السلام الباقر والصادق والكاظم  بهذا الشأن ، ومن الناحية العملية اعتادت شيعة أهل البيت عليهم السلام على هذه الممارسة.
في الرواية في الكافي كما ذكرت لكم أنّه هذه الرواية معتبرة من حيث الإسناد يقول سماعة :سألت أبا الحسن عليه السلام  (وأبا الحسن في الروايات عادة يشار به إلى الإمام الكاظم )عن الخمس فقال ( في كل ما أفاد الناس من قليلٍ أو كثير )5 ، وليس فقط الأمور الحربية والعسكرية وإنما فيما استفاد به الناس سواء خمسة دراهم أو آلاف،  أو عشرات الآلاف التي كان علي بن يقطين يأتي ويعطيها الإمام عليه السلام

الخمس في زمان الإمام الرضا والجواد عليهما السلام

 أصبح الأمر أكثر نظامًا ولا سيما على مستوى التنظيم الاقتصادي والاجتماعي ، فقد أصبحت الروايات كثيرة بل ودخلت ضمن الثقافة الدينية عند الشيعة، فقد تفاعلوا معها ومارسوها ممارسة واضحة ،  وتحركوا في اتجاهها حتى أصبح لدي الأئمة ما يسمى بالوكلاء في المناطق  ، ونظام الوكلاء أصبح أكثر فاعلية من زمن الإمام الكاظم عليه السلام ، (ولدينا كتاب اسمه الإدارة الدينية  عند الشيعة الإمامية لمن أراد أن يراجع الدراسة في نظام الوكالة عند الأئمة عليهم السلام وهو موجود على الأنترنت ) ، والشاهد في ذلك أنّ تنظيم أمر الوكلاء عند الأئمة أصبح يخصّ الأماكن البعيدة   التي لا يستطيع فيها الناس الوصول للإمام بسهولة ،  مثلاً شخص في خراسان يأتي  إلى الإمام الموجود في سامراء حتى يسلّمه مبلغًا من المال وإن كان الإمام مسافرًا تعيّن أن يسلّم ذلك إلى وكيل الإمام  ، وهكذا أصبح للأئمة في كل مكان وكلاء ، في خراسان ، في الري في إيران ، في قم وفي المدينة وفي الكوفة، و في بغداد ، وفي مختلف الأماكن ، والإنسان ينظر إلى المنطقة القريبة منه ويستطيع أن يوصل خمسه إلى وكيل الإمام  الموجود فيها ،وهو يتصرف فيه كما أمره الإمام ولذلك  نحن هنا أصبحنا نشهد روايات وأسئلة عن ماذا نفعل  في الشىء وما هو حقه؟
وأحد هذه الروايات رواية عن علي بن راشد وهو من اصحاب الإمام الجواد عليه السلام ومن وكلائه المهمّين
قال ابو علي بن راشد   قلت للإمام عليه السلام  ( أمرتني بالقيام بأمرك  وأخذ حقك ، وعندما أذهب لتلك البلدة التي أنا  فيها أنا اقوم بأمرك وأخذ حقك ، فأعلمت مواليك ذلك ، فقال لي بعضهم : وأيّ شيء حقه ؟ فلم أدر ما أجيبه فقال : يجب عليهم الخمس، فقلت في أي شيء؟ فقال : في أمتعتهم  وضياعهم ،  والتاجر عليه والصانع بيده وذلك إذا أمكنهم بعد مؤونتهم )6 مثلاً أحدهم لديه منجرة أو حدادة أو أي تجارة أخرى وأصبح لديه اخر السنة مليون ،هذا المليون ليس كله يخمسه وإنّما يأخذ  منه ما صرفه على هذه المصلحة  لتحصيل الربح  هذه حتى أصبح مليون فيعطي العمال رواتبهم ويدفع آجار المكتب والضرائب ، وكل هذه الأمور تستثنى من الربح ، وكذلك ما يحتاجه من المؤونة لنفسه وما يصرفه على أهله من تعليم وسفر وهدايا ، بعد ذلك ما يبقى يجب فيه الخمس .
إذن وضحت المسألة أكثر في زمن الإمام الجواد ع أكثر من الممارسة العامة للناس من خلال السؤال عن تفاصيل الخمس وكيفية إخراجه .
والروايات  كثيرة منها ما روي عن الإمام الجواد الصحيحة والمعتبرة  والتي تسمى بصحيحة علي بن مهزيار  وهي رواية طويلة مفصلة جدًا وفيها أنّ الإمام عليه السلام عمل حكمًا ولائيًا حيث قام بإعفاء شيعة أهل البيت في سنة مئتين وعشرين  من الخمس ، وقد ذكرنا فيما سبق أنّ الإمام له أن يحكم بالأحكام الولائية التي تكون في زمن معين قد يقرّ بعضها وقد يرفع بعضها ، وقد أعفى الإمام  شيعته من الخمس حيث قال ( تخفيفاً مني عن موالي ومنًا مني عليهم  لما يغتال السلطان من أموالهم ولما ينوبهم في ذاتهم ، فأما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام ، قال تعالى ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأنّ لله خمسه ..)7
فقد أصبح في ذلك الوقت تعدّي السلطة العباسية واضحًا جدًا وفوق الاحتمال حيث الضرائب الباهظة والقحط الشديد ، فإذا كان الوضع كذلك ويطلب منهم دفع الخمس فإنّ في ذلك حرج شديد ؛ لذا رفعه الإمام عنهم وأعفاهم منه ، وأما بعد ذلك  كقانون عام قال فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام ثم استشهد بالآية المباركة :
قال الله تعالى (واعلموا أنّما غنمتم من شيء فإنّ لله خمسه  )

في زمان الإمام الهادي عليه السلام
  نجد روايات متعددة في هذا الجانب منها الصحيحة التي ينقلها الريان بن الصلت
قال كتبت إلى أبي  محمد عليه السلام  وهو الإمام العسكري وليس الهادي ( ما لذي يجب عليّ يا مولاي في غلة رحى في أرضٍ في قطيعة لي ، وفي ثمن سمك وبردي وقصب أبيعه من أجمة هذه القطيعة ؟ فكتب : يجب عليك فيه الخمس إن شاء الله تعالى )8 الرحى هو الحجر الذي يطحن به الطحين الضخم ، وهو إما أن يكون كبيرًا أو صغيرًا في البيوت ، وهذا الرجل لديه رحى كبيرة أي مطحنة تطحن فيها الحبوب مثل السمسم والدخن والحنطة والشعير، ولديه أيضًا القصب الذي يستخدم في الكتابة والتحرير وما شابه ذلك فهذه تدرّ عليه الأموال فيسأل ماذا يجب عليه ؟  فكتب عليه السلام:
أنّه يجب عليك فيها الخمس فهذه ليست غنائم حربية ولا غنائم خاصة ،وإنّما أموال تدخل عليه أرباحًا بعد ما يستثني منها مصارفها وما يصرفه  الإنسان على نفسه وعياله .

 زمن الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف

  نختم برواية  ينقلها المرحوم الكليني في الكافي يقول كان هناك وكلاء للإمام المهدي عجل الله فرجه في ناحية قم غير السفراء الأربعة ، هؤلاء الوكلاء كانوا  محليين وبعضهم كانوا من زمن الإمام العسكري  أو من زمن الإمام الهادي ، فلما أصبح زمن الإمام المهدي أبقى على الصالح منهم ولم يغيره،  ففي قم كان أحد  هؤلاء الوكلاء ، وكان شيعة أهل البيت في تلك المنطقة يأتون إليه بخمس أموالهم ، وأحد  المعادين لأهل البيت رفع تقريرًا إلى الوالي العباسي على تلك المنطقة أنّه فلان  هذا من وكلاء أئمة أهل البيت والناس يأتون  إليه بالأموال فإن شئت أن تقبض عليه ، فقال لا ليس هكذا الأفضل ندع أحد الأشخاص غير معروف يذهب له يقول له أنا من أولياء أهل البيت وعندي خمس للإمام أريد إعطاءه له ، فأقدم حتى تستلمه مني، فإذا جاء نقبض عليه بالجرم المشهود وبالفعل قال لشخص ولم يكن معروفًا في البلاط العباسي  هذه أموال اذهب لفلان وقل له أنا أحد موالي الإمام ولدي مال من الخمس الشرعي ، وكان فيما قبل أن أخبر الإمام المهدي عجل الله فرجه وكلاءه أن لا يستلموا أي مال من أي شخص كان ،فأتى هذا المدسوس من قبل العباسيين  للوكيل وقال له أنا من شيعة أهل البيت ولدي أموال أريد أن أسلّمها للإمام وأريدك أن توصلها إليه ، فاستنكر الوكيل ذلك وادّعى أنّه لا يعرف الخمس .

مما يعني أنّ هذه الحالة صارت حالة شائعة عند شيعة أهل البيت عليهم السلام إلى الحد الذي تتوسّل به السلطة المخالفة العباسية في أنّ تتصيّد الوكلاء بهذه الطريقة .

الحكمة من مشروعية الخمس وكيفية تقسيمه

الخمس عبارة عن عطاء وهذا العطاء هو نوع من أنواع التكريم الذي فرضه الله سبحانه وتعالى لنبيه  بأن يحفظ في ذريته ،والخمس ينقسم قسمين:

- قسم  بيد الإمام وهو ما يسمى (بسهم الإمام) وهذا القسم يصرف في كل المصاريف التي يحتاجها المؤمنون، حيث يتصرّف فيه الإمام أو مرجع التقليد إن كان الناس بحاجة للمساعدة كالفقراء وإن لم يكونوا سادة يعطيهم من سهم الإمام ، أو قد يحتاجون إلى رعاية طبية كذلك من سهم الإمام .

- قسم أخر وهو ما يرتبط ببني هاشم ومن يتّصلون برسول الله صلى الله عليه وآله والذي يسمى (سهم السادة) وهذا القسم يصرف  للفقراء السادة والمحتاجين منهم..
-------------------------------------------------
1 سورة الأنفال آية 41
2 كتاب وسائل الشيعة ج9 ص 252
3 كتاب وسائل الشيعة ج17 ص 192
4 موقع الإمام المهدي
5 شرح أصول الكافي ج7 ص408
6 الاستبصار الشيخ الطوسي ج2 ص55
7 كتاب الخمس الأول / السيد الخوئي ص200
8 تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي ج4 ص139

مرات العرض: 327
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (116)
تشغيل:

تشريع الخمس زمان النبي محمد والإمام علي عليهما السلام 26
من معالم المذهب الإباضي وأرائه 24