الكسل في أمر المعيشة 28
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 15/5/1439 هـ
تعريف:

26 الكسل في أمر المعيشة

كتابة الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال

ورد في الخبر عن أبي الحسن، موسى بن جعفر الكاظم، صلوات الله وسلامه عليه، أنه قال: "قَالَ أَبِي لِبَعْضِ وِلْدِهِ، إِيَّاكَ وَالْكَسَلُ وَالضَّجَرُ، فَإِنَّهُمَا يَمْنَعَانِكَ مِنْ حَظِّ الدُّنْيَا، وَالآخِرَةِ". صدق سيدنا ومولانا أبو الحسن موسى، وصدق والده جعفر بن محمد، صلوات الله وسلامه عليهما وعلى آبائهما وعلى أبناءهما.

حديثنا يتناول في هذا اليوم أحد الأمراض الأخلاقية والصفات الدنيئة، وهو موضوع: الكسل. الكسل عرفه علماء اللغة بأنه: التثاقل عن الشيء الذي يحسن الانبعاث إليه. فيتثاقل الإنسان عن أمر، المفروض أنه ينبعث إليه بالحركة، رزقه مثلا، يفترض أن ينبعث إليه بحركة وسعي، فيتكاسل عنه ويتثاقل. العلم، من الأمور التي يحسن الانبعاث إليها، فإذا تثاقل الإنسان عن طلب العلم والمعرفة، عد ذلك كسلا. العبادة والتوجه إلى الله عز وجل، من الأمور التي ينبغي أن ينبعث إليها الإنسان، وأن يتحرك في سبيلها، فإذا تثاقل المرء عنها، عد ذلك كسلا. وهكذا تحصيل الإخوان الصالحين في الله عز وجل، وإيجاد قاعدة اجتماعية مناسبة للإنسان، هذه من الأمور الحسنة التي ينبغي الانبعاث إليها، فإذا تثاقل الإنسان فيها، عد كسلا.

وبشكل عام، فإنهم عرفوا الكسل، بأنه: التثاقل عن شيء يحسن الانبعاث إليه. أما لو لم يكن يحسن الانبعاث إليه، مثلا: المعصية، فلو كسل الإنسان عن المعصية، وتثاقل عن الاستجابة لنداء الشهوة، فهذا أمر طيب، فهو كسل عما حرم الله.

فالكسل أُخِذ في مفهومه، أن يكون تثاقلا عن شيء يستحسن الانبعاث إليه، إما على نحو الوجوب، وإما على نحو الاستحباب. فالكسل بهذا المعنى، خصلة من الخصال السيئة في نظر الدين الإسلامي، وخلق من الأخلاق الذميمة، ومرض من الأمراض التي تعرض على النفس، فتضيع حقها، ليس في الدنيا فحسب، بل في الآخرة أيضا.

وهذا المعنى، تقبيح الكسل، ذم الكسل، تقريع الكسول، أمر مرتبط بالثقافة. وثقافة الإسلام، وفكره، وتوجيهاته، هي في اتجاه تقبيح هذه الخصلة، وذمها، والتقريع عليها، خلافا لما قد يوجد في بعض المجتمعات. ففي بعض المجتمعات، قد يكون الكسل ثقافة حسنة، وشيء طيب. وقسم من الناس حتى الآن، مع الأسف، عندما يريد أن يتمثل بالحياة الهنيئة، يقول لك: الحمد لله، أنا: أكل ونوم، مرتاح. الأموال عندي، وبالتالي لا أسعى في شيء، أصحو الصباح لآكل حتى أشبع، ثم أنام، وأنام حتى أشبع، ثم أصحو. وعلى هذا المعدل.

هذا مع أنه بعد مجيء الدين، وبعد تقبيح هذه الصفة، نجد هذا الأمر موجودا. وقد يكون هناك عذر، لما كان مثلا في زمان الجاهلية، إذ تمدح المرأة عندهم بالكسل، وفيها عبارات، فيقال: امرأة مكسال، وكسول. هذا يعني: أنها ممتازة جدا. أو نؤوم الضحى، يعني: التي تنام الفترة الضحوية، وهذه من صفات الحسن عندهم، والنعومة، واللطافة. وهذا كان ضمن هذا المعنى في زمان الجاهلية، فتلك مرحلة لها ثقافتها وأفكارها. أما بعدما علمنا ورأينا، ما الذي جاء به الدين من الحث على النشاط والحيوية، ومن ذم الكسل والتثاقل، فلا ينبغي أن يواطن الإنسان الكسل، أو أن يحب أن يمدح بأنه كسول، أو المرأة بأنها مكسال.

الناظر إلى الروايات، يجد شيئا كثيرا مما ورد في ذم الكسل وما يرتبط به. فالكسل بهذا المعنى، قد يبدأ من الكسل الفكري، وهو أن الإنسان حتى على مستوى التفكير، لا يحرك فكره. فلماذا نجد - مثلا - في القرآن الكريم، دعوات دائمة للنظر والتفكر والتأمل والتدبر؛ حتى لا يعيش هذا العقل الإنساني مرحلة الكسل، فيمر على الآيات، وهو عنها معرض، ويمر على الحوادث التاريخية وهو عنها ساه، ويمر على التجارب فلا ينتفع منها. فحتى على مستوى التفكير والتأمل واتخاذ الدروس والعبر، قسم من الناس، لا يحرك فكره. وقد يكون على مستوى البدن والعضلات والحركة الجسمية، كسولا أيضا.

ولاحظوا أن هناك روايات كثيرة تعرضت إلى هذا الجانب، ونحن سوف نتحدث هذا اليوم، فيما يرتبط بأمر الكسل في الحياة العامة، وبشكل خاص فيما يرتبط بأمر المعيشة. وسيكون عندنا حديث في وقت آخر إن شاء الله حول موضوع الكسل في طلب العلم، والكسل في أمر العبادة، والكسل في الأمر الاجتماعي. لكن حديثنا اليوم يتناول الجانب المعيشي، وهو يرتبط بأكثر الناس. فكل إنسان في هذه الحياة، مطلوب منه أن يسعى في أمر معاشه، وآنئذ إما أن يكون نشيطا متحركا في هذا الجانب، أو لا يكون.

وقد تجد من النحو الثاني أناس. ونرجو أن لا تكون الأزمة الاقتصادية التي تمر بها المجتمعات المسلمة في هذه الفترات باعثا عليها. فقسم من الناس يتخذ الطريق الأسهل، ويقول لك: الظروف الحياتية ضاغطة، فبدل أن يزيد نشاطه في طلب رزقه، يحرك فكره في تحصيل قوته، يمد يدا هنا، ويدا هناك، ومرة هنا باسم الاستعطاء، وهناك باسم المساعدة، وما شابه ذلك.

وقد يكون هذا - أيها الأحباب - طريقا إلى تكرس حالة الكسل عند الإنسان. فقسم من الناس، يرى الأمر صعبا عليه، أن يذهب يوميا، من الصباح إلى الظهر، وعلى مدى شهر كامل، حتى يحصل على هذا المقدار من الراتب. فيذهب إلى هنا ويطلب مساعدة، من هذه الجمعية ومن تلك الجمعية، ومن هذا العالم وذاك التاجر، ومن هذا الوجيه، فيجمعها، حتى لو من كل واحد 500، فهي تُسيِّر حاله، لكنه لا يدري هذا كم خسر! ولا يعلم ماذا خسر من نفسه! ولا يعلم ماذا صنع لنفسه في يوم القيامة! وعندما يأتي - كما سيأتي في الأحاديث - فنشير إلى بعض الروايات الواردة في هذا المعنى.

في الحديث عن أبي جعفر، الباقر (ع) - أبو جعفر، عندنا في كنى الأئمة صلوات الله عليهم، أبو جعفر الأول، وهو الباقر، محمد بن علي، وأبو جعفر الثاني، محمد بن علي الجواد، وهنا الباقر - عن أبي جعفر (ع)، قال: "إِنِّي لَأُبْغِضُ الرَجُلَ"، في رواية، أو "لَأُبْغِضُ لِلرَّجُلِ" في رواية أخرى. يختلف المعنى. إذا "إِنِّي لَأُبْغِضُ الرَجُلَ"، يعني: ذات هذا الكسول، أنا أبغضه، "إِنَّي لَأُبْغِضُ لِلرَّجُلِ" آنئذ يبغض الإمام عمله، فالاختلاف سيكون في بغض الإمام لهذا الرجل، أو في بغضه لعمله. "إِنِّي لَأُبْغِضُ الرَجُلَ"، حسب النقل الأول، أو "لَأُبْغِضُ لِلرَّجُلِ"، "أَنْ يَكُونَ كَسْلَانًا عَنْ أَمْرِ دُنْيَاهُ". قسم من الناس يقول: ما هي قيمة الدنيا؟ ليس لها قيمة، فأن أذهب حتى أصلي، وأذهب حتى أتحمم، أو أقوم بالأعمال المستحبة. فهذه من التي تستحق أن أذهب للعمل من الصباح إلى المساء، أو أحصل الرزق، أو أبيع أو أشتري، أهذه لا تساوي شيئا؟ الإمام يقول: لا. "فَإِنَّ مَنْ كَسَلَ عَنْ أَمْرِ دُنْيَاهُ، فَهُوَ عَنْ أَمْرِ آخِرَتِهِ أَكْسَلُ".

أما أنت، فإذا أمر الدنيا الذي هو أمر حالي، فعلي، الآن، ومتطلباته حاضرة، فعندك زوجة تحتاج إلى إنفاق، وعندك أولاد يحتاجون إلى عطاء، وعندك نفسك تصونها من السؤال، فهذه قضايا عاجلة، وحالَّـة وفعلية، إذا أنت عاجز عنها، فأنت عن أمر الآخرة التي هو ليس حالا، مستقبليا، سيأتي بعد مئات أو آلاف السنين، ستكون أنت أعجز في هذه الحالة.

فالإنسان الذي مطلوب منه شيء الآن، وهذا الشيء يضغط عليه الآن، فلا يقوم به، كيف يقوم بأمر سيأتي بعد آلاف السنوات؟! وفي الحديث الذي افتتحنا به عن الإمام الكاظم (ع)، "قَالَ أَبِي" – يعني الصادق – "أَبِي لِبَعْضِ وِلْدِهِ"، أكثر من مرة، نحن نبهنا على هذا المعنى: أن الإمام إذا نقل حديثا عن أبيه أو عن آبائه، مع أنهم في مرتبة الإمامة من حيث حجية حديثهم، واحدة. لكن، يكون الإمام الكاظم مبتدئا الكلام، أو يقول: قال جدي أمير المؤمنين (ع)، فالنتيجة نفسها من حيث أن هذا الكلام كلام حجة علينا، فليس من فرق بين أن الإمام يقول الحديث عن الإمام الكاظم، أو عن جده أمير المؤمنين. ولكن، نجد هذا التركيب – أحيانا - موجودا في الروايات، أن الإمام ينقله عن آبائه، وهذا له أهداف متعددة، أحدها: تأكيد المضمون. وأنه كما أنا أقوله، قاله أبي، ويقوله جدي؛ للتأكيد عليه. وأحد الخطوط التي أكد عليها الأئمة، هو هذا الموضوع.

فالإمام الكاظم هنا يقول: قال أبي، يعني الصادق لبعض ولده، "إِيَّاكَ وَالْكَسَلُ وَالضَّجَرُ، فَإِنَّهُمَا يَمْنَعَانِكَ مِنْ حَظِّ الدُّنْيَا، وَالآخِرَةِ". وأما إذا وصل الكسل إلى حد الفراغ والنوم. كما هو عند قسم من الناس، فالحمد لله، ليس فيمن يسمعنا، وإنما نحن نتحدث بشكل عام. يقول الإمام الصادق (ع) في الخبر، "كَثْرَةُ النَّوْمِ"، باعتبار أنها علامة على الكسل، "مُذْهِبَةٌ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا". فدين الإنسان يذهب، لأنه مقترن بالنشاط، فحتى العبادات تحتاج إلى أحد مستيقظ، وإما آخر يغط في نومه. وهؤلاء الذين ينامون من الليل إلى اليوم الثاني، صلوات واجبة تفوتهم، فضلا عن المستحبات. "مُذْهِبَةٌ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا".

وفي حديث أيضا عن الإمام الكاظم: "إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ"، وهذه ليست كما يقول الإمام الباقر: "إِنِّي لَأُبْغِضُ"، لا، بل الله سبحانه وتعالى، يقول: "إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبْغِضُ الْعَبْدَ النَوَّامَ الفَارِغَ". كثير النوم، فارغ، ما عنده شغل، ولا عمل، لا جهد علمي، ولا جهد عملي، لا سعي في رزق، لا حركة في إصلاح. وإنما يقضي عمره في النوم والفراغ.

في مقابل هذا، نحن وجدنا كما ذم الدين، عبر هذه الروايات وأمثالها، الكسل وكثرة الفراغ وكثرة النوم. في المقابل، ندب وحبب إلى الحركة والسعي في أمر المعاش، وإلى أن لا يلقي الإنسان كله على غيره. وإنما يسعى ويطلب رزق الله عز وجل، وذلك في أحاديث كثيرة، نشير إلى بعضها.

نفس هذا المعنى، لاحظوا: التأكيد على التبكير في الاستيقاظ. لعل بعض الآباء لديهم مشكلة مع أبنائهم، وهي: أن الأب دائما يريد من ابنه أن يستيقظ مبكرا، لا سيما إذا كان هو من المستيقظين مبكرا. فكثيرا من الآباء يوفقون لأنه يظلوا مستيقظين، من قيامهم للصلاة، فلا يعاودوا النوم. فمن يرى منهم أن ابنه مثلا، إلى الساعة 7، 7:30، أكثر، أقل، لا يزال نائما، لا يعود يرتاح إلى هذا الأمر. فيؤكد على موضوع التبكير. وبعض الأبناء، أحيانا، يقولون لك: أنا عملي الساعة السابعة، فلماذا أصحو الساعة السادسة؟ ولماذا أصحو الساعة 5:30؟ فكأنما الدين أراد أن يقول: حتى لو لم تكن مشغولا، بكر في الاستيقاظ. فضلا عما إذا كنت مشغولا.

فهناك قسم غيبي، نحن لا نعرفه، وهو أن الله سبحانه وتعالى - كما ورد في روايات كثيرة من الفريقين - جعل قسمة الأرزاق بين الطلوعين، بين طلوع الفجر، وطلوع الشمس. فهذه ماذا هي؟ وما هي كيفيتها؟ وما هي حقيقتها؟ وكيف يتم التقسيم؟ نحن لا نعلم. لكن نعلم أن هناك روايات كثيرة، وأن هذا المضمون - مضمون: التبكير - مما يترافق معه حسن الرزق. وهذا المضمون، مضمون يكاد يكون متواترا في روايات المسلمين.

وأما الذي نفهمه فإن كثيرا من قضايا الرزق، ترتبط بالنشاط. ولنفترض، إذا جلس الإنسان مبكرا، مع طلوع الشمس، فإنه من بداية يومه، يكون في أوج نشاطه، غير ذاك الذي دوامه الساعة 7:30، فيصحو الساعة 7:10، وحتى وجهه لا يلحق على غسله، ولا ثوبه يلبسه على مهله، وسيارته طائرة، وكم من الإشارات يتجاوزها، من أجل أن لا يسجلون عليه مخالفة. وعقله طائر معه، إلى أين؟ إلى الدوام، حتى يصله أولا. فهذا لا يترافق مع حسن الرزق المفترض.

أحدهم كان يعلق تعليقا لطيفا، يقول: أنا أتعجب من بعض الناس الذين - مثلا - إلى الساعة الثامنة، لا يزال نائما، وفي عنوانه، أو حالته، في تويتر، والفيسبوك أو كذا، التي يسمونها البايو، يكتب: اللهم ارزقني قصرا في الجنة! نائم للساعة الثامنة، ويريد قصرا الجنة. فيعلق هذا عليه بقوله: أنت، إذا وجدت موقفا في الدوام، احمد ربك، وليس قصرا في الجنة. موقف لسيارتك الساعة الثامنة، لن تجد في الدائرة، في الدوام، أمام الدكان، فكيف بالقصر في الجنة.

فالتبكير في الأمر مطلوب: "بَارَكَ اللهُ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا". أي: عند التبكير. فهذه الأمة، إذا أبكرت، يتبين أنها أمية واعية، تنشر من الصباح في الأرض لطلب الرزق والعمل والنشاط. وهذا بالنسبة لنا - أيها الأحباب - أمر مهم. وفيه أيضا حديث مهم، عن نبينا المصطفى محمد (ص)، أنه قال: "إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُم الحَاجَةَ فَلْيُبَكِّرَ إِلَيْهَا. فَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُبَارِكَ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا". عندك مسألة معينة، وبين أن تذهب لها، الساعة 11، وأن تذهب لها أول النهار. فالنبي يقول: أنا سألت الله أن يجعل الرزق والبركة عند التبكير، ولم أسأله أن يجعل ذلك في نهاية الوقت. وهذه أمور، قسم منها نفهما، وقسم منها أمور غيبية لا نفهمها.

ما يرتبط بالسعي والحركة والاغتراب، فقسم من الناس، يقول لك: أنا بحثت عن عمل، لكن لم أحصل عليه حتى الآن. يعني ماذا بحثت عن عمل؟ يعني: يريد مثلا عملا قريبا من البيت، في المنطقة، حتى إذا كانت فاتحة، يمكنه اللحاق بها، وإذا كانت قراءة، لا تفوته، وإذا جلسة شباب، يكون حاضرا فيها. وهذا لا يحصل.

بينما من يسعى في هذه الأرض، التي جعلت ذلولا، فامشوا في مناكبها، وكلوا من رزقي، آنئذ يحصل على هذا الأمر. حتى عندنا تعبير - وهو تعبير طريف - الاغتراب في طلب الرزق. فلا تطلب رزقك في بلدك فقط. فإن حصل في بلدك، وإلا اغترب وراءه. أشخص إلى الرزق يشخص إليك، اذهب إليه، اقصده، اقطع مسافة له، انتقل إلى منطقة أخرى.

ولنا في هؤلاء العمال بين أظهرنا مثلا. فالآن، في هذه البلد، بل في كل البلاد، تجد العامل الهندي، والباكستاني، والنيبالي والأندونيسي، وكذا، يعملون إلى 8 ساعات، 10 ساعات. يأتون بالطائرة، يتركون عواطفهم ومشاعرهم وأقاربهم وزوجاتهم، وغير ذلك، من أجل أن يحصلوا على الرزق الذي يحسن حياتهم. فبالنسبة لنا أو لبعضنا أحيانا، أنه: إذا قطع مسافة بالسيارة لنصف ساعة، يستعظم هذا الأمر.

بينما في الرواية، عن الإمام الصادق (ع)، "إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيُحِبُّ الاغْتِرَابَ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ". "لَيُحِبُّ"، فهناك "لَأُبْغِضُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ كَسْلَانًا"، أما هنا، فيحب الاغتراب في طلب الرزق. فاذهب إلى مكان بعيد، أسبوعا وارجع، فلا بأس، وهذا من طلب الرزق، وهو محبوب من الله عز وجل. فلا يكون فكر الإنسان وبحثه عن رزقه في مجال عمل معين، وبمقاييس هو يريدها.

جاءني مرة أحدهم، وقال: الوضع كذا، وفلان كذا، وإلى آخره. وطلب مساعدة. ثم تعال: ابحث عن عمل، يقول: لم يحصل. وبعد شيء من التحقيق، تبين أن هذا الرجل، يريد رزقا بحيث لا يمنعه كل ليلة أن يأتيه صحبه، في الحي، ولا بد أن يجلس معهم، ويسامرهم، ويحضر مناسباتهم، والوفيات، والمواليد، وهذه كلها مطلوبة ومستحبة. ولكن إذا جعل الإنسان رزقه ومعاشه مبنيا عليها، فلا يحصل على المقاس الذي يريده. فإن الله ليحب الاغتراب في طلب الرزق. وقال أيضا: "اشْخَصْ، يَشْخَصُ الرِّزْقُ لَكَ"، أو "يَشْخَصُ لَكَ الرِّزْقُ".

فقسم من الناس، يقول: ليس هناك أعمال، ولا وظائف، ولا كذا. وهذا معناه - إذا صح – أنه لا بد أن تختم الحياة، أو نقول: أن الله سبحانه – والعياذ بالله – أخطأ في الحساب؛ لأنه المفروض منه، أنه خلق الخلق، وخلق معهم أرزاقهم. فإذا فرضنا ليس من رزق، ولا عمل، فلا بد أن تنتهي الحياة، وإلا في تقديرات الله هناك خطأ.

والحال أنه ليس هذا صحيحا. إنما كيف يحصل الإنسان على الرزق، ذلك في رواية تنقل بأكثر من تفصيل، وأنا أنقل مجملها، وقد حدثت في زمان نبينا المصطفى محمد (ص)، أحد النصوص يقول: أن رجلا أنصاريا جاء إلى رسول الله (ص)، وكان بباله بعد أن تزوج، أن يطلب مساعدة من رسول الله (ص) بعد أن ينتهي من خطبة الجمعة، فيقول له: أنا متزوج، وأحتاج إلى مساعدة.

ففي النص الأول، أن النبي (ص)، في خطبته، قال: "مَنْ اسْتَعَانَ بِنَا أَعَنَّاهُ، وَمَنْ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللهُ". فهذا لما سمع هذا الحديث، قال: الظاهر النبي لا يقصد إلا أنا، فسكت. في اليوم الثاني، نفس الأمر، نفس هذا الحديث، كأنما النبي لا يحفظ غيره. فعزم على أن لا يسأل رسول الله (ص)، وهذا في أحد النصوص.

في نص آخر، إنه: لا، طلب من النبي مساعدة، فقال له النبي: ماذا تملك؟ فقال: لا أملك شيئا غير مسح وقِعْد. المسح، يعني: الحصير المتداعي، وقِعْد، يعني: إناء أو ما شابه ذلك. فالنبي (ص) بناء على النقل الثاني - وقد تكون الحادثة متكررة ومتعددة، وقد تكون واحدة لكن منقولة بطريقين - قال له: هات المسح والقعد، فأتى بهم. فالنبي قال: من يشتري هذين بدرهمين؟ فواحد قال: أنا أشتريهما بدرهم. قال النبي: لا. واحد آخر، قال: لا بأس، أنا أشتريهما بدرهمين. فاشتراهما منه بدرهمين.

ثم النبي أعطلى الرجل – طالب المساعدة - درهما، وقال له: خذ هذا، واشتر لأهلك طعاما. وبالدرهم الآخر اشتر قدُّوم، أي: فأس. فذهب واشترى القدوم، وأعطى أهله الطعام، ثم قال له: اذهب واحتطب خارج المدينة، فثمة شجيرات، ولا تأتني إلا بعد 15 يوما.

في النقل، أنه ذهب واحتطب اليوم الأول، وباع الحطب في السوق، فحصل على درهم. اليوم الثاني: ضاعف الكمية، وهكذا، إلى أن جاء بعد 15 يوما، ومعه 10 دراهم. غير التي أكل بها خلال الأيام الخمسة عشرة. فهي 10 دراهم كان قد وفرها. فقال: يا رسول الله، هذا المقدار الذي بقي عندي. وأنا كنت آكل مع أهلي وأذهب لأبيع وأشتري وإلى آخره، فقال له: هذا خير أو أن تسأل وتأتي في يوم القيامة ونكتة بين عينيك. أي: هناك نكتة، إن أنت تمد يدك إلى زيد وعمر، مع أنه أنت عندك قدرة، وعندك إمكانية أن تكسب رزقك بنفسك.

وهذا تعليم، أنه: أحيانا شيء لا تحتاج أن تصرف عليه شيئا، ومع ذلك تكون أنت به مرزوقا. فالآن يتحدثون، حتى إذا تذهب على الانترنت وتبحث عن المشاريع التي قامت. فهذه النفايات، حاشا من يسمع، التي كلنا يريد أن يتخلص منها، البعض من العقلاء والمفكرين حولوها إلى ثروات.

نفس هذه النفايات التي أنا أرميها، وأستغث منها، ولا أرتاح إليها، هي هذه أموال. غيري يستطيع أن يحولها إلى رزق حسن. فالورق والزجاج والبلاستيك والمطاط والنايلون والأخشاب وما شابه ذلك، لما يجمعها، ويرتبها، ويعيد تدويرها، أو يبيعها إلى أهلها - وهناك مصانع الآن موجودة لهذا – فهذه من النفايات التي يخلق الإنسان منها أمواله، فما ظنك بغيرها! فالكسل عن أمر المعاش وطلب الرزق، من الأمور السيئة والأخلاق الذميمة.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يبتلينا، ولا أن يبتلي المؤمنين به، وأن يجعلنا نشطين في أمر دنيانا، نشطين في أمر آخرتنا، إنه على كل شيء قدير. وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

مرات العرض: 327
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (135)
تشغيل:

الكسل في التحصيل العلمي 29
عوامل الكسل في العبادة وعنها 30