الكسل في التحصيل العلمي 29
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 15/5/1439 هـ
تعريف:

27 الكسل في التحصيل العلمي

كتابة الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال

ورد في الحديث: "لِلْكَسْلَانِ ثَلَاثُ عَلَامَات: يَتَوَانَى حَتَّى يُفَرِّطَ، وَيُفَرِّطُ حَتَّى يُضَيِّعَ، وَيُضَيِّعُ حَتَّى يَأَثَمَ"، وهذا الحديث مروي عن رسول الله (ص)، وأيضا عن الإمام السجاد (ع)، وكذا، عن لقمان الحكيم في تشخيص وتحديد صفة الشخص الكسلان.

يتوانى عن الشيء حتى يفرط، ولنفترض: صلاة الجماعة يوم الجمعة. فيتوانى، وبدل أن يقوم إليها، لنفترض، قبل ساعة أو أكثر؛ ليغتسل غسل الجمعة، ويتطيب، ويتهيأ، ويتزين، باعتبار أن ذلك مستحبا بمقتضى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ)، ثم يبادر إلى الذهاب إلى المسجد، بحيث يصل في الوقت المناسب. فإذا مسافته مثلا من البيت إلى المسجد 10 دقائق، هو قبل 10 دقائق، أو أكثر يخرج من المنزل. هذا الإنسان الطبيعي العادي.

أما الكسلان فلا يصنع هذا، فيتوانى يعني أن تراه على أثر هذا التواني، يبقى إلى وقت الآذان، فيضيق عليه الوقت أن يغتسل. فهنا توانى حتى فرط، أي فرط في الاغتسال، ثم حتى يصل إلى المسجد، ربما ركعة، ركعتين، ثلاث، قد فاتته، فيفرط حتى يفقد الثواب، وفي بعض الحالات حتى يأثم، مثل صلاة الفجر. كأن يجعل التوقيت - مثلا - على الساعة الخامسة والنصف، والآذان عند الخامسة وخمس دقائق، وهو إلى العشرة، لم يقم بعد. فيظل هذا المنبه ينبهه إلى أن يتعب، فإذا لم يطفئه، ويرجع إلى المنام، يظل هكذا متوانيا، ثم مفرطا، ثم مأثوما على أثر تركه القيام للصلاة في وقتها. وهذا من صفات الإنسان الذي يبتلى بآفة الكسل، سواء في أمر المعاش الدنيوي، كما ذكرنا في وقت سابق، أو في أي مجال من المجالات.

فالإنسان الكسول، إنسان فاشل في كل الأصعدة. في المجال الاقتصادي تراه فقيرا، لماذا؟ لأن الرزق، يحتاج إلى نشاط، يحتاج إلى سعي، يحتاج إلى حركة. أما أن يجلس في مجلسه كسولا، ولا يخرج للعمل إلا آخر الوقت، ويضيع هذا اليوم وذاك اليوم، وهذه الفرصة وتلك الفرصة، فينتهي إلى الفقر.

في المجال العلمي، أيضا كذلك. تراه إنسانا ليس له نصيب من العلم. والمشكلة عندما يتمسك هذا الإنسان ببعض الأفكار الباطلة. فتأتي أنت تعاتب بعض الناس، لماذا لا تتحرك من الصباح؟ لماذا لا تكون نشيطا؟ لماذا نومك أكثر من المعدل؟ لماذا حركتك قليلة؟ فيقول لك: أنا كذا، هذه طبيعتي، هكذا أنا. يعني ماذا أنت هكذا، وهذه طبيعتك؟ لا معنى لذلك. هل الله خلقك بهذه الطريقة؟ وخلقك أن تكون كسولا، متوانيا، مضيعا، مفرطا؟ هل عندما عجنت طينتك، وضع فيها - مثلا - محلول من الكسل والعجز والتواني دون سائر البشر؟ لا. أنت لا تريد أن تغير وضعك، أنت لا تريد أن تتحرك، وإلا بالإمكان. لماذا أخوك؟ وهو من أبيك وأمك، وفي نفس بيتك يعيش، مع ذلك تراه سباقا في الخير، سباقا في العلم، سباقا في مجالات الرزق. وأنتما ابن والدين مشتركين، وأبناء بيئة واحدة، فلماذا ذاك هكذا وأنت على خلافه؟!

من أسوأ الأفكار، من أسوأ العلل، من أسوأ التبريرات، أن يقول إنسان: أنا هكذا، طبيعتي هذا الشكل، وضعي هكذا، شخصيتي هكذا. لا، ليست شخصيتك هكذا، بل هكذا أردت لشخصيتك أن تكون. وأردت الكسل، فصار وضعك هكذا. ولو أردت النشاط، لتغيرت طبيعتك، ولو عودت طبيعتك على الحركة والنشاط والحيوية، لاعتادت عليها. ولو عودت نفسك على القيام فجرا، والذهاب باكرا إلى العمل أو إلى العلم. لصار برنامج حياتك هكذا. لكنك لم ترد.

متى أردت ذلك وصممت عليه، ستجد أن حياتك تتغير. فهذه ينبغي الالتفات إليها. فلا تتسرب إلينا مثل هذه الأفكار؛ لأنه أحيانا الإنسان يلتقط أشياء تؤثر في شخصيته من دون أن يلتفت. سمع زيد مثلا، قد قال: أنا طبيعتي هكذا، طبيعتي غضوب، طبيعتي لا أقوم من الصبح، طبيعتي لا أتحرك قبل الساعة التاسعة. فماذا يعني: بطبيعته؟ هذا كلام باطل، كلام غير صحيح. ولا ينبغي أن يسمح الإنسان لمثل هذا الكلام الباطل، ولمثل هذه الأعذار غير الصحيحة، أن تدخل إلى داخل قلبه، وأن تؤثر في حياته.

بالعكس، فلا بد أن ينظر في حياة النشيطين، حياة الذين برعوا في حياتهم. لنأخذ مثلا قضية الكسل في طلب العلم، وما يقابلها من النشاط، بأن أورد مثالين، ثم أعقب عليهما. فيما يرتبط بطلب العلم الديني والنشاط فيه، والحركة والحيوية، فلا تتصور أن هؤلاء المراجع العظام، أو المفسرين الكبار، أو الفقهاء والأصوليين الأعاظم، كان عندهم ذكاء خارق استثنائي، لا. فالذكاء وحده لا يصنع شيئا، ولا بد فيه من نشاط يعضده، وحيوية تحركه واستمرار. فلو أن إنسانا كان أذكى البشر، لكنه كسول، فلا يصل إلى شيء. ولو انعكس الأمر، يعني - لو فرضنا - أن إنسانا لم يكن ذكيا ولكنه كان نشيطا، كان دؤوبا، كان حيويا، هذا يصل إلى أشياء.

مثال من علمائنا: المولى الملا صالح المازندراني، متوفى سنة 1083ه - صهر العلامة المجلسي، رضوان الله عليهما، صاحب البحار – أي العلامة المجلسي، صهره هو المولى الملا صالح المازندراني. والملا بالفارسي غير التي عندنا. فهي عندنا تقال لمن يقرأ التعزية، لكن الملا في الفارسية، تعني: العالم الكبير، فيقولون: الملا، الملا الآخون، الملا المازندراني، يعني هذا الذي عنده علم كبير جدا. أما عندنا في اللغة العربية، ليس هكذا، وفي الاصطلاح المتداول، ملا عندنا تعني: من يقرأ الرثاء، وهي هناك – أي: في الفارسية - تختلف عنها.

هذا الملا صالح المازندراني، يقول: أنا حجة على جميع الطلبة. أي: الله يستطيع أن يحتج بي على جميع الطلاب. اسمعوا يا طلاب العلم الديني، وطلاب العلم الدنيوي، كيف؟ قال: لأنني لا أتصور أن أحدا أقل حافظة مني ولا أكثر فقرا مني. مع ذلك عنده شرح جدا بديع على كتاب الكافي.

وكتاب الكافي، من الكتب الأربعة، لثقة الإسلام الكليني. وفيه بحوث عميقة ودقيقة جدا: في العقائد، والأحكام، وغير ذلك. وهو من أهم الكتب الروائية عند الشيعة، أي كتاب الكافي للكليني. والملا المازنداراني لديه شرح عليه، بديع جدا، وقوي ومتنوع.

وهو يقول: أنا حجة عليهم، لماذا؟ ذكروا، أنه هو نفسه قد قال: أنا ما تعلمت القراءة والكتابة إلا في ثلاثين سنة. يعني عمل على نفسه طوال هذه المدة، حتى عرف كيف يقرأ ويكتب. فكم أنت تحتاج كي تتعلم كيف تقرأ وتكتب! عادة الواحد منا، لا يصل إلى الصف الرابع، أو الخامس الابتدائي، إلا وعرف القراءة والكتابة، يعني بالكثير، سيدرس ثلاث سنوات. لكن هذا يقول: أنا درست 30 سنة إلى أن تعلمت القراءة والكتاب. لماذا؟ لأنه كان كثير النسيان، إلى حد أنه يخرج من بيتهم، ثم ينسى أينه، فيظل متحيرا كيف يعود إليه. أو يذهب اليوم إلى بيت أستاذه. ثم اليوم الثاني ينسى أين البيت! في هذه الجهة أم تلك، في هذا الصوب أم ذاك. وأنت تصور أن واحدا ينسى الطريق إلى بيته، وكيف يرجع إليه. وينسى كيف وأين هو بيت أستاذه الذي ذهب إليه بالأمس، كم هو كثير النسيان! هل رأيت بعمرك أحدا ينسى طريق بيته! فبالتالي هذا مصفاة، على حد قولهم، كلما تصب فيه، ينزل منه، مهما يدرس ينسى. ومع ذلك، وصل إلى هذا المستوى.

وأما فقرة، ما قالوا: من أنه كان لا يملك قبل زواجه إلا ثوبا واحدا فقط، فإذا تنجس هذا الثوب، غسله وظل ينتظر حتى يجف، ثم يذهب فيه إلى الدرس. وأما وسائل التحرير، يعني: أقلام، ودفاتر، وأوراق، فما كان عنده. بل كان يلم الأوراق الموجودة في الطريق، وأحيانا بعض أوراق الشجر العريض، ويكتب عليها.

والحال في زمن العلامة المجلسي، كان الورق منتشرا، وليس مثل أزمنة وعصور الإسلام الأولى، فقد كان هناك أوراق وكتب ومحابر، لكنه كان فقيرا، لذلك كان يكتب على مثل هذه الأشياء، افترض: كيس اسمنت على سبيل المثال، أو ورقة مذبوبة في الطريق أو بعض أوراق الشجر العريضة.

إلى أن قالوا، أن يوما من الأيام، كان يحضر درس العلامة المجلسي الذي هو أستاذه، وهو تلميذ له. فطرح العلامة المجلسي إشكالا ومسألة، ولم يعرف الطلاب جوابها، لكنه، أي هذا الملا، كتب جوابها على ورقة من هذه الأوراق، وما كان له دفتر يحفظها، فسقطت منه. ورآها أحد من الطلبة، ووجد فيها الجواب على تلك المسألة، فأخذها وذهب بها إلى العلامة المجلسي، وقال له: هذا جوابي. فقال له العلامة: هذا ليس منك، فأنت مستواك معروف عندي. فأين وجدت هذه الورقة؟ فقال له: رأيتها في المكان الذي يجلس فيه فلان، وكان يجلس عند الباب، حتى لا يرى أحد ملابسه الرثة. فطلبه إليه العلامة المجلسي، وقال له: قرر لي الجواب. فقرره، أي: أجاب، فاستحسن جوابه العلامة. ثم قال له: لماذا هكذا؟ فقال له: ليس عندي شيء.

فذاك الوقت، أقبل عليه العلامة المجلسي، وأعطاه مبلغا لترتيب حاله، وخطبه لابنته. وقال له: تعال تزوج ابنتي، أنا العلامة المجلسي. وقد كان في زمانه: قاضي القضاة، في زمان الصفويين. فترتب حال الملا، ثم بعد ذلك الأمر، أصبحت له تأليفات عديدة.

الشاهد أين؟ الشاهد: أن هذا الذي كان ينسى إلى حد أنه لا يتذكر طريق منزله الشخصي، وطريق منزل أستاذه، هذا نفسه، بسعيه، ونشاطه، وجده، وجديته، ودأبه، وصل إلى أن صار أحد أعاظم علماء الطائفة. هذا في العلم الديني. فليس عنده ذكاء استثنائي، حسب التعبير، ولا حتى حافظة عادية. ولا أحد منا عنده هذه الحالة، الحمد لله، نسأل الله يأن عافينا منها. فلا أحد يخرج من بيته إلى المسجد، ثم يتحير: أين بيته، وكيف يعود إليه؟ وتعالوا دلوني، إلا أن يصيبه الزهايمر، كما يقولون، على أثر كبر السن. أما هذا فقد كان في شبابه بهذه الصورة، ومع ذلك وصل إلى ما وصل.

أما النموذج الآخر في النشاط والسعي والدأب وعدم الكسل، نموذج معاصر في الأمور الدنيوية. فقد أتينا بنموذج إسلامي، و الآن نأتي بنموذج من العصر الحديث، المرأة الأمريكية المعروفة: هيلين كيلير.

هيلين كيلير، توفيت سنة 68 ميلادية. وهذه قد أصيبت بعد ولادتها بـ 20 شهر تقريبا، بمرض أفقدها السمع والبصر، وكانت عمرها آنئذ: أقل من سنتين، لكنها، لا تسمع ولا تبصر، (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا)، يعني منافذ المعرفة التي لا بد أن تكون عندها ثلاثة، اثنتان منها ذهبتا. فلا يمكنها أن تقرأ باعتبار أنها لا ترى، ولا يمكنها أن تسمع حتى تحصل على العلم. ومع ذلك عملت على نفسها، وساعدها في ذلك والدها أيضا، وفي هذا تتبين مسؤولية الآباء في هذا الموقف. فلو كانت في مكان آخر، فماذا كانت تصبح هذه؟ متسولة، بعد عدة سنوات، تجعل يدها أمام الناس، وتتسول.

لكن هذه على أثر صلابة إرادتها هي، واهتمام أبيها، ظلت تتعلم، حتى أتوا لها بمعلمة خاصة، علمتها على الأشياء بالإحساس، باللمس، وبحركة الشفة - وفي هذا حديث مفصل عن هذه اللغة - وظلت كذلك، حتى دخلت المدرسة الابتدائية بعد ذلك، والمدرسة المتوسطة، والمدرسة الثانوية، ثم تخرجت ببكالوريوس آداب. وكانت أول جامعية، في تاريخ الجامعات، مكفوفة وصماء، تتخرج، وفي أي مجال؟! مجال الآداب، الذي يحتاج إلى سماع، ويحتاج إلى نظر.

وتعلمت بعد ذلك بالإضافة إلى أنها أمريكية فتتقن الإنجليزية، تعلمت اللغتين الألمانية والفرنسية، فأصبحت حاملة لثلاث لغات، وعندها بكالوريوس، ثم تحولت إلى داعية للحريات المدنية، وعندها خطابات ونشاط سياسي، وعندها وعندها، اقرؤا في حياتها، كتابها اسمه: قصة حياتي، ترجم إلى 50 لغة عالمية. وعندها ثمانية عشر كتابا، فهذه هي المرأة التي لم تكن ترى، ولم تكن تسمع، ولكنها كانت نشطة في طلب المعرفة.

فلو أتوا بها إلى جانب أحد أو إحدى، من عنده سمع وعنده بصر وعنده فؤاد، وعندها، ومع ذلك لا يعرفون من العلم شيئا، وكسلوا حتى عن تعلم مسألة شرعية، ومسألة عقائدية، ومعلومات عن هذه الدنيا، فهذه واحدة وأولئك آحاد. وهذان نموذجان، يتبين فيهما أن القضية مربوطة بالنشاط. فمتى ما ترك الإنسان الكسل، ومتى ما تحرك بنشاط، وعمل، ودأب، فإنه يصل إلى نتائج عالية. في أي مجال، أنت تذهب، لنفترض إلى الشركة الفلانية، فحاول أن تأخذ الخبرة من تلك الشركة، أن تأخذ علم ذلك المجال إلى آخره. وأن تشتغل في مؤسسة مالية، فحاول أن تحصل علم في هذا المجال الاقتصادي، وحركة المال، واستثماره، إلى آخر مدى تستطيع. أنت تشتغل في مجال بترولي، فحاول أن تصل إلى علم ذلك الشيء إلى آخره، فإن استطعت بشكل مباشر، أو عن طريق الانترنت، أو مطالعة كتب، أو غير ذلك. فكلها طرق جيدة.

ولا تكن إنسانا بلا همة، وليس عنده طموح. هذا هو دخل إلى هذا المؤسسة وهذا الشغل وهذا المجال، فهو هو، ربي كما خلقتني، وكما جئت بي إلى هذا المكان. فالمطلوب إسلاميا، حتى في حال فراغ الإنسان، وقعوده وصمته، أن يحرك فكره على الأقل. أنت جالس في مكان، ليس عندك حالة حركة ونشاط بدني، فماذا يقول لك القرآن؟ يقول لك الإسلام، ماذا؟ حرك عقلك. ليكن عقلك وذهنك جوالا، نشطا، حيويا؛ لذلك تجد القرآن الكريم يدعو إلى التفكر، (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ)، عاقبة الظالمين، المفسدين، المجرمين، المنذرين، المسرفين. فكر في العواقب، فكر في النتائج، فكر في المعادلات، فكر في النظريات.

بعض علمائنا الذين نبغوا بشكل كبير، كما نقل في حياتهم، قيل له: أنت ليس معلوما عنك أنك درست دروس كثيرة، وعند معلمين كثر، مع ذلك هذا النبوغ الذي عندك، تجاوزت به أقرانك. فقال: نعم؛ لأنني حتى وأنا عند القصاب، فكري ينظر ويعمل. وأنا في السوق، أريد أن أشتري شيئا، ذهني يفكر في قضايا علمية.

الإنسان المؤمن ينبغي أن لا يتزيا بزي الكسالى، بل أن يطلب العلم، سواء كان العلم الدنيوي، أو العلم الديني. بنشاط، بحيوية، فلا يجعل جانب التواني، جانب التفريط، جانب التضييع، هو الحاكم عليه.

القرآن الكريم، يؤكد هذا المعنى، فيقول: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ)، الكدح: هو شدة العمل، وكثرته. أرأيت ذاك الذي يريد أن يكسر حجارة، كيف يفعل، بأي همة، وبأي قوة؟ هذا هو الكدح. ففي حياة الإنسان المادية المعيشية مطلوب منه (إِنَّكَ كَادِحٌ). في حياته في طلب العلم والمعرفة، مطلوب منه: (إِنَّكَ كَادِحٌ)، في العبادة، وسيأتي إن شاء الله حديث عنها مستقبلي، أيضا مطلوب من الإنسان فيها، (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ).

فأحيانا تجد قسما من الناس، يقول لك: أنا ذهب إلى فلان مكان أضيع وقتا. أنت هكذا تضيع عمرك، لا تضيع وقتا. أنفاس عمرك - يقول الشاعر الدمستاني - أثمان الجنان فلا .. تشري بها لهبا في الحشر تشتعل.

هذا العمر، هو أيام. فإذا مضى هذا اليوم، من دون نشاط من دون إنتاج من دون فائدة، يكون مضى من عمرك، "يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّمَا أَنْتَ عَدَدُ أَيَّامٍ، فَإِذَا مَضَتْ، مَضَى بَعْضُ عُمْرِكَ). أرأيتم الساعة الترابية، التي فيها كفتين، من الأعلى كفة، ومن الأسفل كفة، وفي الوسط هناك ممر صغير، وكل حبة رمل تنزل، تنتقص من ذلك المخزون. كل يوم، كل ساعة، كل دقيقة من عمرنا، تمضي، يمضي بعضنا، جزء من عندنا. لذلك ينبغي أن يجهد الإنسان نفسه، وأن يسعى، وينشط من أجل أن يعوض ما يفقد من العمر، وهو طبيعي. فما عندنا طريقة لإيقاف أيامنا.

اليوم يمر عليك وينتهي، رضيت أم أبيت. لكن إذا نشطت في ذلك اليوم، تحركت فيه، اكتسبت من المعاش والكسب الحلال شيئا بنشاطك، أو من العلم معلومة بنشاطك العلمي، أو من العبادة شيئا بنشاطك العبادي، تكون قد عوضت الفائت. فلا نكن كما صفات الكسلان، "لِلْكَسْلَانِ ثَلَاثُ عَلَامَات: يَتَوَانَى حَتَّى يُفَرِّطَ، وَيُفَرِّطُ حَتَّى يُضَيِّعَ"، رأس المال يذهب، أمر برأسه، يذهب، وليس فقط جزءا منها، "وَيُضَيِّعُ حَتَّى يَأَثَمَ".

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لكي نكون نشطين في طلب العلم والمعرفة، وفي طلب الحلال والمكسب الطيب. وفي العبادة إن شاء الله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

مرات العرض: 424
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (157)
تشغيل:

من عصر الامام الجواد ودوره
الكسل في أمر المعيشة 28