لماذا يظلمون غيرهم ؟ 27
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 12/4/1439 هـ
تعريف:

25 لماذا يظلمون غيرهم؟

كتابة الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال

ورد في الحديث عن كما روي عن رسول الله (ص)، أنه قال: "اتَّقُوْا دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الغَمَامِ، يَقُولُ اللهُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ". وفي حديث مروي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: "اتَّقُوْا دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ يَسْأَلُ اللهَ حَقَّهُ، واللهُ سُبْحَانَهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ حَقًّا إِلَّا أَجَابَ" صدق سيدنا ومولانا رسول الله، وصدق وصيه أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليهما وعلى آلهما.

حديثنا يتناول حلقة ضمن سلسلة الأمراض الأخلاقية والصفات الذميمة، وهي تتمة لحديث سابق حول صفة الظلم، ومرض الظلم، الذي قد يبتلى به بعض الناس تجاه غيرهم، سواء في حياتهم الزوجية، أو في حياتهم الأسرية الأعم من القضية الزوجية، أو في الحياة الاجتماعية عموما.

حديثنا يكون بعنوان، لماذا يظلمون؟ لماذا يقوم إنسان بظلم إنسان آخر؟ وبالرغم من أن الأسباب متعددة، إلا أننا نتناول ما هو قريب منا في الحالة الاجتماعية؛ لكي نتجنب هذه الأسباب؛ ولكي نبتعد عن هذه العوامل التي قد تدعونا إلى ظلم غيرنا.

من تلك الأسباب: أن الإنسان الظالم لغيره يرى نفسه المحور، ويرى نفسه الأفضل، ويرى أن تحصيل الأشياء لنفسه، ولو كان من غير حق، من الآخرين، أمرا طبيعيا؛ لأنه يرى نفسه ذات أهمية. فلو نظر الإنسان إلى غيره على أنه يساويه، كما جاءت الرسالات، وتحدث الأنبياء والأوصياء والمصلحون، وأنك أيها الإنسان عبد كسائر العباد، ومخلوق كسائر المخلوقين. وأنك لا تفضلهم ولا تشرفهم بشيء إلا بالتقوى وأمثالها.

أما أن تعتبر نفسك؛ لأنك فلان ابن فلان، فأنت أفضل من غيرك، فلذلك، لو أخذت ماله، فلا بأس؛ ولأنك إنسان غير طبيعي وأفضل منه. فهذه الفكرة هي بوابة لكثير من المشاكل، منها: المشكلة العنصرية. فبعض الأمم ترى نفسها أفضل من الأمم الأخرى.

فلا مانع لديهم أن تسيطر على أموالها، على أراضيها، على غير ذلك. فاليهود - مثلا - يعتقدون في تعاليمهم المحرفة بأنهم أفضل من سائر البشر، لماذا؟ لأنهم أبناء الله، (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)، فإذا كان أحد هو ابن الله، وحبيب الله، فمن الطبيعي أن يكون في رأيهم أفضل من ذلك الذي ليس ابنا لله ولا حبيبا له. ويترتب على هذا أن يعتقدوا أن من كان من غير أبناء الله، إنما خلقوا لخدمة أبناء الله. فسائر البشر خلقوا لخدمة اليهود في رأيهم. وهذا ما هو محرف من التوراة، وإلا الدين لا ينزل على هذا النحو.

فحتى ما ورد في تفضيل – مثلا - أمة الإسلام، فليس لذاتها، (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)، ليس لأن اسمكم: عبدالله، وسلمان، وجعفر، وقاسم، وزيد، وبكر، وعمر، لا، لأنكم ماذا؟ تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله، وتفعلون الخير، فهذا الذي يجعلكم أصحاب فضيلة. لا لأن ألوانكم: سمراء، ولا لأن أسماءكم: كذا وكذا، ولا لأن أنسابكم هي: بهذا النحو. فإذا توفرت هذه عندكم أصبحتم أفضل الناس، وإذا توفرت عند غيركم، فأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وفعلوا الخير، أصبحوا أحسن منكم.

فالظالم، عندما يأتي ويظلم غيره، هو يعتبر نفسه الأفضل، الأحسن، فيبلغ حب الذات عنده درجة متقدمة، بحيث يرى من الطبيعي لو أخذ أموال غيره، لأنه هو ليس شخصا طبيعيا عاديا، فمن الطبيعي أن يسيطر على حقوق الآخرين، فذاك ماذا قيمته أمامه، ليس له قيمة في رأيه. ولعلك تقول: لا أحد يفعل هكذا! اختبر نفسك، وأختبر نفسي باختبار بسيط جدا.

انظر، أنا وأنت لما نركب السيارة، وهذا اختبار قريب جدا، وسهل، حتى ترى وأرى نفسي ونفسك، هل نحن من هذا النوع، أم لا. فإذا أنا في السيارة، أريد طريقي فارغا، فإذا المشاة عبروا أمامي، قلت: ماذا يصنع هؤلاء، يفسدون النظام، ماذا يضرهم لو تأخروا الآن لدقيقة، ووقفوا على الرصيف إلى أن تمر سيارتي. اليوم الثاني: عكس الموضوع، أنت وأنا من المشاة، وأحدهم قادم بسيارته ويريد أن يعبر، فنبدأ نقول: ماذا في هؤلاء؟ أصحاب السيارات، والسائقين، ماذا يضرهم لو تأخروا الآن لنصف دقيقة، وخففوا السرعة، وجعلونا نعبر! ماذا سيتأخر عليهم، ماذا سيخسرون؟

فأنت، الأمس، لما كنت سائق سيارة تعاتب المشاة! فلما أصبحت من المشاة، تعاتب سائق السيارة. فلا بد أن يكون المقياس واحد. لكن، هنا هو يعاتب سائق السيارة؛ لأنه من المشاة ويعتبر نفسه هو المحور، هو الأهم. ويوم آخر، يعاتب المشاة؛ لأنه هو سائق السيارة.

يكون صف في مكان من الأماكن، خبز على سبيل المثال، صيدلية، "لاين"، فلا بد أن يقف، لكنه يأتي ويريد أن يتقدم إلى الأمام، لماذا؟ لأنه لن يضرهم الآن شيئا، وهو مستعجل، ولديه ظرف خاص، ولا بد أن يذهب بسرعة، فماذا يضرهم لو تقدم عليهم؟ خمس دقائق تضر؟ أو ثلاث دقائق؟ فهنا يرى لنفسه حق التقدم على من كان أمامه في الصف. اليوم الثاني: ينعكس الموضوع، هو يصبح رقم 3، قليلا، فإذا بواحد آخر، من آخر الصف، أتى لتوه، وتقدم على الجميع، فيذهب إليه ويتعارك معه: ألا تعرف الصف؟ ألا تعرف النظام؟ ألست متحضرا؟ اذهب وقف آخر الصف. فهذا وأمثاله لا يحترمون الناس، وليس عندهم فكرة عن قضية النظام.

وإذا يفكر، يفكر فقط لنفسه، وأنه هو الذي لديه أشغال والتزامات، والواقع أن: بقية الناس أيضا لديهم أشغال والتزامات. فهذا الكلام، لماذا لم تقله لنفسك الأمس؟ ولماذا الأمس عندما تجاوزت الصف، وتخطيت من كان منتظرا، لم تقل: أن الناس أيضا لديهم التزامات، لم تقل: أن "اللاين" والالتزام به حالة حضارية، لما تجاوزت لم تقل هذه الأشياء، ولم تقل هذا الكلام. لكن لما تجاوزوا عليك، قلت هذا كله. معنى ذلك ماذا؟ معنى ذلك: أنك تجعل نفسك المحور. فإذا كنت غنيا، تلوم الفقراء، وأنهم تنابلة، والواحد منهم جامد في مكانه، ولا يشتغل، ولا يتحرك ولا يعمل، ويكون كلا على الناس، وعالة عليهم. اذهب واعمل، فنحن لم نحصل على هذه الأموال إلا بعرق جبيننا. فأنت أيضا اذهب واعمل، لتحصل عليها.

ثم تدور الدورة - لا سمح الله - ويصبح هو الفقير، فيرى الغني - مثلا - لا يعطيه العطاء الذي يريد، وأن هؤلاء البشر هم الذين يكنزون الذهب والفضة بكذا وكذا. فلما تخزن هذه الأموال، ويوم القيامة، تكون عليك، وماذا يضرك لو أعطيت كل فقير ألف ريال!

ولماذا هذا الكلام لم تقله أمس، وقلته اليوم؟ فلما كنت غنيا، كنت تهاجم الفقير، ولما صرت فقير، عدت تهاجم الغني! كل هذه التحولات يختصرها شيء واحد، وهو ماذا؟ أنا المحور، أنا الأساس، إذا أنا مستعجل فليس من نظام، وإذا غيري مستعجل، فلا، ثمة نظام. إذا أنا في السيارة، فالمشاة لا بد أن يحترمون تقدمي، فإذا انعكس الأمر، انعكست الحالة. وعلى هذا، فقس ما سواه.

فهي كلها تركيبة واحدة: أن الإنسان يرى نفسه هو المحور في الحياة، وهو المقياس، وكل شي لا بد أن يترتب على ضوئه هو. فمرة يذهب إلى البيت، وهو متعب، فلا لأحد أن يكلمه أصلا. ومرة، تنعكس المسألة: زوجته هي المتعبة، فيقول: سامح الله نساء هذا الزمان، فليس منهم من تعرف، أو تخدم، أو كذا.

فلماذا الأمس لم تقل عن رجال الزمان نفس هذا الكلام. فأنت ترى قسما من الناس بهذه الحالة، يجعل نفسه المحور. فإذا هو في حالة ضيقة، يريد أن يوسع عليه. وإذا في حالة واسعة، لا يريد أن يوسع على غيره. وهذا أيضا بالنسبة إلى الظالم هكذا. فيرى نفسه أفضل من غيره، وأحسن من غيره، فلا مانع أن يأخذ من غيره، ولا أن يأخذ فرصته، لماذا؟ لأنه هو أفضل، هو أحسن، ولا بد أن تأتي الأشياء له، وهذا أساس من أسس الظلم. فإذا عددت نفسك أفضل من غيرك، آنئذ هذه بوابة من بوابات الظلم، هذا واحد من الأمور.

ولعل هذا يفسر لنا ما ورد في أكثر من حديث، من أن حب الدنيا، رأس كل خطيئة. حب الدنيا ماذا يعني؟ يعني أنا أحب الشارع، حب الشارع، لا شغل لي فيه. أحب الشجرة، شي يخصني من الشجرة، أحب البحر، لا. بل معناه: أني أحب ذاتي، وأحب أن تكون هذه الأشياء لي. وهذا هو حب الدنيا. وإلا - مثلا - أنت لديك بستان بطول عرض، فهذا لا أحبه أنا، أحب البستان لما يصبح لي. أنت عندك سيارة، فلا أحبها هذه، إنما أحب أن تكون لي.

ففي الواقع هو حب لذات الإنسان. حب الذات، إذا لم يسيطر عليه الإنسان؛ لأن حب الذات كغريزة، إذا ظلت ضمن تعادلها، فهذه نعمة من النعم. أما إذا تجاوزت حدودها، تصبح مقدمة لظلم الآخرين. أنا أحب ذاتي، وأريد أن أجلب لها الخير، ولو بسرقة مالك، ولو بالسيطرة على فرصتك، ولو باستلاب حقوقك، هذا حب للذات، لكن مبالغ فيه، وغير صحيح. هذا أول سبب من الأسباب التي تذكر.

من الأسباب التي تذكر في قضية ظلم الآخرين، وأنه كيف يحصل: شعور بالقوة. شعور الإنسان بأنه قوي، وبأنه لا أحد يستطيع محاسبته أو معاقبته. فيرى نفسه في بيته هو السيد، يضرب هذه الزوجة، ولا تستطيع هي أن ترد عليه، فتذهب لتشتكي عند أهلها، فيقول لها: إن ذهبتِ، أتتك ورقة الطلاق في اليوم التالي. عنده طالب يؤذيه، يظلمه، فيقول: إن أخبرت، علامتك سترجع إلى نصف الدرجة. وليس من طريقة للوقوف أمامه.

فإذا شعر أحد أنه قوي، بالمقدار الذي لا يستطيع أحد أن يقف أمامه، لا أقل في دائرة ظلمه، فهذا يدعوه إلى ظلم الغير. حتى إذا تنصحه، أو تعظه، أحيانا لا يتأثر؛ لأنه لا يزال يشعر بالقوة، والقدرة، وأنه لا أحد يستطيع أن يقف أمامه.

ولذلك - مثلا – هذا النمط من الناس، عندما بالفعل يُرفع أمره إلى جهة أقوى منه وأقدر، تراه، حسب التعبير، يخنع ويركع، ويصبح أذل من الذليل. يعنف - مثلا – أطفاله: ضرب، صياح، ألفاظ بذيئة، تعذيب أحيانا كما يصل عند بعضهم. فإذا والدة هؤلاء رفعت التلفون، وكلمت - مثلا - جهة تهتم بالحماية الأسرية: فإذا قبضوا عليه، وحكم القاضي عليه بكذا وكذا، تراه يصبح خاضعا، خانعا، ذليلا. أين ذاك الجبروت، وين تلك الحالة الفرعونية خاصته؟ فذلك كان يمارسه عندما كان يتصور أن لا أحد يستطيع أن يقف في وجهه. أما الآن، فالذي حصل أن هناك من هو أقوى، فأصبح ذليلا، خاضعا. فمن الأسباب التي قد تدعو إلى الظلم، عند بعض الناس، شعورهم بالقوة، وأنه لا أحد يستطيع أن يقف أمامهم. وهذا الأمر هو الذي يصنع حالة الطغيان عند بعض الحاكمين.

في بلد من البلدان، هو رأس القوة، ورأس القدرة، فلو قتل عشرة، قتل مائة، قتل ألف، قتل عشرة آلاف، فلا أحد يقف أمامه. افترض، مثل هؤلاء، فقبل مدة نقلوا عن أحد من قادة الصرب في البوسنة - الصرب والمسيحيون أعملوا القتل في المسلمين البوسنيين، قبل عدة سنوات، فيما عرف بقضية البوسنة، وصارت اغتصابات، وقتل، وذبح.

فيما بعد، رفع أمر هؤلاء قادة الحملات هذه - حملات القتل والاغتصاب - إلى المحكمة الدولية، وظلوا يطاردونهم بالفعل، إلى أن تمكنوا قبل شهر من الزمان أو أقل من القبض عليهم. أحد هؤلاء القادة الكبار أتوا به إلى المحكمة الدولية، وهو مدان بالوثائق وكذا، فرأى نفسه محاصرا، فأخرج قارورة سم، وشربها في نفس المحكمة.

هذا الذي كان يقتل، وقوي، وشجاع، ولا أحد يوقف أمامه، وإلى آخره. الآن منهزم أمام قرار من محكمة من المحاكم، فينهي حياته بهذه الطريقة. هو كان أكثر توفيرا له أن لا يستقوي اك اليوم على الضعيف، وأن لا يقتل ولا يفعل ما فعل. أو آخر تراه بعدما قتل، وشرد، وذبح، وسجن، يهرب من مكان إلى مكان، ومن حفرة إلى حفرة، كالفئران، إلى أن قبضوا عليه، وذهب لكي يواجه جزاءه الإلهي.

وأمثال هؤلاء، إذا شعر الإنسان بأنه لا أحد يحاسبه، ولا أحد يعاقبه، هذا قد يدعوه إلى أن يظلم غيره. ولذلك ورد عندنا في الحديث، بل في أكثر من حديث، أنه: إذا دعتك قدرتك على ظلم أحد، فتذكر قدرة الله عليك. عندك عامل تضطهده، تصفعه، تؤخر راتبه، تؤذيه. وهذا العامل المسكين يقول: أنا أين أذهب! هذا باب رزق، ولا بد أن أخضع، ولا بد كذا. فإذا دعتك هذه القدرة على ظلمه، تذكر أن لك موقفا بين يدي الله عز وجل. ستكون أيها البعيد - أنا لا أخاطب السامعين، فهم بحمد الله، أرقى من هذه الأخلاق - فإذا دعت الإنسان هذه الحالة لظلم غيره، ليتذكر يوما من الأيام يقف بين يدي جبار السماوات والأرض، القادر المطلق، وآنئذ يود لو كان نسيا منسيا.

من ذلة ذلك الموقف، نسأل الله أن يقينا هذه المواقف، وأن يعيننا على العدل. ابنك، زوجتك، بل زوجكِ، أيتها المرأة، إذا دعتك ودعتكم قدرتكم على ظلم الضعيف، تذكروا يوما من الأيام. يقول أمير المؤمنين (ع): "لِلظَّالِمِ بِيَدَيْهِ عَضَّةٌ، يَوْمَ يَعُضُّ عَلَى يَدَيْهِ"، أي: يندم، لماذا فعلت هكذا.

أساسا لماذا الإنسان يظلم، أمير المؤمنين (ع)، يقول: "وَكَيفَ أَظْلِمُ أَحَدًا لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إِلَى البَلَاءِ قُفُولهَا، وَيَطُولُ فِي الثَّرَى حُلُولهَا". على ماذا أنا أظلم غيري؟ لماذا أسلب أمواله؟ لماذا أؤذيه؟ لماذا أطرده؟ لماذا أضربه؟ لماذا؟ لأجلي نفسي! لأجل هذا البدن! هذا البدن، وهذه النفس، ستسرع إلى الموت، ثم ستبقى رهينة التراب آلاف السنوات، تعبث فيها الحشرات والديدان ويأكلها التراب والمذر. هذه التي أنت اشتغلت لأجلها.

لماذا لم يأت لي بكأس الشاي في وقته؟ ثم صفعة على وجهه. لماذا لم تعمل لي العمل الفلاني، رفسة في بدنه أو بدنها. نفسه هذا البدن الذي لأجله؛ كي الثوب، وشرب الشاي، والحصول على المال، والتنعم فيه، هذا سيطول في الثرى حلوله. هل تساوي شيئا هذه القضية؟ لا تساوي أبدا.

كذلك أيضا أحيانا ترى الشعور باللذة، فهناك قسم من الناس عندهم اضطراب نفسي، يشعر باللذة عندما يظلم غيره، ويضطهده. هناك شيء يتحدثون عنه، من ضمن الاضطرابات، في الموضوع الجنسي، شي يسمى: بالسادية، نسبة إلى بارون الفرنسي الذي كان عنده هذا الانحراف النفسي.

فكان لا يستمتع بالجنس مع زوجته، أو عشيقته، إلا بضربها ضربا شديدا إلى أن تدمى. أي لا بد أن تسيل منها الدماء حتى يرتاح، يستمتع، أي تصيبه النشوة في الجنس بهذه الطريقة. هو انحراف جنسي، وموجود إلى الآن، ويصاب به بعض الناس. فأحيانا هذا يخرج من الحالة الجنسية إلى عموم الحياة عند قسم من الناس.

فتجده يتلذذ بأذى غيره، يرتاح عندما يرى غيره يتألم، يرتاح عندما يرى غيره ذليلا بين يديه، يستعطفه. هذه حالة من حالات السادية، وهو الاضطراب النفسي الذي ينتهي إلى التلذذ بألم الغير.

قسم من الناس هكذا، ظالم يكيف عندما يرى زيد من الناس فقيرا، يقول: اشتغلت عليه حتى أخرجته من شغله، اشتغلت عليه حتى جعلته فقيرا، يتسول. اشتغلت عليه حتى جعلته ذليلا بين الناس. فهو يرتاح إلى هذا الأمر. هذه حالة من السادية في الحياة العامة.

فبعض الظلمة هكذا يرتاح أن يؤذي غيره. أي لما يرى غيره متأذيا، كثير المشاكل في حياته، فكأنه عليه بردا وسلاما، وهذا انحراف في النفس. لذلك حذرنا من الظلم، ودعوة المظلوم. في الحديث، عن نبينا المصطفى محمد (ص)، ما ذكرناه، "اتَّقُوْا دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الغَمَامِ" فهذه لا تحتاج إلى بريد، فهي سريعة جدا. حتى وصفت بأن، ماذا بين السماء والأرض؟ قال: دعوة مظلوم، فقط هذه المسافة، وهي ليست بمسافة كبيرة. فلا تتصور، إذا تحسبها بالكيلو مترات فمن الممكن أن تكون شيئا كثيرا، لكن إذا تحسبها بدعوة مظلوم، فلا، تنطلق في نفس الوقت. "فَإِنَّمَا يَسْأَلُ اللهَ حَقَّهُ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَمْنَعْ ذَا حَقٍّ حَقَّهُ"، كما في حديث أمير المؤمنين، وشبيه به حديث رسول الله (ص).

ولعل قائلا يقول، وننهي به الحديث: إذا كان كذا، فلماذا لا نرى انتقام الله للمظلوم من ظالمه؟ أي: إذا كان بهذه السرعة، وإذا كان الله يستجيب، ولا يؤخر صاحب الحق، فلماذا لا نرى هذا؟ فنحن نرى المظلومين. فلان مظلوم، مع ذلك لا أثر للانتصار؟ وهناك أجوبة كثيرة، لكن نكتفي ببعضها.

واحد: ما يدريك أن الله لم ينتقم من الظالم. نعم، أنت تراه أمامك، لكن هل ذهبت له وقت النوم، ورأيت كيف هي نومته؟ أنت تعود من العمل، ولو تجعل رأسك على صخرة ستنام من أعماقك، نوما هانئا ومستقرا. وكم من الأحلام سترى؟ وربما احتجت أن تقوم لتغتسل بعد النوم الثقيل، الهانئ، الهادئ. لكن البعض لا يلحق أن يجعل رأسه على هذا الفراش أحيانا، ومثلك، حتى إذا على حجرة جعل رأسه، ستراه يرد السلام وهو قد نام تلك النومة الهانئة.

وذاك الظالم يتقلب يمينا وشمالا. يأخذ من تلك الحبوب المهدئة، والمنومة، والمسكنة، والبعض منهم يشرب حتى الثمالة، يريد فقط لهذا الجفن ينطبق على ذاك الجفن، لكن لا فائدة.

انظر لعينه الصباح، يقوم وهي منتفخة، ونفسه مضطربة، وداخله معذب، وجدانه ملوث. فالشيء الذي نقلوه، لا ينقله الظلمة، بل القريبون منهم، وهؤلاء ليس من مصلحتهم أن ينقلوه. ولا الظالم أن يقول: أنا بسبب ظلمي البارحة لم أستطع أن أنام.

لكن الشيء الذي تسرب منه، ولو بهذا المقدار البسيط، ما تسرب – مثلا - عن الحجاج بن يوسف الثقفي لما قتل ما قتل، وأخيرا قتل سعيد بن الجبير، هذا الفقيه، العالمي، الموالي لأهل البيت (ع). يقولون: ظل وراءه لشهرين! أي لشهرين وهو في دورة عذاب مفصلة وقت النوم. أول ما يبدأ ينام، يبدأ: مالي ولسعيد بن جبير؟ ماذا فعلت به؟ ماذا بفعلت به! قتلته. قليلا، ويستيقظ فزعا، ويقول: أيها الحرس، اقبضوا عليه، امسكوه. من هو؟ قال: سعيد بن جبير، كان يأخذ بخناقي. أي كان يحاول خنقي. لكن يا هذا، سعيد بن جبير، أنت قتلته قبل شهرين. والآن أمره انتهى، وهو تحت التراب. ولكن مع ذلك ظل شبح سعيد بن جبير يؤرق عليه منامه، فما زال كذلك، حتى مات.

هذا يكفيك أن هؤلاء الظلمة، أخذوا أموال الناس، أزهقوا أرواح الناس، حتى ماذا؟ حتى يرتاحون، ولو أقل راحة، تلك التي يستمتع بها الفقير، ويستمتع بها الإنسان، وهي قضية: النوم. فأنت جرب نفسك، إذا ثلاثة أيام، أربعة أيام، لا تنام، تهلوس. وهذا لا يحتاج مالا، ولا يحتاج كذا. فأحيانا الواحد منا، ولو في الشارع ينام، وشخص آخر في أفخم الفنادق لا يستطيع أن ينام، هذا الظالم. وكم تأرق ضميره ووجدانه، وكم تعكر صفو نومه على هذا الأساس. ونفسه اللوامة إذا كانت بعدها باقية تجعله غير قادر أن ينام. وضميره إذا بقي فيه بقية لا يجعله يرتاح. لكن أنت المظلوم لا تعلم عن ذلك.

أمر آخر، يكفيك من نصر الله لك: أن ترى الظالم يعمل فيك بمعاصي الله عز وجل. فالظالم ماذا يفعل؟ يسلبك مالك، صحيح؟ يضطهدك، يضربك، يؤذيك، وهذه كلها سيئات، كله عقاب مجتمع على ظهره. فهو انتصار عاجل، وأما في الآخرة، فأنت تعلم ما الذي يصنع الله بهذا الإنسان، في بقاء هذا الظالم، وفي بقاء المظلوم.

والآن سيرة الظالمين في التاريخ، وسيرة المظلومين، ليس هناك الآن من أحد من البشر سوي العقل، يتشرف بالانتماء إلى الظالم. فيقول مثلا: أنا ابن يزيد بن معاوية، ويرفع رأسه، كلا. لكن الملايين من البشر يتشرفون، ويقولون: نحن أبناء الحسين. هذا مظلوم، أؤذي، قتل، سلب، ومع ذلك الكل يتشرف به. وذاك الظالم الذي فعل ما فعل، حتى نسله المباشر يتبرأ منه. هذا أيضا إجابة من قبل الله عز وجل.

وأحسن من هذه الإجابة: "يَوْمُ العَدْلِ عَلَى الظَّالِمِ أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ الجَوْرِ عَلَى المَظْلُومِ"، فليحذر الإنسان ذلك اليوم الذي يقف فيه بين يدي الله عز وجل، والظلم ليس شيئا بعيدا، إذ يبدأ من علاقتي مع ابني، زوجتي، وأخي، وابن عمي، ووالدي، وشريكي في حياتي الزوجية، والعامل الذي يعمل عندي، وهكذا.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجنبنا أن نظلم وأن يقينا من أن نُظلم، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

مرات العرض: 538
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (128)
تشغيل:

من مظاهر الظلم بين الآباء والأولاد 26
من عصر الامام الجواد ودوره