الظلم في حياتنا الزوجية 25
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 27/4/1439 هـ
تعريف:

23 الظلم في حياتنا الزوجية

كتابة الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال

روي في الحديث عن رسول الله (ص) أنه قال: "أَوْحَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيَّ يَا أَخَ المُرْسَلِينَ يَا أَخَ المُنْذِرِينَ أَنْذِرْ قَوْمَكَ أَلَّا يَدْخُلُوا بَيْتًا مِنْ بِيُوتِي إِلَّا بِقُلُوبٍ سَلِيمَةٍ وَأَلْسُنٍ صَادِقَةٍ وَأَيْدٍ نَقِيَّةٍ وَفُرُوجٍ طَاهِرَةٍ وَلَا يَدْخُلُوا بَيْتًا مِنْ بِيُوتِي وَلِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِي عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُم ظِلَامَةً فَإِنِّي أَلْعَنُهُ مَا دَامَ قَائِمًا بَيْنَ يَدَيَّ يُصَلِّي حَتَّى يَرُدَّ تِلْكَ الظُّلَامَةَ إِلَى أَهْلِهَا".

وفي حديث آخر، قريب من هذا المضمون، أنه أوحى الله عز وجل إلى داوود (ع) أن: "قُلْ لِّلظَّالِمِينَ لَا يَذْكُرُونَنِي، فَإِنَّهُ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَذْكُرَ مَنْ ذَكَرَنِي وَإِنَّ ذِكْرِي إِيَّاهُم – يعني الظالمين – وَإِنَّ ذِكْرِي إِيَّاهُم أَنْ أَلْعَنَهُم".

لا يزال حديثنا في أحد الأمراض الأخلاقية، والصفات الذميمة، وهو موضوع الظلم. وقد ذكرنا في حديث سابق بعض المقدمات عن الظلم عموما. وحديثنا اليوم، بإذن الله تعالى، يتناول موضوع الظلم في حياتنا الأسرية والاجتماعية. وقد افتتحنا الحديث بذكر روايتين ترويان عن رسول الله (ص)، الأولى، بناء على صدورها، تقول: أن الله أوحى إلى رسول الله مخاطبا إياه أن يحذر الناس، من أن يدخلوا بيوته وهم على غير قلوب طاهرة، وعلى غير ألسن صادقة، وعلى غير أيد نظيفة. لا يعني ذلك أن من كان على قلب غير طاهر، المفروض أن لا يدخل المسجد، وإنما معنى الحديث، أن يطهر قلبه ويدخل المسجد، لا أن يكن كما يتصور البعض.

يقول لك: الله يريد مني أن أكون خاشعا في الصلاة، ولأنني لا أخشع في الصلاة؛ لذلك الله لا يريدها، فأنا أتركها. هذا غير صحيح. إنما المقصود، هو أن يقبل الإنسان بقدر استطاعته خشوعا وخضوعا، ويسعى للتكامل. يعني يصلي، هذا أولا. ويسعى أن يكون خاشعا في الصلاة هذا ثانيا. كذلك هنا، عندما يقول: لا تدخلوا بيوتي أو بيتا من بيوتي إلا بقلوب سليمة، وألسن صادقة، وأيد نظيفة، وفروجا طاهرة. ولا يدخلوا بيتا من بيوتي ولأحد من عبادي عند أحد منهم ظلامة، ليس المقصود أن يقول: ما دام الأمر هكذا، فإذن أنا لا أذهب إلى المسجد، لا أصلي صلاة الجماعة والجمعة، كلا. وإنما المقصود، الجانب الآخر. وهو أن يتقدم الإنسان بتطهير قلبه، وبأداء أمانته، وبترك الظلم، ويدخل المسجد. وهذا مثل قول أحدهم: لا تصلي في المسجد إلا وأنت على طهارة. ليس المقصود: أن أترك الصلاة في المسجد، وإنما المقصود: تطهر، وصل في المسجد. نظف قلبك، وصل في بيت من بيوت الله. ارفع الظلم فيما بينك وبين الخلق، وصل. لا أن تقول: ما دمت ظالما، ما دمت سارقا، ما دام قلبي ليس نقيا، إذا لا أذهب إلى المسجد، ولا أصلي الصلاة. هذا فهم خاطئ. المقصود هو: أن أد أمانتك، واترك ظلم غيرك، ونق قلبك، ونظف لسانك، واذهب إلى بيت من بيوت الله.

في الرواية الأخرى، التي تروى عن ابن عباس: أن الله أوحى إلى نبيه داوود، أن قل للظالمين: لا يذكرونني ما داموا ظالمين. أي لا ينبغي منهم الذكر. ليذهبوا ويتركوا الظلم، ويذكروا ربهم فيما بعد. لماذا؟ لأنه أنا لدي قاعدة حسب هذه الرواية، وهي: أن الله يقول: إذا ذكرني أحد ذكرته. أي: أنا أذكر المؤمن بإيمانه، أذكر المحسن بإحسانه، أذكر المتصدق بصدقته، فأثيبه. أما هذا الظالم، أذكره بماذا؟ لابد أن أذكره بظلمه. فإذا ذكرته بظلمه معنى ذلك أن اللعنة تحل عليه. فليذهب سريعا، ويتخلص من الظلم، ويذكر ربه وهو غير ظالم؛ لأنه لو ذكره الله عز وجل في تلك الحال، فلن يذكره بقوله: هذا أحسن آدمي، مقرب ومرضي عنه. بل سيذكره بحقيقته من الظلم، سيذكره بما هو عليه في الواقع من كونه مسيئا. فإن ذكره كذلك، لن تحل معه الرحمة عليه، وإنما العذاب.

هذان الحديثان؛ ليكونا مدخلا لنا للحديث عن الظلم في حياتنا القريبة منا، حياتنا الأسرية. وهي أقرب شيء للإنسان، على خلاف ما يتصوره. أحيانا لما تقول: الظلم. فأول ما يتباذر إلى الذهن ماذا؟ ظلم فرعون. عادة الإنسان يذهب بعيدا. بينما الظلم، قد يكون هو في يده، هو نفسه مصداق من مصاديق الظلم. لما تقول له: مثلا، هناك ظلم وهو ظلمات يوم القيامة، فأول ما يتباذر إلى ذهنه ظلم الطبقة السياسية، أو الحاكمين، أو المتسلطين، أو ظلم يزيد، أو بني أمية، أو المنصور العباسي، أو ما شابه ذلك. لا، تعال، وانظر في داخل دائرتك، فأنت الأقرب، وقد تكون أنحاء الظلم المتحققة فيك، ليست قليلة. فلنأخذ بعض النماذج في هذا. حتى نحذر منها.

الحمد لله، من يسمع، إن شاء الله، بريؤون من هذه الأمثلة والنماذج. لكن التذكير شيء حسن، وإثارة الذهن أمر محبذ. في داخل الأسرة، العلاقات فيما بين الزوج والزوجة وبالعكس، وفيما بين الأب والأولاد، وبالعكس. هذه قد تشوبها شائبة الظلم، فيكون مرتكب هذه الأفعال مشمولا للأحاديث التي ذكرناها قبل قليل، بل والأحاديث التي ذكرناها في وقت سابق، من أن الظلم ظلمات يوم القيامة، وأن من الدواوين ما لا يترك، بل القصاص فيه لا محالة، وهو ظلم العباد لبعضهم البعض.

زوجان، في داخل أسرة، يمكن أن تكون العلاقة بينهما علاقة عادلة، وممكن أن تكون العلاقة بينهما علاقة ظالمة. أي أحدهما ظالم، والآخر مظلوم، قد وقع عليه الظلم. من أمثلة ذلك: قيام أحد الطرفين - ولنفترض هنا في المثال الأول: الزوج - بالإساءة اللفظية إلى زوجته: بشتمها، بالكلام السيء عنها. إحداهن كانت تتشكى، وتقول: أن زوجي أبا فلان لا يسميني إلا البقرة. "قومي يا البقرة، وقعدي يا البقرة، وجت البقرة، وراحت البقرة"، وعلى هذا المعدل، وأنا أبدي له أني لا أرتاح إلى هذا، فإما أن تسميني باسمي العادي، أو أم فلان. فأنا أقول لك: يا أبا فلان، وبالاحترام أخاطبك. هذا من الإساءة اللفظية، ومن الظلم.

من ظلم هذا الزوج لزوجته: الإساءة باللفظ إليها. وإذا تعدى عند البعض - لا سمح الله - إلى أمر القذف: يا فاعلة، يا تاركة، وكذا، فهذا بالإضافة إلى أنه ظلم، في بعض الحالات يوجب الحد، إذا لم يثبت عليها ذلك. فلو نسبها - والعياذ بالله - إلى عمل محرم، وقال لها: يا فاعلة كذا وكذا، بالألفاظ التي يعرفها بعض هؤلاء الخاطئين. فهذا بالإضافة إلى أنه ظلم، فمن الناحية الشرعية هو يستوجب الحد. فأنت تقذف امرأة، ولو هي زوجتك! فالذين يقذفون المحصنات من المؤمنات، هؤلاء لهم ماذا؟ عقوبة مقررة في الشرع. وهذا من الظلم لو كان غير ذلك: يا غبية، يا جاهلة، يا كذا، يا فلانة، يا حيوانة ... هذه الألفاظ، هذا الفحش في الكلام يعتبر ظلما من الظلم.

هنا، قد تكون الزوجة - كما هو حال كثيرات من النساء، جزاهن الله خيرا - يصبرن وتصبر على سوء خلق زوجها. خصوصا إذا كان من البيئات التي هذه الكلمات هي المتداولة عندهم. فترى هي أنه إذا ترد عليه، وتأخذ وتعطي معه، قد تنشب معركة. قد يضرب، قد يطلق، يتفرهد هذا البيت. فبعض النساء العاقلات تصبر على سوء خلق زوجها من الكلام الجارح، والعنف اللفظي، وهذه في أعلى الدرجات. في الحديث عن نبينا المصطفى محمد (ص): "مَنْ صَبَرَتْ عَلَى سُوءِ خُلُقِ زَوْجِهَا، أَعْطَاهَا اللهُ مِثْلَ ثَوَابِ آسِيَةَ بِنْتَ مُزَاحِم". آسية بنت مزاحم، ضربت مثلا للذين آمنوا في سورة التحريم، (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ)، وفي بعض الروايات، وصفت أنها: من سيدات نساء الجنة، وفي بعضها: "حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ"، يعني: تكفي هذه النماذج. وذكرت إلى جنب خديجة ومريم وفاطمة سلام الله عليها. وفاطمة أفضلهن جميعا. فهذه المرأة التي تصبر على سوء خلق زوجها، وتعنيفه إياها، وشتمه وظلمه لها، تنال مثل ثواب آسية بنت مزاحم. فهو يحصل على العقاب، ولا يمر الأمر هكذا، وسيأتي الحديث في هذا بعد ذلك. ولكن، هي لو صبرت وتحملت؛ لأجل صيانة بيتها الزوجي وحفظ عيالها، أعطاها الله في الآخرة مثل ثواب آسية بنت مزاحم.

وأسوأ من هذا الظلم بالتعدي اللفظي، التعدي بالضرب. وهذا للأسف موجود في بعض البيئات، وإن كان أقل مما كان في السابق؛ نظرا لتعرف كثير من الناس، أن ضرب الزوجة محرم شرعا إلا ما استثني، وبشروطه. وإلا لأنها – مثلا - طبخت كثيرا، طبخت قليلا، لم تطبخ، قامت، قعدت، كذا، فيده ممدودة. هذا من الأمور التي يستحق بها - كما يقول الحديث الشريف - النار. في الحديث عن رسول الله (ص)، يقول: "إِنِّي لَأَتَعَجَّبُ مِمَّنْ يَضْرُبُ امْرَأَتَهُ وَهُوَ بِالضَّرْبِ أَوْلَى مِنْهَا". هو معتد، هو إنسان غير حكيم. يحتاج إلى تأديب. لأن هذا التي عنده امرأة ضعيفة، وهو في الطالع والنازل يضربها! فهو من يحتاج إلى تأديب، إلى تهذيب، إلى من يضربه ويعاقبه: حاكم شرع، جهة قانونية. هو يحتاج إلى ذلك. فهو تزوج امرأة، ولم يأخذها جارية ولا أمة يتحكم فيها. لها حقوق وعليها حقوق. وله حقوق، وعليه حقوق. وليس من حقه عليها أن يضربها.

كذلك من الظلم السيطرة على أموال الزوجة. طبعا هذا المال تخضع له في بعض الأحيان أعناق الرجال. فتلاحظ في بعض الحالات، إذا طرف عنده أموال، فالطرف الثاني يعمل المستحيل للسيطرة عليه. أحيانا الأب يسيطر على أموال ابنته، وهي ليست من حقه. الأم - أحيانا - تسيطر على أموال ابنتها، وليس لها في ذلك حق، إلا إذا أعطت البنت أباها أو أمها من طيب نفسها راضية، ونعم ما تفعل ذلك. وإلا لا يجوز لهما أن يأخذا من مالها بغير رضاها. نعم، لو كانت ثرية، وهما فقيران، ولم يكن لهما مصدر آخر. فكأي واحد من الأولاد، يجب أن تنفق على أبويها، وكذلك عكس الأمر، إذا كان الأولاد فقراء، يجب على الأبوين أن ينفقا على أبنائهما وعلى بناتهما. فأحيانا يصر الزوج مثلا، وبمختلف الوسائل، على أنه إذا لن تعطيني مالا، سأطلقك. هذا ليس من رضا النفس. إذا لن تشاركي في البيت، في الأثاث، أتزوج عليك. فإذا لن تفعلي كذا، فكذا، ويظل يضايق ويؤذي وكذا، إلى أن تجد هذه الزوجة أنه لا بد أن تعطي جزءا من مالها. هذا من الناحية الشرعية غير سائغ. هذا من الظلم في بعض صوره.

كذلك - أحيانا - الامتناع عن حقها الزوجي، لأي سبب من الأسباب. لنفترض: هو متزوج أكثر من زوجة، أو لأنه لا يستحسن فيها بعض الأشياء، فيترك فراشها، ولا يؤدي حقها الجنسي، فتبقى هكذا، لا هي زوجة، ولا هي مطلقة. وهي كأي إنسان، لها رغبات وحاجات في هذا الجانب، وهو ربما يقضي حاجته وشهوته في أماكن أخرى. هذا أيضا من الظلم، لا سيما إذا تجاوز الحد الشرعي. فالقدماء كانوا يقولون أنه: إنما يجب في جانب الفراش والحق الزوجي، أن يقارب الرجل زوجته كل أربعة أشهر مرة واحدة. فلا يستطيع أن يتأخر أكثر من أربعة أشهر. هذا الرأي الموجود قديما، ولكن الرأي السائد حاليا بين العلماء والفقهاء، يقول: لا. لا يتحدد بهذا الحد. وإنما إذا احتاجت حاجة عرفية لذلك، يجب أن يقوم بهذه الحاجة. فماذا تصنع امرأة راغبة ضمن الحدود المتعارفة، وهي زوجة فلان، وهو لأي سبب من الأسباب عازف؟! عندنا في الحديث أيضا، عن الإمام الصادق (ع): "مَنْ جَمَعَ مِنَ النِّسَاءِ مَا لَا يَنْكُحُ، فَزَنَا مِنْهُنَّ شَيْءٌ، فَالإِثْمُ عَلَيْهِ"، ليس معنى ذلك، أنها معذورة، لا. وإنما يراد تحميله المسؤولية أيضا. هي خاطئة، مذنبة، مأثومة، وهذا الزوج الذي عطلها في هذا الجانب، أيضا يتحمل جانبا من الإثم. امرأة عندها هذه الرغبات، أنت لا تلبي لها شيئا، اتركها لحال سبيلها. أو قاربها بما يشبع رغبتها، فإن لم تفعل لا هذا ولا ذاك، ولا سمح الله زلت قدمها، فهي مأثومة ومذنبة، ولكن ذلك الزوج أيضا عليه قسط من الإثم والمسؤولية.

كذلك من الظلم، عدم العدالة في المبيت، بالنسبة لمن له عدة زوجات. الشرع أباح للرجل أن تتعدد زوجاته، والعاقل هو من يفعل ذلك بمقتضى الحكمة لا بمقتضى العبث. وقسم من الناس بمقتضى العبث، التحدي، قالوا له: "فنك تسوي هالشكل، نتحداك إذا تسوي هالشكل"، هو أيضا ذهب فيها، وراح يثبت لهم. هذا ليس عقلا، هذه ليست حكمة. الإنسان العاقل لا يفعل هذا. الحكيم لا يذهب وراء قضية من أجل: أنا أتحداك، وأريد أن أسقط كلامك، وأنت تتحداني. هذا شغل أطفال ذوي 10 سنوات و12 سنة، ليس شغلا لمن عمره 35، و40 سنة، حتى يثبت لهم أنه على قدر التحدي، فيذهب في المسألة طول بعرض.

في الحالات التي تقتضيها الحكمة لا مانع من ذلك. فإذا صار هذا، وجب عليه أمور. منها: العدل في قضية النفقة، والعدل في المبيت. حق القسم، يسمونه في الفقه. أما أن يأتي إنسان، فإذا تزوج، لنفترض أنه: استحسن الثانية، فترك الأولى مرة واحدة. يبات عند هذه أسبوع، وتلك لا يبات عندها حتى ليلة واحدة! هذا ظلم. هذا مخالف للعدل. أو أحيانا بالعكس، يأتي، فيقول لها: أنا وضعي الاجتماعي لا يناسب، علي ضغوط كذا، فلا أستطيع أن آتيك في الليل، فقط مجرد نصف ساعة آتي وأجلس معك ثم أمشي عنك. بينما سائر الليالي هي للمرأة الأولى أو القديمة. هذا ظلم، خلاف العدل.

نعم، عندما يكون الأمر برضا صاحبة العدل، فلا بأس. ولكن، لأني أنا ظروفي هكذا ولا أستطيع، فلا بد أنت أن تلاحظي هذا الأمر. هذا ظلم. أنت لا تستطيع، إذن، ما كان عليك أن تقدم على مثل هذا الأمر. فالإنسان الذي يلتزم بشيء، يلتزم بلوازمه. أنا سأتزوج هذه المرأة، لكن، ليس عندي أموال أنفق عليها، لا تتزوج. أنا أتزوج هذه المرأة، لكن ظروفي لا تسمح لي أن أبات في منزلها، أن أفتح لها منزلا، أن أسكنها مسكنا، فلتبقى هي في بيت أهلها، ولا تطلب مني هذا. تارة في وقت العقد، يخبرها ويتفقان، هذان أمرهما بينهما. ومرة أخرى، يعدها بالسماء والأرض، حتى إذا صار العقد، وصار الدخول، تبين الأمر، أنه لا يملك شيئا. هذا ظلم. خلاف العدل.

وأسوأ من كل هذا، ما إذا ظلمها لتفتدي نفسها بالخلع منه. فيؤذيها في معيشتها. وللأسف، للأسف، هذا من الأمور غير القليلة في مجتمعاتنا. وبعضهم مع سبق الإصرار! هو من قبل قد خطط لهذا الموضوع! أي انظر مقدار القلب غير النقي فيمن هو من الأصل قد خطط لهذا. فقلبه مليء بالسواد، مليء بالعكر، مليء بالخبث.

كأن أخطط: فلانة لديها أموال، موظفة، أبوها لتوه أيضا متوفى، يعني: عندها ميراث، فأفعل المستحيل للزواج بها. حتى إذا تزوجتها، أبدأ أسيء معاملتها. أظلمها، أضطهدها، حتى هي تعاف هذه الحياة، فتطلب مني الخلع. فأقول لها: لا بأس، أقبل بطلاق خلعي، لكن مقابل مليون ريال! هذا حدث. ليست قضية فرضية.

يا هذا، أنت كل الذي دفعته 25 ألف ريال مهر، ومصاريف هنا وهناك، لنقول أنها 25 ألف أخرى أيضا، فتفضل: هذه 50 ألف، واذهب، الله معك. لا، لا يقبل، هو كان مخططا، مرتبا، مهيئا الأمور بهذا النحو. هذا لما يأتي إلى مسجد، ينطبق عليه: قل للظالمين لا يذكرونني في بيت من بيوتي. فإني آليت على نفسي أن أذكر من ذكرني، ولا أذكرها هؤلاء إلا إذا لعنتهم.

هذا لا يستحق لعنة فقط، يستحق آلاف اللعنات. هذا مصداق واضح للظلم. وأمثال هذا كثر، للأسف. نسأل الله أن يوعي، لا يتصور، هذا الإنسان أنه: أنا لا أعمل شيئا حراما، فالشرع يحلل هذا. الشرع يحلل، لكن انتظر يوم القيامة، إذا انطبق عليك عنوان الظلم، بإساءتك التعامل، بتلفظك السيء، بسبابك، بشتائمك، بضربك؛ لأنه لو لست تفعل هذه الأشياء، لن تطلب هي الطلاق، صحيح أم لا؟!

فإذا أحسن المعاملة ستبقى معه. وإذا أساء المعاملة، سينطبق عليه عنوان الظلم. فإذا انطبق عليه عنوان الظلم، صار ظلمات يوم القيامة. ثم ماذا يفيدك أن تقول من الناحية الشرعية: هذه الأموال حلال؟! فهذه من أوجه الظلم، وأحيانا ينعكس الأمر. يعني الزوجة قد تكون ظالمة، ليس فقط الزوج ظالم. في بعض الحالات، الزوجة أيضا ظالمة. ولها أوجه متعددة.

عندما تكون طبيعة الزوج طبيعة خيرة، والزوجة لسانها طوله نصف متر، فأسهل شيء عليها أن تسبه، أن تشتمه، أن تتكلم على أمه وأبيه. بعض الناس هكذا. قد يكون الزوج عفيف اللسان، لا يستطيع أن يسب، لم يترب على هذه الطريقة. أما هي، فلا، الأمر طبيعي عندها، صوتها يجلجل، سابع جار يسمع، "يا فلانة استري علينا، شوي شوي"، "لا، أسوي لك فضيحة اليوم". هذه لما تأتي وتشتم زوجها، وتتلفظ عليه بألفاظ سيئة، فتشتم أهله، تفحش فيهم - حتى لقد ذكر في تفسير الآية المباركة: (إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ)؛ لأنه في وقت الطلاق، يجب على المرأة أن تبقى في بيت الزوج الذي طلقها، فلا يجوز للزوج أن يخرجها، ولا يجوز لها أن تخرج. وإنما تبقى فترة العدة في نفس هذا المنزل؛ لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. إلا في حالة، قالوا: (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة). فإذا المرأة أبدت فاحشة مبينة، أخرجها زوجها من البيت، ما هي الفاحشة المبينة؟ ليست قضية الزنا - والعياذ بالله – وإنما: أن تشتم أهله.

إذ تركها مع أهله ثلاثة شهور، على أساس أنها: العدة. لكنها تصبح على والدته بشتيمة وتمسي على أخته بعركة، وهذا إيذاء. إذن، أخرجها من هذا البيت. فهذا أيضا قد يحصل من الزوجة، أن تتكلم بكلام شانئ، وفاحش، وشتائم لأهله، وهذا من ظلم الزوجة لزوجها.

من ظلم الزوجة لزوجها، أن تصرف أمواله بغير رضا، وبعضهن تبرر بتبرير، فتقول: أنا لا أترك عنده قرشا حتى لا يفكر أن يتزوج علي. بالعكس، هذا واحد من الأسباب التي تدعو الأزواج إلى أن يتركن هذه، لا أن يتزوجوا عليها، بل ويطلقونها.

يقول: هذه أصبحت محرقة لأموالي! مذ جاءت إلى البيت، لا يبقى عندي مال فيه. وهي هذه التي يفترض منها أن تحفظه - كما ورد في خصائص الزوجة الصالحة، وفي واجباتها: أن تحفظه في نفسها وماله. يعني: أن تحافظ على شرفها حال غيبته، وتحافظ على أمواله إذا غاب. فإذا قامت تصرف ماله بلا مبرر، وبلا استئذان. حتى لو كان الصرف في أعمال البر، صدقة مثلا، لا تستطيع الزوجة أن تتصرف في ذاك المال فتخرج منه.

فقير على الباب، رفعت له 500 ريال وأعطيتها له من جيبكَ. هذا إثم عليكِ. لا يجوز لك أن تصنعي ذلك، حتى ريال واحد. فإما أن تعلمي برضاه بذلك، أو أن تستأذنيه فيه. وإلا لو كان من أجل أن لا يبقى عنده أموال، حتى لا يفكر بكذا أو كذا، فأصرف أمواله، ولو في أعمال الخير، فهذا من الأمور غير الجائزة.

وكما قلنا في نفس الوقت، الذي إذ ظلم زوجته فصبرت على ظلمه، آتاها الله أجر آسية. في المقابل أيضا، من صبر على أذى زوجته. هناك من الرجال، من يقول لك: هذه امرأة غير صالحة، على غير أخلاق، ظالمة، والمحكمة موجودة. فيطلقها. وقسم من الناس، وضعه لا يسمح له بذلك. عنده أولاد، عنده بنات، أبناء، يرى أن هؤلاء يتفرهدون. فيقول أنا أتصبر، أتحمل، حتى لو أتأذى في الداخل، لكني مأمور أن أحافظ على أهلي وعيالي. وليس عندي طريقة تجعل هذه المرأة تتأدب في كلامها وتصرفاتها، فأصبر على ذلك.

عندنا في الرواية أيضا، عن رسول الله محمد (ص): "مَنْ صَبَرَ عَلَى سُوءِ خُلُقِ امْرَأَتِهِ، وَاحْتَسَبَهُ"، فتارة يستطيع أن يفكها، ليس هناك أية استتباعات: ما بينهم أولاد، حاول عدة مرات أن يصلح الأمر، فما نجح. إذن، يتفرقا، (يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ)، (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)، مع السلامة.

مرة أخرى، وضعه لا يسمح له بهذا الشيء. ونحن نفضل هذا الأمر الثاني حتى لو لم يكن بينهما أولاد. اشتروا الصبر، أيها المؤمنون. اشترين الصبر أيتها المؤمنات. تجلدوا وتجلدن من أجل الحفاظ على الأسرة وعلى البناء الزوجي. قال: "مَنْ صَبَرَ عَلَى سُوءِ خُلُق"، زوجتهِ "امْرَأَتِهِ، وَاحْتَسَبَهُ، أَعْطَاهُ اللهُ تَعَالَى بِكُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ"، ماذا؟ من الثواب مقدار ما أعطى أيوب على بلائه. نبي الله أيوب، كم وجد من الثواب على صبره على البلاء، هذا أيضا يجد مثله. "وَكَانَ عَلَيْهَا"، أي على المرأة، فنحن حديثنا السابق كان كله حول ما لها من الأجر، هي المظلومة، لكن في هذا: هي الظالمة، "فَكَانَ عَلَيهَا مِنَ الْوِزْرِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، مِثْلُ رَمْلِ عَالِجٍ"، عالج، يعني: صحراء الربع الخالي. كم فيها من الرمل، من حبات الرمل؟! ألها عدد وحساب؟! بهذا المقدار، عليها من الوزر والعقاب الإلهي.

وهي أيضا في ذلك. كما ورد في الخبر عن رسول الله: من كان له امرأة تؤذيه، كل حين وآخر، آتية بإخوانها وذاهبة بهم، وكل واحد من إخوانها عرضه متر ونصف، وتهدد هذا الزوج المسكين، إن قلت، وإن عملت، وإن يا فاعل، وإن يا تارك، أو أبوها رجل شرير، وكل ساعة آتية به أو ذاهبة إليه، "مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَةً تُؤْذِيهِ لَمْ يَقْبَلْ اللهُ صَلَاتَهَا وَلَا حَسَنَةً مِنْ عَمَلِهَا حَتَّى تُعِينُهُ وَتُرْضِيَهُ، وَإِنْ صَامَتْ الدَّهْرَ".

فلا تبحثي، أيتها المرأة، عن الثواب في قراءة القرآن وأنت ظالمة للزوج، لا تبحثي عن الثواب في الزيارة وأنت مؤذية للزوج، لماذا: لا تبحثي؟ لأن وزر هذا شيء عظيم. مثل أحدهم المديون بعشرة آلاف ريال، ويكد في اليوم 100 ريال فقط، هل تفيده المئة ريال؟! لا تفيده؛ لأنه مديون بعشرة آلاف. ليس معنى هذا أن المئة ريال لا تفيد أصلا، لا. بل تفيد من لم يكن مديونا، إذ هي له ثروة. أما إذا كان مديونا بعشرة آلاف، أتفيده هذه؟ إذا صلاتها أتت بها، ولكن في نفس الوقت آذت زوجها وجاءت بذنوب بمثل رمل عالج، بعدد رمال الصحراء، أتكفي هذه إلى تلك؟! وأيضا، "وَعَلَى الرَّجُلِ مِثْلُ ذَلِكَ الْوِزْر وَالْعَذَاب إِذَا كَانَ لَهَا مُؤْذِيًا ظَالِمًا".

كذلك، القضية ليست صوب المرأة فقط. فقسم من الناس، إذا يسمع هذا الحديث، وبجنبه زوجته، يقول لها: اسمعي، اسمعي، لعلك تتأدبين. لا، ليبتلعها – أي هذه العبارة - قليلا، لأنه وراءها هذه الكلمات: "وَعَلَى الرَّجُلِ مِثْلُ ذَلِكَ الْوِزْر وَالْعَذَاب إِذَا كَانَ لَهَا مُؤْذِيًا ظَالِمًا".

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا بعيدين من الظلم، قريبين من العدل والإحسان، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

مرات العرض: 1113
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (100)
تشغيل:

الشك وتدمير الحياة الزوجية 23
من مظاهر الظلم بين الآباء والأولاد 26