الشيخ الوائلي لسان الشيعة الناطق
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 29/9/1434 هـ
تعريف:

الشيخ الوائليْ لسَان الشيعَة الناطقْ.

 

تصحيح الأخت الفاضلة سلمى آل حمود 

حديثنا يتناولْ شخصية لسانْ الشيعة الناطق المَرحوم الدكتور الشيخ أحمد بن حسون الوائلي رُضوان الله عليه المتوفي سنة 1424 هـ، والذي يعتبر في هذا الزمان ألمع شخصيّة في الخطابة المنبريّة الحسينية، وذلك لما تحتويه مجالسه و طريقته و اسلوبه من خواصْ تميزَ بها على غيره، وفاقَ فيها الكثيرين حتى وصل إلى هذا المستوى .

الشيخ الوائلي رحمة الله عليه يعتبر تقريباً في الدور الثالث من الناحية الزمنية بالنسبة إلى المنهج الجديد في الخطابة الحسينية .

تعلمُون أن الخطابة الحُسينية فيما سَبق من القرون كانت تقتصرْ في الغالب على جانب الرثاء و ذكر واقعة كربلاء و كان يُكتفى بهذا المقدار من أجل إبقاء هذه القضية ساخنة و حيّة .

بدايات المنبرْ الحُسيني.

في مَطلع القرن الرابع عشر الهجْري لمع نجم أحد كبار الخطباء و هو عَالمٌ جليل و أديبٌ كبير و خطيب بليغ و هو المرحوم الشيخ كاظم سبتي و الذي كان قد بدأ تحولاً في قضية الخطابة، و نهج بها منهجاً جديداً وكان مما وفق له أنه كان يحفظ الكثير الكثير من مقاطعْ نهج البلاغة من خطبْ أمير المؤمنين سلام الله عليه، ولعلّ ذلك بل هو كذلك أنّه كان مؤثراً تأثيراً  كبيراً في قوة بلاغته و جمال عبارته .

هذا العالم بَدأ بطريقة مُبتكرة و هي أنه كان يبدأ المجلس الحسيني بقراءة مقطوعة من خُطب أمير المؤمنين عليه السلام ثم يبدأ بشرحها للناس في أدبها وفي مضمونها الأخلاقي أو الديني، ثم يتخلص منها إلى ذكر كربلاء و إلى مصيبة الحسين عليه السلام .

أعجب الناس و الفئة العلميّة بهذا النمط وبهذه الطريقة نظراً لأنها كانتْ تأخذ المنبر إلى أنْ يتحول لأداة تثقيف و تعليم و تربية فكرية للناس، وهذا يعني أنه يضيف شيئاً جديداً إلى القضية الحسينية بالإضافة إلى بقائها ساخنة في قلوب الناس. أيضاً، كان هناك جَانبٌ يرتبط بعقل الناس وثقافتهم و فكرهم و أحكام دينهم ، فاستقبل هذا الطريق و هذا المنهج استقبالاً كبيراً و استمر عليه الشيخ كاظم سبتي رحمة الله عليه إلى سنة 1342 هـ حيث توفي هذا العالم الجليل و الخطيب الكبير .

بعد ذلك جاء جيل آخر ممن سار على نفس المنهاج و بنفسْ الطريقة كانَ هناك مثل السيد صالح الحلي رحمَة الله عليه و الشيخ محمد علي قسام أيضاً ولكن أشهرهم كان الشيخ محمد علي اليعقوبي رحمة الله عليه الذي دعم مسيرته المَرجع الديني السيد أبو الحسن الأصفهاني رحمة الله عليه .

دعم الشيخ اليعقوبي الخطيب بدعم كبير و كان يُرّغب الناس إلى الاستماع إليه و هو - أي الشيخ اليعقوبي – كان عالماً و مثقفاً و أديباً و خطيباً بارعاً توفي سنة 1382 هـ .

في هذه الفترة و قبيلها بدأ بل قبلها بدأ الشيخ الوائلي رحمة الله عليه يتألق في سماء الخطابة فهو بهذا الترتيب يكون في الدور الثالث من المَرحلة الجديدة التي سلكتها الخطابة الحسينية في أوائل القرن الرابع عشر الهجري .

 سيرَة عَميد المنبر الحُسينيْ الشيخ الوائليْ.

لنأخذ شيئاً في البداية من سيرته و نتعرَف عليه شخصياً ثم نذهب إلى شيءٍ من المُلاحظة على ميزات خطابته وفنه البلاغي .

 الشيخ الوائلي رَحمه الله بدأ الخطابة مُبكراً بحُدود عمر 17 سنة، فبدأ يَصْعد المنبر على نحو المُقدمة كما هو متداول في أكثر الأماكن إذا أراد شخصاً أن يتعلم الخطابَة فهو يلتصق بأحد الخطباء و يَصعد المنبر قبله لفترة بسيطة، فيقرأ أبياتاً من الرثاء وذلك لكي يتعود على الحفظ من جهة و يتعود على مُواجهة الناس و كسر حاجز الهيبة عنه إلى أن يتطور فيما بعد و يستطيع أن يستقل بخطابته مباشرة .

الشيخ الوائلي بدأ في ذلك السنْ لكن كان عنده مساراتْ، و هي التي أثرت في شخصيته الخطابيّة وهي المَسار العلمي الأكاديمي و المَسار العلمي الحوزوي. و ذلك كان إضافةً إلى تحصيل العلوم بالشكل الرسمي ضمن مدارس المرحوم الشيخ المظفر رضوان الله عليه ، المتوسطة و الثانوية في منتدى النشر ثم كلية الفقه وبعدها أخذ الماجستير من بغداد وبعدها سافر إلى القاهرة و أخذ درجة الدكتوراه من القاهرة .

هذا المَسار الأكاديمي بطبيعة الحالْ ينظم فكر الإنسان و يُمَنهجه، و الدراسة الرّسمية الأكاديمية تُعطي منهجية مناسبة لمن يستطيع الاستفادة منها لأنها تنظم الفكر، وهذا قد استفاد منه الشيخ الوائلي رحمه الله .

على الصعيد الآخر في الدرَاسة الحَوزوية،  فإنه انتفع بدراسته على يدْ عدد من العلماءْ و من أعاظم الطائفة وقسم منهم من الذين جمعوا بين الدراسات الحوزوية العميقة و بين الثقافات الجديدة أيضاً من أمثال آية الله السيد محمد تقي الحكيم رحمة الله عليه، فهذا واحد من أعاظم علمائنا الأُصوليين وفي الفقه أيضاً، وتوجه إلى التدريس في كلية الفقه و التدريس لحلقات من الطلبة ذوي الاستعداد و الذكاء و أنتج إنتاجاً طيباً بحيث نجد أن جيلاً عريضاً من أربابْ القلم، و الخطابة، و الفقاهة و العلم في هذه الأزمنة التي نعيش فيها و قبلها بقليل هم من تلامذته .

و أيضاً درَس على يدْ المرحوم الشيخ محمد تقي الأيرواني، وهو أيضاً من العُلماء الكبار المُركزين الذين عَملوا بجُهد على تربية طلبة نابهين ونابغين وهكذا بالنسبة للمرحوم آية الله الشيخ علي كاشف الغطاء رحمة الله عليه.

كان هؤلاء بالإضافة إلى تخصُصهم القويّ في الدروس الحَوزوية، كان عندهم إطلالة جيدة على الثقافة الحديثة وعلى المعارف الجديدة .

لاريب أنّهم عندما يدَرسُّون تلاميذهم فإنّهُم يَعكسون هذه الصُورة في أنفس الطلبة غيرْ أن الشخصية التي تأثر بها الشيخ الوائلي غاية التأثرْ و أخذَ منها الكثير و الذي يتحدث عنه في كتابه (تجاربي في المنبر) وغير هذا الكتاب هو آية الله الشيخ محمد رضا المظفر رُضوان الله تعالى عليه وقد تحدثنا عنه في وقت سابق و بيّنا سعيه في تجديد الحوزة في المناهج و في الرؤى و الأفكار و الأساليب. يذكر الشيخ الوائلي عنه أنّه بدأ بتشكيل درْسٌ لهم للشيخ الوائلي و مَجموعة لتعليم الخطابة بأصولها الحديثة و القدرة على البيان و إيصال الأفكار بل أحياناً كان يباشر عملياً معهم كيفية الحديث إذا أراد أن يطرح موضوع، كيف ينبغي أن يُطرح ؟ من أين يبدأ ؟ و إلى أين ينتهي ؟ و بأي المراحل يمر ؟ فكان يذكره بكثير من الاعتزاز ومن الافتخار ومن الإكبار، وكان صديقاً مقرباً  للشهيد محمد باقر الصدر رحمة الله عليه  حيثُ في هذه الأجواء تبلورت شخصية الشيخ الوائلي .

أيضاً، كان من أساتذته المَرحوم الإمام الخوئي، و في هذه الأجْواء تبلورتْ شخصيّة الشيخ الوائلي العلمية و الثقافية و الفكرية، و انتفع بكلْ ما أخذ و حصل بالإضافة إلى سعيه و جهده الشخصي الكبير في المطالعة مما يظهر من خلال أحاديثه و إحاطته كما سنتحدث عن ذلك بعد قليل ، فاستطاع أن يكون لنفسه شخصية خطابية و لمع نجمه فيها و كانت الساحة في العراق مع بدايات صُعود الشيخ الوائلي رحمة الله عليه تحتاج إلى حديث عصري في قضايا الدين و المذهب لأنّ في ذلك الوقت لم يكن هناك فضَائيات دينية و لم يكن هناك إذاعاتْ موثوقة يمكن أن يستمع إليها الناس إذ كانت الإذاعة العراقية تسبح بحمْد البعثيين و تمجد لهم هذه الطريقة المَوجودة و عامة الناس كانوا يريدون أن يتعرفوا إلى الدين و على الدين بطبيعة الحال.

و قضية الكتاب و نشر الكتاب لم يكن شيئاً كثيراً. أنا أذكر في النجفْ إلى سنوات متأخرة يَعني سنة 1390 – 1391 هـ كذا.. كان يُطبع كتابْ في المطبعة يُكتب على الكتاب طُبع من هذا الكتاب ألف نسخة . ألف نسخة ماذا تصْنع في مجتمع كامل ؟ و شعب كامل ؟ ثم إن كثيراً من الناس لم يكونوا قد تعودوا على القراءة و المطالعة بالذات في تلك الأزمنة  وكانت ثقافتهم سمعية في الغالب .

 التأييدْ والقبولْ لخُطبْ الشيخ الوائلي.

هنا جاءت محاضراتْ و مَجالس الشيخ الوائلي رحمه الله لكي تسد فراغاً مهماً جداً ولذلك أقبَل عليها عدد كبير من الناس و أصبحت مجالسه مجالس عامرة ولاسيما وهو بهذه الاطروحات الجديدة و الأفكار الحَديثة و الطريقة المتجددة من الخطابة ، كان يستقطب إليه كثيراً من الناسْ و بقيَ في العراق لفترَة طويلة، وكانوا يتحدثون عنْ ترجمة لتلك المجالس الكبيرة و التي كانت تنعقد، و تحدثوا عن إعجابْ الناسْ وعن تأييد العلماء و الحَوزة العلمية لهذا النمط من الخطابة .

أول سنة خرج فيها خارج العرَاق كانت إلى الكويتْ سنة 1961 م. أيضاً، كانت أسلوباً جديداً بالنسبة لأهل الكويتْ وهو أنْ يأتي خطيبْ و يتحدث في مواضيع جَديدة و بهذه الأساليب البديعة و بتلك البلاغة الرائعة.

ثم ذهبَ بعد خمس سَنوات إلى البَحرين و أيضاً كان محلاً لقبول الناس و إعْجابهم و كان يُكرر الذهابْ بعد تلك الفترات .

فالآن الشيخ الوائلي أصبح لامعاً على المنبر إذ كان مصدراً ثقافياً في العقائد، في الأحكام، في تفسير القرآن الكريم ، في الإطلالة على بعض المشاكل الاجتماعية، في الدفاع عن مبادئ التشيع،  وفي الرد على الكتب و المفكرين الذين كانوا يطعنون في مبادئ التشيع و أهل البيت عليهم السلام وكان يدخل في مناقشات مَعهم في تحليلْ الأفكار الوافدة، القضايا الاشتراكية ، قضايا الماركسية و غيرها من القضايا التي كان يناقشها مُناقشة علميّة متمكنة مع تطور الأحداث وكما ذكرنا كانت تجديداً للهجمة البعثية على الحَوزة العلميّة ولاسيما في أيام انتصار الثورة الإسلامية وقبيلها.

غادر الشيخ الوائلي رَحمه الله العراق باتجاه سوريا و استقر فيها إلى أن رَجع فيما بَعد قبل قليل من وفاته و انتقاله إلى خالقه عزّ و جل .

مما يُذكر من أثرْ الشيخ الوائلي، وهذا ينْقل في بَعض الوَسائل الإلكترُونية و عُهدتها عليها: أنّ بعض الوثائق التي عثر عليها بعد سقوط النظام البعثي في العرَاق وكان من تلك الوثائق ما يرتبط بمديريات الأمن و المخابرات، كان فيها بعض الأشياء ترتبط بالشيخ الوائلي، هذا نحن على فرض صحّة هذه الوثائق ننقلها و نَستفيد منّها في معْرفة شيء من الأثر الذي خلفه هذا الخطيب الجليل في الساحة العراقية .

يرفع أحدهم في إحْدى هَذه الوثائق وكان ذا رتبة و يتكلم أنّ عناصرنا رَصدت أن هناك إقبالاً على خطابات المدعو أحمد الوائلي فهيَ توضع في سيارات الأجرة كاسيت في سيارات الباصْ التي تنتقل في المُدن في العراق، و كانت شائعة هذه السيارات ثمانية عشر راكباً و تنقل المسافرين فكانت توضَع في هذه السيارات و يستمع إليها الناس، و نحن رَصدنا مثل هذه الأشياء بلْ بعضهم يقول أكثر من هذا وهو: أن بعضْ المَقاهي كانت إذا أرادت أن تستجلب الزبائن حتى يشتروا الشاي أو غيرُ ذلك كانت تأتي ببكرات للشيخ الوائلي( في تلك الأزمنة القديمة كانت توضع هذه على مثل السحارة و غير ذلك ويعلو الصوتْ حتى يستمع الحَاضرون إليه ولعلّه كانت توجد نية، لكن  الله  عزّ وجل هو العالم بالنيات و لكنْ قسمٌ من هذه المقاهي كانت تستفيد و تنتفع من حضور الناس ومن جذبهم لهذا الشيخ .

الشاهد في تلك الوثائق يقول: لقد لاحظنا أن الناسْ يَستمعون لهَذه الأشرطة وهذه المُحاضرات و أنّ هذه بحسب زعم كاتب التقريرْ ( فيها توجهات شعوبية) كما يقول و أنّ فيها مس بصحابة الرّسول صلى الله عليه و آله و أنّ فيها  دعوة إلى مبادئ هدامَة و على هذا المعدل وهم طبعاً يعتبرون مذهب أهل البيت عليهم السلام من هذه المبادئ الهدامة. هذا وهم بعثيون و يُفترَض أنهُم لا يرتبطون كثيراً بالقضايا الدينية لكنّها حالة طائفية واضحة في مثل هذه التقارير .

الشاهد أنّه: كل ذلك كان من آثار الشيخ الوائلي رَحمة الله عليه و هذا إجْمال عن ما يرتبط بالسيرة الشخصية و الحياة العامة.

نحنُ عندما نريد أن نتحدثْ عن شخصيّة من الشخصيات القديمة نحتاج إلى كثير من الشرح و التوضيح عنها ولكن بعض الشخصيات تكونْ معاصرة، و المؤمنون استمعوا إليه إلى الشيخ الوائلي غالباً و عرَفوا أفكاره و استمتعوا لخطاباته و استفادوا منها، و بالتالي قد لا يكون من المناسب جداً أن يُعرَّف الإنسان و هو مَعروف وشائعٌ خبره ومعروفٌ أمره. ولكن مع ذلك نحن نشير إلى بعض الجهات التي تميز بها هذا الشيخ رحمة الله عليه و جعلت خطابته من الخطابات البليغة و العالية المضمون والتي تعجب الناس ، نشير إلى بعض هذه الملاحظات مما تتميزْ به خطابات الشيخ الوائلي رحمة الله عليه و قدرته الفائقة على استيراد التاريخ و الأدبْ في منبره وهذا يقتضي أنْ يكون صَاحب هذا المنبر له إحاطة كبيرة و إلمام واسع بالموضوع التاريخي و أيضاً بالموضوع الأدبي و الأدب العربي .

 تميّز الشيخ الوائلي بقُدرة استثنائية فيْ التاريخ والأدبْ العربيْ.

 لا يُمكن للإنسان إذا لم يكن التاريخ مفروداً بين يديه أن يَستدعيه ساعة يشاء ويَستدل به الشيخ الوائلي رَحمه الله و نلاحظ عندما نستمع إليه، وكأنما التاريخ عنده كالأدراج إذا احتاج إلى قصّة من دُرج مُعين ذهبَ و فتح هذا الدرج و يجعلها بسرعة  كشاهد على كلامه، و هذا يعني وجُود قدرة تاريخية استثنائية و معرفة واضحة بمسائل التاريخ بالإضافة إلى جوانب الأدب العَربي، قصصْ العرب، شواهد العرب و ما حدث في تاريخهم. هذا ما يستطيع أن يلاحظه الإنسان المتابع لهذا الخطيب الجليل فيستنتج وجود قدرة استثنائية له في هذين المَجالين وهذه لابد أن يكون ورائها مطالعات كثيرة ومتابعات ومراجعات وإلا لا تكن لإنسان بهذا الطريق السهل واليسير هذا واحد من الأمور.

مما يُشهد له ويُعرف عنه أيضاً، معرفته بالمَدارس الأخرى وهي الفقهية والعَقائدية التي تنتمي إلى غير مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وهذا بالنسبة إلى الشيخ الوائلي حيثُ يلاحظه الإنسان بشكل واضح و من السهل جداً على الإنسان أن يقول: الفرْقة الفلانية في نار جهنم, والفرقة الفلانية ما عندهم دليل, والفرقة الفلانية ثقافتهم ثقافة باطلة. هذا الشيء سهل جداً ويستطيع أنْ يعمله العَالم والجاهل. لكن الذي يعسر على الكثير هو أن يفهم ما يقوله الآخرون بدقة وعُمق ثم ينقد فكرهمْ من خلال نقاط ضعفهم التي تُوجه إليها. أن يأتي شخص ويَستعرض مثلاً الأدلة التي ساقها فقهاء مَدرسة أهل البيت  عليهم السلام حول مسألة التعصيبْ على سبيل المثال، فيأتي بأدلتهم و يوردها إيراد العارف بها والمتمكن منها والقادر عليها حتى وكأنه منهم، ثم بعد ذلك يبدأ في نقد هذه الأدلة و في تفنيدها هذا هو الشيء الصعب الذي يحتاج إلى تمكن استثنائي.

 الخصائصْ التي تميّز بهَا الشيخ الوائلي رحمه الله.

 نحن نحتاج إلى انفتاح على باقي المدارس الفكريّة الإسلاميّة منها وغيرُ الإسلامية بالذات بالنسبة إلى الخطباء والمبلغين حتى يعرفوا ماذا يقول أولئك بدقة؟ ..ثم من خلال مَعرفتهم ومعرفة المبادئ الدينية، يبدئون بنقدها وبيان جهة الصواب والخطأ فيها. فهذا هو الفن، هذا هو التميز الذي كان يمتلكه الشيخ الوائلي رحمة الله عليه، وهو أن يورد آراء العامة وأقوال المَذاهب الأخرى ويحللها تحليلاً قوياً، ثم بعد ذلك ينقدها، ويقبلها إذا كان فيها جهة صواب لكن أن يفهمها ثمّ ينقدها يعني أنّه يتبين فيها جهة من الصواب أو جهة من الخطأ، وهذا كان مما يشهد له عند الشيخ الوائلي رحمة الله عليه.

هذا أمرٌ آخر ولذلك أنتَ تجْد لديه مُقارناتٌ جيدة، ولديّه نفوذ إلى تلك المدارس والاطلاع على مبادئها و على أفكارها، على عقائدها، على فكرها، و على فقهها بالمقدار الذي يستوعبه وضعْ المنبر و حَاجة المستمعين فلا يأتيْ  لمجلس جامعي للفقه المُقارن أو العقائد المُقارنة ولكن ينبغي أن يكون عارفاً بذلك.

هذا أمرٌ منْ الأمور التي تُذكر له فتُشكر عندَه ومن تلك الخصائص أيضاً  التي تميز بها الشيخ الوائلي رحَمة الله عليه، أنه جعل مادة الخطابة قرآنيةً بامتياز و لعلك تستطيع أن تقول أن أكثرْ من ثمانين في المائة من خطاباته و من مَجالسه هي تفسيرْ للقرآن الكريم،  فيبدأ بآية قرآنية مباركة ثم يشرع في تحليلها و تفسيرها و بيان جهاتها وفي هذه الأثناء يمكن أن يتعرض إلى قضايا اجتماعية أو يخرج لقضَايا عقائدية يذكرها أو غير ذلك، ولكن البنية العامة لخطاباته نلحظ فيها أنه كان يكثر من إيراد المواضيع القرآنية و تفسير آيات القرآن الكريم وهذا شيء حسن في المنبر، و شيء جيد في الخطابة الحسينية، إذ أنه يُعد من الأمور التي تذكر.

 وكان أيضاً وبالذات في فترات معينة نجدْ أنّه ركز فيْ خطاباته عَلى نقدْ التوجهات المُخالفة لمذهب أهل البيت عليهم السّلام. أيّ أنهّ في فترة من الفترات بدأ بعض الكتاب أمثال أحمد أمين و غيره يُوجهون الانتقادات لمذهب أهل البيت عليهم السلام، فتوجهوا لقضية الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريفْ و نقدُوها و فندوها واستدلوا على أنها خلاف الدين في رأيهم، فتوجهوا إلى قضية الإمامة، إلى قضية العصْمة، إلى النص على إمامة أهل البيت عليهم السلام في توجه لتدعيم خط الخلافة الرسمي، و الخط الرسمي للمذاهب الأخرى. و هنا أيضاً جاؤوا بكلام المستشرقين وهو أنّ التشيع فارسي و أن أساسه  كذا و كذا، وعلى هذا المُعدل استطاع الشيخ الوائلي رحمَه الله في هذا الاتجاه ومن خلال كثير من الخطابات و المحاضرات أن يُواجه هذه الشبهات بقدرة كافية و بتحليل جيد و كان في كثير من خطاباته موفقاً في رد هذه الشبهات .

و أخيراً ولا نطيل الحَديث، فإنّه كان أديباً بارعاً وهذا يتجلى فيْ خطابته وبيانه و بَلاغته مع أنّه يكتب ناثراً وله سبعة كتب مطبوعة إلا أنه وهو خطيب أفضل من كونه كاتبْ بكثي رو لا يُقاس أصلاً تألقه في الخطابة لا يقاس به كتابته على الورق كان خطيباً فقد كان أبرع منه كاتباً و متفوقاً في هذا الجانب .

 أعانه في ذلك أنّه كان أديباً و شاعراً، و كان شاعراً باللسانين كما يقولون باللغة الفُصحى إذ كان محلقٌ فيها و باللغة الدارجة أيضاً هو شاعر جيدْ و كثيراً  ما يَستشهد في أثناء خطابته بشعره ولا ينسبه لنفسه إنما يقول و كما يقول الشاعر المُعاصر أو الشاعرْ و يأتي بقصيدَة من قصائده.

و في الرثاء أيضاً كان كثيراً ما يستشهد بقصائده و يقرأها منغمة و يُعينه في ذلك صَوت فخم و شجي يجعل السامع يَهتز لقوة المَعنى من جهة و لفخامة اللفظ من جهة أخرى ولشجي الصوت و عذوبته من جهة ثالثة، وهذا جعل الشيخ الوائلي رحمة الله عليه في الطليعة من خطباء الشيعة في هذا الزمان و كان له تأثير كبير حتى في خارج الدائرة الإمامية و الشيعية .

 تأثيرْ الشيخ الوائليْ على أصحابْ المذاهب الأخرى.

 أنا لقيت شخصاً ذات مرة في مكة المكرمة و تعرّف عليْ و بعَد شيء من الحديثْ قال : أنا بحمد الله أنتمي إلى منهج أهل البيت عليهم السلام فبعد شيء من الحديث قلت له : منذ متى ؟ قال : منذ خمْسة عشر سنة الآن . سألته : ما هو السبب ؟ و ما هو الذي جعلك تكون كذا ؟ قال : أنا لأنني كنت مدمناً على استماع خطاباتْ الشيخ الوائليْ، و أحفظ منها خمْسين مُحاضرة كلمةً كلمة. قلت له : لا يوجد شخصاً واحداً من الشيعة الأصليينْ يحفظ خمْسة مجالس كلمة كلمة وليس خمسين مجلس كلمة كلمة !!

قد لا يكون مطلوباً،  من الإنسان أن يحفظ الكلماتْ ولكنْ أريد أن أشير لك إلى أنه حتى بالنسبة لمن هم خارج الدائرة هو كان مؤثراً، و قادراً على الإقناع في اعتدال كلامه، و في نزاهة حديثه و اجتنابه عن الكلمات الجارحة، و هذا يجعل آفاقاً واسعةً من المسلمين فضلاً عن الشيعة تتأثر به و تلجأ إليه .

وحدثني أحد المشايخ الثقاة إذ يقول : التقيت ذات مرّة ببعضْ القُضاة من الدائرة الأخرى في بلادنا الرسميّة. فقال ذلك القاضي : أنا أحرص على استماع الشيخ الوائليْ لمَا فيه من بنية علمية و إن كنا نختلف معه فيْ أفكاره ولكن بناء هذه المُحاضرة بناء علميْ نعم أقول ذلك . و أيضاً يقول القاضي : لا يريحني الكلام الذي في آخر المحاضرة لأني لا أفهم ماذا يقول . يقصد بذلك الرثاء و النعي الحسيني وهو لا يعلم أنّ هذا الذي بالأخير هو سبّبَ له بأن يكون في المُقدمة وهو الذي أعطى لهذا التألقْ و التوهج.

فالمرحُوم الوائلي كان مؤثراً و أصبَحت له مَساحة كبيرة جداً. التقنية الحديثة أيضاً أفادت في هذا الأمر، و رُبما كان بعض الخطباء السابقين كالشيخْ كاظمْ سبتي أو الشيخ محمد علي اليعقوبي أو نظراء هؤلاء كانوا بدرجات عالية و نحن لا نعلم بهم و لم نسمعهم و رُبما لو سمعناهم لتغير رأينا في هذا الأمر، و لكن انتفع الشيخ الوائلي بحضُوره في زمن أمكن فيه الاحتفاظ بتراثه، و الآن آلاف الأشرطة المُسجلة له موجودة و هي متداولة في أكثر من موقع و مكان و يمكن الحصول عليها باستمرار وهذا من حفظ العلم .

كان الرجل أديباً، قوي التأثير ، متألقاً ، ولاسيما أنني لاحظت أنّه إذا تحَدث عن أمير المؤمنين عليه السلام في ليالي وفاة الإمام أمير المؤمنين أستشعر أحياناً و كأن علياً عليه السلام أسلف هذا الرجل شيئاً من بلاغته أو أعطاه شيئاً من فصاحته. تجد هذا الخطيب مملوء بشخصية أمير المؤمنين عليه السلام ، ويتوهج في الحَديث عن هذا الإمام العظيم صلوات الله و سلامه عليه وكأنه يستضيء من نوره ، ويهتدي بضيائه و كأنه قد أخذ من علمه و منْ فصَاحته و بلاغته و هكذا في الأيام الاستثنائية كيوم عاشوراء عندما يتحَدث عن الحُسين صلوات الله و سلامه عليه، هناك كأنه يجعل مكان العالم لصالح ذلك الشاعر المتوهج المتدفق عاطفةً و حماساً بالإمام الحسين و لقضيّته سلام الله عليه وله شعر في هذا رائق مثل قصيدته المَعروفة (حديث الجراح) :

 

  1. الجراحات والدم المطلولُ                 أَينعت فالزمان مِنها خميلُ
  2. ومضت تُنشيء الفتوح وبعض            الدّم فيما يُعطيه فتحٌ جليلُ
  3. و الدّم الحر ماردٌ يُنبئ الأحرار           و الثائرين هذا السبيلُ
  4. و حديث الجراح مجدٌ و أسمى          سير المجدِ ما روتهُ النصولُ

... إلى أن يقول : 

  1. أرجفوا أنّك القتيل المُدمى                  أوَمَن يُنشىء الحياة قتيلُ
  2. كذبوا ليس يقتل المبدأ الحرّ                ولا يخدع النُهى التضليلُ
  3. كذبوا لن يموت رأيٌ لنور            الشمس من بعض نوره تعليلُ
  4. كذبوا كل ومضة من سيوف الحق      في فاحم الدُّجى قنديلُ
  5. كلُّ عرق فروه لهو بوجه              الظُّلم و البغي صارمٌ مسلولُ
  6. و يموت الرسول جسماً و لكن        في الرسالات لم يموت الرسولُ

 ديوان الوائلي (قدّس سره) ص 119.

مرات العرض: 4712
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1296)
تشغيل:

الامام السيد محمد الشيرازي: سلطان القلم
كما كتب على الذين من قبلكم