الشيخ الوائلي لسان الشيعة الناطق
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 29/9/1434 هـ
تعريف:

الشيخ الوائلي لسان الشيعة الناطق

تفريغ نصي

حديثنا يتناول شخصية لسان الشيعة الناطق المرحوم الدكتور الشيخ أحمد بن حسون الوائلي رضوان الله عليه المتوفي سنة 1424 هـ والذي يعتبر في هذا الزمان ألمع شخصية في الخطابة المنبرية الحسينية ،وذلك لما تحتويه مجالسه و طريقته و اسلوبه من خواص تميز بها على غيره ، وفاق فيها الكثيرين حتى وصل إلى هذا المستوى .

الشيخ الوائلي رحمة الله عليه يعتبر تقريبا ً في الدور الثالث من الناحية الزمنية بالنسبة إلى المنهج الجديد في الخطابة الحسينية .

تعلمون أن الخطابة الحسينية فيما سبق من القرون كانت تقتصر في الغالب على جانب الرثاء و ذكر واقعة كربلاء و كان يكتفى بهذا المقدار من أجل إبقاء هذه القضية ساخنة و حية .

في مطلع القرن الرابع عشر الهجري لمع نجم أحد كبار الخطباء و هو عالم جليل و أديب كبير و خطيب بليغ و هو المرحوم الشيخ كاظم سبتي و الذي كان قد بدأ تحولاً في قضية الخطابة ، و نهج بها منهجا ً جديدا ً وكان مما وفق له أنه كان يحفظ الكثير الكثير من مقاطع نهج البلاغة من خطب أمير المؤمنين سلام الله عليه ، ولعل ذلك بل هو كذلك كان مؤثرا ً تأثيرا ً كبيرا ً في قوة بلاغته و جمال عبارته .

هذا العالم بدأ بطريقة مبتكرة و هي أنه كان يبدأ المجلس الحسيني بقراءة مقطوعة من خطب أمير المؤمنين عليه السلام ثم يبدأبشرحها للناس في أدبها وفي مضمونها الأخلاقي أو الديني ثم يتخلص منها إلى ذكر كربلاء و إلى مصيبة الحسين عليه السلام .

أعجب الناس و الفئة العلمية بهذا النمط وبهذه الطريقة نظرا ً لأنها كانت تأخذ المنبر إلى أن يتحول لأداة تثقيف و تعليم و تربية فكرية للناس وهذا يعني أنه يضيف شيئاً جديدا ً إلى القضية الحسينية بالإضافة إلى بقائها ساخنة في قلوب الناس ، أيضا ً كان هناك جانب يرتبط بعقل الناس وثقافتهم و فكرهم و أحكام دينهم ، فاستقبل هذا الطريق و هذا المنهج إستقبالا ً كبيرا ً و إستمر عليه الشيخ كاظم سبتي رحمة الله عليه إلى سنة 1342 هـ حيث توفي هذا العالم الجليل و الخطيب الكبير .

بعد ذلك جاء جيل آخر ممن سار على نفس المنهاج و بنفس الطريقة كان هناك مثل السيد صالح الحلي رحمة الله عليه و الشيخ محمد علي قسام أيضا ً ولكن أشهرهم كان الشيخ محمد علي اليعقوبي رحمة الله عليه الذي دعم مسيرته المرجع الديني السيد أبو الحسن الأصفهاني رحمة الله عليه .

دعم الشيخ اليعقوبي الخطيب بدعم كبير و كان يرغب الناس إلى الإستماع إليه و هو - أي الشيخ اليعقوبي – كان عالما ً و مثقفا ً و أديبا ً و خطيبا ً بارعا ً توفي سنة 1382 هـ .

في هذه الفترة و قبيلها بدأ بل قبلها بدأ الشيخ الوائلي رحمة الله عليه يتألق في سماء الخطابة فهو بهذا الترتيب يكون في الدور الثالث من المرحلة الجديدة التي سلكتها الخطابة الحسينية في أوائل القرن الرابع عشر الهجري .

لنأخذ شيئا ً في البداية من سيرته و نتعرف عليه شخصيا ً ثم نذهب إلى شيءٍ من الملاحظة على ميزات خطابته وفنه البلاغي .

الشيخ الوائلي رحمه الله بدأ الخطابة مبكرا ً بحدود عمر 17 سنة ، بدأ يصعد المنبر على نحو المقدمة كما هو متداول في أكثر الأماكن إن شخصا ً إذا أراد أن يتعلم الخطابة يلتصق بأحد الخطباء و يصعد المنبر قبله لفترة بسيطة ، يقرأ أبياتاً من الرثاء وذلك لكي يتعود على الحفظ من جهة و يتعود على مواجهة الناس و كسر حاجز الهيبة عنه إلى أن فيما بعد إذا تطور يستطيع أن يستقل بخطابته مباشرة .

الشيخ الوائلي بدأ في ذلك السن لكن كان عنده مسارات هي التي أثرت في شخصيته الخطابية وهي المسار العلمي الأكاديمي و المسار العلمي الحوزوي ، فهو بالإضافة إلى تحصيل العلوم بالشكل الرسمي ضمن مدارس المرحوم الشيخ المظفر رضوان الله عليه ، المتوسطة و الثانوية في منتدى النشر ثم كلية الفقه وبعدها أخذ الماجستير من بغدادوبعدها سافر إلى القاهرة و أخذ درجة الدكتوراة من القاهرة .

هذا المسار الأكاديمي بطبيعة الحال مثل هذا المسار ينظم فكر الإنسان و يمنهجه ، الدراسة الرسمية الأكاديمية تعطي منهجية مناسبة لمن يستطيع الإستفادة منها لأنها تنظم الفكر ، وهذا قد إستفاد منه الشيخ الوائلي رحمه الله .

على الصعيد الآخر في الدراسة الحوزوية إنتفع بدراسته على يد عدد من العلماء من أعاظم الطائفة وقسم منهم من الذين جمعوا بين الدراسات الحوزوية العميقة و بين الثقافات الجديدة أيضا ، من أمثال آية الله السيد محمد تقي الحكيم رحمة الله عليه ، هذا واحد من أعاظم علمائنا الأصوليين وفي الفقه أيضا ً وتوجه إلى التدريس في كلية الفقه و التدريس لحلقات من الطلبة ذوي الإستعداد و الذكاء و أنتج إنتاجا ً طيباً بحيث نجد أن جيلا ً عريضا ً من أرباب القلم و الخطابة و الفقاهة و العلم في هذه الأزمنة التي نعيش فيها و قبلها بقليل هم من تلامذته .

و أيضا ً درس على يد المرحوم الشيخ محمد تقي الأيرواني وهو أيضا ً من العلماء الكبار المركزين الذين عملوا بجهد على تربية طلبة نابهين ونابغين وهكذا بالنسبة للمرحوم آية الله الشيخ علي كاشف الغطاء رحمة الله عليه .

هؤلاء كان بالإضافة إلى تخصصهم القوي في الدروس الحوزوية كان عندهم إطلالة جيدة على الثقافة الحديثة وعلى المعارف الجديدة .

لاريب أنهم عندما يدرسون تلاميذهم يعكسون هذه الصورة في أنفس الطلبة غير أن الشخصية التي تأثر بها الشيخ الوائلي غاية التأثر و أخذ منها الكثير الذي يتحدث عنه في كتابه تجاربي في المنبر وغير هذا الكتاب هو آية الله الشيخ محمد رضا المظفر رضوان الله تعالى عليه وقد تحدثنا عنه في وقت سابق و بينا سعيه في تجديد الحوزة في المناهج و في الرؤى و الأفكار و الأساليب ، يذكر عنه الشيخ الوائلي أنه بدأ بتشكيل درس لهم للشيخ الوائلي و مجموعة لتعليم الخطابة بأصولها الحديثة و القدرة على البيان و إيصال الأفكار بل أحيانا ًكان يباشر عملياً معهم كيفية الحديث إذا أريد أن يطرح موضوع ، كيف ينبغي أن يطرح ؟ من أين يبدأ ؟ و إلى أين ينتهي ؟ و بأي المراحل يمر ؟ فكان يذكره بكثير من الإعتزاز ومن الإفتخار ومن الإكبار .

وكان صديقا ً مقربا ً للشهيد محمد باقر الصدر رحمة الله عليه . في هذه الأجواء تبلورت شخصية الشيخ الوائلي .

أيضا ً كان من أساتذته المرحوم الإمام الخوئي ، في هذه الأجواء تبلورت شخصية الشيخ الوائلي العلمية و الثقافية و الفكرية و إنتفع بكل ما أخذ و حصل بالإضافة إلى سعيه و جهده الشخصي الكبير في المطالعة مما يظهر من خلال أحاديثه و إحاطته كما سنتحدث عن ذلك بعد قليل ، فإستطاع أن يكون لنفسه شخصية خطابية لمع نجمه فيها و كانت الساحة في العراق مع بدايات صعود الشيخ الوائلي رحمة الله عليه تحتاج إلى حديث عصري في قضايا الدين و المذهب لأن في ذلك الوقت لم يكن هناك فضائيات دينية و لم يكن هناك إذاعات موثوقة يمكن أن يستمع إليها الناس .

الإذاعة العراقية كانت تسبح بحمد البعثيين و تمجد لهم هذه الطريقة الموجودة و عامة الناس كانوا يريدون أن يتعرفوا إلى الدين و على الدين بطبيعة الحال قضية الكتاب و نشر الكتاب لم يكن شيئاً كثيرا ً .

أنا أذكر في النجف إلى سنوات متأخرة يعني سنة 1390 – 1391 هـ كذا.. يطبع كتاب في المطبعة يكتب على الكتاب طبع من هذا الكتاب ألف نسخة . ألف نسخة ماذا تصنع في مجتمع كامل ؟ و شعب كامل ؟ ثم إن كثيرا ً من الناس لم يكونوا قد تعودوا على القراءة و المطالعة ، بالذات في تلك الأزمنة ، وكانت ثقافتهم سمعية في الغالب .

هنا جاءت محاضرات و مجالس الشيخ الوائلي رحمه الله لكي تسد فراغا ً مهما ً جدا ً ولذلك أقبل عليها عدد كبير من الناس و أصبحت مجالسه مجالس عامرة ولاسيما وهو بهذه الإطروحات الجديدة و الأفكار الحديثة و الطريقة المتجددة من الخطابة ، كان يستقطب إليه كثيرا ً من الناس ، بقي في العراق طوال فترة كبيرة يتحدثون من ترجمه عن المجالس الكبيرة التي كانت تنعقد وعن إعجاب الناس وعن تأييد العلماء و الحوزة العلمية لهذا النمط من الخطابة .

أول سنة خرج فيها خارج العراق كانت إلى الكويت سنة 1961 م أيضا ً وكانت شيئا ً جديدا ً بالنسبة لأهل الكويت أن يأتي خطيب و يتحدث في مواضيع جديدة و بهذه الأساليب البديعة و بتلك البلاغة الرائعة .

ثم ذهب بعد خمس سنوات إلى البحرين و أيضا ً كان محل قبول الناس و إعجابهم و كان يكرر الذهاب بعد تلك الفترات .

فالآن الشيخ الوائلي أصبح حالة حول المنبر إلى مصدر ثقافي في العقائد ، في الأحكام ، في تفسير القرآن الكريم ، في الإطلالة على بعض المشاكل الإجتماعية ، في الدفاع عن مبادئ التشيع ، في الرد على الكتب و المفكرين الذين كانوا يطعنون في مبادئ التشيع و أهل البيت عليهم السلام ، مناقشات يدخل معهم في تحليل الأفكار الوافدة ، القضايا الإشتراكية ، قضايا الماركسية و غيرها من القضايا التي كان يناقشها مناقشة علمية متمكنة مع تطور الأحداث وكما ذكرنا تجديد الهجمة البعثية على الحوزة العلمة ولاسيما في أيام إنتصار الثورة الإسلامية وقبيلها غادر الشيخ الوائلي رحمه الله العراق بإتجاه سوريا و إستقر فيها إلى أن رجع فيما بعد قبل قليل من وفاته و إنتقاله إلى خالقه .

مما يذكر من أثر الشيخ الوائلي وهذا ينقل في بعض الوسائل الإلكترونية و عهدتها عليها أن بعض الوثائق التي عثر عليها بعد سقوط النظام البعثي في العراق وكان من تلك الوثائق ما يرتبط بمديريات الأمن و المخابرات فيها بعض الأشياء ترتبط بالشيخ الوائلي ، هذا نحن على فرض صحة هذه الوثائق ننقلها و نستفيد منها في معرفة شيء من الأثر الذي خلفه هذا الخطيب الجليل في الساحة العراقية .

في هذه الوثائق إحدى الوثائق يرفع أحدهم وهو برتبة يتكلم أن عناصرنا رصدت أن هناك إقبالا ً على خطابات المدعو أحمد الوائلي فهي توضع في سيارات الأجرة كاسيت في سيارات الباص التي تنتقل في المدن في العراق ، كانت شائعة هذه السيارات ثمانية عشر راكب و تنقل المسافرين فكانت توضع في هذه السيارات و يسمع إليها الناس نحن رصدنا مثل هذه الأشياء بل بعضهم يقول أكثر من هذا أن بعض المقاهي كانت إذا أرادت أن تستجلب الزبائن حتى هذا يشتري شاي وهذا مادري يأخذ كذا كانت تأتي ببكرات للشيخ الوائلي أيام قديم كانت هذه توضع على مثل السحارة و غير ذلك ويعلى الصوت حتى يستمعون الحاضرون إليه ولعل نية الله العالم بالنيات و لكن قسم من هذه المقاهي كانت تستفيد و تنتفع من حضور الناس ومن إنجذابهم لهذا الشيخ .

الشاهد في تلك الوثائق يقول إحنا لحظنا أن الناس يستمعون لهذه الأشرطة وهذه المحاضرات و أن هذه بحسب زعم كاتب التقرير فيها توجهات شعوبية كما يقول و أن فيها مس بصحابة الرسول و أن فيها مادري دعوة إلى مبادئ هدامة و على هذا المعدل وهم طبعا ً يعتبرون مذهب أهل البيت عليهم السلام من هذه المبادئ الهدامة .

هذا وهم بعثيون المفروض أنهم ما عندهم ربط زايد بالقضايا الدينية بس حالة طائفية واضحة في مثل هذه التقارير .

الشاهد أنه كان هذا من آثار الشيخ الوائلي رحمة الله عليه هذا إجمال عن ما يرتبط بالسيرة الشخصية و الحياة العامة .

نحن عندما نريد أن نتحدث عن شخصية من الشخصيات القديمة نحتاج إلى كثير من الشرح و التوضيح عنها ولكن بعض الشخصيات هي معاصرة ، المؤمنون إستمعوا إليه إلى الشيخ الوائلي غالباً و عرفوا أفكاره و إستمتعوا بخطاباته و إستفادوا منها و بالتالي قد لا يكون من المناسب جدا ً أن يعرف الإنسان و هو معروف وشائع خبره ومعروف أمره ، ولكن مع ذلك نحن نشير إلى بعض الجهات التي تميز بها هذا الشيخ رحمة الله عليه و جعلت خطابته من الخطابات البليغة و العالية المضمون والتي تعجب الناس ، نشير إلى بعض هذه الملاحظات مما تتميز به خطابات الشيخ الوائلي رحمة الله عليه قدرته الفائقة على إستيراد التاريخ و الأدب في منبره وهذا يقتضي أن يكون صاحب هذا المنبر له إحاطة كبيرة و إلمام واسع بالموضوع التاريخي و أيضا ً بالموضوع الأدبي و الأدب العربي .

لا يمكن للإنسان إذا لم يكن التاريخ مفرودا ً بين يديه أن يستدعيه ساعة يشاء ويستدل به الشيخ الوائلي رحمه الله تحسب و أنت تستمع إليه كأنما التاريخ عنده أدراج إذا احتاج إلى قصة من درج معين راح و فتح هذا الدرج و بسرعة ، خلاها شاهد على كلامه و هذا يعني وجود قدرة تاريخية إستثنائية و معرفة واضحة بمسائل التاريخ بالإضافة الى جوانب الادب العربي قصص العرب شواهد العرب ما حدث في تاريخهم هذا يلحظ الانسان المتابع لهذا الخطيب الجليل قدرة استثنائية له في هذين المجالين وهذه لابد ان يكون ورائها مطالعات كثيرة ومتابعات ومراجعات والا ما تحصل للانسان بهذا الطريق السهل واليسير هذا واحد من الامور.

مما ايضاً يشهد له ويعرف عنه معرفته بالمدارس الاخرى الفقهية والعقائدية التي تنتمي الى غير مذهب اهل البيت (ع) وهذا بالنسبة الى الشيخ الوائلي يلحظه الانسان بشكل واضح من السهل جدا على الانسان ان يقول :الفرقة الفلانية في نار جهنم, والفرقة الفلانية ما عندهم دليل, والفرقة الفلانية ثقافتهم ثقافة باطلة. هذا الشيء سهل جدا, يقدر اسويه العالم والجاهل. لكن الذي يعسر على الكثير ان يفهم ما يقوله الآخرون بدقة وعمق ثم ينقد فكرهم من خلال نقاط ضعفهم التي توجه اليها. ان يجيئ انسان ويستعرض مثلا الادلة التي ساقها فقهاء مدرسة اهل البيت حول مسألة التعصيب على سبيل المثال, فيأتي بأدلتهم و يوردها ايراد العارف بها والمتمكن منها والقادر عليها حتى كأنه منهم ثم بعد ذلك يبدأ في نقد هذه الادلة و في تفنيدها هذا هو الشيء الصعب الذي يحتاج الى تمكن استثنائي.

نحن نحتاج الى انفتاح على باقي المدارس الفكرية الاسلامية منها وغير الاسلامية بالذات بالنسبة الى الخطباء والمبلغين حتى يعرفوا ماذا يقول اولئك بدقة؟ ..ثم من خلال معرفتهم ومعرفة المبادئ الدينية,يبدئون بنقدها وبيان جهة الصواب والخطأ فيها. هذا هو الفن, هذا هو التميز الذي كان يمتلكه الشيخ الوائلي رحمة الله عليه, ان يجيئ ويورد آراء العامة واقوال المذاهب الاخرى ويحللها تحليل قوي ثم بعد ذلك ينقدها, واذا فيها جهة صواب, ما فيه مانع ان يقبلها. لكن ان يفهمها ثم ان ينقدها يعني يتبين فيها جهة صواب أو جهة خطأ هذا كان مما يشهد له عند الشيخ الوائلي رحمة الله عليه.

هذا امر آخر ولذلك انت تجد عنده مقارنات جيده عنده نفوذ الى تلك المدارس اطلاع على مبادئها اطلاع على افكارها ، على عقائدها ، على فكرها ، على فقهها ، بالمقدار الذي يستوعبه وضع المنبر و حاجة المستمعين مو جاي في مجلس جامعي للفقه المقارن أو العقائد المقارنة ولكن ينبغي أن يكون عارفا ً بذلك هذا أمرمن الأمور التي تذكر له فتشكر عنده من تلك الخصائص أيضا ً التي تميز بها الشيخ الوائلي رحمة الله عليه أنه جعل مادة الخطابة قرآنيةً بإمتياز يعني لعلك تستطيع أن تقول أن أكثر من ثمانين في المئة من خطاباته و من مجالسه هي تفسير للقرآن يبدأ بآية قرآنية مباركة ثم يشرع في تحليلها و تفسيرها و بيان جهاتها وفي هالأثناء يمكن يتعرض إلى قضايا إجتماعية أو يخرج لقضايا عقائدية يذكرها أو غير ذلك ولكن البنية العامة لخطاباته يلحظ الإنسان فيها أنه كان فيها يكثر من إيراد المواضيع القرآنية و تفسير آيات القرآن الكريم وهذا شيء حسن في المنبر ، شيء جيد في الخطابة الحسينية ، هذا من الأمور التي تذكر وكان أيضا ً وبالذات في فترات معينة ركز في خطاباته على نقد التوجهات المخالفة لمذهب أهل البيت عليهم السلام يعني في فترة من الفترات بدأ بعض الكتاب أمثال أحمد أمين و غيره يوجهون الإنتقادات لمذهب أهل البيت عليهم السلام ، توجهوا لقضية الإمام المهدي و نقدوها و فندوها واستدلوا على أنها خلاف الدين في رأيهم ، توجهوا إلى قضية الإمامة ، إلى قضية العصمة ، إلى النص على إمامة أهل البيت عليهم السلام في توجه لتدعيم خط الخلافة الرسمي ، الخط الرسمي للمذاهب الأخرى ، هنا أيضا ً جابوا سوالف المستشرقين ، أن التشيع فارسي و أن أساسه مادري كذا و كذا ، وعلى هذا المعدل الشيخ الوائلي رحمه الله في هذا الإتجاه إستطاع من خلال كثير من الخطابات و المحاضرات أن يواجه هذه الشبهات بقدرة كافية و بتحليل جيد كان في كثير من خطاباته موفقا ً في رد هذه الشبهات .

و أخيرا ً ولا نطيل الحديث كان أديبا ً بارعا ً وهذا يتجلى في خطابته وبيانه و بلاغته مع أنه يكتب ناثرا ً وله سبعة كتب مطبوعة إلا أنه وهو خطيب أفضل من كونه كاتب بكثير لا يقاس أصلا ً تألقه في الخطابة لا يقاس به كتابته على الورق كان خطيبا ً أبرع منه كاتبا ً و متفوقا ً في هذا الجانب .

أعانه في ذلك أنه كان أديبا ً و شاعرا ً هو شاعر باللسانين كما يقولون باللغة الفصحى هو محلق فيها و باللغة الدارجة أيضا ً هو شاعر جيد و كثيرا ً ما يستشهد في أثناء خطابته بشعره لا ينسبه لنفسه ، يقول و كما يقول الشاعر المعاصر أو الشاعر و يأتي بقصيدة من قصائده و في الرثاء أيضا ً ، كثيرا ً ما يستشهد بقصائده و يقرأها منغمة و يعينه في ذلك صوت فخم و شجي يجعل السامع يهتز لقوة المعنى من جهة و لفخامة اللفظ من جهة أخرى ولشجى الصوت و عذوبته من جهة ثالثة ، هذا جعل الشيخ الوائلي رحمة الله عليه في الطليعة من خطباء الشيعة في هذا الزمان و كان له تأثير كبير حتى في خارج الدائرة الإمامية و الشيعية .

انا لقيت مرة واحد في مكة المكرمة و تعرف علي و بعد شيء من الحديث قال : أنا بحمدالله أنتمي إلى منهج أهل البيت عليهم السلام فبعد شيء من الحديث قلت له : منذ متى ؟ قال : منذ خمسة عشر سنة الآن . سألته : ما هو السبب ؟ و ما هو الذي جعلك تكون كذا ؟ قال : أنا لأنني كنت مدمنا ً على إستماع خطابات الشيخ الوائلي و أحفظ منها خمسين محاضرة كلمةً كلمة . قلت له : لا يوجد شخص واحد من الشيعة الأصليين يحفظ خمسة مجالس كلمة كلمة مو خمسين مجلس كلمة كلمة !!

قد لا يكون مطلوبا ً من الإنسان أن يحفظ الكلمات ولكن أريد أن أشير لك إلى أنه حتى بالنسبة لمن هم خارج الدائرة هو مؤثر ، هو قادر على الإقناع في إعتدال كلامه و في نزاهة حديثه و إجتنابه عن الكلمات الجارحة هذا يجعل آفاقاً واسعةً من المسلمين فضلا ً عن الشيعة تتأثر به و تلجأ إليه .

وحدثني أحد المشايخ الثقاة يقول : إلتقيت ذات مرة ببعض القضاة من الدائرة الأخرى في بلادنا الرسمية . فقال ذلك القاضي : أنا أحرص على إستماع الشيخ الوائلي لما فيه من بنية علمية و إن كنا نختلف معه في أفكاره ولكن بناء هذه المحاضرة بناء علمي . نعم أقول و القول للقاضي : لا يريحني الكلام الذي في آخر المحاضرة لأني لا أفهم ماذا يقول . يقصد بذلك الرثاء و النعي الحسيني .

وهو لا يعلم أن هذا الذي بالأخير هو سبب ذلك الذي في المقدمة وهو الذي أعطى لهذا الالق و التوهج .

فالمرحوم الوائلي كان مؤثرا ً أصبحت له مساحة كبيرة جدا ً . التقنية الحديثة أيضا ً أفادت في هذا الأمر . ربما بعض الخطباء السابقين كالشيخ كاظم سبتي أو الشيخ محمد علي اليعقوبي أو نظراء هؤلاء كانوا بدرجات عالية ، نحن لا نعلم و لم نسمعهم و ربما لو سمعناهم لتغير رأينا في هذا الأمر و لكن إنتفع الشيخ الوائلي بحضوره في زمن أمكن فيه الإحتفاظ بتراثه ، الآن آلاف الأشرطة المسجلة له موجودة و هي متداولة في أكثر من موقع و مكان و يمكن الحصول عليها بإستمرار وهذا من حفظ العلم .

كان الرجل أديبا ً، قوي التأثير ، متألقا ً ، ولاسيما أنا لاحظت إذا تحدث عن أمير المؤمنين عليه السلام في ليالي وفاة الإمام أمير المؤمنين .

اذا تحدث عن الإمام علي عليه السلام أنا أستشعر أحيانا ً كأن عليا ً عليه السلام أسلف هذا الرجل شيئا ً من بلاغته أو أعطاه شيئا ً من فصاحته ، تجد هذا الخطيب مملوء بشخصية أمير المؤمنين عليه السلام ، يتوهج في الحديث عن هذا الإمام العظيم صلوات الله و سلامه عليه وكأنه يستضيء من نوره ، ويهتدي بضيائه و كأنه قد أخذ من علمه و من فصاحته و بلاغته و هكذا في الأيام الإستثنائية كيوم عاشوراء عندما يتحدث عن الحسين صلوات الله و سلامه عليه ، هناك كأنه يخلي مكان العالم لصالح ذلك الشاعر المتوهج المتدفق عاطفتا ً و حماسا ً بالإمام الحسين و لقضيته سلام الله عليه وله شعر في هذا رائق مثل قصيدته المعروفة حديث الجراح :

الجراحات و الدم المطلول       أينعتىفالزمان فيها خميل

و مشت تزرع الأرض بالفتوح       و بعض الدم فيما يعطيه فتح جليل

وحديث الجراح مجد و أسمى      صور المجد ما روته النصول

... إلى أن يقول :

أرجفوا انك القتيل المدمى                 أو من ينشئ الحياة قتيل

كذبوا ، ليس يقتل المبدأ الحر             ولا يخدع النهى التضليل

كذبوا ، لن يموت رأي لنور الشمس     من بعض نوره تعليل

كل عضو فروه لهو بوجه البغي        و الظلم صارم مسلول

ويموت الرسول جسما ًولكن          بالرسالات لن يموت الرسول

مرات العرض: 4054
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1167)
تشغيل:

الامام السيد محمد الشيرازي: سلطان القلم
كما كتب على الذين من قبلكم