زين الدين: قديس يخاطب الشباب
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 27/9/1434 هـ
تعريف:

زينُ الدينْ : قديسْ يُخاطبْ الشبابْ

تصحيح الأخت الفاضلة سلمى آل حمود

قَال الله العَظيم فيْ كتابه الكريمْ : بسْم الله الرّحمَنْ الرّحيمْ "فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا" ، آمنّا بالله صَدق الله العَلي العَظيمْ وصَدق رسُولنا الكريم والأئمة المَيامينْ من آله وسلم تسليماً كثيرا.

يَتناولْ حَديثنا شخصيّة فقيه فاضلْ منْ فقهَاء الطَائفة، وهيَ شخصيّة العَالم الجَليلْ ومُربيْ الجيلْ  آية الله العُظمَى الشيخْ محمد أمينْ زينُ الدينْ البَصري البَحرانيْ - تغمّده الله بالرّحمَة - المُتوفى سَنة 1419 للهجرَة ولعَلّ بعضْ الحَاضرينْ يعْرفونْ هذا الشيخْ الجليل نظراً لأنّه كانْ يأتيْ هُنا إلى هَذه البلدة فيْ فتراتْ مُختلفة ويُقيم فيهَا أسابيعْ رُبمَا امْتدت إلى شهْر منْ الزّمان في سنواتٌ مُتفرقة. نتطَرّق بالحَديثْ عنْ بيئته التيْ توْصَف بأنّهَا بيئة إخباريّة ونلقي ضُوءاً عَلى هذه البيئةَ، وشيئاً منْ التاريخْ نوَضحُه فيمَا يَتعلق بهَذه المَدرَسة، طريقْ تحْصيلْ الحُكم الشرْعي الذيْ يلزمْ المُكلفْ . مع أنه تضلع في الاجتهاد على الطريقة الأصولية ، ولكي يتبين الأمر نشير إلى المدرستين الشيعيتين :

المَدرسة الأصُوليّة.

هي احدى مدرستين معروفتين في الفقه الشيعي الاثني عشري ، المَدرسة الأصُولية بدءاً منْ تأسيسهَا الأخيرْ و الأكبرْ على يدْ الشيخْ الأنصَاريْ - رُضوانْ الله عليّه – وكانْ قبله صَاحبْ الجواهرْ ومنْ تلاه منْ الآخوند وتلامذته منْ النائيني والحَكيمْ والخوئي والمَراجعْ المَوجُودونْ فعلاً وهُم مُعاصرُونْ. أغلبْ الشيعَة اليومْ يقلدونْ مَراجع يَنتمونْ إلى المَدرسة الأصُوليّة هذه المَدرَسة ترَى لزُوم الاجْتهاد على المُجتهدْ وأنّه بهَذه الطريقة يَحَصل على الحُكم الشرْعي منْ خلالْ استنباطه إياه منْ أدلة أرْبعة وهيَ : القرآن الكريمْ وآياته ، وسُنة النبي المُصطفى - صلى الله عليّه وعلى آله - وأئمَة الهُدى - عليّهم السّلام - ، وبعدَ ذلك منْ العَقل حَيثُ أنّ مَا حَكمَ به العَقل حَكمَ به الشرْع وأخيراً بالإجْماع أيّ إجمَاع الطائفة إذا أجمعتْ على حُكم منْ الأحْكام كانْ ذلك دليلاً على أنّ قول المَعْصوم فيْ هذا الحُكم المُجمع عليّه .

هذه المَدرسة هي المُعاصرَة الآنْ وهيَ المُقلدة الآنْ في عُموم العَالم الشيعيْ ومُنذ حَوالي 250 سنة كانتْ إلى هَذه الفترة هيَ المَدرَسة الأبرَز والأقوَى والأعظمْ في الوجُود الشيعيْ.

المَدرَسة الإخباريّة.

أما المَدرسة الأخرَى، هيَ المَعروفَة بالمَدرسة الإخباريّة وهي تمْنع الاجتهادْ، وتقُول: أنّ وظيفَة الفقيه ليسَت الاجْتهادْ وإنمَا هيَ أنْ يتعرّف الفقيه عَلى الأحْكام أيّ أحْكام أهلُ البيتْ - عليّهم السّلام -  من خلالْ رواياتهُم وأخبَارهمْ وينقلهَا إلى الناسْ بمَعنى أنّه عبارَة عنْ جسر يَطلع على أحْكام المَعصْومين وأخبارَهم وينقلُ ذلك بعبارات أوضح إلى المُكلفين ولكنْ لا شأن له فيْ قضيّة الاستنباط والاجتهادْ فيقولون: بأنّ الاجتهاد هذا مَمنوعٌ و غيرُ جائز ثم يرون أن الأدلة في حَقيقتها ليسَت أربعة وإنمَا هي دليلٌ واحدْ في الواقع أو تنتهي إليه ، لأنّ القرآن الكريمْ كما يَقولون لا يفُهم مَعانيه وبُطونه وأحْكامه الحَقيقية إلا أهلُ البيتْ - عليّهم السّلام – .فإذن لمَعرفة أحَكام القرآنْ، لابُد منْ الرجُوع إلى أخبارْ الأئمَة  عليهم السلامْ. لكنْ عندمَا يأتونْ إلى العَقل – يقولونْ: إذا كانْ فيْ قضايا حسيّة أو شبيهَة بالحسيّة كالرياضياتْ 2 + 2 يُساوي 4 هذه يكونُ العَقل فيهَا دليلاً وأمّا فيْ القضَايا النظريّة ومنهَا قضايَا الأحْكام في مَسائل الدينْ فالعقل لا يَستطيعْ أنْ ينَتهي إلى نَتائج دَقيقة وصَحيحَة فيُحتمل فيها  الخَطأ والشاهدْ عَلى ذلكْ فيْ رأيهُم هو اختلافْ آرَاء الفقهَاء فيْ هذه القضايَا النظريّة معْ أنّهم جميعُهم يَستعملون عقُولهم ولكنْ معَ ذلك فإنّ النتائجْ تكون مُختلفة! فإذنْ العَقل لا يُمكن الاعْتماد عليّه خاصّة إذا تعّارض مَعه شيءٌ منْ النقلْ أو شيءٌ منْ أخبارْ النبيْ - صَلى الله عليّه وعلى آله –أو شيءٌ منْ أخبارْ أهلْ البيتْ عليهم السلامْ، ففي ذلكَ الوقتْ كانْ يَنبغي أن نذهبْ ونقدّم أخبارْ أهلْ البيتْ على أحْكام العْقل فهكذا يقولونْ فإذنْ أصبَح المرجع هو الأخبار أيّ أخبارْ أهلُ البيتْ عليهم السلام. الإجماع أيضاً كانوا يَقولونْ القولْ ذاته وهو: أنّ الإمامية ليستْ بحُجة إلا إذا عُلم أنّه يكشف عنْ قولْ المَعْصُوم . إذن، فقدْ رَجعنا إلى قَول المَعْصوم وكيفَ نعرفْ قولْ المَعْصوم؟ إنّما يَكونْ ذلك منْ خلالْ الأخبارْ إذْ صَار القرْآن لا بُد لفهْمه منْ الرجوعْ إلى الأخبارْ وإذا تعارضْ  العقلْ مع أخبارْ أهلْ البيتْ إذنْ نقدمْ أخبارْ أهلُ البيتْ والنبي سلامُ الله عليهم. الإجماعْ لا قيمَة له إلا بَكونه كاشفاً عن قولْ المَعصومين فإذن نرجعْ إلى أخبارهم والدليلْ ليسَ أربعَة في رأيهُم وإنمَا هو واحدْ وهُو أخبارْ أهل البيتْ عليهم السلامْ ولذلك سُميتْ هذه المَدرسة بالمَدرسة الإخباريّة وقْد تُسمى بمَدرسة المُحدثين ولكنْ الشائعْ على الألسنة وفي الكتابات هُو الإخباريون والمَدرسة الإخباريّة هيَ المَدرسة التيْ كانتْ لهَا بدايات قديمة جداً مما تسَمى بالمَدْرسة الإخباريّة الأولى أو القَديمَة آنذاك ولمْ يكنْ المَنهج الأصُولي متبلوراً بعدْ، إذْ كانْ لدينا مُحدثون جمَعوا الأخبارْ في مَجاميع حَديثية مثل ثقة الإسْلام للكليني، جَمع كتابْ الكافي ومثلْ الصّدوق جَمع كتابْ منْ لا يحَضره الفقيه مثلْ شيخ الطائفة الطوسيْ فقد جمع أحاديث الأئمة في التهذيب والاستبصار ،  بل يقولون: أنّه كانتْ النزْعة الإخباريّة واضحَة عندَهم وكان اعتمادهم على الحَديث وعَلى أخبارْ أهلْ البيتْ ويَعدُون هَؤلاء منْ فئة المَدرسة الإخبارية القديمَة والأولى فيْ القرْن التاسعْ الهجريْ في حُدود سنة 1033 وفيْ بدَايات القرْن التاسعْ الهجْري بدأتْ مَدرسَة بدء الفكرْ الإخباري تتبلورْ فيْ أفكارْ واضحَة بل وتبتعُد عن المَدرسة الأصُولية وتنْعزل عَنها ولاسيمَا فيْ أيام الشيخ محمد أمينْ الاسترابادي صَاحب كتابْ الفوائدْ المَدنية، إذْ جَاء إلى المَدينة المُنورة وبقيَ فيها مُدة منْ الزّمان وذَهبَ إلى مَكة المُكرمَة وبقيَ فيها مدة أخرى وصَنف كتاباً باسمْ الفَوائد المَدنية إذْ أنّه بلورَ في هذا الكتاب  نظرية المَدرسة الإخبارية وقال: بأنّكم أيها المُجتهدون الأصُوليون هُو عملٌ خاطئ لأنّ مسيركمْ ينتهي إلى إبعاد أخبارْ أهلْ البيتْ عليهم السلامْ ولاسيمَا عندَما تقولونْ أنّ هذا حَديثٌ صَحيح وذاك ضَعيف وهذا مُعتبر وذاك غيرُ معتبر! بلْ أنّ جَميعْ أحَاديثنا مُعتبرة ومقطوعَة الصّدور فيْ الكتبْ الأربعَة و ليسَ لدَينا حديثٌ  ضعيف أو لا يعمل به بلْ كل الأحاديث صَحيحة فأنتم إذا قلتمْ أنّ هذا الحَديثْ ضَعيف السند وذاك غيرُ معتبر ستجعَلونْ الناس تبتعد عنْ أخبارْ أهلْ البيتْ ثمّ أنّ هذا الاجتهاد الذي جلبتموه هُو عبارَة عنْ اجتهاْد من غير تراثنا وإنّما كان منْ المَدرسة الأخرى وهيَ المدرسة السنية! بلْ أكثرْ من هذا، إذْ أنّ كل علم الأُصول الذيْ اعتمدتموه منْ هناك فإنّه لا يُوجدْ عنْد المدرسة الشيعية شيئاً بمُسمى الأصُول وإنما هو تسرب من المدرسة الأخرى. فكتَبَ كلْ ذلك وأضَافَه إلى سَائر أفكاره وكانت لغته لغة شديدة فيما يَخصْ فصْل المَدرسة الإخبارية وعن المدرسة الأصُولية من ذلك الوقت إلى مائتينْ سَنة أيّ - قرنين من الزمان - كان هناك علماء من المدرسة الإخبارية وكتب شديدة في أمر الفصْل بين المَدرستين، فكانْ الإخباريونْ يُخَطئون مَسلك الأصُوليينْ بقوّة ويُهاجمون أفكارهم وينتقدونها بعنف.

بعدَ ذلكْ، و إلى بعد مائتي عام تقريبا بدأ الأمر يهدأ، وكان ذلك بعدَ زمانْ الميرزا محمد الإخباري الذيْ قتل - رَحمَة الله عليّه - وكان بينه وبينْ الشيخ الوحيد البهبهاني ثم كاشف الغطاء مُواجهة شديدة جداً على أكثر منْ مُستوى. بعدَ تاريخ الميرزا محمد الإخباري بمَا يُقاربْ سنة 1220 – 23 تقريباً، بدأ التوّجه يميلْ إلى الهُدوء فيما بين المَدرستين ولاسيما مع بُروز عدد منْ الفقهاء في المَدرسة الإخبارية حَاولوا أنْ يزيلوا حَاَلة التشنج لصَالح حَالة التداخلْ وكانْ من أبرَز هؤلاء هُو المَرحُوم الشيخْ يوسف البَحراني - رُضوان الله تعالى عليه - صاحب كتاب الحدائق الناظرة وكانْ هَذا الشيخ منْ أعاظم المُحدثين ، وهو أيضاً عند الأصوليين فقيه مُحقق على دَرجة عاليَة منْ العلمْ ويُعتبر كتابُه الحَدائق الناظرة من الكتبْ المُهمة جداً في الحَوزاتْ العلميّة التيْ لا يُستغنى عنْها العُلماء الأصُوليونْ في المُباحثة و فيْ المُناقشة إذْ يُوافقْونْ رأيه ثُمّ يُخالفون رأيه إلى غيرُ ذلك ، ونقل عن بعضْ أعاظم العلماء أنه لا يستغني عن كتابين في البَحث مَهما تكنْ الأسبابْ وهما كتابا جواهرْ الكلام والحدائقْ الناظرة للشيخ يُوسف البحرانيْ، و الجَواهرْ لصَاحب الجواهرْ الشيخ محمد حسنْ النّجفي والحَدائق للشيخ يَوسف البحراني. فكان الرجل على عظمة عليمة  بحد كبيرْ، فبدَأ منذُ ذلك التاريخ شيءٌ من الهُدوء ليحل محلهُ حَالة التشنجْ والمُواجَهة بين المَدرستين وكانَ ضمْن ذلك أعْمال الشيخ يوسف البحراني - رَحمة الله عليّه – فكانتْ فيْ كتاباته المُختلفة لحنْ وكانْ في كلامه وتوجهاته قوّة وخاصّة أثناءْ وجُوده فيْ كربلاءْ فْي الوَقت الذيْ إذْ ازدَهرَت فيه أيضاً المدرسة الأصُولية أيام الوحيد البهبهاني - رحمَة الله عليه - فيْ كربلاء ثمّ زالَ ذلك التشنج بالتدريجْ وظلّ اتجاه التقارُبْ والتمازُج ينشأ في المَدرسَة الإخبارية والمدرسة الأصُولية وضمن هذا الإطار كانت بيئة المرجع الديني المَرحوم الشيخ محمد أمين زينْ الدينْ البحراني.

 شخصيّة الفقيه زينْ الدينْ ونُبذه عنْ دراسته.

 فكانتْ بيئة هذا الرجلْ ضمنْ هذه البيئة في المدرسة الإخبارية ولكنّه انفتحَ بشكلْ كبيرْ عَلى المَدرسة الأصُولية وانتفَع من عَلمائها وفُقهائهَا وأساتذتها الكبارْ، فدَرس عَلى يدْ  الشيخ محمد حسين الأصفهاني الذيْ يكونْ  أسْتاذ المَراجع صَاحب كتاب نهاية الدرايَة في الكفايَة والفيلسوفْ المَعروف، فدَرَس على يدْ الشيخ ضياء الدين العراقي - رحمة الله عليه - هذا الفقيه الكبيرْ صَاحب شرْح التبصرة وغيرها، ودرس شيئاً على يدْ المُحقق النائيني ثمّ دَرس أيضاً على يدْ تلاميذه، ثمّ دَرَس على يد السيّد مُحسن الحكيم رَحمة الله عليه، وأيضاً على يدْ السيد أبيْ القاسمْ الخوئي رَحمة الله عليّه وعَلى أمْثالهم وأقرَانهم بلْ درَس أيضاً عَلى منْ كانت بيئته إخبارية ولكنّه استفادَ منْ المَدرسة الأصُولية كالمرجع الديني آية الله العظمى الشيخ محمد طاهر الخاقاني إذ كان هذا أيضاً مرجعاً للتقليدْ وكان عَالما كبيراً جداً وله بُحوث مَطبوعة وهو أستاذ الشيخ محمد أمين زين الدين - رحمة الله عليه -. فهكذا دَرَس إلى أن بلغ مَراتب عُليا من العلمْ والمعْرفة وأصْبح مَرجع تقليدْ و يُرجع إليه جمعٌ غفيرْ من الناس في البَحرين، وعندنا في مَنطقة سيهَات وفي قرى المُحيط. وكانَ يرْجعْ إلى التوجه الإخباريْ إلى الشيخ محمد أمين زين الدين - رحمة الله عليه - فيْ الكويتْ أيضاً ورجَع إليه أتباعْ هذه المَدرسة وهُو كانَ محلاً لاحترام كبيرْ عند مُختلف الفرَق لفضَائله ومَزاياه حَتى إنّ أحدْ مراجع الدينْ الفعليينْ مثلْ آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم كانْ لديه كتابْ وإن كان قليلُ الصّفحات إلا إنّه عَظيم الفائدة باسم الأصُوليّة والإخباريّة إذْ أنّه عملَ على فرْقة واحدَة بينَ فيها أنّ الاخْتلافاتْ بينَ المَدرستينْ هيَ اختلافاتٌ طفيفَة وإنمّا تكونْ فيْ بعضْ المسائل التخصصيّة وفي بعضْ مَناهج الاستنباط وأوردَ على ذلك مثالاً على عَدم الفرْق، وكذلكْ أورَد مثالاً على وجُود المُجتهد الشيخ محمد أمين زينْ الدينْ فيْ ذلك الوَقت كان لا يزالْ على قيدْ الحَياة إذْ كان موجوداً في النّجف وأننا لا نرَى أيّ فرق بينه وبينَ سَائر العُلماء في قدرته عَلى الاسْتنباطْ وفيْ اسْتعماله لأدواتْ الاجْتهَاد وهُو فيْ نفسْ الوَقت ضمْن هَذه البيئة الإخباريّة فكأنّه كانْ – أيّ هذا الشيخْ زينُ الدينْ – جَامعاً للمَدرَستينْ ومُنسَجمَاً معْ الطريقتينْ ومُحترماً فيْ الفريقينْ إذْ بلغَ مَرْتبة مُقلْد فيْ هَذه المَناطق.

صفَاتْ الفَقيه زينُ الدّينْ رحمَه الله.

منْ صفاتْ هذا الشيخْ الجَليل المَرحُومْ الذي تميّزَ بها هيَ صفَاتْ مُتعدَدة وكثيرَة جداً منهَا أولاً أنّه جَمَع بينْ القدَاسَة الكبيرَة وبَينْ التّوجُه إلى الشبابْ والجيلْ الحَديث وهذا عَادةً قليلْ، أيّ بمَعنى أنّه عادة كُلمَا كانْ الإنسانْ مُقدّس الشخصيّة، يُحبْ أنْ يكونْ معَ الكبارْ والزُّهاد والعبّاد والشُيوُخ يكونْ مُتوجه فيْ عينْ قداسَته وارْتفاع كمَالاته المَعنوية وزهادته في عينْ ذلك إذْ يتوجّه إلى الجيلْ الشابْ و يتحَسسْ مَشاكلهُم ليعرفْ نفسيَاتهم، و يكتبْ إليهم و يخاطبهم بلغتهم فهذا قليل ما نجدُه. بالعَادة يَكونْ منْ عندَهُمْ حَالة حداثيّة، هم الذين يَتوجهون إلى الشبابْ أيّ العادة منْ يكونْ لديّهمْ رُوح انفتاح ومعاَصرة هم عادةً منْ  يتوجهون إلى الشباب! أما شخصٌ مقدسْ بلْ غاية القداسة وكامل الأخلاق من الدرجة العالية إذْ أنّه عابدٌ من الطرازْ الأولْ فالغالب أنّهُ لا يتوجّه إلى هذه الجهَة، و لكنّ الشيخ محمد أمين زين الدين - رحمة الله عليه - كان يجمع بين هاتين الصفتين ولذلك توجه إلى الشباب وخاطبهم، تحسس مشاكلهم، كتب إليهم، تفاعل معهم، و تعقب قضاياهم حتى أطلق عليه بعض مُعاصريه أنّه (مُربي الجيل الشاب). أنَا أتذكرْ شخصياً أنّه عندَما كنتْ فيْ عمر أربعة عشرَ سنة حيثُ جاء والدي المَرحومْ - رحمَة الله عليّه - لنا بكتاب ( إلى الطليعَة المُؤمنَة ) من كتبْ الشيخ محمد أمين زين الدين، وقدْ لا يُقبلْ الإنسَان كثيراً  فيْ ذلك الوَقتْ على الكتب الدينيّة لأنّ لغَتهَا قدْ تكونْ لغة خاصّة وطريقَتها تكونْ مُعينة، و لكنّي أذكُرعندَما بدأتْ بقرَاءة هذا الكتابْ قدْ جَذبَنيْ العُنوانْ إذْ كانْ عنواناً مُعاصراً، ثم بعد ذلك شدّنيْ أسلوبْ الكاتبْ الشيخ محمد أمين - رحمة الله عليه – فقدْ كان أسلوباً جذاباً، أسلوباً أدبياً راقياً، ورفيعًا بالإضافة إلى أنّه يتحدث بلسانْ الشبابْ وينظرْ إلى مشاكلهم فكأنه يتحسسْ بوَضعك الخاصْ ويحل لك مشكلتك ويناقشك في أمور تهمك وقضايا ترتبط بك كأنه جالسٌ معك منذُ فترة من الزّمن  فهذا كمثال على أنْ هذا الشيخ الجليل - رحمة الله عليه - كان في عين تقدسه، وزهادته، وعبادته، وكماله الأخلاقي إلا إنّه في  الوَقتْ نَفسه كان يتوجه في اهتماماته إلى الشباب بالكتابة إليهم وتحسس مشاكلهم ومعايشة قضاياهم. كتبَ عدداً منْ الكتبْ وكلهَا نافعة فيْ المَجَالْ الفكريْ فكانْ عندَه ( كتابْ الإسْلام يَنابيعه مَناهجُه غاياته ) وكانَ كتاباً قيماً جداً. فيْ هذا المَوضُوع يَقُول أحَدْ تلامذَته: أنّه وجَدتْ المَواضيعْ قيّمة عندَما ظهرَ الكتابْ  لكنْ الكتابَة اللي كُتبتْ فيهَا كتابَة سَهلة سَلسة، إذْ كانتْ أدبية وتخاطبْ جيلْ الشبابْ فقلت للشيخْ لو إنّك كَتَبتْ هذه المواضيعْ  بلغَة علميّةَ قويّة ليَتّضحْ فيهَا علميتك أمامْ منْ يقرأ، فقال لو قدر لي - اسمع الجواب - قال لو قدرْ ليْ أنْ أكتبْ هذا الكتاب مرّة أخرى لما كتبته إلا بهَذه الطريقة – لمَاذا؟ - لأنّ أنا لمْ آتيْ لأفرُد عَضلاتي وأقولْ للناسْ تعَالوا لتَنظروا كمْ أنا عالم ولا يفهمْ  كلامي أحدْ أصلاً ولا يسْتَطيعْ أحداً أنْ يرقى إلى مستواه! أبَدَاً لمْ يَكُنْ ذلك غرضيْ بلْ غرضي هو أنْ أخاطبْ ذاك الشاب الذي من الممكن أن يكون لديه حالة انهزامية أمامْ المَبادئ الغربيّة ومن المُمكن أن يكونْ غيرُ عارف ولا فاهمٌ لمَناهج الإسْلام فلذلك لا يَستطيع أنْ يتفاعل معها ويتفاعل معَ المبادئ الأخرى المَوجودة في الساحة، فأنا أكتب لهؤلاء وأجعَلهُمْ أمَاميْ لأجْذبهم إلى مَبادئ الإسلام من خلال كتابة رَشيقة أدبيّة، و يستطيعونْ التفاعل معها وفهمها بشكل سليم فهكذا كانت كتاباته كتابه العفاف بين السلبْ والإيجابْ. كتابه رسَالاتْ السّماء وكتابه من أشعة القرآن، وعدداً منْ الكتب في هذا الإطارْ وكلها كانتْ نافعة وذات بناء أدبي جميل وهو كان من كبار الأدباء حتى قيل أديب الفقهاء وفقيه الأدباء. وقدْ ترَبى على يدْ شاعرٌ من الشعرَاء الذيْ كان لديّه شعر فخم جداً ورَائعْ وإن كانْ ترَكه فيْ الأواخر، كما كان لديّهْ فيْ كتابة المَقالات فنٌ وأدبْ كما وصَفه بَعْضُهم إذ يشبه الكاتب المصري الزيات في حلاوة وطلاوة كتابته فتربى بعض الشعراء على يده حتى صاروا من أعاظم شعراء العربية مثل السيد مصطفى جمال الدين - رحمة الله عليه - وهو يرى هذا الأمر في شخصية الشيخ محمد أمين زين الدين فكان عنده هذا الجانب القوي في أدبه وأسلوبه وكتابته في نفس الوقتْ التيْ كانتْ عندَه من تلك الحَالة العاليَة منْ القداسَة ومنْ الكمَال الأخلاقيْ والزهد والعبَادة أيضاً منْ كتبه التيْ كتبَها.

رسَالته العمليّة كلمَة التَقوى.

وأنا أشيرْ إليهَا هُنا وتخصيصُها بالحَديث - كتابَه الرسَالة العمليّة كلمَة التقوَى والتي أخذ هذا العُنوان من الآية المباركة "فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا" فكانتْ كلمَة التقوَى إذْ أخذَ العُنوان منْ هُنا وجَعله عَلى رسَالته العلميّة. تميّزتْ الرسَالة العمليّة بخصَائصْ كثيرَة .أولاً: أنَّها فيما نعلم كانتْ أطول رسَالة علميّة مُفصّلة لفقيه منْ فقهَاء الشيعَة المُعاصرينْ أيّ أنّه لدينا مثلاً منهَاج الصّالحينْ أيام السيّد الحَكيمْ - رحمَة الله عليّه - كان عبّارَة عنْ جُزءاً واحداً وصَار جزأينْ أيامْ السيّد الخوئي و الآنْ ثلاثة أجزاءْ وكانْ غالبْ العُلماء الذينَ كتبُوا (منْهَاج الصّالحينْ) ثلاثة أجْزاءْ لكنْ عندَمَا جَاء الشيخْ محمد أمينْ زينْ الدينْ ليَكتبْ الرسَالة العمليّة كلمَة التقوى، كتبَها فيْ عشرَة أجزاءْ حَيثُ أنّ عَشرَة أجزاءْ شيءٌ كثيرٌ جداً و هذا فيه نفعٌ مُتعدد الاتجاهاتْ أولاً: لطلابْ العلمْ الذينَ يحَتاجُون إلى تفاصيلْ الفروعْ لأنّ بَعْض الفرُوعْ لا يجدونَ لهَا مكاناً يبْحثونها فيه بَينما هذه تُعتبرْ ثلاثة أضعَافْ الرسالة العمليّة المَوجُودة، و قدْ تجدْ فيهَا كثيراً منْ الفرُوعْ التيْ لا تُوجَدْ فيْ سَائر الرسَائل العمليّة وبالتاليْ فأنتَ تستطيعْ وإن كُنتَ لا تقلدْ الشيخْ محمد أمينْ زينْ الدينْ ولكنْ تستطيعْ أن تعرفْ الجَو الفقهيْ الذي يَعيش فيه هذا الحكم والذي استدل عليّه هذا الفقيه - رَحمَة الله عليّه - بلْ أكثرْ منْ هذا يُمكن لمثلْ هَذه الرسَالة العمليّة وأمثالها أنْ تعرضْ سَعة الفقه الشيعيْ للآخرين لأنّه يُوجَدْ كلامْ قديم عن أن فقه الشيعة ليس فيه قدرَة على التفصيلْ والاستنباطْ ولاسيمَا إذا كانْ التوجّه توجهاً إخبارياً أو توجّه المُحدثين لأنّ ذلكَ كان مأسوراً بالنصُوصْ والأخبارْ والرّوايات فقدرَته على ابتكارْ وإبداعْ الفرُوع تكونْ مُحاصَرة بالأخبارْ وإلى هذا أشار شيخ الطائفة الطوسي رَحمة الله عليّه منْ القديمْ قال: أنّ هُناكْ بَعض منْ مُخالفينا ينعَونْ علينا أننا أصْحاب فقه حَديث فقط ولا نستطيع أنْ نقدم إجاباتْ على الأحْكام الشرعيةّ خارجْ إطارْ الحَديث.

هُناكْ جَماعة موجودة عندنا كالكافيْ مثلاً أو منْ لا يَحضُره الفقيه إذْ كانُوا يَرجعون ذه الرُوايات المَوجودة بمقدارها ويفتون بأكثرْ من هذا ولا يستطيعونْ أنْ يتحركوا بينمَا  نجدْ عند المَدرسة الأخرى كتب مفصّلة لأن باب الاجْتهاد عندهم واسعْ العمل بالرأي واسع القياس والاستحسان، واسع المَصالح المُرسلة بينما انتم! فلا يُوجدْ عندَكم شيء. قال الشيخْ زينْ الدينْ: فأنا صَممت على أنْ أكتبْ كتابْ لأبينْ لهُم كيفَ أنّ فقه الشيعَة فيه هَذه السعَة فألف كتابه المَبسُوط في الفقه. كتابْ المَبسُوط في الفقه فيه 12 مُجلد وحَتى عندَما عَرَضَ على أتباعْ المَدرَسة الأخرَى ذُهلوا منْ كثرة التفريعَات والأحْكام المَوجُود فيه لأنهَا تجاوزتْ ضعْف مَا عنْدهم أيّ بمَعنى أنّ الفقه الشيعيْ لديّه هذه القدرَة فإذا أرَدتْ أنْ تقدم الفقه الشيعيْ في سَعته وانتشاره وتفاصيله تستطيع أن تقدم رسالة عملية من عشرة مجلدات للدراسة في الجامعات وفي غيرها هذا وهو الفقه الشيعي المَوجود ه إذْ يَختلف عنْ الفقه الاستدلالي لأنّ الفقه الاستدلالي يَكونْ فيه المَتن ضيقاً وقليلاً ولكنّ الاستدلال عليه يكونْ كثيرْ. هُنا الفرُوع والمَسائل كثيرة جداً وهَذا منْ مَيزاتْ الكتابْ أيضاً وكانتْ رسَالة هذا الشيخ الجَليل كلمَة التقوَى بالإضافة إلى رشاقة الأسْلوب وسُهولة العبَارة وأنّها تقدَّم للمُكلف، ففي بعْض الأحيانْ تَكونْ بعض الرّسائل العمليّة وخاصّة عندَما يُقالْ للمكلف اذهب و اقرأ المَسائل العمليّة يَقول: أنا سَألت عنهَا أحَدْ المَشايخ ولمْ استطعْ أنْ يُخرجنيْ من المتاهة  أنا أحلها أفضلْ! فيقول مثلاً لا يَجوز الأمرْ الفلانيْ أو يَجوز الأمرْ الفلانيْ وإنْ كانْ الأحوَط الترْك والأقوَى أنّه يَجوزْ وكانْ فيه ترددْ والأشبَه كذا وكذا فيتورَط الرّجل في هذه المَخمصَة! فماذا يفعلْ في هذه الحالة؟ في الوَاقعْ هذا ماذا يُصنع بينَ الأشبه والأقوى والتردد و الأحْوط وما شابَه ذلك من العبَاراتْ. ولهَذا حَرَص بَعض العُلماء كالشهيد الصدر - رحمة الله عليه - فيما نقل عنه بالنسبة إلى خطته في الرسَالة العلميّة في الفتاوى الواضحَة فيْ أنّ ما يَكون فيهَا عباراتْ (الأحوَط وجوباً والأحوَط استحباباً والأقوَى والأظهَرْ والأشبَه والترَدُد) أنْ ينتهيْ الأمرْ بيجُوز كذا ولا يَجوز كذا، و يَجبْ عليكْ ولا يَجبْ عليك لأنّه هذا المُكلف العَادي يرغبْ بمعرفَة نهَاية الحُكم (أعمَلْ أم لا أعمَلْ، واجبْ أم غيرْ واجبْ) ولا يريد بعد مابَذله منْ اجتهادْ وسؤالْ أنْ يقفْ حَائراً، إذْ كانتْ هذه أيضاً منْ الخصَائص لهَذه الرسَالة العمليّة وهيَ أنْ عَباراتها ولغتها لغة سهلة سلسة قريبة إلى المُكلف وهذا أيضاً كان متأصراً فيه بتوجّه الشيخْ محمد أمين زين الدين إلى الطبقة المثقفة وإلى أسْلوبه الجَذاب الأخاذ رَحمَة الله عليّه.

 ومنْ صفات هذا الشيخ الجليلْ أيضاً هيَ انفتاحهُ على مُقلديه والتابعينُ له فكانْ يخرُج من النّجف الأشرَف لاسيمَا فيْ الأوقاتْ التي كانتْ الدرَاسةَ الدينيّة بطبيعة الحَال تتعطلْ فيذهبْ و يقيم فترَة في البَحرينْ إذ كانتْ تمتدْ في بعضْ الأحيان إلى شهْرين كاملينْ، ثمّ يأتيْ إلى بلادنَا وأحياناً تمْتد إقامَته إلى شهْر وكانتْ بعضْ أشهر رَمَضانْ يقضيهَا في البلادْ هُنا ويَصير لهُ احْتفاء واحْتفاف وبالتالي هُو يُباشر أمرْ الُمقلدين والتابعينْ له ومنْ خلالْ هذه المُباشرة يَتعرف عليّهم بغيرْ واسْطة فلا يَعتَمدْ في جميعْ الأمُورْ على الوُكلاء وعلى المُمثلين والمَندوبين حيثُ أنّها فكرَة طيبَة بالنسْبة للمرجعيات الدينية، نعم ربما قسم من المرجعيات الدينية لا يستطيعون القيام بهذا الدور إما لقضايا سياسية كأنْ يكونْ مرْجع الطائفة فلان من مكانْ مُعينْ فيجيء إلى بَلد آخَرْ ويصير له  حَالة منْ التظاهر الاجْتماعي إذْ  تفهمها بعضْ الحُكوماتْ لاسيما ذاتْ الحسَاسية المُفرطة فتحسُّه نوعاً من التدخل في شؤونها الداخلية على حدْ قولهم: نحْنُ  بالكادْ نسيطرْ بدونْ وجُود هذه الشخصيّة فكيفْ إذا كانْ هُنا، أو يُقالْ له أنت ترتبط بمَرجعيّة دينية خارجْ البلادْ وما إلى ذلكْ إذْ يكون بالنسْبة إلى بَعضْ المَرجعيَات أو فيْ بَعضْ الأمَاكن أو نظراً لظرُوف سيَاسيّة خاصّة وجُغرافية فَلا يَكون هذا الأمر مُمكناً و لكنْ فيْ حَال كانْ ذلكَ ممكناً إما منْ ناحية شخصيّة المَرجعْ نفسُه أو منْ ناحيَة أنّ دَائرَة المُقلدين ليسَت دائرةً واسعَة لا ريبْ أنّ تواصُل مرْجع التقليدْ معْ مُقلديه هُو شيءٌ نافعٌ جداً  في أنْ تكون رُؤيته للأوضَاع رؤيةً قريبَة وواضحَةٌ أكثرْ وهذه كانتْ من صفاتْ هذا الشيخ الجليلْ - رحْمَة الله عليّه - . طبعاً قامَ بأدوارْ في هَذه الأثناء منْ تربية عُلمَاء ، ترْبية فقهَاء على يَده، مُباشرة أمُور المُؤمنينْ، الكتابَة سَواءً في الفقه أو الأصُولْ أو فيْ القضايا الفكريّة، وأوقفَ حَياته الشريفَة على هذا الأمرْ وهُو خدمة هَذا الدينْ وهَذا المَبدأ لأنّ هذا الأمرْ وهو أحدْ سُبلْ خدمَة هذا الدينْ الشريفْ. وصَلى الله على سيّدنا ونبينَا أبي القاسمْ محمد وعلى آله الطيبينْ الطَاهرينْ.

مرات العرض: 2467
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2538)
تشغيل:

الإمام الخوئي زعيم الحوزة العلمية
الامام السيد محمد الشيرازي: سلطان القلم