الإمام الخميني (ونجعلهم الوارثين)
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 25/9/1434 هـ
تعريف:

الإمَام الخمَيني (ونجْعَلهُم الوَارثين)

 كتابة الأخت الفاضلة سلمى آل حمود

قال الله تعَالى فيْ مُحكم كتابه المُبينْ: "وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ" صَدق الله العليْ العظيم وصَدق رسُولنا الكريم والأئمة المَيامينْ من آله وسلم تسليماً كثيرا. يَتناولْ حَديثنا فيْ هَذه المُحاضرَة أحدْ أبرز الشخصيّات المُجَددة في هذا القرن ومصْداقاً من مصَاديق عِدة الله تعالى  للمُستضعفين بأنْ يَرثوا الأرضْ بَعد تحطيمْ الظالمين ألا وَهي شخصيّة الإمام رُوح الله المُوسوي الخمَيني رحمَة الله عليه والمتوفى سنة 1409هـ.

 لإمامْ الخميني رَحمَه الله : تجربة الثورة

تتعددْ لدينا مَجَالاتْ الحَديث عنْ هذا العَالم الجَليل والقائدْ الكبيْر، فقد يُمكن الحَديث عَنْ جَانبْ علمه وفقاهَته حَيث يعُد ضمنْ فُقهاء الطبَقة الأولى منْ فقهَاء الإمامية المُعاصرينْ فيْ مَعرفته الفقهيّة والأصُولية والرجاليّة. وقدْ يُمكنْ الحَديثْ عنْ جَانبه الفلسَفي والعرْفاني حيثُ كان لهُ يدٍ طولاً في هذا المَجال. لكننا سَوف نعطفْ بالحَديث إلى جَانب أخرْ وهو الذي تميزَ به عن عُموم فقهاء الطائفة وهو حَديثٌ مُختصرْ عنْ تجربته الثوريّة والجهَادية التي انتهت إلى إسْقاط حُكمٍ جَائر وإقامة حُكم إسلاميْ في تجربةٍ لم نعهد لها مَثيلاً بهذا النّحو وبهذه الكيفيّة منذ قرونٌ طويلة.

منْ ناحيَة الجَانب السيَاسي، فإنّ أقصَى ما تمّ الحَديث عنه من قبلْ فقهائنا المُعاصرينْ كانْ ينَتهي إلى وجُود ضَوابط و دستورْ وبَرلمَان ورَقابة على الوضعْ المَوجودْ كمَا كان في نظريّة المُحقق النائيني رَحمَة الله عليّه في كتابه (تنبيه الملة) تنبيه الأمّة وتنزيه الملّة وكمَا كانْ في الحَرَكة الدسْتورية المَعروفة بالمَشروطة. أما الطرح فهو أنْ يكونْ هُناك إزالة لحُكم الطاغوت بحَسبْ التعبيرْ القُرآني وإحلال حُكم إسْلامي تحْت قيادَة الفقهَاء مُقامه ومُكانه وتطبيقْ ذلك عَملياً كمَا حَصَل بالنّسبة إلى تجْربة الإمَام الخُميني الجهَاديّة فهذا أمرٌ لا سَابقة لهُ فيمَا نعْلم.

فلنبدأ فيْ إشارات ومَحطاتْ لهَذه الحَركة الجهَادية عَالمين بأننا لا نسْتطيع الإحَاطة بتفاصيلهَا بلْ ولا بشرْح كُل مَراحلها نظراً لسعَة الحَدث وشمُوله وضيقْ الوَقت منْ جهَة أخرَى في حَديثنا هذا . لنبدأ منْ البدَاياتْ عندَما فتحَ السيّد رُوحْ الله الخُمَيني رَحمَة الله عليّه عينيه فيْ بَاكوْرة حَياته على شهَادة أبيه مَقتولاً بيَد الإقطاعيين الذين كانُوا يتصَرفون في مَناطق إيران تصرُّف الحُكام على أثر ضعْف الدولة القاجَارية.

الدولة البَهلوية هي التيْ ثار عليّها الإمَام وكان قبلهَا الدّولة القاجارية. في نهايات الدولة القاجارية، أصْبَح النظام فيهَا مُنفلتاً وتعُم فيه الفوضى إذْ كان أصحابْ  القوّة و لاسيمَا مُلاك الأرَاضي والإقطاعيينْ كانُوا يُسيطرون عَلى هَذه الأرضْ ويفرضُونْ هَيمَنتهُم على منْ هو فيهَا ويفرضُون الأمْوال والقوَانين بحَسب آرائهمْ ومنْ كانْ يُخالفهُم كانُوا يَقتلونه وكانْ ضمنْ أولئك والدْ رُوح الله الخُميني وهُو آية الله السيّد مُصْطفى المُوسويْ الخُميني الذي عَارض تلك الفئات المُسيطرة فما كان منهم إلا أن يَضربُوه بالرّصاص.

نبذة عن حياة الإمامْ .

 بدأ حَياته وعُمرُه خمْسة أشهُر يَتيم الأبْ لتلحَق أمه بأبيه بعدَ فترَة منْ الزّمان. في الواقع، بدلاً من أنْ يكسُر هذا اليُتم نفس هذا الوليد إلا إنّه زاده قوةً وعَزيمةً وتحدياً للظرُوف الحياة التي تُحيط به. فدَرَس في ضمْن المُقدمات والسُّطوح في الحَوزات العلميّة كمَا يدرُس غيرُه. وكما بيّنا سابقاً فإننا لنْ نمُر على هَذا المَعبر أيّ الجَانب العلمي نظراً لأنه لتفصيله إذا يحتاج إلى بحْثاً خاصاً بذاته إذْ نحتاج إلى التعمّق فيه وتوضيح ما إذا  كان لديّه آراء ابتكاريه أم لا؟ فهذا بحد ذاته يَحتاج إلى بَحث خاص. فلنذهَبْ إلى الجَانب الحَركي والجهَادي في حَياة الإمام الخمينيْ، و الذي تبلور بشكل واضحْ وخاصّة معْ مَجيء السيّد البروجردي رَحَمة الله عليّه إلى قمْ المُقدسة وكانْ فيها السيّد الخميني أيضاً آنذاك وكان ممنْ دَعم وشجَّع عّلى مجيء وبقَاء السيّد البروجردي وحَث كلْ منْ يَعرف عَلى الإحَاطة بهّذا العّالم والزّعيم الكبيرْ.

 السيّد البروجردي كانتْ لهُ مُواجهات لا ترقى إلى مُستوى المُواجهة السياسيّة الشاملة معْ البَهلوي الأولْ والد شاه إيران (رضا) اسمُه رضا بهْلوي. و كانْ ضمن حُدود مُواجهته أمُوراً للقضَايا التيْ تتعلقْ بالأحكام الشرعيّة والقوانين التي تخالف الديْن. فكانْ السيّد البروجردي يُرسلْ رسائلاً إلى شاه إيران بالإضَافة إلى مَندوبين وكان مَضمونْ الرسائلْ يُفيد بأن (هذا الأمرْ ليسَ منْ صَالحك ولا منْ صَالح إيرانْ وينبَغي أنْ لا يَكون هذا الأمرْ) وكانْ رضَا بهْلوي يُلاحظ السيّد البروجردي إلى حَد مَا نظراً لقوّته منْ جهَة ولأنّه لمْ يُصعّد المُواجهة إلى أعْلى مُستوياتها، فبَعد فترَة منْ الزّمان عمل  الحُلفاء ضمْن إطارْ الحَرب العَالميّة، فعَملوا انقلاباً على رضَا شاه والدْ الشاه أو الشّاه البَهلوي الأولْ لأنّهم كَانوا يَحتملون أنْ يَميل إلى هتلر عدوّهم. وكان لدى الإيرانيوْن مقولة لاسيما القوميون منهمْ وهي أنّهم يَقولون: ( نحنُ جنسٌ آريٌ والألمَان جنسٌ آريٌ ولسنا ساميين وبالتالي فيَجمعنا معْ الألمَان هذا العُنصرْ) إضافة إلى بعضْ الحَركات التي خافْ منهَا الحُلفاء وهيَ أنْ ينسَجم البَهلوي الأولْ معْ هتلر ويَخلق لهُم مُشكلةً فعزلوُه وأرسلوُه إلى المَنفى إلى أنْ مَات وهذه طبيعَة الحُكام العُملاء الذينَ يَستفيد منهُم أربَابهُم المُستكبرون حَتى إذا انتهَت حَاجتهُم عَزلوهمْ ورَموهم كأعقابْ السَجائر.

جاءوا إلى الحُكم بوَلده محمد رضا وكانْ شاباً حَديث السّن أيّ أنّه في عُمر العشريناتْ عندَما جَاءوا به ونصّبوه. كان شباً صغيراً فبطبيعَة الحَال، لمْ تكنْ له تجْربة سياسيّة وليس لديه قوة شخصيّة كافية ولا يَعرف مَداخل ومَخارج السيَاسة ومنْ جهَة أخرَى لمْ يكنْ مُنصباً بتفويض شعْبي أو بدَعم جَماهيري! وإنمَا القوى الكبرى هي منْ جاءتْ به ونصّبته فكان بالتالي طوعاً لهَا ورَهينةً أمرَها. فجاءْ به هؤلاء ليُنفذ خُططهم وكانْ ضمنْ تلك الخطط أنّهم كانُوا يُريدون أن يَفصلوا إيرانْ عنْ وضعَها الإسْلامي وعنْ تأثير الحَالة الدينيّة فيهَا وأنْ يَربطوهَا كطبَقة مُثقفة ونخبْ سياسيّة بالاستعمار، لذلك حَاولوا أن يَجْعلوا الحَركة البهَائية مُسيطرةً على الدّوائر العُليا.

 الحركة البهائيّة.

الحَركة البهائية هي عبَارة عنْ دينْ ابتدَعه البرْيطانيون وشجَّعوا أحدْ المُسلمين وكانْ اسمُه بَهاء الله على أنْ يُعلن أن محمداً (صلى الله عليّه وآله) ليسَ بخَاتم الأنبياء وإنمَا أنا أيضاً نبيٌ منْ الأنبياء وأنْ الدين لمْ يُختم وهُناك تشريعاتٌ جديدة فأعلن عن دينه البَهائي. كانْ عند من يعتنقونْ الدّين البَهائي كتابٌ خاصْ ونتتَجَ عنه تساهلٌ كبيرْ في الأحْكام الشرعيةّ عندَّهم وإضافة إلى ذلك فقد قاموا بإلغاء بعضْ الأمُور العبَادية إذ أصبَحَ لديّهمْ حَالة من الانفلات المُغلف بغلافٌ دينيْ وهذا يُشبه الحُكومات الأجنبيّ تحْتاج إلى دينْ الذي لا يؤثر في شيء ويَكونْ الإنسان فيه  ممحوّ الشخصيّة فكانُوا يُريدونْ أنّ تنتشر هذه الطبقة. وقد شُجَّع المَذهب البَهائي في إيران كثيراً وخاصّة على يدْ البريطَانيين والأمريكيين. فلأجل هذا أمروا شاه إيران بأنْ يدْفع بأنظمَة لإقرارهَا فيْ مَجلس البرلمَان بانتهاء هذا الأمرْ. فمثلاً: من القوانين التي سنّوها هي أنّه لا يشترط في حُكام الوَلايات ولا الوُزراء ولا الرؤساء للدوائر بأنْ يَكونوا مُسلمين ولا يُشترط أنْ يُقسموا على القرآن ولا يُشترط أيضاً بأنْ يَكونوا حَتى ذُكوراً.

فعندمَا نترك شرطاً أساسيّاً كالإسلام وشرْط القسَم على القُرآن! فإنّ الحَركة البَهائية هُنا تنتعش فيحق لأي شخصْ بَهائي أن يأتي ويُصرح ويقولْ: (نعم أنا بهائي وديني هُو الدّين البهائي وهذا لا يَمنعنيْ من توليْ رئاسة بَلد مُعين أو ولاية إمارَة ومنطقة مُعينة) على الرُّغمْ من أنّ هَذا كانَ مَوجوداً في الدسْتور وأنّه لابُد أن يكون مُسلماً وأنْ يُقسم على القُرآن ككتاب مُقدّس. فعندما طُرح هذا منْ قبل شاه إيران وفيْ المَجلس البرلماني بالتحديد، صَارت الحَوزة العلميّة في حَالة تمُوج، ففي هذه الأثناء سَعى الإمَام الخُميني رَحمَة الله عليّه وعدداً منْ العُلماء الوَاعينْ ممنْ كانْ في ركابه أو كان واعياً للقضيةّ إلى إخبارْ النّاس وإخبارْ عُلماء الحَوزة عنْ خطورَة وآثارْ مثلْ هذا القانونْ إذْ لم يسمع به قسمٌ منهم  أو إذا سَمعوا عنه لمْ يكونوا على علم بآثاره ونتائجه لكنْ هذا خطيرْ لأنه يُهدد الهوية الثقافية والدينية للمُجتمع الإيرانيْ ويصيرْ تقنين إلى وجُود الحَركة البَهائية المُخالفة للدينْ في الدّوائر الرّسميّة وفي الولاياتْ وفي الحُكام بلْ بَعضْ وزراء شاه إيران كانوا بَهائيين لكنّهمْ لم يكونوا يتظاهرْون بذلك رسميّاً  إذا أُقروا قانوناً بأنّه لا مَانعْ منْ التظاهر. وأمّا قضية أنّهُ لا يشترط أنْ كونْ ذكراً فهَذا أيضاً يقعْ في ضمنْ خطة تغريب المَرأة وسُميتْ بحَركة تحريرْ المَرأة التيْ بدأتْ في ترْكيا وكانوا يُريدون أن يأتوا بها إلى إيران على منهاجْ ذاته فصَار هُناك احتجاج وصَار هناك كلام فصَار هُناك توجيه. فقام الإمَام الخُميني رحمَة الله عليّه في سَنة 1963م وفي يَوم العَاشر منْ مُحرمْ الذي يُصادف بالتقويم الفارسي 15 خورداد، و صَعد عَلى المنبرْ 42 بتقويمهُم- فصَعد على المنبرْ وخطبَ خُطبة عنيفةً شديدةً اللهجة ضد كلْ السيّاسة الإيرانية التيْ تهْدف إلى إلغَاء الهوية الدينيّة والثقافيّة وبيعْ استقلالْ إيرانْ والتيْ كانَ ينُفذها نظامْ الشاه فيْ ذلك الوَقت وحذّرَ النظامْ منْ هذا الأمر بل أكثر منْ ذلك تحدّث عنْ نظامْ إعطاء الحَصَانة القضائيّة للأمريكيينْ وقال: أنّ هذا باطلْ ولا يُمكن أنْ يَقبل به الشعْب.

فماذا يَعنيْ  نظام الحَصانة القضائية ؟؟ يعنيْ أنّه لوْ أنّ شخصَاً أمريكيّاً ضرَب أحداً أو قتلَ أحداً أو صدم أحداً أو سرق أحداً أي حتى لو عملَ بشخص إيراني مهما عملْ فلا يُحاسبْ أمَام مَحكمة إيرانيّة ولا يَحق للشرْطة أنْ تقبضْ عليّه ولا للقضاء أنْ يطلبُه ولا لأحدْ بأنْ يُعاقبه وإنّمَا يُسلم مُعززْ مُكرم إلى السَفارة الأمريكيّة ويكونْ لها لقرارْ فيما كانتْ تريد أن تحَاكمه أم لا أو ترْسله إلى أمريكا أم لا.

وفي داخل إيران فإنّ الأمريكيْ سَواء كانْ دبلوماسياً أو غيرُه فإنّه لا يلزُمه أي قضاءْ ولا عُقوبة فرأوا أن هذا لا يَحصل حتى في داخل أمريكا. أيّ أنّ الأمريكي في أمريكا لابدْ أنْ يُحاسبْ هذا على ارتكابْ جَريمة أو قضيّة ولكنّه في إيرانْ لا يُحاسبْ على شيء. فخطبَ الإمامْ الخُميني ضدْ تلك القراراتْ و تفجّرتْ حَالة منْ الغضَبْ والنقمَة عندْ الجُمهور الإيراني ضد هذه الخطواتْ التيْ يقُوم بهَا النظامْ البهْلوي الشاهِ شاهي. فبَدَأت هُناك أحْداثْ الإمام الخميني، فبعدَما خطب خطبته وإذا بالهُجوم منْ قبلْ رجالْ (الساواك) أي المُخابراتْ ومن قبلْ الجَيش عَلى مَدرسة (الفيضية) وهيَ إلى الآن مَوْجودة وهي مَدرَسة دينية بجَانبْ حرَم السيّدة المَعصُومة عليّها السّلامْ في قمْ. فصَار هُجُوماً عليّها فضربوا الطلاب المَوجودون هناك و أطلقوا عليهّم الرّصَاصْ منْ فوْق السُّطوح أيّ الغُرف التي كانوا يسْكنونْ فيهَا في الطوابق العُليا، فأُلقيَ ببَعضهم إلى الأرضْ فماتْ قسماً منْهُم وتصاعدَ الأمرْ بشكل شديدْ وعَنيف فيْ نفسْ تلك الليلة إلى أنْ جَاءت قوّة واعتقلت الإمام الخُميني رَحمَة الله عليّه في مُنتصف الليْل، و أحاطُوا بالبيتْ إلى أنْ أخذوا الإمَام إلى طهْران مُباشرةً وهناك، بدأوا بالتحْقيقْ مَعه في سجْن قصر.

قوّة وشجَاعة الإمامْ الخُمينيْ 

كانْ الإمام الخُميني شديداً وقوياً و قال: أنا لا أعْترف بهَذا المُحققْ ولا بالقاضيْ الذيْ خلفَه ولا بوَزارة العْدل ولا بقضَائكم ولا بالشاه أيضاُ، فهذه كلها أموراً غيرُ قانونيّة ولذلك أنا لا أجيبْ عن أيّ سؤالٍ على الإطلاق. وظل مُصرّاُ على ذلك. فترددتْ كلماتْ في تلك الفترة بأنّه هُناك نيّة من قبلْ المُؤسسة الحَاكمة بأنْ تصْدر حُكماً بالإعدامْ على الإمَام الخميني رَحمَة الله عليّه! و ضمن الأعْرافْ الدسْتورية المَوجودة  في إيران إذ أنّه ليس قانوناً هذا بل هو عُرفٌ دستوري في إيران وهو أنّ الفقيه المُجتهدْ لا يُمكن إعدامه. ( هذا الفقيه المجتهد لا يمكن إعدامه ) فأصبَح هناك تعاطفٌ من العُلماء والحَوزات العلميّة مع الإمَام الخميني رَحمَة الله عليّه من هذه النّاحية أيّ  بأنّه فقيه مُسلم ومُجتهدٌ كبيرْ ولا يُمكن أنْ يُمَس بسوء.

 رفضَ الإمَام الخُميني أنْ يتفاعلْ معْ التحقيقْ والقضَاء وأنْ يتجاوَب مَعهُم منْ جهَة ثالثة ، فبدأ عموم الناس بعمَلْ مُظاهراتْ على أثرْ ما جَرى فيْ (الفيضية) وعلى أثرْ اعتقال الإمامْ الخُميني رَحمة الله عليّه  فإنّ كلْ هذه الظروف أدتْ إلى أنْ تقومْ السّلطة الحَاكمة الشاهٍ شاهيه بالإفراجْ عنْ الإمامْ بعدَ فترَة قريبَة منْ الزّمانْ فأطلقَ سَرَاحه ورَجع إلى قمْ. مَكث في قمْ سَنة بذاتهَا وهُو مُتابع لهَذا النضَال والعَمَل بالإضَافة إلى الدْراسة الدينيّة إذ أنّه بدأ يتكونْ بعدْ جَنين الثوْرة أيّ بعدَ تلك الحَادثة بشكل واضحْ.

 وبَدَأ يَنمُو تدْريجيّاً في السّنة الثانيَة وبنفسْ المُناسبة فإنّ الإمام الخميني رحمة الله عليّه أحياهَا فخطبْ خطاباُ أعنفْ منْ الخطابْ السّابق ضدّ شاه إيرانْ ووجّه تحذيراتْ للحُكومة وللشاه في ذلك الخطاب. فمنْ الطبيعي أنّ يثورا هؤلاء ولا يتوقفوا، فقامتْ قوّة بنفسْ الطريقَة وفي جَوف الليلْ و أخذُوا الإمَام الخميني رحمَة الله عليّه ومَعه بَعضْ أقاربه ومنهُم ابنه وأخذوهُم منْ بَيته مُباشرةً إلى مَطار طهْران الدّولي (مَطار مهرابات) وكانتْ هُناك طائرَة عسْكرية جَاهزة لكي تسّفر الإمامْ الخمَيني رَحمَة الله عليّه إلى تُركيا بعدَ اتفاقْ بين الحُكومة التركيّة، إذْ كانْ الذينْ يحكمونْ آنذاك هم العساكرْ وكانوا مرتبطينْ مع الأمريكيينْ باتفاقْ بينهُم وبينْ الحُكومة الإيرانيّة بأن يأخذوا هذا الإمَام إلى تركيا, ثمّ نزَلَ في تركيا ثم حولوه إلى مَنطقة (بورسا) منْ المَناطق السياحيّة وفيهَا شيعة لأهلْ البيتْ وكان فيها أيضاً مسجداً ,, نحنُ زرنا مَسجداً هناك لشيعة أهل البيتْ عليّهم السّلام والذين هُم هناك يَعرفون أينْ كان سَكن الإمامْ رَحمَه الله في تلك الفترة في منطقة (بورسا). بقي في هذه المَنطقة مُدة سنة كاملة وكان منْ نتائجْ هذه الفترَة أنْ كتب كتابْ (الرسَالة العملية) و ( كتاب تحرير الوسيلة باللغة العربية) و( رسَالته العمليّة في الأحكام).

 بعد مرورْ سَنة تقريباً من ذلك، صَارَ القرارْ بأنْ يُسافر إلى العرَاق فَما كانْ تسفيرْ هذه المَرة؟ إنمَا كان سفراً من ترْكيا إلى العرَاق و للذهاب إلى النّجف وكانتْ الأوْضَاع في ذلك الوقت في العراق لا تمْنع منْ مَجيء الإمامْ الخمَيني رَحمَة الله عليّه فانتقل إلى العرَاق في حُدود سَنة 1965م . ثمّ انتقل إلى النّجف الأشرَف فبَدأ درْسه الاعتيادي باعتبارْ واحدْ منْ العُلماء والفقهاءْ فبدَأ يدْرس في مَسجد يُسمى مَسجد الشيخ الأنصَاري رَحمَه الله في النّجف الأشرَف واجْتمع حَوله الطلابْ الذينْ يعْرفون شَخصيته. كانْ أحَدْ دُروسه المُهمة والذيْ يرتبَط بهَذا المَوضُوع وهو تدريسْ بَحثْ الحُكومة الإسْلامية أو ما عُرف بنظريّة (ولايَة الفقيه) وهل يَجبْ فيْ هذا الزمانْ السّعي لإقامَة الحُكومة الإسْلامية أو لا؟؟ أو لابُد منْ انتظارْ ظُهُور الإمام الحُجّة؟. هُناك رُوايات مُتخالفة مُتعارضَة كيف يُمكن لنَا أنْ نَخرُج بنظريّة في هَذا المَجال وماهي حُدود اختيارات الفقيه العَادل في هذا الزمانْ.

كيف بدأ الامام الخميني تحركه في النجف الأشرف.

بَدَأ الإمام الخميني بسلسلة دُروس على مُستوى البَحث الخارجْ في الفقه بَعد بَحثه لكتابْ المَكاسبْ وَهذا البَحث عادةً يتمْ طرْحه على هَامش أحدْ البُحوث في (مكاسبْ الشيخ الأنصَاري رحمَه الله) فطرَحَ هذه المَباحثْ و طُبع الكتابْ الذي عبّر فيه عنْ نظريته وفكرته ووضحْ فيهَا أنّه لابُد وأنْ يسعَى العُلماء في هذا الزّمان لإقامَة الحُكومة الإسْلامية  و رَدْ الشبُهَات, و رَدْ الإشكالاتْ. فَطُبع هذا الكتابْ وانتشرْ وكانْ يُمثل أولْ درَاسة فيْ هَذا المَوضُوعْ منْ هذا النوع فيْ العَصر الحَديث. بَعدَها بفترة، ظل توَاصل الإمَام الخُميني رَحمَة الله عليّه معْ الفئاتْ المُجَاهدة. وفي هذه الأثناءْ صار بإمكان منْ كانوا في العراقْ وحَتى الذينَ كانُوا في أوُروبا وفي أمريكا منْ الاتحَادات الطلابية والجماعات المُجاهدة في مُختلف الأماكنْ بأنْ يتَواصَلوا معْ الإمَام الخُميني في العرَاق فيْ الوَقتْ الذيْ كان يَعْسر عليّهم ذلك في إيرَان نظراً لأنهم كانوا مَطلوبون أو مُطارَدُون فأصْبَح في تلك الأثناءْ شيئاً منْ الانتشارْ العَالميْ بالتدريْج وهَكذا في البلاد العَربيّة أيضاً قدْ تفاعلتْ المَنطقة العَربية منْ عُلماء على قسمين فقسمٌ منهُم كانوا مثقفينْ و تفاعلتْ معْ الحَركة الجهَادية للإمَام الخُميني رحمَة الله عليّه حركاتْ إسْلاميّة وتفاعلتْ مَعه حركة عُلماء مُفكرونْ معَ هذه الحَركة وأعَانوا قدرَ استطاعَتهُم هذا التوجّه فاستمرّ هذا الأمر إلى سنة 1977م.

فيْ سَنة 1977 م توفي ابن الإمَاْم الخُميني آية الله السيّد مُصْطفى وهُو عالمْ مُحقق يَستطيع الإنسَان أنْ يَطّلع عَلى مقدارْ علميّته منْ خلالْ كُتبه وبحَمد الله كتبَ كُتباً كثيرَةً تخصّصيّه فيْ الفقه والأصُول وتُعْرب عنْ علميّة و قوّتة  وتوفي فجْأة إلى رحمة الله تَعالى. البعضْ عدّ هذا نوْعاً منْ الاغتيالْ بالسّم منْ قبل أعوانْ الشاه ويُقيمونْ على ذلك بَعضْ القرائن والشواهدْ والبعْض الأخرْ يّقول بأنّ القضيّة طبيعية وَمات بأجله من غيرْ فعل فاعلْ خارجيْ،  فعَلى أي التقديرين تحولت مَجالس التأبينْ والفاتحة التيْ أُقيمَت فيْ إيرانْ لهُ إلى مَهْرجانات كبيرَة سياسيّة  وفيها إعلانْ الوَلاء للحَركة الجهَادية والثوريَة التي يَقودها الإمامَ الخُميني رَحمة الله عليّه ومنْ مَعه منْ العُلماء. وإلى مَوقف مُضاد وبرَاءة من سياسَات النظامْ للشاهٍ شاهي وكانتْ تتنقلْ منْ مَكان إلى مَكان فترَة في قمْ و فترة أخرَى فيْ آراك، و فترَة فيْ أصْفهَان وهكذا. فذلك كانْ بمَثابة الشرارَة التيْ تَنتقلْ منْ بَلد إلى بَلد وَتفعل فعْلها.

فبَدأت الحَركة الثوريّة الإسْلامية تظهرْ بشكلٌ واضحْ وتُعربْ عنْ نفسَها هذا اسْتمر الحَال إلى أوَائل سَنة 1978م. وعندَما قررَ الإمَام الخمَيني الخرُوج من العرَاق وجدَ  أنّ جزءاً منهمْ لديّهم احتجاجْ على سياسَات البَعثيين وخاصّة فيمَا يَرتبط بتسفيرْ الإيرانيين إذْ أنّ الحُكومة البَعثية لَمَا جاءتْ على أثرْ خلافهَا معَ حُكومة الشاه و في مَوضوع شط العَرب وعدمْ انسجَامهم هنا إذْ حلّ غضبٌ منْ الحُكومة البعثيّة على من؟ على الإيرانيين المَوجودينْ في العرَاق فقسمٌ منهم مرّ عليّهم أربعينَ سَنة وهم مُقيمينْ في تلكْ الأراضيْ، وبعضهم من ولدَ هناك، وقسمٌ آخرْ جاءوا لطلب العلمْ واستمرت بهم الأيامْ فقاموا بمَوجَاتْ تسْفير مُتتالية سَيئة وشنيعَة جداً. فكانوا يَأتونْ بشاحناتْ حَسبْ التعبيرْ ( القلابات) ويأخذونْ منْ وجَدوه من الإيرانيينْ من الشارعْ إلى الشاحنَة ثمّ إلى الحُدود إذ لم يكونوا يكترثونْ فيمَا إنْ كان هذا الشخصْ هذا لديه عيال، لديه أطفال، عنده زوجة، عنده أموال، عنده شغل، عنده بيت، أو عنده أملاك! بلْ على العكسْ أبداّ فقد كانَ شيئاً شنيعاً جداً. فعندَما بدأت الحُكومة العراقية بهذا الأمر، قامْ الإمَام الخميني مُباشرة بإرسَالْ احتجاجاً لهُم وقال أنا أخرجْ منْ العرَاق احتجاجاً على ذلك، فلمْ يَسمَحُوا له بالخرُوج ولكنْ تتابَعتْ المُضايقاتْ ولاسُيما بَعدَ أنْ استقوَى صدام المقبور الذي أضاف إلى هذا السُّوء سوءاً آخر وهُو عزْمه على القضَاء عَلى الوُجودْ العلميْ والحَوزيْ للنجفْ الأشرَف كانَ يُريدْ تحطيمْ هذا الوُجود فبدَأ بمُضَايقاتْ شديدة لمَن كانَ في هَذه الحَوزة ولاسيمَا لمثلْ هَؤلاء ممّنْ لهُم حَركة ثوْرية إذْ أنّ ذلكْ طبيعيْ و لابد أن يكونوا في مُقدمة الأمرْ. عَلى أثرْ هَذا الإمَام الخميني رَحمَه الله قرّر الخُروجْ منْ العرَاقْ وقال أنا أخرُج حَتى لو لمْ يسمَحُوا أريدْ أنْ أخرج ولا أُريدْ أنْ أبقَى. فخرَجَ إلى خارجْ العرَاق إلى دَولة خليجيّة و لمْ يُسْمح له في ذلك الوقتْ بالدخولْ إليها وفيْ تلك الفترَة أصْبَح القرارْ بأنْ يذهبْ إلى فرَنسا.

 في فرنسَا منْ جهَة مُعيّنة، كان فيهَا من تَبعَ الحَركة الجهَادية في إيرانْ معه وفيها أنصارْ كثيرونْ من طلابه، وكانْ هُناك عددٌ كبيرْ منْ الطلابْ الإيرانيينْ منْ سيَاسيين مُقيمينْ في فرَنسا أيضَاً وكَانوا يَدعمُونْ هذا التحرّك ويُوافقونَه وإضافة إلى ذلك لم تكنْ فرَنسا في ذلكْ الوَقتْ تظهرْ وجهَها القبيحْ كما هو الحالْ الآن. ففي ذلكْ الوَقت كانت عاصمَة حريّة الرأي باريس. فإذا كانَ أحداً يُريد أنْ يأتي بمثال قبل عشرينْ أو خمسَة وعشرينْ سنة أكثر أو أقل على نمُوذجاً غربياً لحرية الرأيْ والتعبيرْ والديمُقراطية وحقوقْ الإنسانْ، كانْ يأتي بنموذجْ مثلْ باريسْ إذا تستطيعْ أنْ تذهبْ إلى هُناك وتتحدث بمَا تريْد وتتحدَثْ عن أي شيء وكان يُوجدْ هناك حركاتٌ سيَاسية مُختلفة و ما إلى ذلك.

 الامام الخميني من النجف إلى فرنسا

كانْ ضمْن بداياتْ الثوّرة الفرنسيّة الأولى التي قامُوا بها وأعلنوها في فرنسا، انكشافْ الوَجه القبيحْ لحُكومَة فرَنسا فظَهَر كما هو حالها  الآن. فصَارتْ تنتَشرْ كلماتْ بأنّ الإمَام يريد أن يذهبْ إلى فرَنسا إذْ لم يكن هناك مُمانعة من ذهابه إلى فرَنسا. فنزَل إحْدى ضَوَاحيْ باريسْ وهيَ التيْ عُرفت فيما بعد على مُستوى العالمْ منطقة (نوفل لوشاتو) وتحّولت تلك القريَة أو الريفْ الهَادئ إلى عَاصمَة الدُنيا منْ حيثْ الإعلام والسياسَة ومَجيء وكالات الأنباءْ وَنشرَات الأخبارْ والمناضلينْ الإيرانيينْ ومن يريدونْ أن يتعرفوُا على هَذه الحَركة إلى أنْ تحولتْ تلك المَنطقة إلى مَنطقة جذبْ استثنائية و وكانْ الإمام الخميني يُوجه خطاباتْ في هَذه الأثناءْ وكانتْ تصلْ إلى إيرانْ بشكل أسْهل مما كان عليّه فيْ العرَاق أيّ أنّ الوضع في فرَنسا كان  الوَضعْ مُتقدماً منْ الناحيَة التقنية والسياسيّة والإعلاميّة اختصرَ الطريق كثيراً على هذه الحَركة. فكانتْ الأشرطة تصلْ إلى إيران، والخطاباتْ تصلْ الندَاءات تصلْ، و الاتصالاتْ قائمة وما إلى ذلكْ. وقدْ أرْسل للإمام الخمَيني رحمَة الله عليّه منْ قبل الرئاسة الفرنسيّة بعدَ ضَغط الحُكومة الإيرانيّة خطاباً  يُفيدْ بأنّه بإمكانكْ أنْ تأتي إلى هُنا بشرْط أنْ لا تتحدثْ ولا تمارسْ أيّ نشاطْ سياسيْ، فرد الإمامْ الخمينيْ على هَذا الرّسُول فقال: ( أنا جئت إلى هُنا بلا شرْط وأنا سَوف أتحدّث وأعربْ عنْ مَواقفي بصَراحة لأن فرَنسا تدعي أنها تدْعم حريّة الرأي وأنها تعارض الديكتاتورياتْ وأنهَا معَ حقْ الشُعوب، فإمّا أنْ تكونْ كاذبَة إذاً لتقولْ للناسْ نحْنُ كذابونْ وإمّا أن تكونْ صَادقة فلا تمْنع. و أنا ليسْ عندي سلاحْ ولا عندي أيّ عَمل،  فأنا لديّ لسَاني أتحدّث فيه وأنتقدْ الديكتاتورية وادْعوا إلى الحريّة ولا أتوقفْ عن هذا إذا لمْ يعجبكم فأخرجونيْ منْ هنا و أنا لا أخْرجْ ولا أتوّقفْ عن عمَلي هذا) طبعاً هُنا همْ بالتأكيدْ توَرطوا،  فإنْ أخرَجوه بهذا الزعمْ تصيرْ فضيحة ويريدون إسكاته بهذا المرسُول فلمْ يقبلْ بذلك. تصَاعدت الحَركة بشكل أكبرْ صارت قضيّة المُظاهرات والاعْتَصامات والمَهرجاناتْ في داخل إيرانْ منْ منطقة إلى منطقة قوية، وكانتْ الخطابات الثوريّة العنيفة والشديدة هي العُملة الرائجة والشائعة في كل مكانْ. في هذه الأوضاعْ  قرر شاه إيرانْ أنْ يُغادر إيرانْ و يُغادر طهرَان لكي على الأقلْ تهدأ الناسْ. فعلى سَبيلْ المثالْ لو أنه خرَج وتَرَك كل شيء باختياره ليرْجع ويُسيطرْ على الأوْضاع  بعدَ أنْ يرْجع مرة ثانية لأنه سَبق وحَدثت له حادثة مثلْ هذا النوع أيضاً في قضيّة سابقة  ففكرَ بأنْ يكررْ التجربة مره أخرى ويخرجْ لتهدأ الناس ثمّ يرجعْ من جديدْ وخرَجْ. بمجرد أن خرَج، أعلَنَ الإمامْ الخميني رحمَة الله عليّه عنْ تشكيل شورى الثورة الإسلامية وهي بمثابة حُكومة مؤقتة, حُكومة مؤقتة كانتْ تصدرْ أوامرْ إلى الناسْ فكان الناس يَستجيبون أكثرْ بخلافْ الحكومة الرسميّة  أيّ حكومة الشاه التي في طهرانْ فقدْ كان الشاه يقولْ للناس شيئاً ولا يلتزمون به، وهذا الإمامْ يوجه إليهم خطاباتْ منْ خارج البلدْ تقول فيلتزمون به ويأمرُهم فيأتمرون وينهاهُم فينتهونْ وكان هذا نوعاً من الاستفتاء الشعبي الواضحْ على قبُول هذه الحَركة وهذه الثورة وهذه الحَكومة. بعْدها بفترة قريبه أعلنَ الإمام الخميني رَحمَة الله عليّه أنه سوف يرْجع إلى إيرانْ وهي بلده الأصْلي بعدَ هذه الغيبة التي غادرها من سنة 1965 التي نفي منها في حدود 1978 فقد كان عازمٌ على الرجوع إلى إيرانْ. عندما أعلنَ خبر رجوعه زادَ من عزيمة الناسْ وحَماسهم وترقبهم في أنّ النصرْ أصبحَ على بعد قابْ قوسينْ أو أدْنى وفي الوقتْ ذاته أضعفَ حُكومة الشاهٍ شاهيه وهي حُكومة كانتْ باختيار فبدأتْ تتضعضع آنذاكْ.  كان أكثرْ منْ هم حول الإمام يحذرونه ويَطلبون منه عَدم العودة إلى إيرانْ  لأنّه رُبما تكونْ الطائرة التي يركبها الإمامْ  تتعرض من قبلْ الحُكومة المعتوهة إلى  إطلاقْ صاروخْ في الجو فتسقط . ففي نظرْ المُناصرون للإمام أنّه لا ينبغي ذهاب الإمام الخميني بمَا عُهد عنه من العَزيمة، ولكنّه قال: ( نحنُ نرجعْ وما يُقدره الله تعالى هو الذي يكون وليكن ما يكن، فإذا كان قدَرُنا أنْ نقتل فلنقتل ولكنْ المُهم أنْ نرجعْ إلى شعبنا ونرجعْ إلى جَماهيرنا وأنْ نُكمل هذه المَسيرة، فمن يريد أن يرجع ليرجع و الذي لا يُريد أن يرجع يبقى ولو اضطررت أن أرجعْ وحْدي سوف أرجعْ) وهذا الأمرْ هو الذي أعطى الناسْ عزيمةً قوية ولمن معه. فتمّ تحديد المَوعدْ وحَضرتْ وكالات الأنباءْ و جاء المراسلون والصّحفيونْ وحَضرَ منْ يريد الرّجوع إلى أنْ امتلأت تلك الطائرة ومنْ كان متخوفاً أن يرجع أصْبحَ أولْ المُتحمسين وبالفعل طارتْ تلك الطائرة إلى طهران وبالتحْديد إلى تلك الحُكومة وهي حُكومة الشاه التيْ أعلنتْ أنّها أغلقتْ المَطارات كلها في إيرانْ و معنى ذلك أنها تضعْ حَواجز حَديدية أو آليات على المُدرجات الطائرة لكي لا تتمكنْ من الهبوط إلى المَطَارْ أو تتدمرْ وهذه جميعها مُحفزاتْ لكي يتراجعْ الإمام الخميني ولكنّه مع ذلك قال: (نحنُ نذهبْ وسنذهب إلى طهران وسننزل فيها) وظل هذا الكلامْ إلى ما قبلَ رُبع سَاعة من الوُصول إلى طهرانْ وكانتْ جميعْ الآلياتْ والحَواجز وإغلاق المطارات مَوجودٌ وقائمْ والطائرة تطيرْ إلى مَا قبل رُبع سَاعة من وصُولها إلى طهران وكان كابتنْ الطائرة مُضطرباً حيالْ ماذا يصنع؟ وكانْ الإمام الخمَيني يقول نذهب إلى مَطار طهرانْ تحْديداً وسَننزل بإذن الله عزّ وجلْ، و لما وصَلوا إلى هذه النقطة كانت الحُكومة قدْ تلك أزالتْ هذا الإغلاقْ عنْ مطار (مهراباد) وفعلاً نزلتْ هذه الطَائرة في مشهدٍ وشهده الكثير من الحَاضرين ومنْ السّامعين ممنْ أعمَارهم تسمحْ بهذه الفترة التاريخية أنّه لكيْ يذهبْ الإمام عليّه الرّحمة بعدَ أن نزَل في طهران فأولْ توجّه له كانْ إلى مَقبرة الشهَداء عرْفاناً بجَميلهم وبحَقهم على هذه الثورة هؤلاء إذْ قدّموا دمائهم فهم فينبغي أن يكونوا أول منْ يَستقبلون الإمامْ وأوْل من يستقبلهم. فخطَبَ هناك خطباً في رَوضة الشهداء جنة الزهراء (بهجت زهراء) كمَا يُسمونها هُناك وقال: (أنا اُسْقط هذه الحُكومة وأعَين حُكومةً جَديدةً ) وكأن هذه الحُكومة التي بيدها الجيشْ وحرَسْ الذيْ كانوا يسمونه حرَس الخالدونْ ( جاودان ) يُسمونه أيّ الخالدونْ والساواك الذيْ يُعد من أقوى أجْهزة المُخابراتْ في المَنطقة في الشرقْ الأوسَط  وكانوا كأنهم تماثيلْ من الشّمع  ولمّا أشرقتْ عليّهم الشمس ذابُوا وتبَخروا، فالذي استطاع أن يهربْ من الزُعماء والكبار والقادة ونجا بنفسه خرجْ بسُرعة من البلادْ وإلا منْ بقي منهم كانْ مَصيره إلى القضاءْ وبالتاليْ إلى المُحاكمَة ولقي جَزاءه وهكذا انطوَت هذه الصفحة لكي يتحقق وعد الله عزّ وجلْ "وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ". فتحقق النصرْ للإسلام ولمَذهبْ أهلُ البيتْ عليّهم السّلام ولعُلماء هذه الطائفة وخاّصة أنّهم اسقطوا حُكماً جباراً طاغوتياً من دونْ أن تُراق فيه الدّماء بهَذا النحو الذي نشهَده اليوم في أكثرْ من بلدْ إْسلامي. فأقيمَت حُكومةً على أنقاض تلك الحُكومة الجائرة ولا تزالْ إلى اليومْ مُستمرة بعد خمسة وثلاثون سَنة تزيد قليلاً أو تقل قليلاً من بداية التأسيسْ لهَذا الإمامْ العَظيم تغمده الله بالرّحمة.

 رَحيلْ إلى رَحمَة الله تعَالى.

 حقيقة كان الإمَام الخميني منَ مُجَددي الرُؤية الإسْلامية وممّن أعْطى رُوحاً لكلْ الأمّة معْ أنْ مَجال عمَله إيرانْ إلا أنْ روحه التي بثها لمْ تقتصرْ على إيرانْ بل تعدّت إلى العَالم الشيعي بل تعدّت إلى العَالم الإسْلامي ككُل بل  وإلى المُستضعفين عُموماً حيث رأوا في ذلك نصراً لهم كما انتصرَ الإيرانيون وأقام بذلك الدّولة ونجَحتْ بفضل الله تعالى ثمّ فضل الثورة إلى أنْ حلَّ عام 1409 هـ لكي يذْهب هذا الإمام العظيمْ إلى خالقه الكريمْ رَاضياً مرْضياً معْ شُعوره بالتقصيرْ كما يقولْ بالرّغم من كلْ ما قدّم لمُجتمعه ولأمته يَذهبْ وفي وَصيته يقولْ : ( أنا مَملوءْ شعُوراً بالتقصيرْ والقصُور تجاه هذا الشعْب وتجاه هذا الدّين وتجَاه هذه الأمّة) فرَحمَة الله عليّه رحمَة واسعَة. ولقدْ قدّر المُؤمنون هذا الإمَام العَظيم والقائدْ الكَبيرْ تقديرَاً عالياً فبقيتْ جنَازة الإمَاَم عليّه الرّحمة تنتظرْ وصُول الوُفود منْ مُختلف الأنحاءْ منْ مُختلفْ أنحاء العَالم منْ داخلْ إيرانْ وخارجْ إيرانْ منْ عُلمَاء وزعَماء وُمفكرين وشخصيّات إذْ تقاطرَ كل هؤلاء  لكيْ يُشيعوا جُثمان الإمامْ الخميني رحمة الله عليه ولذلك لم يدفن في نفس يوم وفاته وإنما أخرت جنازته لكي يشهد ذلك التشييع العظيم اللائق بجلاله وشأنُه ومَنزلته رَحمَة الله عليّه، فكان ذلك التشييعْ يثيرْ في النفسْ شعُوراً بالغبْطة وشعُوراً بالعَظمة في أنْ منّ يَخدم دينه وأمّته وشعْبه يلقَى مثلْ هذا التكريمْ وفي الوقتْ ذاته كان يُثير في النّفسْ شيئاً منْ الشعُورْ بالحُزن وهو عندَما يرْمي الإنسانْ ببَصره إلى نقطة أخرى وإلى مَكان أخرْ إلى كربَلاء.

مرات العرض: 4089
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1083)
تشغيل:

العلامة الطباطبائي بين الفلسفة والقرآن
الإمام الخوئي زعيم الحوزة العلمية