تعريف العقل عند العلامة المجلسي 5
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 8/11/1442 هـ
تعريف:

وصية الامام الكاظم لهشام 

تعريف العقل عند العلامة المجلسي 5

كتابة الأخت الفاضلة تراتيل

اعوذ بالله من الشيطان الرجيم  بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين

 مازلنا  في وصية الامام موسى بن جعفر عليهما السلام لهشام بن الحكم في التوصية بالعقل والتعقل و بيان اثار و صفات العقل وقد سبق ان ذكرنا في حديث مضى في سؤال ما هو العقل وقلنا ان بعض المفاهيم من الوضوح عند الناس بحيث تعريفها بالكلمات قد لا يكون اكثر وضوحا منها في انفسهم ومثلنا على ذلك بالماء واشباهه فان معناه عند من نظر اليه او رأى اثره في تنظيف الأشياء يستغني عن تعريفه بالكلمات كذلك العقل قد يكون من هذا القبيل لاسيما اذا اريد ان يعرف تعريف جامعا مانعا بحيث يدخل الاشباه ويطرد الاغيار هذا امر متعسر ولكن مع ذلك يمكن ان يذكر للعقل تعريفات من خلال اثاره وما يتوخى ويترجى من هذه القوة والقدرة ونقلنا في هذا كلام العلامة المجلسي رضوان الله عليه في البحار في الجزء الأول وبيننا لأننا نتحدث عن العقل في اخبار اهل البيت ووصية الامام الكاظم هي من هذا القبيل فينبغي ان نرجع الى العقل في هذه الاخبار اما اذا ذهبنا الى افق اخر كأفق الحكماء والفلاسفة فلربما لا يوجد بين تطابق ما هو في هذا المنهج وبين ما نحن بصدد الحديث عنه من شرح وصية الامام عليه السلام لهشام 

في حديث سابق اشرنا الى ان العلامة المجلسي قال : العقل يطلق وقد يراد منه أمور , الأول الذي تعرضنا اليه , قال :

الوجه الأول : 

هو قوة إدراك الخير والشر والتمييز بينهما ، والتمكن من معرفة أسباب الأمور وذوات الأسباب ، وما يؤدي إليها وما يمنع منها ، والعقل بهذا المعنى مناط التكليف والثواب والعقاب . وهذا تكلمنا فيه 


الوجه الثاني :

الذي دكرنا قسم منه ,قال : ملكة وحالة في النفس تدعو إلى اختيار الخير والنفع ، واجتناب الشرور والمضار – قال انها ملكه من الملكات النفسية للإنسان وهذه الملكات تكبر وتنمو وكأنما هنا أشار الى هذا المعنى -، وبها تقوي النفس على زجر الدواعي الشهوانية والغضبية ، والوساوس الشيطانية وهل هذا هو الكامل من الأول أم هو صفة أخرى وحالة مغايرة للأولى ؟ يحتملهما ، وما يشاهد في أكثر الناس من حكمهم بخيرية بعض الأمور مع عدم إتيانهم بها ، وبشرية بعض الأمور مع كونهم مولعين بها يدل على أن هذه الحالة غير العلم بالخير والشر  

اليوم سنشير الى بعض كلمات العلامة المجلسي وسنشير الى بعض كلمات العلامة الطباطبائي رحمه الله صاحب الميزان لنجد هل يوجد بينهما انسجام ام بينهما تباين 

قال العلامة المجلسي : والذي ظهر لنا من تتبع الاخبار المنتمية إلى الأئمة الأبرار سلام الله عليهم - باعتبار ان المجلسي محدث وقضيته الأكبر هي في اخبار اهل البيت حتى عبّر عنه احدهم بانه غواص اخبار ال محمد - هو أن الله خلق في كل شخص من أشخاص المكلفين- سيخرج الحيوانات والبهائم والجمادات لان تلك ليست مكلفة بتكاليف شرعية  - قوة واستعداد إدراك الأمور من المضار والمنافع وغيرها ، على اختلاف كثير بينهم فيها – أي اصل  قوة ادراك تمييز الناقع من الضار وبالتالي الخير م الشر هو موجود عند المكلفين عامة ولكن هم مختلفون في مقدار هذه القدرة  فلو كانت بالدرجات فنقول ان بعضهم ثلاثين لكن بعضهم تسعين وهكذا وبإمكان الانسان ان ينمي هذه القوة فلو كان اصلها مثلا ثلاثين درجة فبها الانسان يثاب ويعاقب وبها ينجو من الشر و يتجه للخير لذلك صارت مناط التكليف فلا يستطيع الانسان  ان يعتذر يوم القيامة انه لم يكن  يعرف شيء ولا يهتدي سبيلا ولا يثق بتكليف لان هذا المقدار موجود عند كل المكلفين وبه يهتدي الانسان الى ربه لكن هناك شخص يبقى في درجة الثلاثين و شخص اخر ينميه باجتناب الشهوات وبالتدبر والتأمل فيحصل على السبعين والثمانين وهكذا  - ، وأقل درجاتها مناط التكليف – بها التكليف - ، وبها يتميز عن المجانين – المجنون لا يوجد عنده هذا المقدار بل لديه اقل من الثلاثين مما يحافظ به على حياته ولكن هذا المقدار الأقل ليس مناط التكليف , فلا تجد مجنون  يقف امام السيارة المسرعة او يضرب نفسه بسكين لأنه  لديه عقل بمقدار ما يحافظ به على حياته ولكنه لا يعرف ربه ولا يهتدي طريقة و لا يعرف ربه   - ، وباختلاف درجاتها تتفاوت التكاليف -فمسؤولية من عنده ثلاثين درجة تختلف عمن لديه تسعين لان قدرته التعقليه اكبر فقد أضاف الى عقله إمكانات جديده فمن يترقى فهو واعي وحسابه يختلف ويقال للتمثيل انه عندما قبر شخص عادي في تعقله فجاء الملكان المقربان وسأله من ربك من نبيك ومن امامك وما فرضك  فهذه الأسئلة للإنسان العادي فلو قال لا اعرف الا علي بن ابي طالب فقال الملكين طالما انه يعرف علي بن ابي طالب فحتما هو يعرف النبي ولولا ذلك لما وصل الى علي بن ابي طالب مباشرة دون المرور بالنبي الاكرم فمشى ونجح , ولكن الشخص الاخر المتوفي هو عالم لديه بحث حوزوي وعقائدي وما الى ذلك فسألوه الملكان من ربك ومن نبيك ومن امامك وما فرضك فقال لا اعرف شيء كل ما اعرفه جيدا هو علي بن ابي طالب فقال الملكان : خدوه واجلدوه جيدا حتى يجاوب بشكل جيد لأنه مطلوب منه جواب تفصيله صحيح فهو مسؤول بهذا المقدار حيث يحاسب الانسان بحسب إمكاناته فحساب العالم اكبر عقابه اكبر وثوابه أيضا اكبر -  ، فكلما كانت هذه القوة أكمل كانت التكاليف أشق وأكثر ، وتكمل هذه القوة في كل شخص بحسب استعداده بالعلم والعمل ، فكلما سعى في تحصيل ما ينفعه من العلوم الحقة وعمل بها تقوي تلك القوة – أي لها برنامج نظري وبرنامج عملي يقوي هذه القوه العقلية فمثلا عندما يتوجه الانسان الى القران فبنفس المقدار الذي  يقرأ القران ويتأمل فانه يرتقي وبارتقاء علمه يرتقي عقله فاذا عمل ببرنامج قد وضعه الله سبحانه يصبح مصداق للآية ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) فالعبادة احد طرق تكامل عقل الانسان وتكامل ادراكاته وكذلك الصوم والالتزام بالبعد عن النواهي الإلهية  فبنفس المقدار الذي تكون به المحرمات و النواهي الإلهية تغرق الانسان في الشهوات وتغيب عنه نداء الفطرة والعقل فان المستحبات ترفع من درجات الانسان ودرجات التعقل وتزيد في منزلته 

ويتابع قوله : ثم العلوم تتفاوت في مراتب النقص والكمال ، وكلما ازدادت قوة تكثر آثارها وتحث صاحبها بحسب قوتها على العمل بها فأكثر الناس علمهم بالمبدأ والمعاد وسائر أركان الايمان علم تصوري يسمونه تصديقا ، وفي بعضهم تصديق ظني ، وفي بعضهم تصديق اضطراري ، فلذا لا يعملون بما يدعون – ومختصر كلام المجلسي من اخبار اهل البيت عليهم السلام ان الله عندما خلق الخلق و كلفهم جعل عند هؤلاء المكلفين قدرة ترشدهم الى ربهم وتبعدهم عن مالا ينبغي فعله وان هذه القدرة في ادنى مستوى لها يحتج الله بها عليهم ويستطيع الانسان ان يرتقي بها بالعلم والعمل - ، فإذا كمل العلم وبلغ درجة اليقين يظهر آثاره على صاحبه كل حين . وسيأتي تمام تحقيق ذلك في كتاب الايمان والكفر إن شاء الله تعالى .


الوجه الثالث :

يقول العلامة المجلسي : هو  القوة التي يستعملها الناس في نظام أمور معاشهم ، فإن وافقت قانون الشرع واستعملت فيما استحسنه الشارع تسمى بعقل المعاش ، وهو ممدوح في الاخبار ومغايرته لما قد مر بنوع من الاعتبار ، وإذا استعملت في الأمور الباطلة والحيل الفاسدة تسمى بالنكراء والشيطنة في لسان الشرع ، ومنهم من أثبت لذلك قوة أخرى وهو غير معلوم .- اما الانسان فانه منذ ان يخرج من بطن امه ويشتد عوده فانه يدبر حياته وكلما كبر ونما فانه يزداد قدرة على شؤون الحياه وهذه القدرة تارة توافق الشرع وتارة تخالف الشرع فمثلا لتدبير معاشه يقوم بالسرقة فهذا تدبير ولكنه غير موافق للشر , ومثلا الانجاب تارة يذهب للحلال وتارة يذهب للزنا والاغتصاب , هذه القدرة  حسب هذا التعريف هي العقل الان السامعون والسامعات زادهم الله توفيقا يتزوج ينجب ويأكل ويرتاح في الحياة  لأنه يدبر معاشه بما يوافق شرع الله فهو يحفظ فرجه بالزواج و يشبع بطنه ويلتذ بمال حلال من عمله ويأكل الحلال ويجتنب الحرام ولذلك هؤلاء المتدينون والمؤمنون عندما يناقشون غيرهم من غير المتدين انهم يعتقدون جزما بانهم سيكون من سكان الجنة لكن الغير متدين قد لا يرجوا ذلك العالم  , بل حتى في الدنيا لا يتميز الغير متميز عن المتميز فكلاهما عنده المسكن و الملبس والمأكل ولا يشعرون بان الغير متدينين افضل لان الغير متدين يشرب خمر و المتدين لا يريد شرب الخمر فقد عاشوا هم واباءهم واجدادهم بدونه بسلام ولم تتوقف حياتهم لانهم لم يشربوا الخمر ولم يأكلون الحرام وهكذا , بل بالعكس انت لا تستطيع الالتذاذ لان ضميرك يؤنبك ويوبخك لكن المتدين لا يؤنبه ضميره وكذلك الحال في اشباع الشهوة الجنسية فالمتدين يشبع شهوته هذه بالزواج ويشعر بانه بهذا العمل يعبد ربه ويشعر بالاستقرار والهدوء ولا يخشى الفضيحة ولا يقلق في داخل نفسه لكن الغير متدين يخاف ان ينكشف إضافة الى ذلك عندما يستيقظ ضميره فانه يخاف على عرضه من الاعتداء عليه لأنه ( كما تدين تدان )1 فكما اعتدى على عرض الاخرين فانه قد يعتدى على اعراضه و كيف سيواجه الله 

اذا المؤمن المتدين دبر معاشه بما يرضى الله سبحانه وتعالى  هو يأتي بكل ما يأتيه غيره من متعه ولذه إضافة الى انه لا يشعر بانه مغضوب عليه وعلى العكس فان ذلك الشخص يشعر بانه مغضوب عليه من ربه 


الوجه الرابع : 

هي مراتب استعداد النفس لتحصيل النظريات وقربها وبعدها عن ذلك – أي القدرة على استيعاب العلوم والنظريات فمثلا في الابتدائية يكون عنده مقدار وفي ا لثانوية لديه مقدار اخر فهذه هي القدرة العقلية حيث انه يكون بسيط الأفكار ثم مع الوقت يتلقى العلوم والنظريات  ويترقى علميا وعقليا لان من يستقبل هذه العلوم والنظريات هو عقله لا جلده  , فقدرة الانسان على استيعاب النظريات والعلوم  يختلف وعلى حسب العمر فهناك فرق بين من عمره ست سنوات وبين مرجع الطائفة , كلاهما انسان لكن الفرق هو كم المعرفة و العلم الذي يدرك بواسطة العقل - 

وقال : وأثبتوا لها مراتب أربعة : سموها بالعقل الهيولاني ، والعقل بالملكة ، والعقل بالفعل ، والعقل المستفاد ، وقد تطلق هذه الأسامي على النفس في تلك المراتب ، وتفصيلها مذكور في محالها ، ويرجع إلى ما ذكرنا أولا فإن الظاهر أنها قوة واحدة تختلف أسماؤها بحسب متعلقاتها وما تستعمل فيه .


الوجه الخامس : 

النفس الناطقة الانسانية التي بها يتميز عن سائر البهائم .


الوجه السادس : 

ما ذهب إليه الفلاسفة ، وأثبتوه بزعمهم : من جوهر مجرد قديم لا تعلق له بالمادة ذاتا ولا فعلا ،- الفلاسفة قسموا الموجودات الى قسمين :

 القسم الأول  :  مجسد يمكن التعامل معها بالحواس  كالإنسان والابنية والأشجار 

 و القسم الثاني : هي الوجودات المجردة أي التي لا يمكن التعامل معها بالحواس  كالنفس 

الفلاسفة اثبتوا للعقل وجود مجرد أي ليست القوة التي داخل الانسان وانما وجود مستقل لكنه مجرد 


كنا نتمنى ان نذكر احاديث اهل البيت التي وردت في تعريف العقل ثم نتحدث في كلام عن العلامة الطباطبائي لكن الوقت لا يتسع سنتحدث في ذلك في وقت لا حق ان شاء الله وصلى الله على محمد واله الاطهار 


..................................

1- الشيخ الكليني - ج ٥ - الصفحة ٥٥٣ - الكافي


مرات العرض: 268
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (0) حجم الملف: 31411.88 KB
تشغيل:

في ظلال وصية الامام الكاظم ما هو العقل؟ 4
عن العقل في كلمات العلامة الطباطبائي 6