لماذا ذم القرآن الكثرة وركز على العقل 3
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 23/10/1442 هـ
تعريف:

وصية الامام الكاظم لهشام

لماذا ذم القرآن الكثرة وأكد على العقل 3

كتابة الفاضلة سلمى بوخمسين

لا يزال حديثنا متتابع في وصية الامام ابي الحسن موسى ابن جعفر الكاظم عليه السلام لهشام ابن الحكم في موضوع العقل والتعقل واثار ذلك وقد ذكرنا في حديث مضى ان الامام الكاظم عليه السلام قد استعرض واستشهد بآيات كثيرة من القرآن الكريم في منزلة العقل وفي اثار استخدامه كما أراد الله، ونستكمل بقية هذه الآيات ثم نعرض الى ما يمكن ان يقال في تعريف العقل وتوصيفه فما هو العقل؟ 

وقبل الإجابة على هذا التساؤل نستكمل ما استشهد به الامام عليه السلام من آيات القرآن الكريم باعتبار ان القرآن هو منبع المعارف الصحيحة والسليمة وان كل شيء وبالذات في موضوع العقل إذا ارجعناه للقرآن الكريم فهو سليم وصحيح والا فلا ينبغي ان يعتنى به او يلتفت اليه 

مما ذكره الامام عليه السلام انه قال: يا هشام ثم وعظ أهل العقل ورغبهم في الآخرة فقال: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32 الأنعام) 

عندما يلاحظ الانسان الفترة الزمنية بأجزائها التفصيلية التي تمر عليه خلال حياته الدنيوية قد يخطئ في توصيف الدنيا ولكن عندما يراها بالإجمال عندها يلتفت الى ماهي حقيقة هذه الدنيا ..

الكثير من الناس ينشغلون باللحظات التفصيلية وقليل وهم العقلاء الذين يختصرون المدة الزمنية، فالإنسان العادي من الصباح يفكر كيف سيأكل كم من الوقت يحتاج لقضاء امر دنيوي ما وغيرها من الأمور اليومية المعتادة غالبا قسم من الناس مشغولون في الأمور الحياتية البسيطة بل كثيرا ما يفكر الانسان فيما سيحدث غدا ويهتم بالتفاصيل ..

ولكن لما لا يفكر بالجملة فما هي هذه الحياة الدنيا عندما تخلى من عبادة الله والتهيؤ للآخرة ستكون الحياة مجرد لعب ولهو وقضاء الوقت في أمور منتهية وهذا ما قاله الكفار (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) [التوبة:65]، عندما يلتفت الانسان للفئة العابثة التي لا تلتزم بالأحكام الدينية يرى ان خلاصة حياتهم لهو ولعب حينما تكون بعيدة عن الهدف الذي من اجله خلق ابن ادم وهو عبادة الله.

العقلاء هم الذين ينظرون الى الاخرة أولا ثم يرتبون حياتهم الدنيوية على ضوء تلك الحياة الاخرة حتى إذا كان الانسان يلهو ويلعب ويستمتع بما في الحياة الدنيا فذلك يصب في خدمة مصلحته الاخروية ولكي يهيئ نفسه لعبادة الله فالأكل والشرب والاستمتاع جميعه يكون هدفه التقوي لعبادة الله والترويح عن النفس لإعادة النشاط لعبادة الله كما ينبغي بهمة ونشاط  فمثلا حينما يستمتع الانسان بجمال الطبيعة يروح عن نفسه وفي نفس الوقت يتفكر في عظمة الله وقدرته على الخلق وتعبير القرآن الكريم في الموازنة بين الدنيا والاخرة يقول ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) كل نعم الله ومتعه الدنيوية من اجل هدف تحصيله يكون في الاخرة وان استمتع بها في الدنيا.

لذلك يرغب الله سبحانه وتعالى الانسان في الآخرة ولا يرغبه في الدنيا.

-    فمن يقول ان الله أوصى بالاستزادة من الدنيا من اجل الدنيا هذه نظرية خاطئة فالآخرة الغائبة عن النظر هي التي تحتاج للتوصية بها والاستعداد لها.

فالإنسان من الممكن ان ينسى الآخرة ويحتاج في هذه الحالة الى تذكير والقرآن يركز على هذا الجانب فكثيرا من آياته تصب حول التذكير بالآخرة وعدم الانسياق لمتع الدنيا والانشغال بها على حساب الآخرة (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)

ثم بعد ان رغب اهل العقل في الآخرة قال: يا هشام ثم خوف الذين لا يعقلون عقابه فقال تعالى: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138الصافات) ". 

وقال: (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35 العنكبوت). 

-    لكي يصنع منبه للإنسان ويعقل جعل الاثار من الاقوام السابقة التي عصت الله فهلكت بعقاب الله باقية فهي موجودة في صور مباني واحداث مثل مدائن صالح بيننا وبينهم الآلاف السنين ولكنها لا تزال باقية للذكرة والعظة وغيرها من الآثار في كثير من دول العالم فحينما نرى أبو الهول والاهرام في مصر والمعابد وغيرها من الآثار فالمقصود ان يأخذ الانسان العبرة منها فاين هم الفراعنة الذين ملكوا الدنيا وأين الجاحدون الذين قاوموا النبي صالح وغيره من الأنبياء فحينما ينظر الانسان لتلك الآثار لابد ان يتفكر ما هو مصير أولئك الاقوام فيعقل وينتبه لنفسه فيؤثر ذلك في سلوكه وحياته وعلاقته مع الله 

يا هشام إن العقل مع العلم – هناك اقتران بين العقل والعلم فالعقل موجود عند جميع البشر العالم والجاهل ولكن هناك من ينميه بالعلم وهناك من يقضي عليه او يبقيه على صورته الفطرية البسيطة بالبقاء في الجهل لذلك قال العقل مع العلم بالتعلم يزداد العقل ويتطور-فقال: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43 العنكبوت) ".

 ثم الامام يذم من لا ينمي عقله من خلال التأمل والتدبر والتفكر وزيادة العلم، في المقابل يستطيع ان يغطي على عقله بالإكثار من الشهوات فكلما نمى الانسان جانبه الشهوي زاد جهله وقل عقله فبدل ان يكون هذا العقل هو النور الذي يكشف الحقائق يصبح نور ضعيف لا فائدة منه فالله خلق العقل كالشمس ولكن الشهوة والانحرافات تحجب ذلك النور.

 واستطرد الامام وقال: يا هشام ثم ذم الذين لا يعقلون فقال: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170 البقرة).

فهناك من يحتج بانه عليه ان يتبع ما وجد عليه اباءه والتمسك بالعادات والتقاليد وان كانت خاطئة فيعبد ما يعبد اباءه ويسلك مسلكهم لا يحيد عن ذلك وكما يقول الشاعر:

 " وهل انا من غزية        غزية ان غوت غويت "

وكما يتداول دائما في المثل الشعبي حشر مع الناس عيد ..

فيأتي القرآن ويعاتبهم (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) فان كان الآباء والاسلاف من المؤمنين المهتدين المفكرين فاتباعهم واجب في هذه الحالة لكن لو كانوا غير مهتدين وغير عاقلين فمن غير العقل اتباعهم.

وقال: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171البقرة) ". 

النبي صل الله عليه واله كان يدعوا قومه ويخاطبهم ولكن هناك قسم من الذين كفروا مثلهم كمثل البهائم، مع ان الله ميز الانسان عن بقية المخلوقات بالعقل والفكر حتى جاء في تعريف العقل " هي القوة التي ميز الله بها الانسان على سائر الحيوانات او العجماوات فأدرك به الخير والشر والحسن والقبيح " هذه ميزة الانسان فلماذا يرجع الى سلوك بقية المخلوقات الغير عاقلة.

 فمن لا يستجيبون يصبحون صم بكم لا يعقلون، بالرغم ان الله وهبهم العقل والسمع والبصر ولكن هم من جعلوا أنفسهم غير قادرين فمن فوائد السمع والبصر ان تبعد الانسان عن الاخطار والمهالك فاذا لم يستفيدوا مما وهبهم الله فهم كالبهائم.

وقال: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42 يونس) الاصم هو الذي لا يسمع فهؤلاء كانت اذانهم تسمع ولكن قلوبهم صماء جعلوا بين سمعهم وعقولهم حاجز فلا يعون ما يسمعون فكانوا بمثابة الصم البكم العمي.

وقال: (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14الحشر) ". 

- هذه استدلال الامام على صحة فكرته يستعرض من القران الكريم آيات مختلفة من سور مختلفة من القرآن توافق ما يريد ان يطرح من أفكار وتوجيهات في قضية العقل _ 

 وقال لا يقاتلونكم يعني اليهود فمن غزوة بني النضير وبني قريضه والى يومنا هذا نلاحظ هذا المعنى انهم لا يقاتلون الا قد حصنوا أنفسهم جيدا وهذه حال كل من يحارب.

والآية تقول بائسهم بينهم شديد فلماذا بائسهم شديد بالاعتبار الثاني تكمل الآية تحسبهم جميعا وقلوبهم شتا لأنهم متفرقون في قلوبهم ويخشون الموت لا يضحي أحدهم بنفسه من اجل الاخرين بينما المسلم الحق مستعد يضحي بنفسه من اجل قضيته فهو يرى الدار الاخرة هي المستقر.

ولذلك القرآن يتحدى اليهود فيقول لهم الستم تقولون انكم شعب الله المختار وأنتم أبناء الله واحباءه فلماذا لا تضحون بأنفسكم من اجل لقاء الله فهو حبيبكم كما تزعمون ففي سورة البقرة 96 يوجد تركيز على هذا المعنى فيقول (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) وتمني الموت يكون في المعركة وليس وهو جالس في بيته فهم لا يعون ان من يتقرب من الله ويحبه هو من يطيع الله سبحانه وتعالى و هو من لم يكن له ذنب او مبتعد عن الذنوب فالله ليس بينه وبين احد من عباده قرابة وانما قربه وبعده عن الله حسب عمله واتباعه للرسول يكون هو الفاصل (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه ) سورة ال عمران 31 

يا هشام ثم ذم الله الكثرة فقال: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ / الأنعام 116) ". فهل فعل الحرام من الأكثرية يحوله الى حلال ؟؟ 

هذه من مفاتيح المعرفة الدينية ذم الكثرة لأنها اكثر شيء تؤثر في اخلال الانسان بوظيفته التحجج بالكثرة فحينما يحاسب الانسان على خطئ ارتكبه يكون جوابه جميع الناس يفعلون ذلك ..

وأحيانا ينتقد الانسان الذي يفعل الصواب خلافا للمتعارف في مجتمعه، وقد يسأله أحدهم لماذا تعارض الجميع وتنفرد بعملك فتقوم بعكس ما يريده الجمع ويستنكر عليه ذلك بل يطالبه البعض بأن يساير المجتمع وان كان افراده يفعلون ما لا يرضي الله سبحانه وتعالى.

فالكثرة الاجتماعية لا تدل على الصح والصواب لذلك القرآن الكريم وأحاديث اهل البيت ارادت ان تعارض هذا المفهوم فذم الله الكثرة الضالة وفي المقابل مدح القلة المهتدية ومن ضمن وصية الامام قوله (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) فنرى انه ذم الكثرة المنحرفة المخالفة لرضى الله ومدح القلة الملتزمة والمتمسكة بالقيم والمبادئ الإلهية والصواب. 

ثم يستطرد الامام في سرد كثير من الآيات التي تدعوا الى استخدام العقل وانه وسيلة للوصول للحق والعلم فالعقل والعلم لا ينفصلان أحدهما يكمل الاخر. 

وقال: " وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25 لقمان) ". وقال (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (63 العنكبوت).




 






مرات العرض: 305
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (0) حجم الملف: 30462.59 KB
تشغيل:

وصية الامام الكاظم وقيمة العقل في القرآن 2
في وداع الحبيب شهر رمضان