البعد العبادي في حياة الإمام علي عليه السلام
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 21/9/1435 هـ
تعريف:

البعد العبادي في حياة الامام علي عليه السلام

تحرير الأخت الفاضلة تراتيل


من وصية مولانا امير المؤمنين صلوات الله عليه الى ولده الحسن عليه السلام انه قال : " واعلم ان الذي بيده  خزائن السموات والأرض قد اذن لك بالدعاء وتكفل لك بالإجابة وامرك ان تسأله ليعطيك , و تسترحمه ليرحمك ولم يجعل بينك وبينه من يحجبه عنك ولم يلجأك الى من يشفع لك اليه ولم يمنعك ان سألت من التوبة ولم يعاجلك بالنقمة ولم يفضحك حيث الفضيحة بك أولى ولم يشدد عليك في قبول الإنابة ولم يناقشك بالجريمة ولم يؤيسك بالرحمة بل جعل نزوحك عن الذنب حسنة  وحسب سيئتك واحده وحسب حسنتك عشرا "  صدق سيدنا ومولانا امير المؤمنين صلوات الله ولسلامه عليه 

حديثنا يتناول ان شاء الله شيء من الجانب العبادي لأمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه نستهدي به وما قام في هذا الجانب حتى نتوفق الى سواء الصراط الذي يمثله علي صلوات الله عليه حيث هو الصراط المستقيم 

الجانب العبادي بالنسبة الى عامة المؤمنين يشكل احد الجوانب في حياتهم ويتجاور الى جانب عدد من الجوانب الأخرى في الحياة الا اننا عندما نريد الحديث عن عبادة امير المؤمنين عليه السلام وعن الجانب الروحي في حياته صلوات الله وسلامة عليه ينبغي ان نشير الى بعض جهات التميز في حياة هذا الامام العظيم 

الجانب الأول الذي يميز عبادة الامام علي عليه السلام : جانب المعرفة 

لابد ان نشير الى ان كل كرامة ومنقبه وفضيلة تذكر لأمير المؤمنين عليه السلام فان للرسول صلى الله عليه واله النصيب الأكبر منها حيث هو معلم علي ومؤدبه ومربية , وعلي منه  كأشعة الضوء الصادرة من المصباح وبالتالي فأننا عندما نثني على هذا الامام فأننا قهرا نثني على رسول الله و نذكر فضله , الامام فرع عن ذلك الأصل وغصن من تلك الشجرة . نحن لا نتحدث في فضائل امير المؤمنين بمعزل عن رسول الله صلى الله عليه واله وانما كل فضل لعلي فهو فضل لمحمد صلى الله عليه واله 

ومن ذلك الموضوع العبادي فعندما نتكلم عن الجانب العبادي والروحي لأمير المؤمنين و نعظّم ذلك الجانب فأننا بشكل تلقائيا نعظم هذا الجانب في رسول الله لأنه كان أصلا ومنبعا و منشأ اخذ منه علي عليه الصلاة والسلام . و اول ميزة يتميز بها هو جانب المعرفة الدقيقة بالله عز وجل ,بسننه , بجنته بناره بجزائه و بعقابه 

نحن نذكر ذلك لان العادة في الاذهان و الحالة التقليدية هي ان يتم تصنيف العبّاد في جهة والعلماء في جهة أخرى . وكأنما العابد لا يفترض فيه ان ينشغل بغير الاذكار والصلوات والدعاء والبكاء وما شابه ذلك بل هذا الامر نجده حتى على لسان بعض الاحاديث التي تجعل التفكر والحركة الذهنية والعلم والتأمل في جهة والعبادة في جهة أخرى مثل ( الا لا خير في عبادة ليس فيها تفكر ) وأيضا ( تفكّر ساعة خير من عبادة سبعين سنة ) أي سبعين سنة مستحبة , وامثال ذلك 

فالذي يتبادر الى الذهن ضمن الحالة المعروفة ان العبّاد اهل الصلاة والركوع و السجود قد لا يحتوون على معارف علمية عالية وفي مقابل ذلك فان العلماء والمدققين قد لا يوجد لهم نفس النصيب الذي يوجد عند العبّاد , فعندما نأتي الى مثال امير المؤمنين نجد ان هذه الشخصية التي في جانبها العبادي التقليدي - كالصلاة  والتبتل  والتهجد والدعاء والمناجاة- هو في اعلى مراحله وفي قمة ذروته كما سياتي بعد قليل بعض الشواهد على ذلك وهو كذلك في الجانب المعرفي فهو القائل ( ما رأيت شيئا الا ورأيت الله قبله ومعه وبعده )  وخطبة المختلفة في وصف الله عز وجل واسمائه و الاستدلال عليه كخطبة الوسيلة والقاصعة وغيرها من الخطب التي أوردها في نهج البلاغة  

كلها تشير الى ذلك المستوى الرفيع من العلم المتجاور مع الحالة العبادية وفي هذا تعليم لنا نحن اتباعه ان نحرص على جانب العبادة بما تمثل من بكاء وذكر واستغفار و في نفس الوقت نحرص على جانب المعرفة حتى نصل الى بعض ما وصل  اليه من يسمونهم بالأحرار في مقولته المعروفة التي صارت مثلا وهي ( ان قوما عبدوا الله خوفا فتلك عبادة العبيد , و ان قوما عبدوا الله طمعا فتلك عبادة التجّار و ان قوما عبدوا الله حبا فتلك عبادة الاحرار) 

ما هو الفرق بين ان يعبد الانسان ربه لأنه يخاف من النار وبين ان يعبده لأنه راغب في الجنة وبين ان يعبده لمحبته سبحانه ولشكره ؟؟ 

هذه الأخيرة هي الدرجة التي وصل اليها امير المؤمنين عليه السلام , والفرق بين الحالات الثلاث كبير جدا فمثلا ان اتقاء الخطر يحصل بأدنى شيء ولو بالخطوة الأولى مثلا لو قالوا لك ان هنا في هذا الشارع سيارة مسرعة ,, فستطيع تفادي الخطر بعدة طرق منها اولا الصعود الى الرصيف ثانيا الدخول الى المسجد ثالثا الذهاب الى بيتكم وهو الأكثر امنا وبعدا وهكذا 

الذي فقط يقصد صد الخطر تراه يصعد على الرصيف - حيث لا يستدعي الامر الذهاب للمنزل وبذل الجهد -فمثلا عندما لا اريد ان ادخل النار واصدّ عن نفسي نار جهنم هنا استطيع ا لاقتصار عن ما يصرف الخطر فأقوم بعمل الواجبات واترك ا لمحرمات هذا الشخص يدخل الجنة ولا يدخل النار و لكن هذا  الشخص لا يفكر في المستحبات و لا يفكر في درجات الجنة والارتقاء في تلك المواضع و مجاورة السعداء, لا يفكر في لذة العبادة فالعبادة عند أهلها لها لذة تهون عندها كل اللذائذ بحيث اذا وصل الانسان لديها يصل الى ما قاله الدعاء ( وقطعته عن كل شيء يقطعه عنك ) يوصل الى درجة انه اذا انقطع الى الله فانه لا يشعر في ما حوله سواء خطر او سرور 

فكيف تفسر انت موقف امير المؤمنين في هرير حرب صفين حيث بسط امير المؤمنين عليه السلام  نطعه وجلس في جوف الليل يصلي لأنه سمع من رسول الله يقول :" يا علي ان صلاة الليل نور , فيقول عليه السلام : فما تركتها منذ سمعتها الى ليلتي هذه , فساله احد صحابته : حتى ليلة الهرير ؟ 

ليلة الهرير تعني ماذا ؟

 في العادة في المعارك العسكرية السابقة ان المعركة مع غروب الشمس تنتهي وهذا عرف عسكري وتبدأ المعركة مجددا في اليوم التالي , الا في يوم صفين استمرت المعركة الى شطر من الليل, فكان حتى من لا يريد ان يقاتل يضطر الى الدفاع عن نفسه . افتقد الجيش امير المؤمنين فتفقدوه ووجدوه بين الصفين  , فقال له ابن عباس : يا امير المؤمنين في هذا المكان وفي هذا الوقت وانت في صلاة ؟ فالسهام تمر يمينا وشمالا وربما احدهم يجهز عليك وانت تصلي  او يشن عليك حملة وانت قائد الجيش ربما يترصد لك احد . فقال امير المؤمنين : فعلى ما قاتلناهم اذن , انما قاتلناهم لإقامة الصلاة .

امير المؤمنين عندما يصلي لا يشعر بهذه السهام التي تنطلق يمينا و يسارا لان عنده شيئا يقطعه عمن سواه وهو علاقته بالله , في الخبر عن ابي ا لدرداء عويمر الانصاري - وهو من أصحاب رسول الله وعنده إشارات على اعجابه بأمير المؤمنين- يقول : كنا جلوس عند رسول الله فدار نقاش حول أصحاب رسول الله وفضائلهم ومناقبهم , فقالوا: من كان اكثر عبادة في أصحاب رسول الله , فقلت - القول الى أبو ذر-: هو علي بن ابي طالب  , ولم يقبلوه فقلت لهم انا اذكر لكم ما رأيته بعيني وانتم اذكروا ما رأيتموه او سمعتموه من أصحاب رسول الله , قال : جئت في جوف الليل الى مغيلات بني النجار-بستان به أشجار مرتفعة- وكان الوقت ليل فسمعت صوت ادمي فذهبت اليه واذا بي اسمع صوتا حزينا رجلا يقول :"الهي افكر في عفوك فتخف عليّ مصيبتي ثم اذكر الشديد من اخذك فتعظم عليّ بليتي" 

ويلي ان قرأت في كتابي سيئة  انا ناسيها وانت محصيها فتقول خدوه فياله من مأخوذ لا تنفعه عشيرته ولا تغنية قبيلته ثم سكت واخذ ينشج ثم قال :آه من نار لظى آه من نار نزاعة للشوى ثم بعد ذلك صمت وسكت , فقلت سأذهب لأرى من  هناك , فذهبت فرأيت علي بن ابي طالب صلوات الله وسلامة عليه وقد انطرح على الأرض قلت لعله نائم من التعب والسهر ربما تعب بالنهار من العمل والجهاد وبالليل يسهر للمناجاة وعباده في الليل البهيم, فحركته قليلا فما تحرك قلت : مات والله علي بن ابي طالب , فكررت راجعا الى بيت فاطمة فطرقت عليها الباب متعجلا , فتحت لي الباب فقلت لها : عظم الله لك الاجر في علي بن ابي طالب , قالت : ماذا رأيت ماذا حصل؟ , فقصصت عليها فقالت: لا يا أبا الدرداء فان هذه هي الغشية التي تنتابه اذا ذكر الله عز وجل - اذا ذكر الله يرتبط بالله ولا يستشعر بشيء جانبه,  فالإنسان اذا وصل الى مرحلة اذا الانسان عبدا لله حبا وشكرا يصل الى هذه المرتبة , انا وانت مخاطبون بهذه , انظر الى نفسك كلما قرأت الدعاء( اللهي مالي كُلَّما قُلْتُ قَدْ صَلَحَتْ سَريرَتي، وَقَرُبَ مِنْ مَجالِسِ التَّوّابينَ مَجْلِسي، عَرَضَتْ لي بَلِيَّةٌ اَزالَتْ قَدَمي، وَحالَتْ بَيْني وَبَيْنَ خِدْمَتِكَ؟!.سيدي لعلك عن بابك طردتني) فهل نحن هكذا عندما نناجي الله ام  نريد ان ننتهي بسرعة من الدعاء لنذهب الى انشغالاتنا ؟؟ ام نجعل الدعاء شغلنا ونجعل الله شغلنا الشاغل ؟؟ هل الدعاء انسنا وفي المناجاة سرور قلوبنا . هذا هو الفرق بين أناس تعبد الله تجارة وبين أناس تعبد الله وهي محبة له , نقرأ في الدعاء ( الهي اني  اسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يوصلني الى قربك وان تجعلك احب الي مما سواك ) فاذا صار الانسان هكذا فان الانسان يكون قد ارتقى مرقاة باتجاه عبادة امير ا لمؤمنين عليه السلام 

اول ميزة من ميزات هذه العبادة ان الانسان يندمج عنده التوجه الروحي والقلبي بالمعرفة فاذا عرف الله سبحانه فانه يرتبط و يتعلق به و ينقطع عن كل شي , الميزة الأخرى هي ان هذه العبادة ليست منفرده بل متكاملة مع سائر الصفات والمناقب , عادة العابد قد ربّى روحه ولم يربي جسمه لذلك قلبه رقيق فتجده في مواقف القوة و الشجاعة ليس لدية غنى كثير لكن علي عليه السلام تجده في الحروب كرار وفي حال العبادة تجده بتلك الحالة التي يقول الشاعر 

هو البكّاء في المحراب ليلا         هو الضحّاك اذا اشتد الضراب

فالعابد الحقيقي هو من يجمع سائر الصفات إضافة الى عبادته,  لذلك امير المؤمنين عليه السلام خلّف في قضية العبادة منهاجا تمثل في كثير من الادعية فهناك كتاب اسمة الصحيفة العلوية وهو ليس مشهور كثيرا كالصحيفة السجاديه 

وهناك من جمع ادعية امير المؤمنين عليه السلام  مثل المرحوم السيد حسن القبنشي رضوان الله عليه فقد كان يأتي المنطقة في قديم السنوات ويصعد المنبر وقد كان مفيدا نافعا رضوان الله عليه توفي في السجن علي يد البعثيين , هذا له مسند الامام علي الذي جمع فيه ودوّن فيه عدد من الادعية الشريفة عن امير المؤمنين عليه السلام 

من الأدعية المعروفة لأمير المؤمنين عليه السلام  دعاء الصباح وفيه قدرات ادبيه راقية جدا وفيه معاني مبتكره بالإضافة الى جانب التعبد والمناجاة والتقرب لله , وكذلك دعاء امير المؤمنين الذي اخبر به  كميل  بن زياد النخعي وهو يقرأ في يوم الجمعة , وأيضا هناك ادعية تقرأ بعد صلاة الليل بالخصوص في ليالي القدر , فلا تترك هذه الادعية في رمضان لا سيما فيما بقي من شهر رمضان ولا تترك صلاة الليل في رمضان فصلاة الليل نور يشرق بها الوجه لكونهم خلوا بخالقهم فأفاض عليهم من نورهم 

الامام سلام الله عليه معروف بين أصحابه بهذا , عدي بن حاتم الطائي سبق ان تحدثنا عنه وهو من أولياء امير المؤمنين عليه السلام يأتي وينقل كيف ان الامام  عليه السلام كان يصلي ويطيل السجود ثم يقرا الادعية التي تحرك القلوب 

ضرار بن ضمره استقدمه معاوية بعد استشهاد علي حيث معاوية يقول لضرار صف لي علي ( من عادة معاوية ان يأتي بالموالين لعلي بن ابي طالب يريد ان يذكر احدهم امير المؤمنين بسوء ولكنه لم يجد مراده  وفي اخر الامر تعجب منهم وقال لاحدهم : لوفائكم له بعد مماته احب الي من حبكم له في حياته " لان ذلك دليل اخلاص ,  انت من الممكن ان تحب ا حدهم في حياته لمصالح ولكن بعد مماته تبقى على محبته بهذا المقدار الذي كان فيه أبو الطفيل عامر بن واثله الكناني عندما سأله معاوية و بعد ثناءه على امير المؤمنين علي عليه السلام , قال له معاوية :ما قدر حزنك عليه ؟ قال: حزن ام ذبح وليدها و وحيدها في حجرها فلا ترقى لها دمعه ولا تسكت لها عبره ومع ذلك اشتكي الى الله التقصير 

هذه صورة من الصور التي تقدم لنا كيف وصف ضرار امير المؤمنين لمعاوية بن ابي سفيان . فقال  : “كان والله بعيد المدى، شديد القوى،، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل و وحشته, يعظم اهل الدين ويعطف على المساكين لا يطمع القوي ولا ييأس الضعيف من عدله  وكنا مع تقريبه ايانا لا نكاد نكلمه لهيبته  واشهد بالله يا معاوية بعد ان يرخي الليل سدوله وغارت نجومه وهو يتململ تململ السليم- الملذوغ -ويبكي بكاء الحزين ويقول اليك عني يا دنيا غري غيري لقد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها الي تعرضت ام الي  تشوقت فعيشك حقير وامرك خطير ثم قال : آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق"

هذا يستقدمه معاوية بعد عدة سنوات من استشهاد امير المؤمنين  وهو يقول هكذا , فكيف حال الحسين في هذه الليلة وكيف كان حال الحسن والحسين وزينب في هذه الليلة وقد علموا بان الطبيب قد قال لهم ان عليا ذاهب لا ا مل في رجوعه 



مرات العرض: 216
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2361)
تشغيل:

الامام علي عليه السلام والقاسطون