يا حيا حين لا حي يا محيي الموتى 21
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 16/8/1441 هـ
تعريف:

يا حياً حين لا حي يا محيي الموتى


تحرير الأخت الفاضلة أم سيد رضا

مما جاء في فقرات دعاء الإمام الحسين عليه السلام في يوم عرفه قوله مخاطباً ربه سبحانه وتعالى: ( يا الله يا الله يا بديء يا بديع لا ند لك، يا دائماً لا نفاد لك، يا حياً حين لا حي يا محيي الموتى، يا من هو قائم على كل نفس بما كسبت، يا من قل له شكري فلم يحرمني وعظمت خطيئتي فلم يفضحني ورآني على المعاصي فلم يشهرني، يا من حفظني في صغري يا من رزقني في كبري يا من أياديه عندي لا تحصى ونعمه لا تجازى يا من عارضني بالخير والإحسان وعارضته بالإساءة والعصيان ).

هذه الفقرة من الدعاء بدأها سيدنا الحسين عليه السلام بخطابه لله عز وجل بقوله يا الله يا ذا الإسم العظيم الجليل الذي لا يصح نداء غير الله به ولا ينطبق إلا عليه، فإذا كان مثلاً بعض الأسماء كالكريم والعزيز والباقي وما شابهها من الأسماء تنطبق على المخلوقين فإنه يكون بنسبة معينة أو بلحاظ زمان معين، إلا أن الإسم المقدس ( الله ) لا يطلق بأي نحو من الانحاء على غير الذات المقدسة الإلهية وهو رب الكون، ولذلك قد يرد في الدعاء والخطاب ( يا الله يا الله يا الله يا من لا يقال لغيره يا الله )، فيخاطب الغمام الحسين عليه السلام ربه بهذا الإسم الخاص مكرراً، وقد مر علينا فيما مضى فائدة التكرار في الإسم وفائدة التعداد في الذكر.

ثم يقول عليه السلام: ( يا بديء يا بديع لا ند لك )، البديء هو الذي يبتدئ قبل كل شيء، وتأتي من بدأ – يبدأ – فهو بديء، وكأنه يساوي بهذا المعنى الاول قبل كل شيء، فالله هو الذي بدأ كل شيء، أو أن يقال في معنى آخر أن بديء هو إشارة إلى ابتدائه خلقه بالنعمة والمنة والرعاية، فبناءً على المعنى الأول أنه الأول قبل كل شيء بغض النظر عن وجود الأشياء وبناءً على المعنى الثاني فهناك ملاحظة على الأشياء والمخلوقات فهو الذي بدأها بالنعمة والإيجاد والخلق وبعث فيها الحياة.

إذا كان المعنى الاول هو المقصود فسوف تكون نسخة لا بدأ لك هي النسخة الأقرب لأن البديء في المعنى الاول أنه الأول الذي لا توجد له بداية ولا تاريخ، وأما إذا كان المقصود هو المعنى الثاني فيعني أنه لا ند له ولا مصارع ولا منافس له في هذه الصفة.

ثم تأتي كلمة البديع بعد ذلك والتي تعني أن الله هو الذي ينشئ الخلائق على غير مثال وعلى غير خريطة وعلى غير شيء سابق، فالمهندس يستطيع أن يصنع الأشياء ويصمم إذا كان عنده خريطة بمقادير معينة، وأما إذا لم يكن لديه خريطة وصنع شيئاً عظيماً فهذا يعتبر مهندساً متوفقاً لأنه أبدع من عنده تلك النظرية وطبقها في صورة خريطة ثم في صورة بناء، فكيف بالله سبحانه وتعالى الذي خلق كل ما عداه من غير مثال، كما جاء في خطبة سيدتنا فاطمة الزهراء عليها السلام وهي تصف خلقة الله: (بلا احتذاء أمثلة إمتثلها)، أي لم يكن أمامه نماذج حتى يصنع الكون على أساسها، فكل شيء في الكون هو إبداع من الله عز وجل الذي هو بديع السماوات والأرض.

( يا دائماً لا نفاد لك )، فكل من عدا الله ينفد في يوم من الأيام وتنتهي مدته وتخبو قوته ويصبح خبراً بعدما كان أثراً، فلا يختلف في هذا احد من ملك مقرّب ولا نبي مرسل ولا صدّيق ولا شهيد ولا مؤمن صالح ولا فاجر طالح ولا حيوان ولا حشرة، فكلٌ له مدة معينة ينتهي بعدها، لكن ربنا سبحانه وتعالى ليس له نفاد.

( يا حياً حين لا حي )، لا حياً حين لا حي في البداية ويا حياً حين لا حي في النهاية ويا حياً حين لا حي في الكيفية، فكل شيء ما عدا الله سبحانه وتعالى كان عدماً كما قال الشاعر بحضرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( ألا كل شيء ما خلا الله باطل )، وأيضاً سيأتي يوم وزمان من الأزمنة عندما ينفخ إسرافيل في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله عندها سوف يسأل الله إسرافيل وهو أعلم بالجواب: يا عبدي يا إسرافيل من بقي؟ فيقول وجهك الحي الذي لا يموت وعبدك جبرئيل وعبدك إسرافيل وعبدك عزرائيل، فيأمر الله عزرائيل بأن يأخذ روحيهما ويسأله من بقي؟ فيقول وجهك الباقي وعبدك عزرائيل، فيقول له يا ملك الموت مت، فبعد ان يموت ملك الموت لا حياة على الإطلاق، فلو تصورنا أن هذا العالم وهذا الكون بما فيه السموات والأرض وكل شيء لا يوجد فيه حياة، ثم يأتي النداء من الجليل سبحانه: لمن الملك اليوم؟ فيكون صمت مطبق على الكون بأجمعه لا يتردد فيه غير نداء الله عز وجل فيجيب الله على السؤال ويقول: لله الواحد القهار، فإذا عرف الإنسان المؤمن هذا الأمر يأتي الخطاب إليه: وتوكل على الحي الذي لا يموت، أي اجعل اتكالك واستثمر حسابك في ربك الحي الباقي الذي لا يموت، فبين حياة البشر وبين حياة الله الحي لا يوجد قياس أصلاً، فحياة الإنسان جاءت من بعد عدم وستنتهي بالموت بعد مرورها بالضعف بل وأنها مهددة بالموت في أي وقت إذا تعطل أي ناظم في جسم الإنسان، فلو تعطلت اللهاة أثناء الطعام والشراب ودخل الماء إلى مجرى التنفس فما أقرب الموت إلى هذا الإنسان، ومن الممكن أن يغمض عينيه مساءً ولا يفتحهما وأن يدخل نفساً ولا يخرجه، أو يخرج نفساً ولا يدخل نفساً غيره، فأي حياة هذه التي يطمع فيها هذا الإنسان أو يطمع أن يعتمد فيها على حياة غيره؟.

( يا محيي الموتى )، يا من هو قائم على كل نفس بما كسبت، فكل نفس بهذا العموم والإستغراق والشمول بل وغير الانفس، فكل نفس سواء كانت كافرة او مؤمنة فإن ربنا سبحانه وتعالى قائم عليها وناظر إليها ومدبر لها بما كسبت من النعمة وما كسبت من العمل، فإن كسبت خير في حياتها فهو قائم عليها وناظر لها، وإن كسبت شراً والعياذ بالله في حياتها فربنا سبحانه وتعالى هو الرقيب عليها من وراء الناس والشاهد لما خفي عنهم.

( يا من قل له شكري فلم يحرمني )، بدأ الحديث في الإعتراف وفي تحديد موقع النفس وكشف الحقيقة عن ممارسات الإنسان من قبل نفسه، فالإنسان يتجمل أمام غيره ويظهر ما يستحسن منه ولكنه يخفي ويستر عن الآخرين خلاف ذلك، ولكن هل ينستر هذا عن ربنا سبحانه وتعالى؟ كلا، فمن الأحسن للإنسان في مقام الإعتذار وفي مقام الإستغفار أن يعترف بين يدي ربه بتقصيره وذنبه وخطأه وتجاوزه فإن ذلك أدعى لأن تُغفر، فالشخص الذي يأتي شامخاً بأنفه وكأنه قد اجترح المعجزات وهو في واقع أمره أسير شهوته وصريع لذته فهذا بعيد عن توبه الله عليه ورحمته به، فلو أننا كلما حصلنا على توفيق ظنناه من صنعنا بينما ربنا هو الذي كان يدبر ويعين ويوفق، فهذا يمنعنا عن شكر الله عز وجل ومع ذلك لا يحرمنا ربنا من نعمه، فمثلاً لو أن هناك شخصاً ساعدنا في إنجاز مشروعٍ ما وأعطانا المال الكافي والخبرة والمعونة وبعدها خرجنا متفاخرين ومتباهين بأن هذا المشروع صنعناه بأنفسنا بدون مساعدة أي شخص ونغفل تلك الجهود التي أعاننا بها غيرنا والتي لولاها لما وصلنا، فهذا نكران للجميل وقد لا يعود ذلك الشخص لمساعدتنا في مشاريع أخر ويقول أن نفسنا هابطة ومغرورة، لكن الله سبحانه وتعالى لا يصنع  ذلك فهو يعيننا بكل شيء ولا يعرض بوجهه الكريم عنا فمع قلة الشكر لا يحرم الله عبده من عطائه، فهذا العقل الذي نفكر به واليد التي تتحرك وسائر أمور حياتنا فهي نعمة من الله علينا، فأحسن ما يصنع الإنسان هو أن يخر ساجداً على الأرض وأن يخاطب ربه بلسان الإستغفار والإعتراف كما وجهنا الدين لأن نقول في ذلك الموضع: هذا من فضل ربي لينظر أأشكر أم أكفر.

( وعظمت خطيئتي فلم يفضحني ورآني على المعاصي فلم يشهرني )، البعض يتظاهر بالمعصية ومع ذلك يستر الله سبحانه وتعالى عليه، فكيف يسمح هذا الإنسان لنفسه أن يبقى أغلب عمره على المعصية ومن ذنب إلى آخر والله سبحانه وتعالى بلطفه العميم لا يشهره بين الخلائق، فهو بين الناس مكرم ومستور ولو عرفوا ما الله عالم به لبصقوا في وجهه ولأستقبلوه بأسوأ ما يُستقبل به إنسان، لكن الله سبحانه وتعالى أعظم وأكبر من أن يُوصف، نحن الصغار ونحن أصحاب الإنتقام الذين نحب أن نفضح غيرنا إذا أخطأ علينا ونحن النمامون وأهل الغيبة وأهل التشهير، أما ربنا سبحانه وتعالى مع أننا نتحداه في كبريائه وجبروته ونعصي أوامره ونقيم عليها بما أعطانا من نعم إلا أنه الرب الودود الرحيم اللطيف الجميل خالق الجمال العفو الغفور لا يفضحنا ولا يشهرنا ولا يكشفنا، اللهم استرنا بسترك الوافي ولا تفضحنا على رؤوس الأشهاد.

قيل أن رجلاً شُهد عليه بذنب يُوجب الحد أيام أمير المؤمنين عليه السلام، فقربه أمير المؤمنين عليه السلام ليقيم عليه الحد، فتوسل الرجل إلى أمير المؤمنين لأن يعفو عنه ويستر عليه وأنه فعل ذلك الذنب أول مرة ولن يفعله أخرى ، فيقال ان أمير المؤمنين عليه السلام تريث قليلاً وفكر وظن الحاضرون أنه سوف يعفو عنه لأن الإمام ليس جائعاً للإنتقام، لكنه بعد ذلك قال أقيموا عليه الحد، فلما جيء به ليقام عليه الحد قال ذلك الرجل: يا امير المؤمنين والله لم تكن أول مرة لقد فعلتها مراراً، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: للوهلة الاولى كنت أفكر في تأخير ذلك الحد لأن هذا قد يكون أول مره ولكنني بعد أن فكرت وتدبرت علمت أن الله لا يفضح عبده من اول ذنب يرتكبه.

( يا من حفظني في صغري يا من رزقني في كبري )، احفظنا اللهم بحفظك وامنعنا بقدرتك عن ارتكاب ما تحرم علينا ووفقنا في دنيانا لان نحسن أخرانا وامنن علينا بطاعتك ووفقنا إلى رضوانك إنك على كل شيء قدير.


مرات العرض: 348
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2260)
تشغيل:

يا من فلق البحر لبني اسرائيل 20
عارضته بالإساءة ..هل يسيء المعصوم 22