زوجات الامام الحسين في كربلاء 16
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 16/1/1441 هـ
تعريف:

زوجات الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء


تفريغ نصي الفاضلة أم سيد رضا
قال تعالى في كتابه الكريم: (( ومن آياته ان خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون )).
سنتناول شيئاَ من سيرة بعض زوجات الإمام الحسين عليه السلام وهما أم إسحاق بنت طلحة التيمية  والرباب بن امرؤ القيس الكلبية، في البداية نتحدث في بعض المقدمات التمهيدية وصولاً إلى الموضوع التاريخي والدروس المستفادة منه.
الآية المباركة من سورة الروم تأتي في سياق الحديث من آيات الله الكبرى في الكون، فيبدأ الله تعالى في قوله: (( من آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ))، فهذه من الآيات العظيمة والعلامات الكبرى على وحدانية الله عز وجل وعلى خالقيته وذلك لأنه لا يوجد أي نوع من أنواع التجانس بين التراب وبين البشر الكريم، فعندما نحول الماء إلى بخار وما شابه ذلك فإن هذا الماء يتجانس مع البخار ولكن جعل التراب الذي ليس فيه حياة ولا ليونة ولا انعطاف يتشكل على صورة بشر فيه ماء العين والعظام والبشرة اللينة للجد وامثال ذلك فهذه من الامور العظيمة التي ينبغي ان تدل الناظر على قدرة الله عز وجل.
بعد ذلك يأتي الله بآية أخرى وهي نظام الزوجية بالنسبة إلى الإنسان على وجه الخصوص عندما قال : (( ومن آياته ان جعل لكم من انفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها ))، فتعبير  تسكنوا جاءت في موضعين على الأقل  في القرآن الكريم، في الموضوع الأول جاء في الليل في قوله تعالى (( جعل الليل لتسكنوا فيه ))، وجاء هنا في القضية الزوجية، فالسكن في الشيء يختلف عن السكن إليه.
السكن إلى الشيء: معناه الاطمئنان والهدوء والراحة النفسية والإنسجام، بينما السكن في الشيء لا يشترط أن يكون هناك راحة نفسية، فالسكن إلى الشيء خاص بنظام الزوجية.
(( وجعل بينكم مودة ورحمة ))، باعتبار أنه كثير من مخلوقات الله عز وجل في نظام الزوجية أحياناً يقتضي القتل والإفناء، فمثلاً العناكب عندما يتزاوجون فإن كانت الأنثى أقوى من الذكر فإنها تلتهمه بعد أن تنتهي عملية التزاوج، وكذلك بعض أنواع النحل تقتل الذكر الملقح وبعض أنواع النمل كذلك وهذا يذكره علماء الحيوان كثيراً من الفصائل التي لا تخلو فيها عملية التزاوج من شدة ولا عنف ولا قتل، إما في طرف الذكر وهو الغالب او في طرف الأنثى.
 عندما نأتي إلى الإنسان فقد جعلت هذه العملية مقترنة بالمودة والرحمة وسابق عليها (( لتسكنوا إليها ))، فعندما نتحدث عن قضية زوجية المعصومين عليهم السلام سوف تستوقفنا عدة أمور، الأمر الاول: تعدد زوجاتهم، فنجد أن المعصومين عليهم السلام تعددت زوجاتهم، فأمير المؤمنين عليه السلام قيل انه تزوج ثمانية حرائر وضعف ذلك من غير الحرائر، وكذلك الإمام الحسن عليه السلام فقد تزوج حوالي ثمان إلى تسع حرائر، والإمام الحسين قيل أنه تزوج ستة إلى ثمانية حرائر، وهكذا بالنسبة إلى سائر الأئمة عليهم السلام، فهذا التعدد في قضية المعصومين ليس خاصاً بهم ولا لأنهم يحققون العدل في درجته العليا بإعتبار أنهم معصومون، وإنما ضمن القانون الإسلامي العام الذي جاء مشرعاً لهذه القضية ومحدداً لها عما كان البشر يتعامل معها،  فإن باحثون في مجال الحضارات يقولون بأن الأصل في تاريخ البشر هو التعدد فعندما تتم دراسة الحضارات البشرية فإننا نجد أن الأصل في التزاوج بين الرجال والنساء هو التعدد سواء كان بتوجيه الانبياء والديانات أو خارج هذا الإطار وجاء الإسلام وحدد الكم والقوانين الضابطة ولم يبدأ ويفتعل شيئاً جديداً بل هذا النظام هو نظام تفاعل معه البشر تاريخياً ولكنه كان بلا ضوابط واضحة والإسلام جاء وبين ضوابطه، فإن حدث سوء في التطبيق فهذا لا يرتبط بالموضوع الديني والتشريعي، فالمعصومون عليهم السلام كانوا أيضاً ضمن هذا الإطار.
لوي ماسينيون هو أحد مؤرخي الحضارات وهو كاتب مرموق فرنسي متوفى سنة 1930 ميلادي ولديه كتب حول الإسلام وحول التاريخ الحضاري للإنسان فيقول ( نحن الغربيون لم نستطع أن نتفهم هذا النظام الموجود عند المسلمين بالرغم أنه موجود عندنا ما هو أسوأ منه وهو التعدد السري )، والتعدد السري يكون عبر الخليلات والعشيقات وغير ذلك، فيكون رسمياً انه متزوج زوجة واحدة ولكن واقعياً فإن لديه عدد كبير غير محدود من العلاقات، فلو أن المجتمع الغربي التزم بالقوانين التي جعلت في الإسلام من حيث الكم ومن حيث النظام الضابط لها لكان أفضل للحالة الإجتماعية.
الأمر الثاني: زواج المعصومين عليهم السلام من بعض النساء من أسر لم تكن موالية لهم، فبعض الزوجات ينتهي نسبها في أحد الفرعين إلى بني أمية كليلى الثقفية فأمها من آل أبي سفيان، وأم إسحاق التيمية  بنت طلحة  وهي إمرأة جليلة القدر عظيمة الشأن وقد أوصى بها الإمام الحسن عليه السلام ولكن أبوها طلحة صاحب الزبير في قضية حرب الجمل فقد قاموا في وجه أمير المؤمنين وقتلا في حرب الجمل، وأمثال ذلك من زوجات الأئمة عليهم السلام وهذا يستوقف الإنسان في النظر، فمن الناحية الشرعية لا يحرم تزاوج المختلفين مذهبياً فمن هو على مذهب أهل البيت عليهم السلام يستطيع الزواج من امرأة من خارج المذهب والعكس من ذلك إن كانت المرأة شيعية تستطيع الزواج من رجل على غير مذهبها أيضاً لكن يشترط ان لا يؤدي ذلك إلى فقدانها لعقائدها وأن لا يفسد عليها أبناءها فيما يرتبط بولاية أهل البيت عليهم السلام، وربما حدث ذلك الامر في بعض الأماكن كما حدث في العراق تحديداً وفي فترات معينة كان هذا طريقاً لإيجاد نوع من الإنسجام الإجتماعي بإعتبار أن التزاوج والتداخل والتصاهر يخفف حدة العداوة بين المتصاهرين، إضافة إلى ذلك ليست كل امرأة كانت من قبيلة غير موالية لا يشترط بأن تتخذ نفس مواقف قبيلتها فقد يكون موقفها موقف طيب من اهل البيت وقد تكون منتمية إلى عائلة مصنفة على خط خلاف مع أهل البيت عليهم السلام ولكنها كشخص تكون متفهمة وموالية وعارفة بشأن أهل البيت عليهم السلام سواء هذا كان في المرأة أو الرجل، فقد كان رجل من اصحاب الإمام زين العابدين عليه السلام ويسمى سعد الخير وهو من أحفاد مروان بن الحكم ومع ذلك فهو من خلص أصحاب الإمام عليه السلام ويراسله وكان متأذياً من نسبه فقال له الإمام عليه السلام أنت لست من هؤلاء إنك منا اهل البيت.
سنفذ الآن إلى الحديث حول المرأتين الصالحتين اللتين كانتا زوجتين للإمام الحسين عليه السلام وأدورهن في كربلاء وأن ليس فقط الرجال الذين قاموا بالدور الأعظم بل كانوا هناك نسوة قاموا في السبي وقبل السبي أيضاً كان لهن أدواراً.
أم إسحاق بنت طلحة التيمية فقد تزوجها الإمام الحسن عليه السلام في أول الامر وغير محدد عند المؤرخين وقت تزويجها بالإمام الحسن عليه السلام فقد يحتمل ان يكون بعد قضية حرب الجمل أي بعد أن قتل أبوها بعد عام 36 للهجرة وله منها ولد واحد توفي وهو صغير اسمه طلحة ايضاً ( فهذه الأسماء في زماننا أصبح لها ظلال معين وكأننا نقول أنها مخالفة لأهل البيت عليهم السلام ولكن في تلك الاوقات لم تكن هذه الاسماء تشير إلى هذه الإشارات ولذلك نجد من كبار أصحاب الأئمة عليهم السلام من اسمه معاوية ويزيد وغيرهم)، ربما أن هذه المرأة وهي أم اسحاق عندما ولدت ولداً رغبت في ان يسمى بأبيها فلم يكن الإمام الحسن عليه السلام يمانع في ذلك لا سيما إن كان يشير ذلك إلى العشرة بالمعروف، فهناك أشخاص تحدث بينهما خلافات في علاقاتهما الزوجية على أسماء معينة فلابد من الرجل أو المرأة أن يتنازل عن هذا الإسم الذي أصر عليه حتى يكسب ود ورضا وحسن معاشرة الطرف الآخر.
عاشت أم إسحاق مع الإمام الحسن عليه السلام ويظهر من وصية الإمام الحسن لأخيه الحسين بأن لا تخرج زوجته من بيوت بني هاشم وأن يحتفظ بها وإن شاء أن يتزوجها فإنه يظهر منها حسن تبعل وعشرة مناسبة، فمجرد أن انتهت عدتها أي بعد أربعة أشهر وعشرة أيام من تاريخ شهادة الإمام الحسن عليه السلام تزوجها الإمام الحسين عليه السلام، فهذه من الأمور الطيبة فلو أن شخصاً توفي عن امرأة وكان بإمكان بعض اخوانه أن يتزوجها ولا سيما عن كان لديها أطفال منه لأن الأولاد لن يتغير عليهم شيئاً في هذه البيئة الإجتماعية، وبالفعل فقد تزوج الإمام الحسين عليه السلام هذه المرأة وبقيت معه حتى استشهد صلوات الله عليه وأنجبت له العديد من الاولاد من بينهن فاطمة بنت الحسين عليه السلام، فهذه المرأة الصالحة تنقل عن عبادة الحسنين فتقول أن الحسن المجتبى كان يأخذ نصيبه من قيام الليل في اوله وكان الإمام الحسين عليه السلام يقوم الليل في آخره، فمنتصف الليل الشرعي عندنا يختلف عن منتصف الليل العرفي، منتصف الليل العرفي هو الساعة الثانية عشر بينما منتصف الليل من الناحية الشرعية ليس ثابتاً لأنه يرتبط بالغروب وبالشروق والقسمة بينهما، فحتى نعرف منتصف الليل الشرعي نقوم بحساب وقت اذان المغرب ولنفترض الساعة السادسة ووقت أذان الفجر لنفترض الساعة الرابعة فهذه عشر ساعات بينهما فنقوم بقسمة العشر ساعات على اثنين فيصبح خمسة، ثم نضيف الخمسة إلى وقت صلاة المغرب أي خمسة زائد ستة فتصبح الساعة الحادية عشر وهو منتصف الليل، ويختلف هذا بحسب الصيف والشتاء بإعتبار اختلاف اوقات الاذان، فالإمام الحسن عليه السلام كان يقوم الليل في أوله بينما الإمام الحسين عليه السلام يأخذه من آخره، وفي هذه فسحة طيبة للمؤمنين فقد تكون طبيعة حياة البعض تجبره على السهر فمن المناسب أن يأخذ له في ذلك الوقت شيئاً من التنفل والتهجد، وإن كانت طبيعة حياته تجبره على النوم مبكراً فليستيقظ قبل الاذان بنصف ساعة على الأقل ليتنفل ما شاء له، فأم إسحاق جاءت مع الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء ثم كانت ممن سبي إلى الكوفة ثم غلى الشام وبقيت إلى فترة طويلة ومن المعلوم أنها كانت على قيد الحياة في عام 92 للهجرة وبعد ذلك لم ينقل التاريخ عنها خبراً.
الشخصية الأخرى من زوجات الإمام الحسين عليه السلام هي الرباب بنت امرؤ القيس الكلبية، فأمرؤ القيس المعروف هو الشاعر الضليل أو الملك الضليل كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام عندما سئل من هو أشعر العرب فقال أنهم لم يجروا في ميدان واحد ولكن إذا كان ولا بد فالملك الضليل، أي أن الشعراء لو يأتوا بأوزان محددة فهم مختلفين وهذا من التقييمات الرائعة لأمير المؤمنين عليه السلام، فأمرؤ القيس الشاعر ليس هو والد الرباب وإنما والدها هو امرؤ القيس الكلبي وكان في زمان رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الرأي المختار والأصح وقد كان مسلماً وأن النبي ولاه على  صدقات قومه أي جمعها منهم، فقد كان هذا الرجل من ولاة النبي صلى الله عليه وآله ومن وكلائه في قبض الاموال والصدقات والزكاة، وفي عام 19 للهجرة أي أيام الخليفة الثاني جاء إلى المدينة المنورة وعنده ثلاث بنات، اسم الاولى محياة والثانية سلمى والثالثة هي الرباب وقيل أنه قد زوج أمير المؤمنين عليه السلام من ابنته الكبرى المحياة وهي تعد من زوجات الإمام عليه السلام لمن أرخ في زوجاته، وزوج الثانية سلمى للإمام الحسن عليه السلام، وزوج الثالثة وهي الرباب للإمام الحسين عليه السلام وكان الحسن والحسين صغيرين في السن نسبة أي أبناء 16 و 17 سنة لذلك فإن هذه الزيجة تعد من أبكر الزيجات للإمامين الحسن والحسين عليها السلام، فالرباب عندما جاءت إلى كربلاء كان عمرها حوالي خمسين عاماً أو تزيد أو تقل وقد ولدت للإمام الحسين عليه السلام فاطمة على قول وسكينة بالتأكيد وعبد الله الرضيع ورقية على بعض الآراء فهي انجبت للإمام الحسين عليه السلام أربعة من الولد بين ذكر وأنثى وكان الإمام الحسين عليه السلام يحبها حباً كثيراً وقد نقل عنه عليه السلام بيتان معروفان في شأن سكينة ابنته وفي شأن زوجته الرباب:
( لعمرك أنني أحب داراً تحل بها سكينة والرباب، أحبهما وأبذل جل مالي وليس لعاتب عندي عتاب) فإذا تم نسبة هذين البيتين إلى الإمام الحسين عليه السلام فهو إبداء مشاعر وليس حالة إستثنائية، فلماذا لا يقول الرجل لزوجته أنه يحبها فالإمام الحسين عليه السلام يقول: ( قول الرجل لإمرأته إني احبك لا يذهب من قلبها ابداً ) أي لا بد من التصريح بالقول وعدم الإكتفاء فقط بالفعل أو وجوده في القلب وأيضاً عليه ان يقول لإبنه وابنته أنه يحبهما فإن ذلك يجعل الفتاة لا تعيش نقص العاطفة وبالتالي لا يستطيع أحداً خداعها لأن والدها يغمرها بالحنان والرعاية ويضمها إلى صدره ويمدحها ويثني عليها وكذلك أمها تفعل معها نفس الفعل، بعكس تلك الفتاة المحرومة التي لا تسمع إلا كلمات الصراخ والصياح وما شابه ذلك فإن أتى لها شخص بكلمات طيبة ومعسولة فمن السهل أن يخدعها، وكذلك الزوجة تحتاج إلى الثناء والمعاملة الحسنة وإبداء المشاعر لها، فالإمام الحسين عليه السلام كان يصنع كذلك وقد بادلته الرباب محبة عظيمة ربما لم تكن مع سائر النساء.
الرباب هي الوحيدة من زوجات الإمام الحسين عليه السلام التي نقل عنها أشعار رثائية، فعندما رات رأس الحسين عليه السلام في ديوان زيد قامت وصرخت ( واحسيناه، فلا نسيت حسيناً أقصدته أسنة الأعداء، غادروه بكربلاء صريعاً لا سقى الله جانبي كربلاء )، وهكذا في شعر آخر تقول: ( والله لا أبتغي صهراً بصهركم حتى أغيب بين الماء والطين ) لأنها بعدما رجعت إلى المدينة ذكر لها بعضهم أمر الزواج ولكنها رفضت أن تصاهر أحداً بعد مصاهرتها لرسول الله وقد كانت في غاية الحزن عليه حتى ماتت بعد سنة واحدة كمداً على الحسين فقد كانت تعيش الحزن والعزاء على الحسين إلى أن فارقت روحها الدنيا، فيستحق الإمام الحسين عليه السلام ان تتلف النفوس في حقه ومن الواجب عيناً، كما قال فالشيخ الدمستاني رضوان الله عليه: ( لبس سربال الأسى واتخاذ الحزن ورداً كل صبح ومسا وقليل تتلف الأرواح في حب الحسين، لست أنساه طريداً من جوار المصطفى لا إذاً بالقبة النوراء يشكو أسفاً قائلاً يا جد رسم الصبر مني قد عفا ببلاء انقض الظهر وأوهى المنكبين)، فسلام عليك سيدي يا أبا عبد الله الحسين.

 

مرات العرض: 197
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (43)
تشغيل:

شهيدات النهضة الحسينية في كربلاء 15
17 ليلى الثقفية أم الأكبر وزوجة الحسين عليه السلام