جمع القرآن في رواية مدرسة الخلفاء 2
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 2/9/1440 هـ
تعريف:

جمع القرآن في رواية مدرسة الخلفاء

تفريغ نصي الفاضلة أمجاد عبد العال
تصحيح الفاضلة افراح البراهيم

قال الله العظيم في كتابه الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم: (لا تحرّك به لسانك لتعجل به. إنّ علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه )1صدق الله العلي العظيم.
حديثنا بإذن الله تعالى، يتناول موضوع جمع القرآن، بحسب الرواية الرسمية الموجودة لدى مدرسة الخلفاء، حيث أنّه من المعلوم عند المسلمين جميعًا وهو محل الاتفاق أنّ القرآن الكريم نزل على رسول الله (ص) نجومًا، أي بشكلٍ متفرّق، وبحسب المناسبات والأحداث، في مدة تصل إلى ثلاثة وعشرين سنة وهي مدة البعثة النبوية التي من خلالها  تنزَّل القرآن الكريم، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يقرؤه على المسلمين، ويأمر بكتابته وتدوينه. وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ، نتساءل : كيف تمّ جمع القرآن الذي كان بصورة متفرقة؟ حيث كانت الآية والآيتان تتنزّل على رسول الله، و رسول الله يأمر بكتابتها، وتقرأ على المسلمين.
فيما بعد صار هذا قرآنًا حيث اجتمعت هذه الآيات والسور في كتاب واحد، فكيف تمّ الجمع؟ ومن الذي جمع؟ و ما هي المناسبات والظروف التي أدّت إلى جمع القرآن الكريم؟
 توجد نظريتان لدى المسلمين:
 النظرية الأولى / هي نظرية الإمامية وشيعة أهل البيت (ع)، حيث يقولون: بأنّ الذي حصل جمع القرآن الكريم  في زمان رسول الله ( صلى الله عليه وآله )،  وما مات النبي (صلى الله عليه وآله) إلا والقرآن مجموع ، وقد بقيت فيه بقية نهائية أوصى النبي (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين قبيل وفاته أن يأخذ هذه الآيات، وكانت عند رأسه الشريف وجمعها وضمّها في كتاب واحد ، ولو أردنا أن نمثّل مثالا لذلك لو كان لدينا ملفًا، فيه كلّ الأوراق مرتّبة، معدلة، لكنه بحاجة إلى تجليد  في الأول وفي الآخر.
إذن نظرة الإمامية إلى أنّ القرآن الكريم تمّ جمعه في زمان رسول الله و قبل وفاته.
النظرية الثانية/  هي النظرية الرسمية و الشائعة الآن في العالم الإسلامي، والتي تلتزم بها مدرسة الخلفاء ، ولا تأخذ بها شيعة أهل البيت عليهم السلام وهذه النظرية تقول: أنّ القرآن لم يكن مجموعًا في زمان رسول الله وإنما تمّ جمعه، وإنّما كان متفرقا في العسب،  والعسب جمع عسيب وهو مثل كرب النخل، وفي اللخاف ، و اللخاف عبارة عن أحجار بيضاء رقيقة ربّما مثل ذلك وما ما شابه ذلك،  وفي الأكتاف أي الذبائح التي تذبح  عندما يأخذ كتفها، حيث أنّ لحمة الكتف عندما تتخلص منها يبقى عظم معترض هو الكتف ، وهو أشبه بسبورة صغيرة، كانت تستخدم في ذلك الزمان للكتابة ، فهم يقولون أنّه تمّ جمع آيات القرآن الكريم. من العسب، واللخاف والأكتاف وغير ذلك، ومن صدور الناس، وجمع في كتاب و هو هذا القرآن ، وقد تمّ ذلك خلال مرحلتين أو بحسب روايتين عند مدرسة الخلفاء :
1/ الرواية المشهورة و الرسمية السائدة أنّ هذا حصل في زمان الخليفة الثالث عثمان يعني بعد سنة ثلاث وعشرين هجرية، وما يقارب ربع قرن من الزمان من هجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وحوالي اثنى عشر سنة من وفاة رسول الله (ص)، أو أكثر بقليل.
هذه الرواية تقول أنّه عندما كان حذيفة بن اليمان العنسي في فتح أرمينيا وأذربيجان رأى أنّ جيش المسلمين المكوّن من جنود من العراق، ومن الشام، ومن المدينة، ومن مصر، كان كل واحدٍ منهم يقرأ بقراءة مختلفة عن الآخر ، وكل واحدٍ منهم لديه أسلوبه الخاص ، وعندما عاد إلى الخليفة قال له : أدرك أمة محمد، حتى لا يختلفوا كما اختلفت اليهود والنصارى.
وبناءً على ذلك قام الخليفة عثمان بتشكيل لجنة مكوّنة من زيد بن ثابت مع آخرين وأمرهم بجمع الآيات ، فلما اجتمعت هذه الآيات كلها، أمر أن تجمع بقية المصاحف الموجودة عند الناس، وأحرق تلك المصاحف، و اعتمد مصحفًا واحدًا سمّي بالمصحف الإمام، كتب منه ست نسخ وأرسلت إلى الأقطار الإسلامية، واشتهر أنّ الخليفة الثالث هو الذي جمع المصحف والقرآن، وسيقت حول هذا الحدث ما يذكر من آيات المدح والثناء عليه، ضمن روايات مدرسة الخلفاء.
 2/ الرواية الأخرى  تقول أنّ الجمع كان في زمن الخليفة الأول وذلك بعد معركة اليمامة في السنة الثانية عشر للهجرة، مع أتباع مسيلمة حيث قتلوا مجموعة كبيرة من حفّاظ القرآن الكريم ، البعض قال أنّهم كانوا سبعين حافظًا وقيل سبعمئة حافظ للقرآن الكريم ، فخافوا أن يندثر القرآن، فأمر بجمع القرآن، وكتابته وتدوينه، صار التدوين والجمع أيام الخليفة الأول.
نظرية الشيعة الإمامية
أنّ الجمع تمّ في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ، ويستدلّ العلماء والمراجع على ذلك بأدلة ، وأنّه لم يكن المسلمون بحاجة إلى جمعها من الأكتاف ولا من العسب ولا من اللخاف، إذ أنّ رسول الله لم ينتقل للرفيق الأعلى إلا والقرآن تام ومجموع ، بخلاف المدرسة الأخرى التي ترى أنّ الجمع بدأ في زمن الخليفة الأول ، والبعض منهم يرى أنّ الجمع النهائي كان في زمن الخليفة الثالث .
تحليل رواية مدرسة الخلفاء حول جمع القرآن
لا بدّ أن نشير هنا إلى أنّه من أراد التوسع في مثل هذا الموضوع،  فهناك كتب قيمة بحثت حول هذا الموضوع ، منها :
1/ كتاب المحقق السيد علي الشهرستاني ( حفظه الله )   وهو باحث مدقّق له كتب قيمة، لديه كتاب اسمه ( جمع القرآن ) وهو   دراسة في الوثائق وهو عبارة عن مجلدين كبيرين.
 2/ كتاب للمرحوم آية الله الشيخ معرفت، وهو باحث قرآني متخصص، لديه دراسات قرآنية كثيرة و نافعة، وأحد كتبه كتاب: ( التمهيد في علوم القرآن ) ، وهو عبارة عن عشرة مجلدات ، وهو عبارة عن تمهيد فقط فكيف إذا تحدّث بعد التمهيد ، ويوجد لهذا الكتاب تلخيص سميّ : ( خلاصة التمهيد  ) ويقع في مجلدين .
3/ كتاب الإمام الخوئي رضوان الله عليه بعنوان: ( مقدمة التفسير و البيان ) ،  وإن كان مختصرًا، ولم يكن في مجلدّات إلا أنه دقيق ويتضمّن أصول المطالب.
إذا أردنا الآن أن نلقي الضوء ونحلّل نظرية جمع القرآن في رأي الخلفاء نرى هنا عدة نقاط :
1/ نتعجّب ونتساءل وكيف لنا أن نفهم هذه النظرية التي جاءت بها مدرسة الخلفاء والتي جعلت نظرية جمع القرآن الكريم وهي من أعظم المسائل كيف جعلتها خارج إطار الاهتمام النبوي و ليست ضمن الوحي والعياذ بالله.
 إذ أنّ القرآن الكريم يحمل في طياته القانون الكلي للإسلام بما فيه من عقائد وأحكام وأخلاق ، وإذا بهم يقولون أنّه لم يعتنى حتى بكتابة نسخة واحدة منه ، أو ليس القرآن الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وآله ( إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي: كتاب الله عزّ وجل  وعترتي أهل بيتي ) 2، وإن كان أهل السنة يقولون ( وسنتي ) لكنهم يقولون بالقرآن ، فكيف لم يهتم به رسول الله والعياذ بالله .
اليوم إن جاء رئيس من الرؤساء، ووضع قانونًا ودستورًا، وقال هذا ينص على كذا وكذا,, ، أليس من المفترض أن يكتب كتابة دقيقة وتطبع منه عدد من النسخ ويعمّم  على وسائل التواصل، ويعلن في الجريدة الرسمية؟؟،  أما إذا حدث العكس جاء الرئيس ونصّ على القانون لكنّه لم يهتم بكتابته أو تعميمه وتوزيعه ، أليس هذا من العبث؟؟
هذا يعتبر طعن في شخصية النبي صلى الله عليه وآله ، فإذا كان الوحي يكتب وقد نقلوا أنّ كتّاب الوحي كانوا عشرة ، وقيل كانوا ثلاثة وعشرين ، فكيف بكتابة القرآن وجمعه، أيعقل أنّ رسول الله لم يهتم بالأمر؟؟مع وجود الوسائل وإمكانية الكتابة ، ومع اتصاف رسول الله بالحكمة والتدبير ؟؟
إنّ هذا الكلام لا يتناسب مع عظمة رسول الله وكمال حكمته.
2/ بالنسبة للسنة النبوية حسب ماروته كذلك مدرسة الخلفاء أنّ رسول الله نهى عن كتابة الحديث ومنع من تدوينه وجمعه ، وهذا الكلام غير صحيح ، إذ أنّ الحديث بمثابة الشرح والتفصيل للقوانين التي جاء بها القرآن والذي قالوا بأنّه لم يجمع أيضّا ولم يدوّن في حياة النبي ، وبهذا ضاع الشرح للقانون أيضّا. 
3/ الخليفة والوصي بعد رسول الله على حد زعم مدرسة الخلفاء أيضّا لم ينص عليه رسول الله ولم يهتم بأمره ،  شأنه شأن القرآن والسنة حيث أغفل أمرهما ، هل يتصوّر أنّ هذا يعقل من رسول الله والعياذ بالله؟؟!!
4/ لقد ذكر أتباع مدرسة الخلفاء أنّه لما تمّ  الجمع الأول في عهد الخليفة الأول أمر زيد بن ثابت باعتباره أحد الكتّاب ، وكان مع عمر وكانا يجلسان على باب المسجد، ويقولون للناس : أيٍ منكم لديه ولو آية واحدة سمعها من رسول الله فليأت بها لكي ندوّنها ، ومعه شاهد أيضًا يشهد بأنّه سمعها من رسول الله ، و ينقلون أنّ الخليفة الثاني جاء بآية ( رجم الشيخ والشيخة ) ،  لكن لم يكن معه شاهد فلم يقبلوا بآيته ، بينما ذكروا أنّ خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين  جاء بآية  واحدة لوحده بدون شاهد وقبلوا بها .
نتساءل هنا / القرآن الكريم في آياته، هل هو معجز أم ليس بمعجز، إذا كان معجزًا فلا يحتاج إلى شهادة أحد المسلمين ، وإذا أتينا بشاهد ستكون أية ومعجزة وستكون جزءًا من القرآن ؟ ، وإذا لم نأت بشاهد لم يكن جزء من القرآن ؟! ليس الأمر هكذا ، فالقرآن الكريم أية إعجازه  ، وفصاحته وقوته واضحة سواء شهد فيها واحد أم عشرة أو لم يشهد فيه أحد.
القرآن معجز بنفسه ولا يحتاج لشاهد على ذلك ، وقد تحدّى العرب بأن يأتوا بآية مثله ، فهو ليس قضية محكمة كأرض تحتاج إلى شاهد ليثبت أنّها هذه الأرض ، فالقرآن يعرب بنفسه عن نفسه.
5/ نتساءل خلال هذه المدة من السنة الأولى للهجرة إلى السنة الحادية عشرة، من وفاة رسول الله أين كانوا يحفظون القرآن الكريم، ألم يوجد حفظة من المسلمين يحفظون القرآن حتى يضطرّوا إلى حفظه وجمعه في العسب، والأكتاف، ويطلبون من الناس أن يأتوا بما يحفظونه من آيات ؟! ألم يقولوا بأنّ الخلفاء الأربعة حفظوا القرآن لماذا لم يجمعونه منهم ؟!
وقد صرّح بعض أئمة القرآن من مدرسة الخلفاء أنّ الذين كانوا يحفظون القرآن إلى زمان وفاة رسول الله (صلى الله عليه و آله) كانوا بالمئات ، وهذا يشار إليه في قضية غزوة اليمامة والتي قتل فيها سبعين حافظًا للقرآن الكريم وقيل سبعمئة حافظ .
 من خلال ما ذكرنا من ملاحظات أنّه لا يمكن أن تصدق نظرية مدرسة الخلفاء حول جمع القرآن الكريم والذي كان متأخرّا بعد وفاة رسول الله ، حيث أنّ المسلمين في زمان رسول الله و بعد الهجرة بل قبل الهجرة كانوا يحفظون ما ينزل عليهم من القرآن، والعرب أمة حافظة ، لأنّ أغلبهم لم يكونوا يكتبون، فيستعينون بالحفظ ، ويذكر أنّ كبار الصحابة جمعوا القرآن الكريم وعلى رأسهم أمير المؤمنين عليه السلام ،وعبدالله بن مسعود ، وسعيد بن العاص وعبدالله بن عباس ، و المقداد بن الأسود .
 إذ أنّ القرآن هو الدستور والقانون العام الذي يحتكم إليه فكيف يتأخّر جمعه إلى ثلاثة أو أربعة وعشرين سنة ؟؟!!.
6/ ملاحظة أخرى تنتهي بنا إلى التشكيك في عدالة الصحابة ، حيث أنّ مدرسة الخلفاء تعتقد بعدالة الصحابة وأنّهم أفضل البشر بعد رسول الله وكلهم في الجنة وهم فوق مستوى العدالة ، ولا يجوز لنا أن نسأل عن عدالتهم ، فإذا كانوا يقولون بعدالتهم المطلقة فلماذا يطلبون شاهدًا عندما يأتي لهم بآية من القرآن ؟ أليس هذا تكذيب وتشكيك في عدالته ؟؟!
هذا تناقض عجيب يتوجّب عليهم إما التخلي عن نظرية عدالة الصحابة المطلقة أو التخلي عن طلب شاهد يشهد على تلك الآية التي يأتي بها الصحابي.

 7/ مشكلة تصدي غير المعصوم للجمع. الناس شخصان: إمّا معصوم، وإمّا غير معصوم. المعصوم  كالنبي لدينا ولدى المسلمين عامة ، والإمام لدينا نحن الإمامية لا يخطئ عمدًا ولا سهوًا ، بينما المعصوم يخطئ ويسهو ويغفل وينسى .
الذين قاموا بجمع القرآن الكريم أمثال زيد بن ثابت قطعًا لم يكونوا معصومين ، وعدد الآيات كما ذكرنا ستة آلاف ومئتين وستة وثلاثين آية ، فكيف لنا أن نطمئن أنّ هذا غير المعصوم لم يخطئ في آية، ولم ينس آية، أو لم تفته آية؟
وكما ذكر مدرسة الخلفاء أنّهم اختلفوا في عدد آيات السور ، فقد زعموا أنّ فلانا قرأها سبعين ونيف ، وقالوا مئتين ، وقالوا مئة وثلاثين آية ، فمع هذا الاختلاف كيف يحصل الاطمئنان ، ولنا أن نتساءل إن كان هذا اللي جمع القرآن ربما تعمّد أن يذكر آية أو نسي أو غفل عنها ، أو نسيها أن يكتبها من الأكتاف أو تركها في العسيب!!
بل إنّهم يروون أنّ الداجن قد أكلت صحيفة فيها  بعض الآيات ، فكيف نأخذ بجمعهم ونطمئن لذلك ؟؟ وما لذي يضمن لنا أنّ جمع غير المعصوم صحيح ، خاصة أنّ هذا القرآن كتاب معصوم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
 الآن لو افترضنا حاجتنا لجمع شعر أحد الشعراء كالمتنبي وأتينا بلجنة متخصّصة مكوّنة من عشرين أو مئة شخص من كل أنحاء العالم العربي وأتوا لنا بكتاب ضخم جمعوا فيه أشعاره ، هل نضمن أنّ هذه كلها أشعار المتنبي ؟؟، لعل بعض قصائده ضاعت، لعلّ بعض قصائده لم ترو ، لعلّ بعض قصائده لم تدوّن ، لماذا لا نضمن ؟ لأنّ الشخص الجامع لها ليس بمعصوم .
فإذا قلنا بأنّ الشخص الجامع للقرآن ليس بمعصوم فهناك احتمال للنسيان والخطأ ، والسهو والغفلة ، عندئذ لا يكون هذا الكتاب معصومًا مع أنّه يجب أن يكون الكتاب المعصوم والحاكم والميزان لكل شيء ، فكيف يصح أن يجمع على يد غير المعصوم؟؟
8/ أمر آخر جعل المستشرقين يكتبون عشرات الكتب حول هذا الموضوع ويقولون بأنّ هذا الجمع الذي حدث بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب وبهذه النتائج  لا يمكن أن يكون ذا نتائج دقيقة مئة بالمئة ، قد يتدخّل فيه العنصر البشري والعنصر البشري الذي تصيبه عوامل النقص والقصور ، لا سيما إذا قلنا أنّ القائم على تلك العملية، مثل: زيد بن ثابت وقد كان عمره صغيرًا عندما جاء للنبي إلى المدينة وأصبح من كتّاب الوحي وعمره كان  عشر سنوات ، وليست لديه تلك القدرة الاستثنائية لجمع كل هذه الأمور، ولو أنّه جمعها في وقت متأخر، فيكون عمره مثلا ثلاثة وثلاثين أو أربعة وثلاثين سنة ، نتساءل أيضًا أين كان أمير المؤمنين عليه السلام وأين موقعه من الإعراب في قضية جمع القرآن الكريم؟؟
أمير المؤمنين كان مع رسول الله منذ أول يوم بعثته، وإلى آخر يوم بقي معه في هذه الحياة، وهو يقول فيما بعد:  ( سلوني قبل أن تفقدوني فوالله الذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، لو سألتموني عن آية آية في ليل نزلت أو نهار نزلت ، مكيها ومدنيها ، سفريها وحضريها )3
ما لهدف من تسجيل منقبة لأحدهم وإغفال ابن أبي طالب من الذكر ، وإخراجه نهائيًا من مسألة جمع القرآن الكريم ، مع أنّه سلام الله عليه بشهادة الجميع هو أحد كتّاب الوحي ، وكان أكبر سنًا من زيد بن ثابت ، فلماذا لم يشر إليه في مسألة جمع القرآن وكان ملازمًا لرسول الله أكثر من غيره.
9/ اختلاف روايات الجمع كما أشار المرحوم السيد الخوئي في كتابه ( البيان ) فقد تتبّع الروايات الصادرة من المدرسة الأخرى واحدة تلو الأخرى وقسّمها إلى طوائف فوجد أنّ بعضها متعارض مع الآخر من ناحية الزمان  ومن ناحية سبب الجمع : هل هو قضية اليمامة والقتل الذي حدث فيها أو بعد هذه الحادثة بعد مدة من الزمان ؟؟ ، في رواية قالوا في السنة الثانية عشر وفي أخرى قالوا في سنة ثلاث وعشرين وأخرين قالوا أربعة وعشرين فأيهما الصحيح؟؟
وهل هو الخليفة الأول، أم  الخليفة الثالث ؟ و هل كان للخليفة الثاني دور  واضح بناء على الرواية الأولى أم لم يكن له دور باعتبار أنه كان غير موجود ٍعلى قيد الحياة في زمان الخليفة الثالث ؟؟
لذا قال السيد الخوئي أنّ هذه الروايات متعارضة زمانًا ومتعارضة دافعًا ، ومتعارضة كيفية ومتعارضة أمرًا، ومتعارضة تنفيذا. ، فكيف يكون الأخذ بها مع كل هذ التعارض؟؟
أضف إلى ما ذكرناه أنّه لو تمّ الأخذ بها للزم نسبة التقصير إلى شخص رسول الله صلى الله عليه وآله و حاشا رسول الله ذلك.
نحن نقرأ في الزيارة ( أشهد أنّك قد أدّيت الأمانة، وبلّغت الرسالة، ونصحت الأمة، فجزاك الله يا رسول الله، أفضل الجزاء، وأوفر الجزاء، وأفضل ما جازى نبيًا عن أمته )4.
ماذا فعل رسول الله لأجل هذه الأمة وفيم قصّر ، حاشاه من التقصير ، لم يألو جهدًا ولم يدّخر وسعًا في سبيل الدعوة ، وحتى يضع كلّ شيء في محله ، ولا يوجد أحد في الكون بذل كما بذل رسول الله من طاقته البشرية من أجل هذه الأمة ، ثم يأتي لمعجزته الخالدة ويغفلها كما يدّعون ، ويقصّر في تدوينها وحفظها ، حتى يضيع هذا القرآن ويوزّع ويفرّق ، ولا توجد منه نسخة أصلية ، هذا لا يمكن قبوله أبدًا.
 إنّ هذا الكلام والادعاء باطل  فقد كان رسول الله يتعامل مع القرآن الكريم على أنّه كتاب وأنّه مصحف، والكتاب، لا يصدق، إلا على الشيء المكتوب الكامل  ، وعندما يقول النبي (ص): ( إني تارك فيكم كتاب الله ) هو لا يقصد هذا المحفوظ في صدوركم بل الموجود  والمدوّن في كتاب ، ونستدلّ بذلك على تلك الرواية التي ذكرت عندما حضرته الوفاة ( آتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتابًا لا تضلوا  بعده أبدًا ) 5، قالوا  (حسبنا كتاب الله ) ، بمعنى أنّه الكتاب كان موجودًا ، وليس المقصود ما يحفظونه داخل الصدور، بل الكتاب المدوّن والمجموع.
 وأكثر من هذا كلمة ( المصحف ) ، المصحف يعني الصحف التي تجمع بين غلافين، هذا يسمى باللغة العربية مصحف، ومنه جاء إلى القرآن، المصحف ليس مثل القرآن، القرآن جاء فيه آية ( إنّه لقرآن كريم )6، لكنّ المصحف ما جاءت فيه آية لأنّه في اللغة يعني الشيء المضموم بين جلادين أو بين غلافين.
لذلك وردت روايات كثيرة عن رسول الله تمدح النظر للمصحف و ذلك دلالة على وجوده ، ومنه قوله ( من قرأ القرآن في المصحف متّع ببصره ، وخفّق عن والديه )7 ،  وهذا دليل على وجوده في زمان النبي وأنّ كلام الله  تعالى كان مجموعًا في المصحف.
وقد كان اهتمام رسول الله بالقرآن اهتمامًا عظيمًا، وانعكس هذا أيضًا على المسلمين، فكانوا لا يخرجون بالمصحف إذا أرادوا الغزو، فقد كانوا يستكرهون حمل القرآن، حتّى لا يصير بيد الكافرين، و لا يتعرّض إلى الإهانة، أو إلى الهتك، بالإضافة إلى توجيه النبي على حفظه والنظر إليه وقراءته وتلاوته ، فقد كانت حلقات القرآن الكريم تعقد في المسجد إلى حدّ أنّهم كانوا يتغالطون وتتداخل أصواتهم ، فأمرهم النبي أن يخفضوا أصواتهم.
ومع كلّ هذا الاهتمام لا يعقل أن يترك رسول الله هذا الدستور العظيم دون  تدوين وجمع وعناية، ورعاية، لا سيما إذا عرفنا أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان لديه إطلاع على ما سيحدث في الأمة من بعده، والقرآن الكريم أحد الضمانات، فيجب أن يتركها محفوظة من الانحراف ، ومع ذلك حدث الانحراف ، مع أنّ أوصياء رسول الله وأئمة الهدى أوصوا بالقرآن الكريم ( الله الله في القرآن ، لا يسبقكم إلى العمل به غيركم )  8، كان يوصي بقراءة القرآن وتلاوته والتأمّل فيه ، وكان يوصي الحسنان وهما إمامان معصومان ، وحافظان للقرآن الكريم ، و هذا ديدن أئمة الهدى عليهم الصلاة والسلام.
-------------------------------------------
1 سورة القيامة آية 16/17/18
2 بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج23 ص133
3 التوحيد للشيخ الصدوق ص305
4 كتاب أسرار الحج
5 الارشاد للشيخ المفيد ج1 ص 184
6 سورة الواقعة آية 77
7 شبكة الإمام الرضا عليه السلام
8  مكتبة العتبة الحسينية / وصية أمير المؤمنين عليه السلام

 

مرات العرض: 201
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (41)
تشغيل:

جمع  القرآن في رؤية الشيعة الامامية 3
صفحات من تاريخ القرآن المجيد 4