31 الموالي الشهداء في أصحاب الحسين عليه السلام
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 29/1/1440 هـ
تعريف:

الموالي الشهداء من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام

تفريغ نصي الفاضلة أم سيد علي الفلفل
تصحيح الأخت الفاضلة فاطمة الشيخ منصور


قال سيدنا ومولانا  أمير المؤمنين سلام الله عليه (من قصر به عمله لم يرفعه نسبه).
من هم الموالي:
من كلمات الأضداد في اللغة العربية كلمة الموالي  وهي الكلمات التي تحتمل معنيين متضاديين و هما:
أولًا: السيد المالك ومن له حق التصرف في شخص آخر يقال له مولى، ومن استعمال هذا المعنى قوله تعالى: (بل الله مولاكم) بمعنى مالككم وسيدكم ومن يتصرف في أموركم، وقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الغدير (من كنت مولاه فهذا علي مولاه) بمعنى من كنت سيده فعلي ابن أبي طالب سيد له يحق له التصرف في أمره.
ثانيًا: العبد الخاضع ومن يُتصرف فيه، ومن استعمال هذا المعنى في القرآن الكريم قوله تعالى:(فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم) فالله سبحانه وتعالى يأمر العباد أن ينادوا هؤلاء المماليك بأسماء آبائهم وهم العبيد المُتصرف فيهم.
وفي الاصطلاح فإن عنوان المولى يطلق على العبد الذي يُعتق لوجه الله وقربة لله تعالى لكنه لا يرغب في مفارقة الجو الاجتماعي فيحافظ على هذه العلاقة التي تشكل له حماية اجتماعية وانتماء فيقال ولاؤه لبني هاشم  أو لبني تميم مثلا.
هل للموالي أحكام في الإسلام؟
كانت القبائل العربية تعقد علاقات سببية بينها وبين القادمين من البلاد الأخرى كبلاد الترك والنوبة والسقالبة وهذه العلاقة توفر لهؤلاء الانتساب والحماية الاجتماعية وقد جاء الإسلام وأقر نظام ولاء العتق وفي الشرع تترتب عليه أحكام الحر يستطيع أن يعيش حياته الطبيعية لأن صاحبه أعتقه لوجه الله فصار حرًا ليس لأحد سلطة عليه ولو أراد أن يعقد بينه وبين مولاه هذا الولاء فيبقى معه وتحت حمايته ويعرف به فيقال قنبر مولى علي ابن أبي طالب.
تطور لُغوي للمولى:
تطور معنى هذا الكلمة وتوسع ليشمل كل من كان من غير العرب وإن كان حرًا بعد أن كانت تطلق على العبيد المحررين فقط، فالفرس يقال لهم موالي لأنهم أسلموا واستوطنوا في البلاد الإسلامية فأطلق عليهم الموالي مع أنهم ليسو عبيدًا في الأصل لكن الاصطلاح توسع.
منهاجان في التعامل مع الموالي:
كان منهاج أمير المؤمنين عليه السلام يختلف عن منهاج الخلافة الرسمية في التعامل مع الموالي حيث كانوا يميزون العرب في العطاء ففي زمان الخليفة الثاني قام النظام الاقتصادي على أساس تمييز الناس بحسب نسبهم وحسبهم وغناهم وأعمالهم الإسلامية فجعل الموالي كلهم في طبقة واحدة دون العرب وفي زمان بني أمية تفشى تمييز الموالي في الاحترام واعتبار الشخصية فضلًا عن التمييز الاقتصادي ومنه  ما حصل في زمان الخليفة الأموي عمر ابن عبد العزيز يذكر أن الشعبي وهو القاضي الأكبر في وقته لم يكن يذهب إلى مسجد الكوفة لأن الموالي جعلوا هذا المسجد أبغص عندي من كناسة الدار ويصرح بذلك، وكلام هذا القاضي في زمن عمر ابن عبد العزيز الذي كان متصفًا بالإنصاف فكيف ببقية العصور.
ينقل أن معاوية ابن أبي سفيان استدعى الأحنف ابن قيس وكان حكيمًا واستدعى سمرة ابن جندب وكان سيئ الصيت وصفه الرسول بقوله (إنك رجل مضار) في قضية لا ضرر ولا  ضرار المعروفة، استدعاهما معاوية للاستشارة في أمر الموالي فهو يخشى على ملك بني أمية من نهضة الموالي فأراد أن يقتل نصفهم ويترك النصف الثاني لفلاحة الأرض وعمارة الطريق وكان جادًا في قراره إلا أن الأحنف وسمرة قاما بتهدئته حتى عدل عن رأيه، فإن كان الحاكم يفكر بهذه الطريقة فكيف ببقية الأجهزة الحاكمة وسائر الناس في تعاملها مع هؤلاء الموالي.
وفي بعض الفترات عُين لهم مسجدٌ خاصٌ بهم وأُصدرت قوانين تمنع زواج المولى بالعربية وقد رُفع للحجاج أن مولى تزوج من عربية فأتى به وجلده وحلق رأسه وأمره أن يطلقها ونفاه من الكوفة رغم أن الإسلام يرى أن المسلم كُفو المسلمة.
وفي الجهة الأخرى نرى منهاج آل محمد عليهم السلام يمثله قول أمير المؤمنين عليه السلام (من أبطأ به عمله لم ينهض به حسبه) فالعربي و المولى الذي جاء من أقصى بلاد الدنيا وأُستعبد ثم أُعتق هما على حد سواء في الاحترام والمساواة والعطاء فلم يكن في زمان أمير المؤمنين تمييز في العطاء ففي أول أيام خلافته غيَر النظام السائد قبل خلافته في تمييز العطاء حيث قال كل مسلم (عربيًا أو مولى) يحق له ما يحق للمسلم الآخر.
كلكم لآدم:
جاءت امرأة قرشية ومعها مولاة أعجمية قد أعتقتها فأعطاهما الإمام خمسة دراهم فقالت القرشية يا أمير المؤمنين هذه مولاتي وقد أعتقتها يوم أمس وأنا عربية وهي أعجمية فقبض أمير المؤمنين قبضة من تراب وفتتها في يده وقال (كلكم لآدم وآدم من تراب والله ما جعل لبني إسماعيل  على بني إسحاق  فضلَا إلا بالتقوى والعمل الصالح).
أمير المؤمنين في سوق القماش:
ينقل عن قنبر أنه خرج مع أمير المؤمنين إلى  سوق القماش قُبيل العيد فاشترى الإمام قماش كرباس له بدرهمين واشترى قماشًا حسنًا لي بخمسة دراهم فقلت له أنت أولى به إنك تصعد المنبر وتخطب الناس فأجابني الإمام(أنت شاب ولك شرة الشباب وأنا أستحي من ربي أن أتفضل عليك)
الإمام السجاد والموالي:
اشتهر أن الإمام زين العابدين عليه السلام كان يشتري العبيد في كل سنة ويقوم بتربيتهم ثم يعتقهم لوجه الله فيذهبون لتبيلغ أحكام الله فيكونون نافعون في مجتمعهم.
ولذلك التصق هؤلاء الموالي بأئمة أهل البيت عليهم السلام لأنهم وجدوا في منهجهم إنصافًا لهم ومن جهة أخرى رأوا أن الطريق الصحيح في دين الإسلام فإن  تفوقوا لن يضرهم نسبهم إن كان رفيعًا أوضيعًا، لذلك أقبلوا على العلم والتفوق فأصبحوا فقهاء ومفسرين وعلماء في اللغة حتى ذُكر أن في عصر الإمام زين العابدين عليه  السلام برز في المدينة عشرة فقهاء ثمانية منهم هم من الموالي واثنين من العرب وكان منهاج أهل البيت عليهم السلام يعزز قيمة الإنسان بعيدًا عن حسبه ونسبه.
الموالي في كربلاء:
شهدت قضية كربلاء حضورًا كبيرًا للموالي حيث كان لهم ميلًا خاصًا لأهل البيت عليهم السلام وكان حضورهم منذ بداية الحركة الحسينية مرورًا بمعركة كربلاء ثم في المطالبة بثأر الإمام الحسين عليه السلام مع المختار الثقفي ، فإن طوعة التي احتضنت مسلم ابن عقيل في دارها كانت من الموالي فقد كانت جارية للأشعث أعتقها فأصبحت مولاة تزوجت وقامت بموقف عظيم عجز عنه الأحرار، وحتى عبيد الله ابن زياد لما أراد معرفة خريطة حركة مسلم ابن عقيل وأنصاره استعان بالموالي فبعث مَعقِل لأنه يعلم أن أهل البيت وأنصارهم منسجمون مع الموالي فنصرة الموالي لأهل البيت أمر طبيعي جدًا ولأن العربي يمكن أن يعرف بسرعة ولذلك قال مَعقِل لمسلم ابن عوسجة أنه من موالي ذي الكلاع الحميري المعروف بولائه لأمير المؤمنين فهو يريد أن يبايع مسلم ابن عقيل ويسلم له مبلغًا من المال وكل ذلك لمعرفة مكان مسلم ابن عقيل.
وأما في معركة كربلاء فقد بلغ عدد الشهداء في كربلاء اثنا عشر شهيدًا ستة منهم من موالي بني هاشم وستة منهم من موالي بقية الشهداء جاءوا إلى كربلاء مع أوليائهم رغم أنهم لم يكونوا مضطرين لمرافقتهم والتضحية بأرواحهم لأن المولى إذا أعتق لوجه الله لا تكون لسيده  سلطة عليه.
وبعد واقعة كربلاء قامت ثورة المختار وهي ثورة الموالي في الواقع فالعماد في ثورته هم الموالي حيث بادروا للأخذ بثأر الإمام الحسين عليه السلام وأما رؤساء العرب فقد شاركوا في جيش بني أمية.
مولى يروي الواقعة:
القاعدة العامة أن الموالي لا يؤاخذون بمسار ساداتهم لذا  فإن عقبة ابن سمعان تُرك ولم يؤاخذ لما قال أنا مولى لهم وكان مولى الرباب زوجة الإمام الحسين فكان من نتاج ذلك أنه أحد  الطرق لمعرفة أحداث كربلاء.
الموالي يخلدون ذكرهم:
جاء بعض الموالي إلى كربلاء وأبلوا فيها بلاء حسنًا فضحوا بأنفسهم في سبيل الله في مواقف عظيمة لم يقف الأحرار بمثلها نورد منهم ثلاثة أمثلة:
رسولٌ وشهيد:
إنه سليمان ابن رزين مولى من موالي الإمام الحسين عليه السلام كان والده في بيت الإمامة وأمه كانت جارية لأم إسحاق زوجة الإمام الحسين  أعتقا لوجه الله ولكن بقي ولاؤه للإمام الحسين فصار يذهب في قضاء حوائجه حتى صارت قضية كربلاء وخرج معه من المدينة إلى مكة ومن مكة بعثه الإمام الحسين عليه السلام إلى أخماس البصرة، ذهب سليمان وسلَم الرسائل إلى أصحابها ومن جملتها رسالة إلى المنذر ابن جارود العبدي وهو زوج أخت عبيدالله ابن زياد وكان سيئ الصيت وفي نهج البلاغة ذم له من قبل الأمام علي عليه السلام (أما بعد فإن صلاح أبيك غرني بك) وحين سلمه سليمان رسالة الحسين ظنها مكيدة من ابن زياد ليختبره بها فأخذ سليمان والرسالة وسلمهما لابن زياد وكأنها فرصة ليثبت ولائه لابن زياد ويحصل على منصب في حكومته، فقام ابن زياد بقتل سليمان على الفور وأخذ الرسالة وصرف المنذر وبذلك يعد سليمان ابن رزين من أوائل الشهداء في نهضة الإمام الحسين عليه السلام.
خدُ الحسين على خده:
إنه أسلم التركي من موالي الإمام الحسين عليه السلام أيضًا وكان يهتم بالإمام وشؤونه إلى أن صارت واقعة كربلاء أخلى الإمام سبيله لكنه اختار رفقة الإمام الحسين عليه السلام وفي مكة أخبره الإمام أن له الحرية وأخلى سبيله لكنه أبى إلا يستشهد في سبيل الله وفي يوم  عاشوراء استأذن الإمام الحسين في القتال فقال له الإمام ليس عليك ذمام وليس في عنقك بيعة ولكنه أراد الشهادة فبرز إلى القتال وقاتل قتالًا عنيفًا وقتل عشرين مقاتلًا من  جيش الأعداء ثم استشهد رضوان الله عليه فجاء إليه الإمام الحسين وبه رمق فوضع خده على خد أسلم فقال من مثلي وقد وضع ابن بنت رسول الله خده على  خدي وقيل أن الإمام الحسين عليه السلام وضع خده أيضًا على خد واضح التركي مولاه كما فعل ذلك مع ابنه علي الأكبر ليبين أن قيمة  الإنسان بعمله.

اللهم بيّض وجهه:
إنه جون مولى أبي ذر الغفاري، قال بعض المؤرخين أنه لم يذهب مع أبي ذر إلى الربذة والتحق بأمير المؤمنين وقال بعضهم أنه خرج معه إلى الربذة وبعد عودته التحق بأمير المؤمنين وبقي مدة زمان الإمام علي ثم انتقل إلى الإمام الحسن ثم للإمام الحسين عليهم السلام وجاء مع الإمام الحسين إلى كربلاء وفي يوم عاشوراء طلب الإذن من الإمام الحسين عليه السلام فقال له الإمام الحسين (يا جون إنما اتبعتنا طلبًا للعافية وإنا نجعلك في حِل من نصرتنا) فقال له جون يا أبا عبدالله إن لوني أسود  وأن نسبي لئيم وأن  ريحي نتنٌ فتنفس علي بالشهادة معك يبيض لوني ويطيب ريحي ويحسن حسبي ونسبي، فأذن له الحسين في القتال فقتل منهم ماقتل وهوى إلى الأرض صريعًا فجاء إليه الإمام الحسين عليه السلام ودعا له (اللهم بيّض وجهه وطيّب ريحه وأرفع حسبه ونسبه وأدخله الجنة مع محمد وآله الطاهرين) حتى ورد في الأخبار أن الإمام زين العابدين لما جاء لدفن أبيه بعد ثلاثة أيام مع بني أسد كانوا يشمون رائحة عطرة فلما تتبعوها وجدوها تفوح من جسد هذا الشهيد جون ابن حواء وسرعان ما استجيبت دعوة الإمام الحسين عليه السلام في حقه  في الدنيا وهو ينتظر استكمالها في الآخرة.
فهؤلاء ارتفعوا إلى منازل الشهداء الأصفياء بين يدي ابن بنت الرسول وهم مصداق لقول الإمام الحسين عليه السلام  (إني لا أعلم أصحابًا خيرًا من أصحابي) فصلوات الله وسلامه على الحسين وعلى  أولاد الحسين وعلى أصحاب  الحسين متواترة إلى يوم القيامة.

مرات العرض: 354
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (125)
تشغيل:

أربعين الامام الحسين أسئلة الاستحباب والنتائج
30 سعيد الحنفي شهيد الصلاة وحاميها