27 الحر بن يزيد الرياحي : التوبة حرية
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 27/1/1440 هـ
تعريف:

 الحر بن يزيد الرياحي التوبة حرية

كتابة الاخت الفاضلة انتصار الرشيد


قال سيدنا ومولانا الإمام الحسين عليه السلام مخاطبا الحر الرياحي ( أنت حر في الدنيا وسعيد في الآخرة )
لم تكن واقعة عاشوراء مجرد معركة بين فئتين محددة بزمان ومكان معينين بل هي مدرسة متجددة في كل زمان ومكان بما قدمته من نماذج انسانية وفكرية وفلسفية.
من هذه النماذج الرائعة الحر بن يزيد الرياحي الذي جسد اروع نموذج للضمير الانساني الحي والارادة الحرة الواعية بانتقاله من خندق الظلام الى ساحة النور وخروجه من حياة العبودية الى طريق الاحرار، فاصبح رمزا من الرموز الانسانية الخالدة ومثالا يحتذى به في سلوك الانسان وتمسكه بالقيم العليا والمبادئ المثلى.
أحد أصحاب الحسين عليه السلام من غير الطالبيين الحر بن يزيد اليربوعي التميمي المعروف بالرياحي هذا الرجل مثل شخصية مختلفة عن سائر الشهداء من جهة الحرية والتوبة سنتحدث عن محورين أساسيين المحور الأول الحرية والمحور الثاني التوبة وسنتحدث عن سيرة الحر وحياته
المحور الأول الحرية: الحرية لها معنى خاطئ عند بعض الناس حيث يتصور أنه لا يوجد أمامه قيود تحجز حركته وان الإنسان الحر في زعم هؤلاء إذا أراد شيء فعله مثلا عندما يقال له لماذا تفعل هذا الشيئ يقول أنا حر بالذات إذا كان يرتبط بماله أو شهوته    هذا المفهوم للحرية هو عين العبودية المبغوضة ، هذه ليست حرية بل استعباد من قبل الشهوات لهذا الإنسان شهوة الأكل تستعبده وتقوده فيتوجه للأكل دون أن يتحرى الحلال والحرام ، وكذلك شهوة الجنس يخضع لها ويكون عبد مأمور لهذه الشهوة فتراه ينجرف وراء الأفلام الخليعة وللعلاقات المحرمة ويمارس شهوته الجنسية خارج القانون الشرعي ولو تأمل نفسه يجد أنه عبد خاضع لشهواته وليست هذه حرية ونقل في الحديث أنَّه قال: "تعِس عبد الدِّينار وعبد الدِّرْهم، تعِس عبد الخميصة، تعس عبد القطيفة"،  الذي  يخضع لشهواته هو عبد لمتعددين وليس لواحد هو عبد لشهوة الجنس وعبد لشهوة البطن وعبد لشهوة حب المال وحب الذات بمعنى يعتبر فرجه إله بالنسبه له وبطنه إله بالنسبة له فهو عبد لهؤلاء ويكون الإنسان حر عندما يتحرى من كل الضغوط ومن كل السادة ويكون خاضع لله الذي خلقه الحر هو الذي يقول لفرجه وبطنه وكل هذه الضغوط أنا لست خاضع لكم أنا حر هذه هي الحرية الحقيقية من هذه الحرية تتفرع التوبة فإن الإنسان الذي يذنب هل يقف بينه وبين نفسه ويسأل نفسه هل الضغط الذي يوجهني للذنب ويسحبني للمعصية هل أتمرد عليها هل أتراجع عنها إذا كان كذلك فهو فعلا تمسك بكونه حر أمام المعصية ورفض العبودية لها وتراجع عن الاستمرار ويتراجع بالتوبة إذا هناك ارتباط قوي بين الحرية الحقيقية وبين التوبة ، نجد هذا في حياة شهيد كربلاء الحر الرياحي حيث قال له الإمام أنت حر في الدنيا وسعيد في الآخرة .
لماذا يذكر الحر الرياحي مع وجود عدد كبير في الجيش الأموي ؟ يذكر لأن له موقف وقصة واعظة محل إقتداء
الحر هو من قبيلة اليعقوبي التميمي بني رياحي فيهم شخصيات عملوا خير فذكروا في الخيرين من هذه الشخصيات المتميزة مالك بن نويرة اليربعوي التميمي
مالك بن نويرة بن جَمرة بن شدّاد بن عبيد بن ثَعلبة بن يربوع التميمي اليربوعي
أدرك الإسلام وأسلم وولاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) صدقات قومه (بني يربوع)
كان مالك بن نويرة من كبار بني تميم وبني يربوع, وصاحب شرف رفيع وأريحية عالية بين العرب, حتى ضرب به المثل في الشجاعة والكرم والمبادرة إلى إسداء المعروف والأخذ بالملهوف
 وكانت له الكلمة النافذة في قبيلته, حتى أنه لما أسلم ورجع إلى قبيلته وأخبرهم بإسلامه, وأعطاهم فكرة عن جوهر هذا الدين الجديد, أسلموا على يديه جميعاً ولم يتخلف منهم رجل واحد
وكان هذا الصحابي الجليل قد نال منزلة رفيعة لدى النبي (صلى الله عليه وآله) حتى نصبه وكيلاً عنه في قبض زكاة قومه كلها, وتقسيمها على الفقراء, وهذا دليل وثقاته واحتياطه وورعه
أرسل أبو بكر – في بداية خلافته – خالد بن الوليد لمحاربة المرتدين, ولما فرغ خالد من حروب الردَّة سار نحو البطاح, وهي منزل لمالك بن نويرة وقبيلته.
 وكان ملك قد فرق أفراد عشيرته, ونهاهم عن الاجتماع, فعندما دخلها خالد لم يجد فيها أحداً, فأمر خالد ببث السرايا, وأمرهم بإعلان الأذان وهو رمز الإسلام, وإلقاء القبض على كل من لم يجب داعي الإسلام, وأن يقتلوا كل مَن يمتنع حسب وصية أبي بكر.
 فلما دخلت سرايا خالد قوم مالك بن نويرة في ظلام الليل إرتاع القوم, فأخذوا أسلحتهم للدفاع عن أنفسهم, فقالوا: إنا لمسلمون, فقال قوم مالك: ونحن لمسلمون, فقالوا: فما بال السلاح معكم ؟, فقال قوم مالك: فما بال السلاح معكم أنتم ؟!, فقالوا: فإن كنتم مسلمين كما تقولون فضعوا السلاح, فوضع قوم مالك السلاح, ثم صلى الطرفان, فلما انتهت الصلاة قام جماعة خالد بمباغتة أصحاب مالك, فكتفوهم بما فيهم مالك بن نويرة, وأخذوهم إلى خالد بن الوليد.
 وتبريراً لما سيقدم عليه خالد ادعى أن مالك بن نويرة إرتدَّ عن الإسلام, فأنكر مالك ذلك وقال: أنا على دين الإسلام ما غيَّرت ولا بدَّلت
 وشهد له بذلك اثنان من جماعة خالد وهما: أبو عتادة الأنصاري, وعبد الله بن عمر, ولكن خالد لم يُلق إذناً صاغية, لا لكلام مالك ولا للشهادة التي قيلت بحقه
 فأمر بضرب عنق مالك وأعناق أصحابه, وقبض على أم تميم (زوجة مالك) ودخل بها في نفس الليلة التي قتل فيها زوجها مالك بن نويرة (رضوان الله عليه)
وهناك نموذج سيء وهو شبث بن ربعي اليربوعي التميمي شهد كربلاء محشد على الامام الحسين عليه السلام
الحر الرياحي كان شخصية مميزة له قدرة عسكرية مميزة في القيادة والشجاعة وهناك فرق بين القيادة والشجاعة الحر عنده قيادة عسكرية وشجاعة من توليته على قيادة ألف فارس في الجيش الأموي عندما أرسل الحر لإعتقال الإمام الحسين عليه السلام ،وهو مقاتل شجاع ، قال أحد أبناء قبيلته اسمه يزيد بن سفيان لو علمت أن الحر ذاهب للحسين لرميته بسهم ، من ذكاء الحر قال له قرة بن القيس اسقيت فرسك اليوم فوكز الحر فرسه كإنه سيسقيه وهو توجه الى جهة الامام الحسين للانضمام اليه ، كان حكيم في تصرفاته وردود أفعال الحر تدل على حكمته
كان من الطبيعي ان تكون شخصية الحر الفذة محط انظار السلطة لما تمتع به من بطولة نادرة ويدلنا قول المهاجر بن اوس على ذلك بقوله للحر يوم الطف (لو قيل لي من اشجع اهل الكوفة لما عدوتك) وحينما سيطر عبيد الله ابن زياد على زمام الامور في الكوفة بعد ان قتل مسلم بن عقيل عليه السلام سفير الحسين عليه السلام وهاني بن عروة واعتقاله لعدد من رموز الشيعة في الكوفة عمد الى اجراءات احترازية امنية وذلك بارساله الجنود على حدود الكوفة لقمع أي انتفاضة محتملة تحاول اختراق الكوفة كما اصدر اوامره لصد ومحاصرة الامام الحسين عليه السلام واصحابه والحيلولة دون وصولهم الى الكوفة خاصة عندما سمع انه (عليه السلام) دخل العراق فارسل رجاله لهذا الغرض.
وكان ممن ارسلهم، الحر بن يزيد الرياحي على راس الف فارس فالتقى الحر بالحسين عليه السلام  في ذات حسم وقد أضرَّ به وبأصحابه العطش فامر سيد الشهداءعليه السلام اصحابه ان يسقوهم ويرشفوا خيولهم ( الترشيف تعني رش الخيل بالماء لتبريدها لإن سقيهم مباشرة يؤذي الخيل ) فسقوهم عن آخرهم في تلك الصحراء التي تعز فيها قطرة الماء ولما حان وقت الصلاة قال الحسين عليه السلام للحر أتصلّي باصحابك؟ فقال الحر لا بل نصلي بصلاتك فصلى بهم الحسين عليه السلام وبعد ان فرغ (عليه السلام) من صلاته قال ايها الناس انكم ان تتقوا الله وتعرفوا الحق لاهله يكن ارضى لله ونحن اهل بيت محمد صلى الله عليه وآله أولى بولاية هذا الامر من هؤلاء المدعين ما ليس لهم والسائرين بالجور والعدوان، وان أبيتم الا الكراهية لنا والجهل بحقنا وكان رأيكم الآن على غير ما اتتني به كتبكم انصرف عنكم.
فقال الحر ما ادري ماهذه الكتب التي ذكرتها، فأمر الحسين عقبة بن سمعان فاخرج خرجين مملوءين كتبا، فقال الحر اني لست من هؤلاء واني امرت ان لا افارقك اذا لقيتك حتى اقدمك الكوفة على ابن زياد، فقال الحسين الموت ادنى اليك من ذلك وامر (عليه السلام) اصحابه بالركوب وركبت النساء فحال بينهم الحر وبين الانصراف فقال الحسين ثكلتك امك ماتريد منا؟ فقال الحر اما لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل هذه الحال ما تركت ذكر امه بالثكل كائنا من كان، والله مالي الى ذكر امك من سبيل الا بأحسن مانقدر عليه ولكن خذ طريقا نصفا بيننا لايدخلك الكوفة ولا يردك الى المدينة حتى اكتب الى ابن زياد فلعل الله يرزقني العافية ولا يبتليني بشئ من امرك
(هنا الحر لم يقيد الامام الحسين والامام الحسين مثل جده رسول الله صل الله عليه وآله ماعرض عليه أمران في أجدهما رفق إلا اختاره ) ،
ثم قال للحسين عليه السلام اني اذكرك الله في نفسك فاني اشهد لئن قاتلت لتقتلن، فقال الحسين عليه السلام افبالموت تخوفني وهل يعدو بكم الخطب ان تقتلوني وساقول ماقال اخو الأوس لإبن عمه وهو يريد نصرةرسول الله صلى الله عليه وآله
                 سامضي وما بالموت عار على الفتى* اذا مانوى حقا وجاهد مسلما
                 وواسى الرجال الصالحين بنفسه  *    وفارق مثبورا وخالف مجرما
                 فان عشت لم اندم وان مت لم الم* كفى بك ذلا ان تعيش وترغما
فلما سمع الحر هذا منه تنحى عنه فكان الحسين عليه السلام يسير باصحابه في ناحية والحر ومن معه في ناحية اخرى وعندما وصلوا الى نينوى وهي قرية صغيرة من قرى الطف قدم عليهما رسول ابن زياد ومعه كتاب الى الحر يقول فيه جعجع بالحسين حين تقرأ كتابي ولا تنزله الا بالعراء على غير ماء وغير حصن فقرأ الحر الكتاب على الحسين فقال (عليه السلام) له دعنا ننزل نينوى و الغاضريات او شفيه فقال الحر لا أستطيع فإن الرجل عين علي، وبينا هم يسيرون اذ وقف جواد الحسين فسأل (عليه السلام) ما اسم هذه الارض؟ فقيل له... كربلاء
هذا الموقف الذي ينهي الشخص الى سعيد في الآخرة هذا الموقف له مقدمات الحر تأمل عنده تفكير وحريه داخل نفسه وليونة في معالجة الأمور وحكمة في التعاطي مع الآخرين
الحر له فضل على كل شيعة أهل البيت لا يوجد عالم دين أو مرجع يستغني عن كتاب وسائل الشيعة للحر العاملي هو من أحفاد الحر الرياحي صفات الحر جعلت في نسله الخير والبركة
يتضح من خلال هذه المقابلة عدة امور منها ان الحر كان مكرها في خروجه للتصدي للحسين ويدل على ذلك قوله فلعل الله يرزقني العافية ولايبتليني بشئ من امرك ومنها انه لم يكن يعلم بامر الكتب التي كان يرسلها اهل الكوفة الى الحسين عليه السلام ومنها انه كان يقدر منزلة الحسين عليه السلام ويعرف حقه عندما صلى خلفه ومنها انه كان يميل في داخله الى الحسين وذلك عندما اطلع الحسين على كتاب ابن زياد واخبره ان حامل الكتاب هو عين عليه وهذا يدل على ان الحر كان يكتم في نفسه شيئا من الولاء للحسين.
لما وصل جيش عبيد الله بن زياد الى كربلاء بقيادة عمر بن سعد لم يكن الحر يتوقع ان الامور ستؤدي الى القتال لذلك راح يسأل عمر قائد الجيش أمقاتلٌ انت هذا الرجل؟ فاجابه عمر إي والله قتالا أيسره ان تسقط الرؤوس وتطيح الايدي.
فسأله ثانية فما رايك فيما عرضه عليك من الخصال؟ - في اشارة منه الى ما بينه الامام الحسين عليه السلام من قرابته من رسول الله ومكانته ومنزلته فاتى الجواب لو كان الامر بيدي لقبلت ولكن اميرك ابن زياد ابى ذلك..
رجع الحر وهو يرتعد لم يصدق أذنيه هل وصلت بهم الوقاحة والجرأة لقتال ابن بنت رسول الله وسيد شباب اهل الجنة فسار نحو المشرعة وهو مطرق فسأله المهاجر بن اوس عندما رآه مطرقا مفكرا ان امرك لمريب، والله لو قيل لي من اشجع اهل الكوفة لما عدوتك فما هذا الذي اراه منك؟ فقال له الحر اني اخير نفسي بين الجنة والنار والله لا اختار على الجنة شيئا ولو اُحرقت ثم توجه نحو الحسين عليه السلام منكسا راسه حياءا منه... اني تائب فهل ترى لي من توبة، فكان الجواب، نعم يتوب الله عليك صدقت، واصابت امه حين سمته حرا ولعلها كانت تتوسم في ابنها هذه الروح الحرة فكان كما قال الحسين (عليه السلام): (أنت حرٌ في الدنيا وسعيدٌ في الآخرة)

مرات العرض: 201
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (92)
تشغيل:

26 شخصية حبيب بن مظاهر الأسدي
29 شخصیة زهير بن القين البجلي