الامام علي واستقرار الأسرة 19
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 19/9/1439 هـ
تعريف:

الإمام علي عليه السلام واستقرار الأسرة

كتابة الأخت الفاضلة زهراء محمد
جاء في الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام قال:( ألا أُحدثكم عني وعن فاطمة ، إنها كانت عندي فاستقت بالقربة حتى أثّر في صدرها وطحنت بالرحى حتى مجلت يداها وكنست فناء الدار حتى أغبرَّ ثوبها وأوقدت تحت القدر حتى دكنت ثيابها ، فأصابها من ذلك ضرر شديد ، فقلت لها يا فاطمة هلاَّ ذهبتِ إلى أبيك رسول الله صلى الله عليه وآلة و طلبت منه خادماً ، فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وآلة فوجدت عنده حُدّاثاً فاستحيت ورجعت إلى البيت ، فغدى علينا رسول الله صلى الله عليه وآلة أنا وفاطمة فسلم علينا من وراء الباب فاستحيينا لمكاننا ، فسلم أُخرى ، خشينا أن يذهب فقلنا يا رسول الله وعليك السلام أُدخل فدخل رسول الله فجلس بيننا وقال: يا فاطمة ما حاجتكِ ؟ فسكتت فاطمة حياءً فقُلت: يا رسول الله إن فاطمة استقت بالقربة حتى أثّر في صدرها وكنست الفناء حتى أغبرّ ثوبها وطحنت بالرحى حتى مجُلت يداها وأوقدت النار حتى دكنت ثيابها فقُلت لها : هلُمِّي فسألي أباكِ خاماً ، فجاءت إليك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآلة : أفلا أُعلمكما ما هو خير لكما من الخادم . إذا أخذتما منامكما فكبِرا أربعاً وثلاثين وسبحا ثلاثاً وثلاثين واحمدا ثلاثاً وثلاثين فهو خير لكما من الخادم، فقالت فاطمة عليها السلام: رضيت عن الله ورسوله.
                                                                (صدق مولانا أمير المؤمنين عليه السلام)
يُعتبر هذا الحديث المتقدم من الأحاديث المهمة والمعتبرة وذلك لجهة صدوره حيث وردَ ذلك في مصادر الإمامية في كتاب من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق أعلى الله مقامه وهو أحد الكتب الأربعة التي عليها مدار الاستدلال والاستنباط في الفقه الامامي كما ورد هذا الحديث أيضاً في مصادر المدارس الأخرى كسنن الترمذي والبخاري وأبو داوود ولكن في صور مختصرة عما هو موجود في مصادر الإمامية  وهذا مما يزيد في أهميته نظراً لا تفاق فِرق المسلمين عليه وأيضاً لاهتمام أمير المؤمنين عليه السلام بإبدائه.
وفي ظلال هذه الرواية التي تُشكل برنامجاً عملياً لحياة زوجية أُسرية أكثر استقرار وأماناً ،لا بد من الانتباه إلى  أن المؤشرات الإحصائية  في مجتمعاتنا المحلية والعربية تُشير إلى أن نسب الطلاق وصلت إلى 40% وهذا يعني أن كل 1000 زيجه في أول السنة تنتهي إلى 400 زيجه فاشلة مشردة ، وإذا ما استمر هذا المعدل على هذا المنوال فإننا سنشهد مجتمع مفكك تكثر فيه الجرائم والمشاكل ، لذلك نحن بحاجة إلى التواصي والاستذكار لأقوال وأفعال المعصومين عليهم السلام في مثل هذه المواضيع .
تأملات في الرواية الشريفة
• في هذه الرواية المباركة يُبين لنا سيّد الوصيين أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام بعض الممارسات البيتية التي كانت سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام تمارسها بشكل دائم ومستمر من غير تبرّم ولا تذمر ولا افتعال للمشاكل مع أنها أعرف النساء بالحكم الشرعي القائل بعدم وجوب هذه الأعمال على المرأة إلا أن حُسن تبعُلها العالي واخلاصها في هذا الرباط المقدس جعلها تقوم بهذا الحمل والمسؤولية الثقيلة في داخل بيتها حتى أصابها من ذلك ضرر شديد كما قال أمير المؤمنين عليه السلام ( أنها استقت بالقربة حتى أثّر ذلك في صدرها وطحنت بالرحى حتى مجُلت يداها ) ، وهنا يظهر أيضاً مبدأ التعاون بين الزوجين واضح وجليّ بين أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء عليهما السلام و القائم على أساس  مراعاة وتفهم الشريك الآخر في حالة عدم مقدرته على تلبية رغبة  او احتياج أمر من الأمور المعيشية وذلك يتمثل في اقتراح أمير المؤمنين عليه السلام النابع من علوّ احساسه واستشعاره لمعاناة زوجته فاطمة عليها السلام حينما قال لها (هلُمِّي فسألي أباكِ خاماً) وهي بدورها لم تتشكى من ذلك بل وامتثلت لأمره عليه السلام.
•    (يقول أمير المؤمنين عليه السلام: فغدى علينا رسول الله صلى الله عليه وآلة أنا وفاطمة عليها السلام) إن غُدو رسول الله ومبادرته للسؤال عن حاجة ابنته يأخذ بِأيدينا إلى التنبه في عدم التخلي عن رعاية أبنائنا وبناتنا في جميع النواحي الحياتية حتى بعد الزواج فهو بذلك أقرب إلى الرَحِم وأداء حق الله في أبنائنا. أما الدرس الآخر الذي لابد من التواصي به واستذكاره في كُل حين هو أن سعي الإنسان يجب أن يتركز على ما يُعينه في حياته الأُخروية ويتخذ من الدنيا الزاد الخيّر الذي ينفعه بعد مماته لأن الحاجات الدنيوية لا تنتهي عند حد معين فلا ينبغي التركيز عليها والانشغال بها عما هو أولى، وكذلك الرضا والتسليم بما قسمه الله من رزق للإنسان في جميع مراحل حياته لأن الله جلّ وعلا هو أعلم بالمقدار الذي يُعينه وينفعه في كل مرحلة من حياته، وفي هذا تعليل لما أجاب به النبي صلى الله عليه وآلة الزهراء عليها السلام حينما سألت خادماً بقولة:(أفلا أُعلمكما ما هو خير لكما من الخادم، إذا أخذتما منامكما فكبِرا أربعاً وثلاثين وسبحا ثلاثاً وثلاثين واحمدا ثلاثاً وثلاثين فهو خير لكما من الخادم).
عِــبره وفائدة من الكلمات النورانية
• من خلال هذه الرواية نستشف أن الكلمة الطيبة أدب وخُلق وفن وتربية لا سيما في داخل الأُسرة حيث أنها تُساعد على استقرار وترابط هذا الكيان العظيم وعلى من لا يُتقن الكلام الحَسن أن يستخدم الصمت فهو خير من فُحش اللسان وسوء الكلام الذي يشحن ويُزعزع النفوس وهو مما لا يُرضي الله عزّ وجلّ وفي ذلك يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام:( إن الله يبغض الفاحش المتفحش)، ويقول النبي الأكرم صلى الله عليه وآلة وسلم: (إن الله حرّم الجنة على كل فاحش متفحش لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه).
• إن الحياة الزوجية هي عهد مُقدس وشراكة دائمة لأنها حياة تهدف إلى رضا الله عزَّ وجلّ حيث جعلها الله نصف دينه وتمامه، لذلك ينبغي لكلا الشريكين في هذا الرباط التضحية والترفع عن الترهات المادية في سبيل الحفاظ على قُدسية هذه الحياة الأُسرية طلباً لمرضاة الله.
• الاشعار بالأمان من خلال الكلام الإيجابي الذي يُشجع على الاستمرار في الحياة الزوجية حتى وإن كانت هناك عقبات فهي سوف تُحل بالطريقة الحوارية الهادئة، وتجنب الكلام البذيء الذي يهدم الشعور العاطفي للطرف الآخر وبالتالي تُصبح الحياة هي قلق دائم وتشتت وعدم استقرار لاسيما إن كان تهديداً بالطلاق، وأسوء من ذلك هو الضرب المُهين الذي لا يُمت للإنسانية بشيء فضلاً عن العقوبات الشرعية التي وضعها الشارع المقدس على من يقوم به. 
                              ( والحمد لله ربِ العالمين

مرات العرض: 486
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (104)
تشغيل:

حج الأنبياء وتاريخ الكعبة المشرفة 18
حج النبي محمد صلى الله عليه وآله 22