التنمر مظهر الحقد 33
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 4/6/1439 هـ
تعريف:

التنمر مظهر الحقد

كتابة الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال

من كلمات مولانا أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، أنه قال: "أَلْأَمُ الخُلُقِ الحِقْدُ"، وقال أيضا: "الحِقْدُ مِنْ طَبَائِعِ الأَشْرَارِ"، وفي وصف الإنسان الحقود، والقلب الحاقد، قال صلوات الله وسلامه عليه، كما نقل عنه: "الحَقُودُ مُعَذَّبُ النَّفْسِ، مُتَضَاعِفُ الهَمِّ، وَأَشَدُّ القُلُوبِ غِلًّا قَلْبُ الحَقُودِ"، ثم لكي يبين أنه لا شيء يستحق في هذه الدنيا أن يتحاقد لأجله، وأن يحقد بعض على بعض، يقول، كما نقل عنه في كلماته (ع): "الدُّنْيَا أَصْغَرُ وَأَحْقَرُ وَأَنْزَرُ مِنْ أَنْ تُطَاعَ فِيهَا الأَحْقَادُ"، الدنيا أصغر من أن يستسلم الإنسان فيها للحقد على شيء، على شخص آخر، على مجموعة أخرى، لكي يشفي غل نفسه وحقد قلبه. لا تستحق الدنيا بكلها هذا الأمر.

ننطلق من هذه الكلمات النوارنية، التي تنقل عن امير المؤمنين (ع) لكي نواصل الحديث في أحد الأمراض الأخلاقية، التي عبر عنها أمير المؤمنين (ع)، بأنها خلق لئيم. بل ألأم الخلق، وهو: الحقد. حقد الإنسان على غيره، وانجرار ذلك الحقد إلى شيء، إلى عمل، إلى فعل، سواء باللسان أو اليد، أو الجاه، أو ما شابه ذلك. لإيذاء المحقود عليه والتشفي منه.

وهذا الأمر – أي الحقد – وتحريكه لبعض الناس من الخطورة بمكان. فإننا نجد - مثلا - في عالم السياسة آثارا لهذا الحقد. ونلاحظ – مثلا - آثار الحقد في جرائم الحرب التي تسمى. ونجدها في الإبادات الجماعة، أن شخصا أو فئة يريد أن يستأصل فئة أخرى، قومية من القوميات، مذهبا من المذاهب، دينا من الأديان، من خلال إبادة جماعية لأتباعه أو المنتمين إليه. مع أن كثيرا منهم قد لا يعلمون ما الخبر، ولا ما هي القصة، ولماذا هذا النزاع، ومن الذي ساقهم إليه، وماذا يقول هذا، وماذا يقول ذاك، لكنهم يصبحون طحين هذا الحقد، من شخص أو من مجموعة.

فقد تجده في السياسة، وقد تجده على مستوى أقل، في داخل العمل. وذلك عندما يتقصد شخص - لا سيما إذا كان نافذا – شخصا أو أشخاصا فيمنع عنهم الرزق، ويحول بينهم وبين الترقية، ويصطنع المعكرات لإلغائهم من العمل، لتطفيشهم، بل لإقالتهم. لا لشيء، لا، لأنه يخسر شيئا، فالمال لا يخرج من جيبه. لكنه هو مستسلم هنا لحالة حقد تجاه هؤلاء الأشخاص، أو تجاه قوميتهم، أو تجاه بلدهم، أو تجاه دينهم، أو تجاه مذهبهم، فيستأصلهم.

فقد تجده في العمل. وقد تجده أحيانا في مستوى أدنى. وهذا الحقد يتجلى فيما يسمى في بعض تعبيرات اليوم بالتنمر في المدارس. التنمر في المدارس، بدءا من الابتدائية، إلى المتوسطة، إلى الثانوية، وأحيانا حتى بالنسبة إلى بعض الجامعات، من المشاكل التي يتحدث عنها التربويون وعلماء الاجتماع.

والتنمر مأخوذ من اسم النمر، الذي عادة ما يزأر في وجه الشخص، يفترسه، يكسر عظامه، فيأكل هذه الفريسة ويهاجمها. فقد يتحول إنسان بفعل الحقد إلى حالة متوحشة من هذا القبيل. والكثير منهم – من التربويين – ينبهون على وجودها بالذات في المدارس. فيظهر هذا في مظاهر، منها: المظهر اللفظي. عندما يأتي شخص يمتلك هذه الحالة، لديه مخزون حقد لأسباب مختلفة من هذا الشخص. وقد يكون ذلك؛ لأنه متفوق عليه في الدراسة، وقد يكون؛ لأنه أكثر وسامة منه، وقد يكون؛ لأنه محبوب من قبل المدرسين. وقد يكون؛ لأنه من هذه القرية أو تلك. فالحقد لا يعرف أسبابا معقولة، هو شيء خارج الموازين، خارج الطبيعة، خارج التعادل، فلا يحتاج إلى سبب واضح.

يكفي في أن هذا جاء قبله اليوم إلى المدرسة، وهو سبب ليس معقولا للحقد. لكن عند الحاقد، عند المتنمر، عند هذه الشخصية غير المتعادلة، سبب كاف. يكفي أن تكون درجته أكثر منه، درجة ذاك الشخص أكثر من هذا. هو هذا المتنمر أو الحاقد جلس سهرانا في اللعب والعبث وذاك سهر على الدرس والعلم، وأخذ نتيجته. فكيف يأخذ هذا أعلى منه؟! يكفي أن المدرس – مثلا - يجعل اسمه في الأوائل، في المتفوقين، يكفي أن يشير إلى أن دفتره نظيف ومرتب. هذه كلها، وغيرها من الأسباب التي هي بالنسبة إلى هذا الإنسان الحاقد أو المتنمر كافية - في رأيه - لكي يمارس تجاهه مظاهر من الحقد اللفظي بأن يشتمه - مثلا - بلا مبرر، بأن يبتدع له اسما يعلق عليه فيه، سخرية. بأن يثير الضحك عليه، بأن يسب أباه، بأن يتهمه بشيء، بأن يتكلم عنه بكلام كاذب، بأن ينكت عليه، يجلسه في مكان، وينكت عليه حتى يضحك من حضر.

وبالنسبة إليه، وأحيانا قد يتطور إلى الشيء البدني. فيمر عليه - مثلا - ويدفره من دون مبرر. ذاك يمشي بسرعة، فيجعل رجله أمامه؛ ليتعثر ويقع على وجهه. قد يلكمه بلا مبرر، يضربه بلا سبب، هذه كلها تشير إلى مخزون من الحقد في داخل نفسه، يظهرها في هذه الصورة اللفظية، أو تلك الصورة البدنية. وهذا الأمر موجود في المدارس.

أحيانا حتى في العوائل يحدث هذا. في العائلة، في الأسرة، شخص إما لأنه أقوى بدنا، أو أكبر شخصية، أو لأنه كذا، يريد أن يسحق من هو دونه. فلا يجعل كلمة عند واحد البتة. فلو نفترض أن أحدهم قال كلمة الحق، فهو يظل جاعلا ذلك في باله إلى أن يحطمه ويسحقه.

إذن، هذه المشكلة، تحول الحقد - وهو ألأم الخلق، كما ذكرنا عن أمير المؤمنين (ع) - من حالة قلبية داخلية إلى حالة خارجية، في صورة ألفاظ، في صورة شتائم، في صورة سخرية، في سورة أن يبتدع عليه اسما مهينا، أو في صورة اعتداء بدني وما شابهه. وهذا يعبرون عنه في العلوم التربوية والدراسات، بعنوان: التنمر.

وبشكل أخص يتحدثون عنه في المدارس؛ نظرا لأن المدارس هي مجتمع يومي لمجموعة كبيرة من الشباب والأحداث الذين قد يكون بعضهم في مجال المنافسة الشريفة الاعتيادية بكثرة المذاكرة والتغالب في هذا الجانب. وقد يكون بعضهم في مجال المنافسة بهذا المعنى، بأن يريد أن يحطم شخصا أو أشخاصا بهذه الأساليب، وعلى هذه الخلفية.

فهذه القضية ينبغي أن نتنبه لها؛ لأنه من الممكن أن ابني يكون هكذا، متنمرا على غيره في المدرسة، ومن الممكن أن أكون - لا سمح الله - في العمل متنمرا على من هم تحت يدي، فأحاول أن أسحق شخصياتهم وأن أهددهم بين فترة وأخرى، فإذا يسل كلمة – حسب التعبير – كذا وكذا أصنع فيه. أو أريده أن يفعل هذا ولا يعترض، فإذا اعترض، أزيد عليه العقوبة، وأريد أن أمحي شخصيته في هذه الصورة.

فإذن هي مشكلة من المشاكل، قد تكون موجودة في المدرسة، قد تكون موجودة في العائلة، قد تكون موجودة في العمل، قد تكون موجودة في الفضاء العام: السياسي أو الدولي، وهذا مما يجعل هذه القضية خطرة.

هذه المشكلة تحتاج إلى بيئة. لا تبرز هكذا مثل الفطر. وإنما تحتاج إلى بيئة. فلو أننا عالجنا البيئة التي تنشأ فيها هذه الحالات من ممارسة الحقد اللفظي، من ممارسة الحقد العملي، مما يسمى بالتنمر. لأمكن لنا أن نخفف من آثارها. وأنا هنا بشكل خاص أركز على الموضوع المدرسي، والعائلي؛ نظرا لأن من يسمع كثيرا منهم، إما هم آباء، وإما هم مدرسون، وإما عنده طالب يقع عليه التنمر، أو ذاك عنده طالب هو التنمر.

لذلك نحتاج إلى الحديث في هذا الموضوع؛ نظرا لقربه منا. فالأمر الأول: ما يرتبط ببيئة الحقد والتنمر في داخل الأسرة. فهناك تلقين يحصل في بعض الأسر. هذا التلقين، إذا لم يلتفت إليه الأبوان، يصنع نفسية حاقدة، نفسية معتدية، نفسية متنمرة. عندما ينقل لي مثلا، من قبل ابني الطالب، أنه لنفترض في الصف، جاء فلان وجمع جماعة على فلان، وضربوا ذلك ضربا شديدا؛ لأنه مثلا: هذا عدوي. فإذا قلت له: نعم ما صنعوا، جيد هذا الذي فعلوه، ففي هذه الحالة، أكون أنا ألقن ابني: أن هذا كأسلوب، أسلوب حسن. لكن إذا قلت له: ذاك أخطأ عندما اعتدى عليك، لكن نفس هذا العمل أيضا: أن أحدا يجمع جماعة، ليؤذوا ذاك ويضربونه ويشتمونه، وما يصنعون به كذا، هو أيضا خطأ. فالصحيح هو أن ترفع القضية إلى الإدارة أو أن يتحدث الآباء فيها.

ومن الطبيعي أن الطلاب يحبون من ينتقم لهم، ومن الطبيعي أن يحبوا من يكون قويا. لكن إذا استخدم هذا في الاعتداء، وفي إظهار ما كان لديه من منبهات نفسية للسيطرة، للإرهاب، لإرعاب للآخرين، لسحق شخصياتهم، فينبغي أن يقال للابن في البيت: هذا عمل خاطئ، وشيء غير صحيح، ولا يجوز من الناحية الشرعية.

لا ينبغي أن نلقن أبناءنا حتى بغير التعمد: أن ممارسة الحقد والتشفي، وممارسة التنمر والاعتداء على الآخرين، صحيحة وسليمة. بل ينبغي أن نخطِّئ هذا العمل، وأن لا نقبله، سواء فعله الابن، أم فعله شخص آخر غيره. فذلك من البيئة التي تشجع هذه الحالة عند الطفل.

العنف الأسري، نفسه أيضا. هو من البيئة التي ينشأ فيها مثل هذا الأمر. فإذا رأى داخل المنزل الأصوات العالية هي التي تؤثر، القوة البدنية هي التي يستجاب لها، الإرغام هو الذي ينفع، فالأب يرغم الأم، والأخ الأكبر يرغم الأخت، والأخ الأكبر يرغم الأخ الأصغر، فهذا يصبح عنده مثل نمط في الحياة، ونهج: أنه الإنسان إذا أراد أن يحقق أهدافه، فإن عليه أن يرغم من هو أقل منه، وأن يكبت من هو أضعف منه، وأن يسحق منه هو أقل منه. والمشكلة أن هذا – كما سيأتي بعد قليل – لا يكتفي بالأمر داخل بيته، وإنما أحيانا يسحبه إلى الخارج، فيصبح منهاج حياة له. وهذا من البيئات الفاسدة التي تنتج مثل هذا الأمر.

من ذلك أيضا، بيئة الألعاب الإلكترونية. نبهنا أكثر من مرة، ونظل ننبه، وما نظن أن كل هذا التنبيه هو كاف، إلى أن الألعاب الإلكترونية خطرة إلى درجة غير محدودة. فأنت لاحظ، أن الطفل عنده شحنة، عنده طاقة، فترى عادة المفردات التي تدور في هذه الألعاب، هي مفردات: اسحق جمجمته، اقتله، مزقه. وهذه الحالة من التهديم والتحطيم والسحق والقوة الجبروتية، والتي هي على الشاشة فقط، تجعل هذا الإنسان الذي يلعب بطلا افتراضيا، لكن بطولته في أين؟ ليست مثلا في أنه يحل الألغاز، وليست في أنه متفوق في المعرفة، وليست في أنه صاحب أفكار مبتكرة، وإنما في أن يحطم الخصم، أن يسحق، أن يقتل، أن يؤذي. وهذه مشكلتها - كما ذكرت، قبل قليل – أنه: أحيانا الطفل لا يفهم الفاصلة بين ما هو على الشاشة وبين ما هو في الخارج، فتتمكن منه هذه الحالة: حالة التحطيم، والسحق، والقتل، حتى بعض الألفاظ، فأطفالنا أبناء الست سنوات، إلى 13، 14 سنة، يقولون بعض الألفاظ التي لم يسمعوها قطعا إلا من خلال هذه الألعاب الإلكترونية. فكلها من هذه الثقافة: ثقافة إفراغ الحقد، حالة التنمر الشديد، تحطيم الخصم. فإذا نقلها إلى الخارج، وتمكنت فيه إلى أن صار شابا، ورأى أن هذه فلسفة حياة، فيوما من الأيام، يرى أنه لما صف خصمه أمامه، انفتحت أمامه أبواب، فتبين أنه نعم، هذه هي الطريقة الصحيحة في الحياة.

لا، هناك طريقة أخرى، وهي: أهذا أمر يجوز شرعا، أم لا يجوز شرعا؟ يصح عقلا، أم لا يصح عقلا؟ هذه كلها ينبغي أن نلفت إليها الانتباه. هذا أمر. والأمر الثالث: ما يرتبط بأثر الإعلام. فالإعلام الموجود في بلادنا المسلمة إعلام سيء في كثير من الأحيان. ويظهر المعتدي بمظهر البطل. فالآن: برامج المصارعة، الملاكمة، الكذا، كلما زادت قسوة وشدة، تحصل على تشجيع، وجوائز وتشويق، وما شابه ذلك.

تقديم هذا كنموذج للبطولة، من قبل الإعلام، من قبل التلفزيون، من قبل كذا، هذا أمر ليس بصحيح. "أَلْأَمُ الخُلُقِ الحِقْدُ"، أشد العيوب الحقد. قلب الحقود ليس في راحة أبدا. فينبغي أن نصنع في قلوب أبنائنا وإخواننا، ومن نؤثر فيهم، عوامل الحب، الحب للآخرين، ليس فقط لأبناء عمه، وأبناء خاله، وإنما الحب لكل أحد من الناس، وألا يحقد على أحد منهم. بل بالعكس، إذا رأيت إنسانا لديهه ميزة تميزه في علم أو عمل أو شخصية أو غير ذلك، أحبب فيه ذلك الأمر. ولا تجعل مقاساتك: هكذا أو هكذا. أحقد عليه أم لا.

لنبعِد عن أبنائنا ومجتمعنا هذه الحالة من التحاقد، من التنمر، من المواجهة، من العنف، فهذا فيه خير كبير لمجتمعنا. فإن الحقد - كما في الخبر المروي عن أمير المؤمنين - هو من طبائع الأشرار، وأن الحقود معذب النفس، متضاعف الهم، وأن قلبه أشد القلوب غلا. قلبه كدر، هو قلب الحقود.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لأن نرتقي إلى مصاف المحبين لغيرنا، وأن نبتعد عن عوامل الحقد والبغضاء، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

مرات العرض: 487
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (194)
تشغيل:

البغضاء والحقد 32
شهر رجب لماذا له فضيلة خاصة ؟