كيف نواجه الكسل في الحياة 31
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 24/5/1439 هـ
تعريف:

29 كيف نواجه الكسل في الحياة؟

 

كتابة الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال

في الحديث الوارد عن سيد الأنبياء المصطفى (ص)، في وصيته لأبي ذر الغفاري. وأيضا، نقلت في وصية النبي لأمير المؤمنين (ع)، أنه قال: "وَعَلَى العَاقِلِ أَنْ لَا يَكُونَ ظَاعِنًا إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ، أَوْ مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ". ومثل هذا النص أيضا، منقول عن سيدنا أبي عبد الله، جعفر بن محمد الصادق (ع)، أنه قال في حكمة آل داوود: "يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ العَاقِلِ، أَنْ لَا يَرَى ظَاعِنًا إِلَّا فِي ثَلَاثٍ، مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ، أَوْ تَزَوُّدٍ لِمَعَادِ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ". هذا النص، سيكون منطلقنا إلى الحديث عن موضوع: كيف نواجه الكسل الذي هو أحد الأمراض الأخلاقية، والصفات السيئة.

فيما يرتبط بهذا الحديث، أو الرواية، نلاحظ ملاحظتين: الملاحظة الأولى: أن النبي (ص) أوصى باثنين من أهم أصحابه، وأكثرهم إخلاصا له، الأول: وصيه أمير المؤمنين (ع)، والثاني الذي وصفه بأنه "الْأَصْدَقُ بَيْنَ الأَصْحَابِ"، "مَا أَظَلَّتْ الخَضْرَاءُ"، يعني: السماء، "وَمَا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاءُ"، يعني: الأرض، "عَلَى ذِي لِهْجَةٍ، أَصْدَقُ مِنْ أَبِي ذَرٍّ". فهي وصية لشخصيتين استثنائيتين، ومن خلالهما لأبناء الأمة جميعا.

يضاف إلى ذلك، أن نفس هذا الحديث، ينقله، الإمام الصادق (ع)، عن حكمة آل داوود. يعني: هذا المعنى، هو موجود أيضا في وصايا الأنبياء السابقين، في وصايا داوود وآله الذين أوتوا الحكمة. وهذا يشير إلى أن هذا المعنى الذي يتوارثه الأنبياء، ويكون محط وصيتهم، ينبغي أن يكون خريطة عامة للإنسان.

ملاحظة أخرى، أنه ورد في الرواية التي عنونها الإمام الصادق، أنها: في حكمة آل داوود، ورد لفظ "يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ الْعَاقِلِ". وقد يثير هذا السؤال - مثلا - هل أن هذا اللفظ، لفظ المسلم، كان في زمان داوود ومن يشبه من الأنبياء السابقين، أو هو لفظ حصل بعد مجيء رسول الله (ص)، والجواب على ذلك، أننا نعتقد أن دين الله الذي نزل عند جميع الأنبياء والمرسلين، هو الإسلام. كما قال القرآن الكريم: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)، فالإسلام بمعنى التسليم لله، والاستجابة لأوامره، هو خلاصة كل الرسالات السماوية. نعم في خصوص الرسالة التي جاء بها نبينا محمد (ص)، عنونت بهذا العنوان الخاص لأسباب مختلفة، منها: لأن فيها كمال التسليم والإسلام والاستسلام لله عز وجل، ومنها أسباب أخر، لا نتعرض الآن إليها.

من هذا الحديث الذي يبين لنا ما هو برنامج حياة الإنسان، يُعلم من أن ما عليه البعض من الكسالى في الحياة، يخطئون في الخريطة الأصلية. ومشكلة الإنسان عندما يخطئ في الخريطة الأصلية، ذاك الوقت، مهما مشى سريعا، لا يصل.

لنفترض أنك تريد أن تذهب إلى مكة المكرمة. فالمهم جدا أن تضع في البداية الخريطة الصحيحة المناسبة، ثم إذا كانت خريطتك سليمة، سواء أسرعت أو أبطأت، النتيجة سوف تصل إلى ذلك المكان. وأما إذا كانت خريطتك الأصلية خريطة خاطئة، ولنفترض - فمكة بالنسبة لنا هي جنوب غرب - والإنسان اتجه شمال شرق، فحتى لو يمشي بسرعة الصاروخ، لن يصل إلى المقصد. فكلما مشى يزداد بعدا عن الهدف، سواء أسرع أو أبطأ، هو لا يصل إلى الهدف. لذلك من المهم جدا أن يفكر الإنسان في خريطة حياته الأصلية؛ لكي إن أسرع فيها، بالنتيجة سوف يصل. أما إذا كانت الخريطة خاطئة، معكوسة، فسواء أسرع أو أبطأ، لن يصل.

هذا الحديث هو بمثابة الخريطة العامة للإنسان. وهذا الذي يدعونا إلى الاستشهاد به، أن قسما من الناس عنده حالة كسل، لماذا؟ لأن خريطته في الحياة خريطة خاطئة، فإما على مستوى العقيدة مخطئ أم على مستوى الممارسة. فهؤلاء الذين قالوا (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ)، في آية أخرى: (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ). هذه الفكرة، هذه النظرية عن الحياة، تجعل حركة الإنسان في اتجاه آخر. فالذي يعتقد أن الحياة هي عبارة عن ميتة، وحياة، وراحة، ولذة، واقتناص فرصة، وتكييف، وما شابه ذلك، ما الذي يدعوه أن يبذل جهده في العبادة. فهي لحظته الحاضرة، فيستثمرها في اللذة الكاملة، وهذه عقيدة قسم من الناس. حتى إذا كان لا يعتقد بذلك في داخل ذهنه، لكنه يمارسها على الطبيعة. تسأله: غدا ما هو برنامجه؟ يتسكع من هنا ومن هناك. وإذا كان المنحرف، فيصطاد فتاة، أو هي تصطاد فتى. وذاك الآخر، يفكر كيف يلعب على هذا وعلى ذاك، وعلى هذا المعدل.

هذا في واقعه لا يفكر أن الله سبحانه وتعالى ما خلقه عبثا، ولم يتركه سدى، وأنه محاسب على كل ما يعمله، وأنه يصرف من رصيد لا يرجع إليه، وأنه لا بد أن يستثمر عمره فيما ينفع. فالحديث يأتي ويقول: أن اجعل حركاتك – وهذا مما ينبغي للعاقل، وينبغي للمسلم - أن لا يكون ظاعنا، متحركا، مسافرا، إلا في واحدة من ثلاث: "إِمَّا مَرَمَّةً لِمَعَاشٍ" - وفي بعضها مرمة لمعاد – أي: ترميم، أن ترمم حياتك المادية عن طريق الكسب الحلال، والانشغال الجدي بالعمل الاقتصادي؛ لأن هذا يغنيك عن غيرك، ولا يجعلك كلا على الآخرين. لا أن تستسهل كل يوم - ذاك البعيد – أن تفتح وجهك على هذا، فتطلب مساعدة، وعلى ذاك، وتطلب مساعدة، وتظل تدور بينهما. فعندنا في الرواية: "مَاءُ وَجْهِكَ جَامِدٌ يُقَطِّرُهُ السُّؤَالُ"، فلا تستسهل أيها الإنسان أن تطلب، ازهد في الشيء ولا تسأل، قتر على نفسك ولا تمد يدك، إلا إذا بلغت التراقي، كما يقولون.

أما قسم من الناس، فقد أصبح الأمر عاديا جدا بالنسبة إليه، فيسأل صاحب البقالة، ويقترض من هذا ولا يسدد، ويطلب من ذاك ولا يهمه، وعلى هذا المعدل. وهذا ليس نمط حياة أراده الله سبحانه وتعالى له. فالله أكرمه، فجعل له كرامة، وشخصية، فلا ينبغي منه أن يستسهل بهذه الكرامة عندما يريق ماء وجهه هنا وهناك.

نعم، فلان من الناس، أحاطت به ظروف قاهرة لا يستطيع لها دفعا، فذاك منه قد يكون مبررا. لكن لا أن يصبح هذا هو أول الطرق، وأسهل الطرق. فالمطلوب أن يكدح الإنسان، يسعى، يتحرك في مناكب الأرض، يهاجر، يغترب. وقد ذكرنا في الحديث عن فقرة الكسل في أمر المعيشة، كيف أن الأحاديث تشدد على الاغتراب في طلب الرزق، وأنه إلى هذا المقدار: أن يهاجر عن وطنه، فقد يكون هذا، في حركته، حركة في ترميم معاشه.

"أَوْ تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ"، تزود لمعاد، أي: الأمور الأخروية، من: صلاة، وصيام، وزيارة، وحج، وعبادات. ومن الممكن لكثير من الأمور، حتى المباحة منها، أن يحولها الإنسان إلى عبادة. وسبق القول، بأنه: حتى ذهابك إلى العمل، من الممكن أن يتحول إلى عبادة. وذلك عندما تنوي به نية، مفادها: أنك ذاهب إلى العمل؛ لكي تستعين بناتج عملك، على أداء حقوق الله، فهذا يتحول إلى عبادة؛ ولكي تستعين بناتج عملك وراتبك؛ للصرف على أهلك، فهذا يتحول إلى عبادة. فالمشوار نفسه، وأنت قاطعه، وذاهب فيه، لكن في الأول: هو مرمة لمعاش. وفي الثاني، مع النية: هو مرمة لمعاش، وخطوة لمعاد، أي يتحول إلى عمل عبادي.

"أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ". فإنسان يذهب للتنزه، للترفيه، مع الإخوان، مع الأحباب، فيرفه عن نفسه، يسعد نفسه، بالسفر، بالحضر، بالذهاب هنا، بمجالسة الإخوان هناك، وهذه كلها لذات، ولكن، لا يختلط بها الحرام.

فهذا أول شيء يجعلنا نواجه الكسل. وهو أن الإنسان الذي يمتلك خريطة حياة صحيحة لكل وجوده، ويرى أن هذا الوجود ليس لعبة، وليس هو مثل ذاك الذي قال: "طنش، تعش، تنتعش"، فهذه ليست فلسفة الحياة السليمة. فلسفة الحياة السليمة: أن الإنسان لم يخلق عبثا، وأنه إذا يريد أن يتحرك، فليجعل حركته في إطار: مرمة المعاش، تزود المعاد، اللذة غير المحرمة؛ وبهذه يحقق السعادة لنفسه. فهذا أول أمر من الأمور التي ينبغي أن يلتفت إليها الإنسان، ويواجه الكسل بها.

الأمر الآخر، ما يرتبط بالقدوات. فبمن تقتدي؟ لو تسأل أي إنسان، يقول لك: أنا أقتدي برسول الله، أنا أقتدي بأمير المؤمنين، أنا أقتدي بالأعاظم، لكن هذا الكلام لا ينفع وحده، ففرق بين أن تتمنى الاقتداء بهذا العظيم، وبين أنك بالفعل مقتد به. فإذا كنت تمشي كما مشى، ولو بمقدار طاقتك، فأنت مقتد به بالفعل، ولو لم تقل. وإذا كنت على غير ذلك، فحتى لو قلت: أنا أقتدي بالنبي، لا ينفعك قولك بشيء. فالنبي المصطفى (ص) أدأب نفسه في العبادة، وقام الليل حتى جاء الوحي مخففا عليه: (طه. مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ). فأنا الذي أقول أني أقتدي بالنبي، هل عندي أصلا قيام في الليل؟ ذكر لله في الليل؟ كلا.

يقال: أن جماعة جلسوا يتذاكرون في قيام الليل، فقال واحد مثلا: قيام الليل عندي، من أوله، لأن صلاة الليل، هي المستحبة العظيمة فيه، ويبدأ وقتها الشرعي من منتصفه. وأما إذا الإنسان كان ثقيل النوم أو كذا، فيستطيع أن يبكر بها قبل ذلك المنتصف. فواحد من الجالسين قال: أول الليل، والثاني قال: أنا أقوم لها بعد ثلثي الليل، والثالث قال: أنا أقوم لها قريب من الفجر. وواحد من الأعراب، هناك جالس، فقالوا له: وأنت؟ أتقوم الليل؟ قال: نعم، أنا أيضا أقوم الليل، فقالوا له: وماذا تفعل؟ فقال: أقوم للتبول ثم أعود للنوم ثانية. فقد يقوم الإنسان ليلا، ولكن ليس هذا المقصود من قيام الليل. فأنا أقتدي برسول الله (ص) في مسألة القيام ليلا، يعني في ذكر الله ليلا، في ذلك الوقت، بالتنفل بشيء من النوافل، لا أنه أقوم لثلاجة فآكل ثم أرجع للنوم، فهذا ليس قياما لليل، أو أذهب إلى الحمام وأعود.

الذي يريد أن يكون النبي قدوته، يتنفل في الليل ولو بشيء بسيط، وهذا في العبادة. أما في الحياة العامة، فقد كان النبي نشيطا، حيويا، حَرِكا. ومثلي وأمثالي في هذه الدنيا، لا يمكن أن يكون – أصلا - بينهم وبين النبي وجه شبه في هذا الموضوع.

أنقل لكم شيئين، الشيء الأول: مشية النبي (ص)، فلم تكن مشية النبي مشية كسلان ولا عاجز. إذ وصفوا مشيته بأوصاف كثيرة، منها: ما وصف ابن عباس، في الخبر عنه، أنه قال: كان النبي (ص) إذا مشى، مشى مجتمعا، أي مشى مشيا مجتمعا، يعرف أنه ليس بمشي عاجز ولا كسلان.

مشي المجتمع مثل مشي الإنسان الرياضي. كيف يتحرك الرياضي، قد يكون مثلي وأمثالي، إذا مشى يسحب نعاله على الأرض، ويثير الغبار. وحتى هذا المقدار، من المشية القوية، التي بها يُرفع النعال من الطريق، لا يفعل. فيذهب بيد إلى هذا الصوب، وبيد أخرى، إلى ذاك الصوب. وربما لو نكزه أحد، لسقط على وجهه أو قفاه. فالنبي (ص) كان إذا مشى يمشي مشية يعرف فيها بأنه ليس بمشي عاجز ولا كسلان، وكان إذا امتطى صهوة الفرس، كان ذلك الفارس.

فقد قيل أنه طرق خبر في المدينة ليلا، صارت ضجة وكذا. وهذه تحدث أحيانا، خصوصا في تلك القرى التي ليس فيها أصوات، وبمجرد سماع ولو طرقة واحدة منتصف الليل، يشيع الخبر، ويهلع الناس. فإذا بالنبي (ص) راجع من ذاك المكان، إلى الناس: وهذا يسأل ماذا حدث؟ وذاك يقول: ماذا حصل؟ وهذا يقول كذا. والنبي ركب فرسه وانطلق إلى مصدر الصوت، وقال لهم: لن تراعوا، ليس هناك من شيء، ارجعوا إلى أماكنكم. فهذا لا يمكن أن يطرأ عليه الكسل.

بعضنا بالنسبة إلى صلاة الصبح، التي هي الفريضة، فليس القضية خبر، فاركب الفرس واذهب لتنظر. لا، صلاة الصبح الفريضة، لا تبقى إلا ساعة ويقرع جرسها، فلا يبقى جوال إلا وعزف كل موسيقاه، وهذا ينادي، وذاك ينادي، وتمر نصف ساعة، وثلاثة أرباع الساعة، وهو بعد لم يقم للصلاة، فضلا عن الأمور الأخرى المستحبة.

فيحتاج الإنسان إلى أن ينظر إلى من تكون قدوته في هذه الحياة ومن يقتفي أثره؟ فلو كان النبي بيننا، في هذا الموقف، فماذا كان يصنع؟ في ذاك المكان، ماذا كان يصنع. وهكذا الحال بالنسبة إلى مولانا أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه.

قدوة الإنسان مؤثرة في رفع كسله. الآن، إذا تريد أن تذهب إلى المعصومين، وتقول هؤلاء مؤيدون من قبل الله وكذا وكذا، فانظر إلى حياة الناجحين، إلى حياة العلماء، إلى حياة البارعين، إلى حياة المخترعين، إلى حياة المكتشفين، إلى حياة الفقهاء، لم يأتي أحدهم بشيء في هذه الدنيا وقد كان كسولا. إذ لا بد أن يكون نشطا، لا بد أن يكون حركا، لا بد أن يكون دأب، فإذا اشتغل، فهو يحتاج إلى سهر على شغل، وليس إلى أن يسهر على جلسات، والتي سنأتي عليها في موضوع السهر.

فقضية القدوات، تجعل الإنسان إذا جعل أمامه قدوات مناسبة واقتفى أثرها، سواء في درجة المعصومين، أو في درجة الناس العاديين، لأنه الآن، حتى إلى الآن، لو أنت تتبع حياة بعض الناجحين، في هذه الدنيا، حتى على المستوى المادي والاقتصادي والعلمي، لن تجد بينهم كسولا خاملا، وإنما لا بد أن يكون هناك نشاط وحيوية وحركة، هذا أمر ثان.

الأمر الثالث: ما يرتبط بالتعامل مع الوقت. فوقت الإنسان أيها الأحباب هو رأس ماله، ورصيده الذي لا يعوض. وللأسف كثير من الناس - إن شاء الله من يسمعنا ليسوا منهم - لا يستشعرون هذا الأمر. وليس هذا بغريب، فالشرع يأتي ويقول لنا، أو المعصوم يأتي فيقول لنا: "كُلُّ يَوْمٍ يَمُرُّ عَلَى ابْنِ آدَمَ يُنَادِيهِ". لكن من الذي يسمع؟!، "يَا بْنَ آدَمَ، أَنَا يَوْمٌ جَدِيدٌ، وَغَدَا عَلَيْكَ شَهِيدٌ، فَقُلْ فِيَّ خَيْرًا، وَاعْمَلْ فِيَّ خَيْرًا، فَإِنَّكَ لَا تَرَانِي بَعْدَ هَذَا أَبَدًا".

كم قُدِّر لك من السنوات؟ لنفترض 100 سنة. 100 سنة، أي: أمامك 36 ألف يوم مثلا. فهذا اليوم، واليوم الذي بعده، واليوم الذي بعده، هذا يُذهب من رأس مالك، "يَا ابْنَ آدَمَ"، في حديث آخر: "إِنَّمَا أَنْتَ عَدَدُ أَيَّامٍ، إِذَا مَضَى بَعْضُهَا، فَقَدْ مَضَى بَعْضُكَ"، يعني: لو يمكن التصوير إلى الإنسان، أن اليوم سيذهب من إصبعه هذا المقدار، واليوم الثاني، هذا المقدار، واليوم الثالث مقدار ثالث، فيرى أنه بعد مدة من الزمان، جزء من بدنه قد انتهى. والحقيقة هي هكذا، لكن الإنسان لا يلتفت

فبعد انقضاء هذه المدة، ينتهي ويذهب. وليس معلوما كم هي عدد أيام الإنسان؟ وقد ذكرنا هذا أكثر من مرة: أن ابن العشرين يذهب، وابن الثلاثين يذهب، وابن الأربعين يذهب، وابن الخمسين يذهب، وابن الستين يذهب، والسبعين، ولا تعلم، لا أنت ولا أنا، من أي هؤلاء سنكون.

فملاحظة أمر الوقت، واستغلاله، واستثماره، واعتباره أعظم رصيد عند الإنسان أمر مطلوب. فرصيدك ليس المال، رصيدك وقتك. المال لا يمكنه أن يأتي بوقت، لكن الوقت يمكنه أن يأتي بمال. فلو أن مليارديرا الآن، قال: أنا أريد أن أشتري سنة إضافية، هل من أحد يبيعه ذلك؟ لا أحد. نعم، هناك أعمال أخرى تطيل عمرخ، تلك التي ترتبط بالقضايا الأخروية، لكن إذا عرفت كيف تستثمر وقتك، فحتى الأموال تأتي لك بالوقت.

لذلك، حتى أولئك التجار الكبار، الربع ساعة، بالنسبة إليه، شيء كثير، ووقت زائد. والنصف ساعة أيضا، لأنه يمكنه أن يشتغل فيها مزيد شغل. فإذا التفت الإنسان إلى أن الوقت هو رأس ماله الحقيقي، وليس ماله هو رأس ماله، ولا العقار، فرأس ماله وقته، لأن وقته من عمره، من زمانه، من بدنه، فتعامل معه التعامل الحسن، آنئذ يستطيع أن يتجاوز آثار الكسل. أما الإنسان الذي، بالنسبة إليه، غير ذلك، فكذلك الحيوان، حاشا من يسمع.

فهناك في أمريكا اللاتينية، وأستراليا، وأنا رأيته عندما ذهبت إلى أستراليا، حيوان اسمه الكسلان. يقولون: هو من أكثر الحيوانات نوما وكسلا وبطئا، إذ يتعلق على الشجرة معينة، ولا يتحرك أبدا. فإذا مرت عليه حشرة، أكلها، وإذا لم تمر، مال على ورق الشجر، وظل يأكل منها. وهذا يظل هكذا لأكثر من 20 ساعة في اليوم، هو نائم. حتى يقال أنه: تبنى عليه الطحالب. أرأيتم بعض الأشجار في الغابات، وعلى الجذوع، ثم شيء أخضر. هذا يكون عليه عليه ذلك الأخضر، ولكنه لا يلتفت، انبنى عليه إن شاء الله طحلب، لو انغرس فيه عمود.

فهل يشرِّف الإنسان أن يكون بهذا النحو كسلا؟ ينام بلا حدود، يعطل بلا حدود. لا يراعي وقته، ولا يراعي عمره، ولا يراعي زمانه، ولا يراعي رصيده الذي يذهب من عنده. فهل يشرِّفه أن يكون مثل هذا؟ أم لا؟

أم ذاك الإنسان الذي يبادر، يبكِّر، "بُورِكَ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا"، يعني: في تبكيرها من الصباح. فالإنسان يقوم ويذهب وراء عمله. إن في جانب علمي، فهو يبدأ نشاطه العلمي من بعد صلاة الفجر. وإن في جانب عملي، فيتهيأ من ذاك الوقت، هو قائم ويرتب أمره؛ لكي يخرج إلى رزقه.

قسم من الناس، يقول: أصحو، ماذا أفعل؟ والسؤال: تنام، ماذا تفعل؟! وليس تصحو، ماذا تفعل؛ لأن ذلك الوقت، بحسب ما ورد في الروايات، وأشرنا إليها فيما سبق، هو وقت توزيع الأرزاق، وبينا ماذا يعنى توزيع الأرزاق في ذلك الوقت.

وبالمناسبة، نحذر من قضية السهر، هذه العادة السيئة التي تسربت إلى مجتمعنا. فأصبح حتى الأطفال الآن، طفل 10 سنوات، و6 سنوات، و12 سنة، يقول: نريد أن نسهر! أنت طالب مدرسة، ولا بد أن تنام - بحسب عمرك - وقتا كافيا، ولا يكفيك، إذا تظل سهرانا إلى الساعة 12، أن تنام، ولا بد أن تصحو الساعة الخامسة والنصف! لا يكفي، حسب مرحلتك العمرية، هذا المقدار من النوم.

تعلم أبناءنا الصغار فكرة السهر. وهذه الفكرة، هي للكبار سيئة فما ظنك بالنسبة للصغار؟! لا سيما إذا كان السهر خارج البيوت، ففيه مشاكل أخلاقية، وبيوت تتأثر، وقضايا زوجية، وتحدث مشاكل. فغياب الأب عن بيته، إضافة إلى أن نفس هذا الإنسان، مهما نام في الليل، فبعد ذلك السهر، لا ينام نوما هنيئا، ولا يقوم بوظائفه تجاه أهله، وتجاه صحته، وبدنه أيضا. فغدا يقوم الصبح وأخلاقه متعكرة، فكره أيضا، بدنه أيضا، ولا بد أن يذهب بسرعة للعمل.

نعم، في بعض الموارد المستثناة من ذلك، حتى عندنا في الشرع وارد: "لَا سَهَرَ إِلَّا فِي أُمُورٍ، تَهَجُّدٌ بِالقُرْآنِ"، إنسان ينام في وقت، ثم يسهر على القرآن بما يشمل العبادة، وهذا لا بأس به. بحيث يرتب وقته، فينام مبكر مثلا، ثم يقوم في جوف الليل؛ للعبادة. أو يعكس الأمر، فيتعبد أول منتصف الليل، ثم ينام: "تَهَجُّدٌ بِالقُرْآنِ أَوْ سَهَرٌ فِي طَلَبِ العِلْمِ"، عنده مسألة علمية، لا بد أن يذهب وراءها بشكل قوي ودقيق: "أَوْ عَرُوسٌ تُهْدَى إِلَى زَوْجِهَا"، وهذا السهر الذي يحكى عنه هنا، هو بمقاييس صدور الحديث، وليس بمقاييسنا.

ففي ذاك الزمان، بعد وقت العشاء، الذي هو بحدود 7:30 هذه الأيام، يعتبر بعده الواحد الذي يظل عقب هذا الزمن بساعة وساعتين، هو سهران. أما الآن، فعند قسم من الناس، للتو: بسم الله الرحمن الرحيم. ويقول لك: نريد أن نسهر. من متى؟ نبدأ من الساعة 11، الساعة 11 أي: للتو تبدأ السهرة. هذا بالنسبة إلى زمان صدور الحديث، فيعتبر آخر الليل، وقريب من الفجر.

لذلك نحذِّر من هذه العادة للكبار، ونحذِّر بشكل أشد أيضا الصغار؛ لآثارها السيئة على الأخلاق، وآثارها السيئة على البدن والصحة، وآثارها السيئة على الدراسة والتعلم، وآثارها السيئة على طلب الرزق والعمل. وللحديث - إن شاء الله صلات وبقايا - قد نتعرض إليها، في وقت آخر، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

 

 

مرات العرض: 681
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (170)
تشغيل:

عوامل الكسل في العبادة وعنها 30
الظلم ظلمات يوم  القيامة 24