فدك قضية الزهراء التاريخ والدلالات
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 9/6/1436 هـ
تعريف:

فدك : قضية الزهراء ... التاريخ و الدلالات

تفريغ نصي الأخ الفاضل محمود المطر

المقدمة:

قال سيدنا و مولانا أمير المؤمنين صلوات الله و سلامه عليه: ((بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء، فشحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين، ونعم الحكم الله. وما أصنع بفدك وغير فدك، والنفس مظانها في غد جدث تنقطع في ظلمته آثارها وتغيب أخبارها، وحفرة لو زيد في فسحتها، وأوسعت يدا حافرها، لأضغطها الحجر والمدر، وسد فرجها التراب المتراكم، وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المزلق.)) 

هذه الكلمات المنقولة في نهج البلاغة مما جمعه الشريف الرضي رضوان الله تعالى عليه من كلام امير المؤمنين صلوات الله عليه, تكتسب اهمية استثنائية في كونها تجيب على عدة اسئلة تاريخية من شاهد عيان, بالاضافة الى عصمته, هو شاهد عيان. أحد هذه القضايا التي تجيب عنها هذه الكلمات, أن فدكا والتي سنتحدث عنها بشكل مفصل من الجانب التاريخي و الفقهي, "كانت في أيدينا", في أيدي أمير المؤمنين, في أيدي فاطمة, في أيدي أهل البيت. و هذه قضية مهمة جدا, أن يتحدث الامام عليه السلام ليثبت لمن تأخر و لمن يأتي فيما بعد أن يد أهل البيت عليهم السلام كانت على فدك. هذا أمر. الأمر الآخر فيه اجابة على أن الامام عليه السلام لماذا لم ينتزع فدكا في أيام خلافته و يصيرها في ميراث بني فاطمة عليها السلام؟

نتحدث في ثلاث نقاط رئيسية:

تعريف فدك من الناحية الجغرافية و سرد الأحداث التاريخية المرتبطة بها

فقه قضية فدك و قصة مطالبة الزهراء عليها السلام بحقها

رمزية قضية فدك لدى أهل البيت

أولا: تعريف مختصر لقضية فدك:

فدك: منطقة مستوطنة سابقا من قبل اليهود و تتميز بالمياه الوفيرة و الأرض الخصبة. و كانت تلقب أيضا بوادي القرى, تبعد حوالي 140 كم من المدينة المنورة.

كان اليهود يتفاخرون سابقاً أن لهم كتابا من السماء و أن لهم نبياً من السماء و سيأتي نبي بعد ذلك يؤيدهم. فلما جاءهم رسول الله تنكروا له و حاربوه. و بدأوا يتحزمون لمحاربته. مع ذلك لم يعلن النبي الحرب و المواجهة, بل دعاهم للسلم و جعل بينه و بينهم وثيقة هي من اقدم النصوص التي تبين العلاقة بين المسلمين و اليهود, فيها حوالي 50 مادة مهمة تحفظ لليهود كل حقوقهم الدينية و المدنية و الاجتماعية, عرفت بوثيقة المدينة. و مع ذلك لم يرضى اليهود. و تحالفوا مع كفار قريش و ناصروهم في غزوة الخندق. في غزوة الأحزاب بحدود نهاية السنة الثالثة او بدايات الرابعة, كان هناك تعاضد بين اليهود و الكفار. و وعدوهم انهم لو انتصروا سيجعلون حاصل تمر خيبر لقريش تلك السنة, تحريضاً و تطميعاً لهم. لكن الله نصر نبيه في خيبر و ضيع جهودهم.

بعد ذلك دعا اليهود النبي بعد توتر العلاقات بحجة توضيح الأمور و طلب السلم, و أرادوا بذلك اتيان النبي اليهم بغرض اغتياله برمي حجر ثقيل من الأعلى عليه صلى الله عليه و آله. بعد أن رأى النبي صلى الله عليه و آله تخريب اليهود للأوضاع الافتصادية و الاجتماعية في المدينة ( وهي خارج نطاق موضوع البحث الحالي), لم يرى بداً من مواجهتهم عسكرياَ. فجاء الوحي في نهاية السنة السادسة للهجرة أن يغدوا الى بني قريظة ليحاربهم. و هنا حديث مشهور عن النبي: ((لا يصلين احدكم العصر الا في بني قريظة.)), كناية على العزم على المواجهة فوراً.

بعدها حصلت معركة خيبر في السنة 7, و نصر الله نبيه بالرغم من استعانة اليهود بقريش و من ثقيف, عيينة بن حصن الغطفاني زودهم ب 3 آلاف مقاتل للدفاع عن اليهود. لكن الله نصر المسلمين بتخطيط نبي الله وبقيادة الامام علي عليه السلام. هجوم المسلمين بهذه الطريقة على خيبر, و التي كانت سبع قلاع محصنة - يكفيك ان أبوابها كانت قطعة من الحجر - لا يؤثر أن تدفع من قبل المسلمين ولا ممكن أن تحرق. طولها مترين و عرضها متر و نصف كما يذكر. سبع قلاع مع 20 ألف من اليهود و 3 – 4 آلاف ممن يؤازرونهم انهاروا امام جيش المسلمين. بعدها انهزم اليهود معنويا في أنحاء المدينة و أصبح همهم فقط النجاة. فأرسلوا الى النبي أنهم يستسلمون شريطة أن يسلموا على انفسهم و يسلمون للنبي ما تحت أيديهم من الأرض و الزرع.

فقبل رسول الله, فكانت فدك أرض من تلك المناطق التي لم تفتح بحرب ولا قتال – كما كان الحال في خيبر-, بل سلم أهلها طواعية. و رأي جميع المسلمين في هذه القضية هو أن تكون ملكا خالصاً لرسول الله, لا يشاركه فيها أحد, باعتبار الآية (مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ...) 7 الحشر. أما في حال خيبر (..أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ...) 41 الأنفال. فخمس للرسول و أربع أخماس للمسلمين مقابل قتالهم.

قيل في وصف فدك: يصفها ياقوت الحموي في معجم البلدان: فيها نخل كثير و عيون فوارة.

كانت من السعة و الإمكانات ما جعل الخليفة الثاني أن يقترح على الخليفة الأول أن بضعها في كراع الجيش و سلاحه.

في نهاية السنة السابعة نزلت الآية (وآت ذا القربى حقه ) على النبي صلى الله عليه و آله, فوهب لفاطمة فدك. فبقت عندها 3 سنوات و عدة شهور الى وفاة الرسول الأعظم. في هذه الفترة استعملتها السيدة فاطمة و عينت فيها عمالا – تحت ادارة امير المؤمنين-, لهذا قال (تحت ايدينا فدك), و لذلك بعض المحققين, و منهم المحقق الكرباسي صاحب دائرة المعارف الحسينية, و هي من الكتب الرائعة, أنصح المؤمنين بمطالعتها. يذكر المحقق في الموسوعة ان حال بيت علي و فاطمة بعد سنة 7 هجرية ( أي بعد اعطاء النبي فاطمة فدك) تغير و اصبحت اموال لدى البيت الفاطمي من خراج فدك.

بعد وفاة النبي صلى الله عليه و سلم, ضمها الخليفة الاول لبيت مال المسلمين, و الثاني أيضا, اما عثمان فقال أقاربي أولى بها, فدفعها خالصة لمروان بن الحكم. في أيام أمير المؤمنين خرج منها مروان و ضمها الامام الى بيت مال المسلمين مرة أخرى و لم يجعلها لنفسه او أبناءه. من جهة, زهداً من الامام, ((وما أفعل بفدك او غير فدك)). من جهة أخرى, تربت أجيال من بعد وفاة النبي سنة 11 هجرية, لم تألف أن فدك حق لعلي و فاطمة, بل عهدوها من بيت مال المسلمين, لذلك ستفتح جبهة للمقارنة مع عثمان الذي وهبها لأقاربه فيقال أن علياً استأثر بمال المسلمين.

هنا اشارة: كان أمير المؤمنين غنياً, و أوقف بساتين للصدقات استمرت الى عهد السفاح (135 هجرية).

عندما اتى معاوية للحكم, قسم فدك على ابنه يزيد و مروان بن الحكم و عمرو بن عثمان بن عفان. يشير الى ذلك قول دعبل الخزاعي: أرى فيأهم في غيرهم متقسما – وأيديهم من فيئهم صفرات

بعد معاوية تداولها المروانيون, الى زمان عمر بن عبد العزيز الذي ردها الى أهل البيت. بعده يزيد المرواني أخذها وظلوا يتداولونها الى أيام العباسيين. و في زمان العباسيين ردها المأمون الى أهل البيت. بعدها تداولوها الى أيام المتوكل العباسي الذي أعطاها أحداً من ولاته ... و بذلك انتهت قصة فدك من التاريخ, حيث أصبحت أملاكاً شخصية.

ثانيا: فقه قضية فدك, و كيفية تعامل الخلافة معها

أول ملاحظة في فقه فدك, انه بعد أن أخذ الخليفة الأول فدكاً, ذهبت فاطمة عليها السلام تطالب بحقها, قالت انها نحلة من والدي, فطلب منها الاتيان بالشهود, والاسلام لا يطالب مالك الشيء بالاتيان بالشهود, بل من يدعي خلاف ذلك يطالب بالشهود, و الا لما بقي نظام اجتماعي للملكية الشخصية! حيث سيطالب ساكن البيت بالاتيان بشهود, و صاحب السيارة بشهود, ... ولعل السيدة الزهراء ارادت ان تبين للأمة ان هذه الخلافة لا تفقه بمبادئ الأحكام و أسس القضاء.

لما أتت بالشهود -تنازلاً للقوم- ...

فأقامت بذا شهودا فقالوا – بعلها شاهد لها و ابناها

جاءت بعلي و بأم أيمن و بالحسنين, فردت شهادتهم. هذا مع أن ((علي مع الحق و الحق مع علي)). و مع شهادة النبي لأم أيمن أنها من أهل الجنة. و الحسنان سيدا شباب أهل الجنة و قد قبل رسول الله شهادتما (رغم صغر سنهما) كما دون في بعض الوثائق و الكتابات. لم يقبل ذلك و نزعت فدك منها بذريعة انها ليست نحلة, بالرغم من يد الزهراء عليها, مع أن عاملها فيها, و مع الشهود المذكورين.

جاءتهم عليها السلام أيضاً من منطلق الوراثة, حيث الزهراء عليها السلام الوارث الوحيد لرسول الله صلى الله عليه و آله. فلما كانت فدكاً فتحت من غير قتال, و دخلت في ملك النبي, بمنطق الوراثة تكون ملكاً لفاطمة.

هنا توجد مغالطة من قبل البعض: حيث يدعون انه لدينا -المذهب الاثناعشري- النساء لا يرثن من الأرض, و الصحيح أن الزوجة لا ترث من الأرض و انما ترث مما على الأرض. البنت ترث من كل شيء.

هنا استشهد الخليفة الأول بحديث: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث, و ما تركناه فهو صدقة) – و قد أجمع العلماء من السنة و الشيعة على أن المتفرد الوحيد بنقل هذا النص هو الخليفة الأول, لم ينقله أحد غيره. هنا يستغرب الطبري, أن الأشخاص الذين ينبغي على النبي ان يبلغهم بهذا الحديث هم العباس عمه وعلي وفاطمة, فلِمَ سمعه الخليفة الأول فقط ؟

واجهت الزهراء عليها السلام كلام الخليفة بآيات القرآن المحكمات و سيرة الأنبياء المذكورة فيه قائمة على الوراثة, ولم يغير النبي شيئا في ذلك. لكنه لم يقبل هذا الكلام أيضا.

ثالثاً و أخيراً: فدك .. رمز الحق المغصوب:

أن خلافة تبدأ في الايام الاولى من عهدها بظلم ابنة الزعيم الذي أتى بهذا الدين, ما بالك بغيرها ؟

هل يمكن لهذه الخلافة ان تؤمن حقوق الناس العاديين و الضعفاء الذين لا يمتلكون هذه المكانة و الرفعة الاعتبارية؟

الخلافة اما ان تعرف الاحكام الشرعية او لا. فان كانت تعرفها و تخالفها فتلك مصيبة. و ان كانت جاهلة بها اصلا, فكيف لها ان تسير امة و رسالة كما سيرها رسول الله, وباسم رسول الله؟.

لذلك فدك اصبحت شعارا لحق مضيع, ينقل ان الامام الكاظم قال للمهدي ( ما بال مظلمتنا لا ترد ), يعني فدكا. ... لو صحت هذه الرواية, لعل الامام يريد أن يشير بفدك الى الخلافة المغتصبة و الامامة المختطفة من أهل البيت.

دافعت الزهراء سلام الله عليها عن هذا الحق – حق شرعية الامامة – و اضحت اول شهيدة في هذه القضية المقدسة. ضحت بجنينها المحسن, و بنفسها, لاحقة لأبيها, مظلومة مهضومة مكروبة – الى حد أن يقول أمير المؤمنين في الزيارة ( و ستنبئك ابنتك بتظافر امتك على هضمها, فاحفها السؤال , و استخبرها الحال , فكم من غليل معتلج بصدرها .. )

مرات العرض: 3234
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2560) حجم الملف: 57018 KB
تشغيل:

وقفة مع وصية أمير المؤمنينن علي بن أبي طالب 21
الامام الرضا ورسالة التفوق العلمي