تاريخ قبر الحسين وقرون من الصمود
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 17/3/1436 هـ
تعريف:

قبر الإمام الحسين قرون من الصمود


تفريغ نصي : الفاضلة أمجاد عبد العال

قالت عقيلة الطالبيين زينب سلام الله عليها، بما أقرها عليه مولانا زين العابدين: "وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلال، على محوه – أي قبر الحسين – على محوه وتطميسه، فلا يزداد إلا علوا".
حديثنا - بإذن الله تعالى - يكون بعنوان: تاريخ قبر الإمام الحسين وصموده أمام الأعاصير. فقبر الحسين الصامد أمام محاولات الطواغيت، منذ شهادته صلوات الله عليه وإلى أيامنا، حيث يشهد هذه المظاهرة المليونية التي لا يشبهها أي تجمع في التاريخ البشري، فيما نعلم.
ملايين البشر يأتون زاحفين من أقطار المعمورة، من أستراليا في جنوب الكرة الأرضية، إلى الدول الاسكندنافية في شمالها، ومن حدود الصين في شرقها، إلى الأمريكتين في غربها، كما المغناطيس القوي، يجتذب أهل الولاية والإيمان والتحرر. هذا هو قبر الحسين صلوات الله وسلامه عليه، الذي بدأ في سنة 60 للهجرة، في سنة 61 للهجرة، قبرا عاديا كسائر القبور، لم يكن عليه إلا كتابة بسيطة، كتبها الإمام زين العابدين (ع) وخطها بإصبعه: "هَذَا قَبْرُ الحُسَينِ بْنَ عَلِي بْنِ فَاطِمَة، الَّذِي قَتَلُوهُ عُطْشَانًا".
هذه كانت البداية. وأما ما نراه اليوم، فهو ما تتكفل به الصور والحضور الشخصي، مما يبعث في الإنسان الإيمان المطلق بأن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن ينصر أحدا فلا خاذل له، وقد نصر الحسين (ع).
بعد هذه الفترة، نحاول أن نتعرف في إضاءة تاريخية، على ما جرى على هذا القبر الشريف، من اهتمام، ومن محاولات هدم أيضا؛ لنرى في النتيجة أن ما يقرؤه المؤمنون في القرآن، وأصبح شعارا للمنبر الحسيني، فيقرؤه الخطباء وغيرهم في بدايته، بقولهم: (العَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ). فكيف إذا كان سيد المتقين، فلا ريب أن العاقبة والفلاح والتوفيق سيكون حليفه وملازما له.
فبعد هذه السنة، أي سنة 61، يأتي بنو أسد؛ لكي يصنعوا سقيفة على هذا القبر الشريف، شيء، سقف، من السعف وما شابه ذلك، حتى إذا أراد أحد أن يزور، لا يكون تحت الشمس. فصنعوا عليه سقيفة.
بعد هذه بعدة سنوات، أي سنة 65 للهجرة، عندما استلم المختار ابن أبي عبيدالله الثقفي، الناهض بثارات آل البيت (ع)، الحكم في الكوفة، وسيطر على الأوضاع. انتدب محمد بن إبراهيم بن مالك الأشتر النخعي، حفيد مالك الأشتر، ابن إبراهيم، مناصر المختار الثقفي، ووُكِّل من قبل المختار لكي يبني على هذا القبر قبة من الآجر والجص. وكانت تلك أول قبة بنيت على المشهد الحسيني في سنة 65 وما بعدها للهجرة. وبعض الباحثين يقول: لعلها أول قبة في الإسلام.
هذا الكلام الثاني يحتاج إلى تحقيق، ولكن هي أول قبة بنيت على قبر الحسين (ع). وبطبيعة الحال، القبة لا تعلق في الفضاء، وإنما لا بد أن يعمل عليها بناء وأروقة وأعمدة، فكان هناك - إذن - بناء أولي للمشهد الحسيني، واستمر هذا الأمر، إلى فترة طويلة، هي كل فترة الدولة الأموية، إلى أن انتهت.
نلحظ هذا، مع بدايات الدولة العباسية، في زيارات الإمام الصادق (ع) وما جاء فيها من أوصاف تشير إلى بناء القبر. فنحن نرى – مثلا – عندما يطالع الإنسان كتاب كامل الزيارات، لابن قولويه القمي، وصفا من قبل الإمام الصادق (ع) في عدة مواضع، أن تذهب إلى الباب الغربي، الباب الشرقي، الباب الذي يلي القبلة، ثم تذهب إلى الحائر، ثم تكون تحت القبة، وهذا يعني أن هذا البناء كان موجودا إلى ذلك الزمان، وأن الإمام الصادق (ع) كان قد ذهب إلى زيارة الإمام الحسين (ع).
وعندنا روايات لا سيما في كتاب فرحة الغري، أن أئمتنا، بالإضافة إلى الإمام السجاد، الذي كان في رجوعه من الشام إلى كربلاء في يوم الأربعين، زار الأربعين، توجد روايات عن زيارة الإمام الباقر (ع)، وزيارة الإمام الصادق (ع)، وزيارة الإمام الكاظم (ع)، بمعنى: ذهابهم إلى القبر، وليس بمعنى أنهم قالوا: الزيارة، أو زاروه عن بعد، وإنما بذهابهم إلى قبر الحسين (ع).
في زيارات الإمام الصادق (ع)، نحن نلحظ هذه الأوصاف، مما يعني أنه كان هذا المشهد، الذي فيه أبواب، بعضها يلي القبلة، وبعضها في جهة الشرق، أيضا القبة وأنك تكون تحت القبة فتدعو بكذا وكذا، ولفظ الحائر كان موجودا أيضا في هذه الزيارات.
عندما نأتي باتجاه أيام المنصور الدواميقي العباسي، والمنصور أقدم على شيء سيء، وهو أنه في إبان صراعه مع العلويين، أقدم على هدم لهذا المرقد، ولعله نقض جانبا منه، لكن يظهر أن إحدى زوجاته وهي: أم ابنه المهدي، امرأة حميرية، وحمير من أهل اليمن، واليمن مشهورون بولائهم لأهل البيت (ع)، هذه بدأت تهتم في قضايا المشهد. فابتعثت بالأموال لإعادة ما نقض. وأجرت راتبا لمن كان هناك ممن يهدم المشهد، كما تقول هذه الروايات.
وسبحان الله نحن نجد حتى في بيوت الطواغيت والظلمة من يتعاطف مع آل البيت (ع)، وهؤلاء ممن لم تتشوه فطرتهم تشوها كاملا، لم يتأثروا بالكامل، مثل: قضية آسيا بنت مزاحم في بيت فرعون، ومع ذلك بقيت على الفطرة. فهذه المرأة كانت مهتمة؛ ولذلك لما جاء المهدي العباسي، نقل أيضا أنه أعاد بناء ما هدم، إما لملاحظة جهة أمه ووالدته، أو لسبب آخر.
فيما بعد هذا، يأتي هارون الرشيد اللا رشيد، ابن المهدي، وهذا كان في زمانه، زمان التصعيد، والمواجهة مع أهل البيت، واغتيال الإمام الكاظم (ع)، بعد سجنه مدة من الزمان. فهارون العباسي، أولا: أرسل، ليرى من هو موجود هناك، فاستجلبه. فقال له: ماذا عندك، تجلس هنا؟ كخادم، وكذا تفعل، من يجري لك ما تجري؟ فقال: كانت تجري لي الأموال أم موسى، يعني زوجة المنصور، جدة هارون العباسي، جدته: أم أبيه، فلما سمع ذلك لم يغير شيئا.
بعدها بست سنوات، إما لأن هذه توفيت، أو لا، نحن لا نعلم. أو لأن الصراع بين العلوين الهاشميين، وبين العباسيين تصاعد أكثر، فأقدم هارون على نقض البناء الحسيني وهدمه. وبالتالي نحن أمام خليفتين عباسيين قد نقضا البناء الذي كان للقبر الشريف، قبر الحسين سلام الله عليه.
بعدهم جاء المأمون العباسي. والمأمون ذو سياسات مختلفة، تحدث عنها الكثير، وتعرفون عنها كثيرا، خصوصا أن قضية الإمام الرضا قريبة عهد بنا. فقد كان له توجهات سياسية معينة في محاولة استقطاب أهل البيت، وإعطاء صورة غير الصورة المعروفة عن العداوة بين الهاشميين والعباسيين. فأعاد بناء المشهد ورمم ما كان قد نقض وخرب منه. وبقي هكذا، في زمان المأمون وما بعده، إلى أن جاءت العاصفة السوداء للمتوكل العباسي.
المتوكل العباسي، بعض المحققين يقول: اعتدى أربع مرات على قبر الإمام الحسين ومشهده صلوات الله وسلامه عليه. فقضية المنع التي قام بها، فأول مرة حاول أن يهدمه، ولم يحصل على أحد من المسلمين، فسعى أن يوكل واحدا من عماله وولاته، فبحث عن أشخاص من المسلمين يأتون ويهدمون هذا المكان، فلا يجد أحدا.
محاولة ثانية بعدها بثلاث سنوات، هو نفسه أيضا قام بها، وكلف أحد العباسيين، والي الكوفة، موسى بن عيسى بن موسى العباسي، وقال له: لا بد أن تهدم هذا المكان بأي ثمن. فهذا ذهب وبحث عن شخص من اليهود، كان قاطنا في تلك المنطقة، يسمى: بالديزج، وأعطاه أموالا طائلة، وقال له: لا بد أن تهدم هذا القبر وتكربه، يعني تزيله؛ لأنه أيضا كان على القبر صندوق خشبي، فقال له: لا بد أن تزيل هذا الصندوق وتكرب المكان وتحرث الأرض التي تحته، وتجري عليها الماء. فلا يوجد بناء، ولا يوجد سقف، والقبة تهدم، والصندوق يرفع، أو يُكسر، والأرضية الموجودة هناك أيضا تحرث.
وبالفعل، جاء هذا وفعل ما علم منه، وأجرى الماء، ولكن الماء ظل يدور كما يطوف الطائفون حول قبر الحسين، صلوات الله وسلامه عليه. اللهم صل على محمد وآل محمد.
فليس فقط هذا الإنسان المؤمن يحترم الإمام الحسين (ع)، بطوافه حوله، وإنما حتى مخلوقات الله التي تسبح لله وتطيعه. دع عنك أولئك الذين انكسفت أقمار الهداية والفطرة في قلوبهم، وإلا الإنسان العادي، صاحب الفطرة السليمة، لا بد أن يقدر هذه المواقف، وهذه الشخصية.
فهدم قبر الإمام الحسين (ع) في زمان المتوكل، جاء بعده ابنه المنتصر، والمنتصر هذا كان نجيب بني العباس، مثلما عندنا، في كل بيئة فاسدة يطلع أناس ورودا محمدية، تخرج. فكان خالد بن سعيد بن العاص يطلع في بيت بني العاص الأمويين، المحادين لله ولرسوله، وهو من أشد الناس إخلاصا لأمير المؤمنين (ع). في بيت مروان بن الحكم، يطلع سعد الخير، أحد أكثر الأصحاب إخلاصا للإمام زين العابدين سلام الله عليه، وجده مروان بن الحكم طريد رسول الله. وهذا المنتصر أيضا كان من هذا النوع، في هذه الأسرة العباسية. فقد كان نجيبها، بل إنه قتل أباه المتوكل العباسي؛ لأنه رآه يهين أمير المؤمنين (ع) في وسط المجلس.
فالرجل لم يتحمل هذا الأمر، ورأى أن هذا الرجل لا ينبغي أن يبقى، فاتفق مع الأتراك، وذهب ذلك المستهزئ بأمير المؤمنين، وبوصي رسول الله، إلى قرنائه في نار جهنم. وجاء هذا الرجل المنتصر، كعلامة على احترامه، للإمام الحسين ولقبره الذي هدم. وقام من سامراء التي كانت مركز الحكم، مع عدد من الطالبيين والهاشميين والقادة ورؤساء البناء المهندسين، جاؤوا إلى كربلاء، وهناك زار الإمام الحسين (ع)، وعكف عنده مدة، وأمر هؤلاء أن يعمروا هذا المشهد، بأحسن ما يمكن وما يقتدر عليه. وهذا المنتصر العباسي، ابن المتوكل. فبقي هذا الأمر على هذا المعدل.
استمر هذا الحال، إلى أن انتهى الدور الأول للدولة العباسية؛ لأن الدولة العباسية كان فيها أكثر من دور، وجاءت الدول المتفرقة، مثل: الدولة البويهية، وهي دولة شيعية، كانت تؤمن بأهل البيت (ع)، وبدأت في إيران، وسيطرت على العراق، على بغداد وأطرافها، وأشاعت جوا من الحرية المدنية، فمع أنهم كانوا شيعة لأهل البيت (ع)، غير انهم لم يلزموا أحدا بمذهبهم ولا منهجهم. ولم يفرقوا بين شيعي وغير شيعي.
حتى لأن قاضي القضاة، وهي مرتبة كبيرة، القاضي عبد الجبار، كان على المذهب الآخر، ومع ذلك أبقوه في منصبه الرسمي، وهذه صورة من الصور التي تقدم إلى العالم الإسلامي عن أن شيعة أهل البيت (ع) بالرغم من أنهم كانوا دائما يقصون ويبعدون؛ لأجل مذهبهم، إلا أنه في مثل المورد لم يبعدوا أحدا ولم يقصوا أحدا، بل تركوا قاضي القضاة وهو مخالف لهم في المذهب، وتركوه على موضعه، وأنشأوا جوا واسعا من الحرية الفكرية والعلمية.
وهؤلاء في زمانهم، أظهروا شعائر التشيع المعتدلة، التي لا تتحدى الآخرين، وتركوا الآخرين أيضا يظهرون ما يشاؤون، في مساجدهم، في تكاياهم، لأن قسما كانوا أيضا صوفية، واهتموا كثيرا بالمرقد الحسيني ومراقد أئمة أهل البيت (ع)، في العراق، ونحن الآن حديثنا فقط عن المرقد الحسين، فاهتموا به اهتماما بالغا.
ففي هذه الفترة، شهدنا أنه توسع المشهد توسعا كبيرا، وصارت فيه منارات ضخمة، وقبب كبيرة، وأفضل ما أنتجه علم ذلك الزمان في الهندسة والبناء، أُعمل في قبر الحسين (ع)، وبعض الباحثين يقول: أن قسما من التخطيطات المتأخرة، اعتمدت على ما صنعه البويهيون.
وبعدهم بفترة جاء دور الفاطميين، والفاطميون كانوا في مصر، وفي أفريقيا العربية، وكان توجهم لأهل البيت واضحا، فأيضا أعانوا في دعم إعمار وبناء وتأثيث وتذهيب المرقد الحسيني: منائره، قببه، أبوابه، كسوته، فرش الحرير، وما شابه ذلك.
ننتهي من هذه الفترة، ترجع الحالة إلى زمان دور العباسيين الثاني، وأنا أتعجب، سبحان الله، يعني: إنسان من البويهيين، ليس عربيا، لكنه يأتي ويتقرب إلى الله عز وجل ببناء المرقد، وإعماره. وآخر عباسي، يعني: أجداده، أبناء عم الإمام الحسين (ع)، مع ذلك يهدم المرقد ويستعذب ذلك.
وهذا شيء واحد يصعب أن يتفهم، وعرب آخرون، كما سيأتي فيما بعد، بل كثير من العرب، من هنا ومن هناك، كان شغلهم تحين الفرصة لهدم المرقد، بينما ذاك الأعجمي بل المغولي، هو الذي يسعى لبناء المرقد والمشهد بأفضل ما يمكن من البناء والاحترام، وهذا محل توقف وتساؤل.
ثم جاء من اسمه المسترشد بالله العباسي، وهذه ألقاب أنت تدري أنها لا تحكي عن واقعها شيئا أبدا. فهذا جاء وقال: أن هذا المشهد فيه ذهب كثير، فيه هدايا كثيرة، فيه قناديل ذهبية، فيه فرش كثيرة، وهدايا الملوك، وهدايا السلاطين، والقبر لا يحتاج إلى هذه الأشياء، فماذا أصنع بها؟ لا بد أن أنهبها كلها. وهكذا ينقلون - وهذا شيء مذهل – أنه حمل من ممتلكات الحضرة الحسينية ما حمِّل على 5000 جمل، و400 بغل. هذه ليس فيها محل للصلوات يا جماعة الخير.
فهذه السرقة من هذا الرجل، لماذا؟ من أجل أن يجعلها في جيبه، فهو لجماعة يعجبهم أن الواحد منهم يحصل على هكذا، فكان الرجل سارقا بهذا المقدار، 400 بغل، فكم حمل عليها من حرم الحسين، 5000 جمل من الأثاث، ومن الذهب، ومن القناديل، ومن الثريات، ومن ومن ومن، وكم هذه قيمتها!  لكن الحرم لا يحتاج إليها، افرض أنه لا يحتاج إليها، فماذا تفعل بها؟ جعلها جزءا من ممتلكاته، وهذه السرقة الواضحة، سبحان الله، ؟ نبيه، بعدما ذهب إلى، وضمها إلى أملاكه، فصارت معركة بينه وبين أحد السلاطين السلاجقة، فأخذ أسيرا، وقتل شر قتلة، وسلبت كل ممتلكاته، التي أخذها من الحضرة الحسينية، والتي كانت لديه في بغداد.
وهكذا بُشِّر القاتل بالقتل ولو بعد حين، والإنسان الذي يظلم في حق الآخرين، لا بد أن يبشر نفسه بنتيجة هذا الظلم..
تستمر الحالة هكذا، إلى أن يأتي زمان المغول، عندما اجتاحوا بغداد، فالخلافة الإسلامية كانت ضعيفة، مهلهلة، ومسوسة إلى أدنى درجات ودركات الضعف. فالخليفة يسرق بهذا المعدل، والوزير نفس الشيء، والذي تحته يسرق، وعلى هذا المعدل. إلى حد أن ما نسميه اليوم بوزير الدفاع كان يأخذ أموال الجيش، ولا يعطيهم شيئا. رغم أن هذا جيش، ويفترض أنه ما دام تحت السلاح، يعطى الأموال. لكن هذا يأخذ الميزانية كلها فلا يعطي جماعة الجيش شيئا، فتركوا الجيش، وكل ذهب يكد على عياله، حتى أضحت البلد بلا جيش وبلا دفاع، فما أسهل أن جاء المغول واقتحموا بغداد، بلا أدنى مقاومة.
وهناك قصص كثيرة تبين لك الخلل الذي يحصل عندما تكون الخلافة والقيادة فاسدة، منحطة، لا شأن لها إلا سرقة الأموال والعبث بالشهوات. فلما وصل جيش المغول إلى بغداد. كان عند الخليفة العباسي جارية ترقص أمامه وتغني، ووصل السهم إلى ستائر الخليفة، وهي لا تزال تغني وترقص إلى الخليفة. فهل هذا هو محل من يريد أن يواجه جيشا، ويواجه حركة عنيفة بهذا المستوى. فانتهت الدولة العباسية.
العمل المدبر الذي قام به علماء شيعة أهل البيت (ع)، والد العلامة الحلي - أعلى الله مقامه، الخواجة نصير الدين الطوسي - أعلى الله مقامه، السيد علي ابن طاووس الحسني - أعلى الله مقامه، فهؤلاء قاموا بعمل من الأعمال الرائعة، والآن لا نملك وقتا للأسف حتى نتحدث عنه، ولكن فيما يرتبط بالمرقد الحسيني، فهؤلاء ذهبوا إلى مغول، ورأوا أن لا توجد قوة دفاع، ولا أحد يستطيع أن يواجه، ولا توجد خلافة، ولا يوجد جيش، فذهبوا لكي يؤمنوا هذه البلاد، وهذه المناطق، وهذه المراقد، من التدمير، وإلا كانت محارق تحدث.
فأخذوا منهم وثيقة بأن لا يتعرض جيشهم جيش المغول، إلى هذه المناطق: النجف، وكربلاء، والحلة، وأن لا يتعرضوا إلى المكتبات الدينية، فهذا تراث الأمة الإسلامي، والحضاري، فلا بد أن يبقى محفوظا. وبهذا التدبير الرائع والدقيق، استطاعوا أن يحفظوا تراث الأمة، حضارة الأمة، آراء وأفكار وأحاديث المعصومين (ع)، وأيضا المشاهد والمراقد والمدارس والعلماء.
أين ظهر الأثر؟ ظهر الأثر بعد 30 سنة، فترى الحكام المغول قد بدأوا يأتون لزيارة أئمة أهل البيت (ع)، اللهم صل على محمد وآل محمد. فأول من جاء، أحد السلاطين المغول اسمه: غازان، وهذا قد أسلم، واهتدى إلى مذهب أهل البيت (ع)، وتشرف بزيارة الإمام الحسين (ع). فلما رأى الوضع هكذا أمر بإعمار كربلاء، وقضية النهر الذي كان متفرعا للفرات وانسد بالتدريج، كربه، وحرثه، وأهله من جديد. فأصبحت كربلاء ذات مياه وفيرة.
وجاء إلى الحرم الحسيني، فرأى أن هذا الحرم يحتاج إلى رعاية أكثر، وتجديد بناء. فجاء من خلف الأماكن بالأخشاب الصلبة، والقاشي المرتب، وبعض صفائح الفضة، وأهَّل البناء بشكل رائع وبديع، هذا في زمان من؟ السلطان: غازان.
وبعده بفترة قصيرة، جاء حفيده: محمد خودابنده، الذي تشيع على يد العلامة الحلي - أعلى الله مقامه، وأصبح من المقربين عنده، هذا أيضا جاء إلى كربلاء وأنشأ فيها مدارس وأنشأ فيها مضائف، ووزع فيها الأموال على المقيمين، وأجرى الرواتب للخدمة، خدمة المرقد الحسيني، فانتعشت حالة الزيارة، وأصبح الوضع آمن، والبلدة الصغيرة البسيطة أصبحت بلدة متطورة إلى حد كبير، وفيها مرافق متعددة، وسكن كثير من الناس فيها على أثر هذا. وبالتالي أصبح مشهد الحسين (ع) أكبر مما كان عليه، أحدث، وأجمل، بفضل عمل هؤلاء السلاطين الذين اهتدوا إلى منهاج آل محمد. اللهم صل على محمد وآل محمد.
اتجهنا بعد هذا - الذي استمر لحدود 200 سنة – حتى وصلنا إلى أيام الصفويين. والصفويون - كما تعلمون - هم فرقة - في الأساس – صوفية، جماعة صوفية، لم يكونوا شيعة لأهل البيت. فجدهم الأعلى صفي الدين، هذا رجل كان في أصله صوفيا، على غير منهج أهل البيت، ثم شيئا فشيئا، بدأ يتعرف على منهج أهل البيت (ع) ومذهبهم، واقترب منهم.
أبناءه الأربعة الذين كانوا قادة عسكريين، تشربوا أكثر بمبادئ أهل البيت (ع) وانتموا بالفعل إلى هذا المذهب، فأصبحوا شيعة. وبعد ذلك، استطاعوا أن يسيطروا في البداية على إيران، وعلى قسم كبير من أفغانستان، ثم بعد ذلك على العراق، وكان بينهم وبين الأتراك العثمانيين حول العراق بالتحديد.
فسيطروا في أول الأمر على العراق، أيام الشاه إسماعيل الصفوي، وهؤلاء كانوا، من جهة، من حيث النسب، هم سادة، هاشميون، كما يقول المؤرخون، ومن جهة أخرى، من ناحية المذهب، كانوا شيعة لأهل البيت، وعندهم حماس إلى هذا الأمر، فاجتمع هذان العاملان في صورة عطاء بلا حدود، لقضية مشاهد أهل البيت (ع)، من الاحترام، من التقدير، من الإنفاق.
حتى لإنه يقال: أن هذا الشاه إسماعيل، أول ما جاء إلى كربلاء، من بغداد، من مسافة بعيدة، نزل من على فرسه، وهو سلطان، ومنتصر، وكبير، وللتو قد حقق انتصارا كبيرا، لكنه ينزل من مسافة كبيرة من على فرسه، ويظل يمشي حافيا إلى مرقد الحسين (ع)، فلما وصل إلى مرقد الحسين، انكب عليه، وظل يبكي بكاء غير طبيعي، وبعد ذلك بقي عنده طوال الليل إلى الفجر، وهو يزور، ويذكر الله، ويترحم على أهل البيت (ع)، فكان هذا الأمر وأمثاله مما حدا ببقية الجنود، بقية الوزراء، بقية أهل المال، إلى أن يعطوا عطاء بلا حدود للمرقد الحسيني.
وهنا تفاصيل كثيرة في هذا المجال، نحن لا نستطيع أن نتطرق إليها بالكامل، وذهب الشاه إسماعيل، وجاء الشاه طاهماسب ونفس الكلام، وجاء بعده غيره. فهؤلاء كانوا في الإجمال عندهم حماس كبير سواء كانوا سلاطين أو زوجاتهم.
فن نلاحظ - مثلا – أن الصندوق الخشبي الذي كان يغلف قبر الحسين (ع) إلى فترة قريبة، كان هدية من إحدى زوجات الصفويين، التي عملته بأفضل أنواع الخشب، ومنقش بالذهب، وما شابه ذلك.
وذهبت السلسلة الصفوية، وجاء بعدهم القاجاريون، والقاجاريون أيضا كان لهم حماس بنفس المقدار الذي كان للصفويين. بل حتى إن أحدهم ، وهو الشاه محمد القاجاري ظاهرا، جاء إلى كربلاء، فرأى أن المؤذن يؤذن في مئذنة الإمام الحسين (ع) من دون أن يذكر الشهادة الثالثة لأمير المؤمنين (ع)، إما لأن هذا كان أيام العثمانيين، أو لأن العثمانيين سيطروا فترة من الزمان على العراق وكربلاء، وبالتالي مثل هذه الصيغة من الآذان، ما كانت معهودة، صيغة الشهادة الثالثة.
فسمع أثناء الزيارة أن المؤذن يؤذن بلا الشهادة الثالثة التي أصبحت من شعائر وشعارات مذهب أهل البيت (ع). فاستدعاه، وقال له: أنت أذنت الآن، فماذا هذا الآذان الذي أذنته؟ قال: هذا الأذان المتعارف هنا، يعني ألست أنت ناسيا شيئا منه؟ قال: لا، فقال له: لماذا نسيت هذه الشهادة الثالثة بعد أن تتشهد لله بالوحدانية وللنبي بالرسالة، لعلي (ع) بالولاية. ارجع إلى نفس المئذنة، وأذن من جديد، فذاك الآذان ليس مقبولا، ومن الآن فصاعدا، لا بد أن تؤذن بأشهد أن عليا ولي الله. اللهم صل على محمد وآل محمد.
فكان الانتماء من قبل هؤلاء الخلفاء، وهذه السلاطين، وهؤلاء الحاكمين، لا سيما من انتبه وتوجه إلى منهاج أهل البيت اهتماما كبيرا.
بعد هذه الفترة، هبت ريح عاصفة من أتباع محمد بن الوهاب، سنة 1216 هجرية، الذين جاؤوا إلى كربلاء، وقد كان الأهالي في كربلاء قد ذهبوا في يوم الغدير إلى النجف الأشرف؛ للاحتفال بيوم الغدير في النجف الأشرف، فأكثر الرجال، أكثر الطلبة، أكثر الناس خرجوا من هذه البلدة لزيارة الإمام أمير المؤمنين (ع) في النجف الأشرف في يوم الغدير، لكن هؤلاء جاؤوا، وكانوا عدة آلاف، واقتحموا البلدة مرة واحدة، وليس فيها أحد يدافع عنها؛ لأن الرجال والمسؤولين والشباب وكلهم ذهبوا إلى النجف الأشرف، إلى الزيارة، فاقتحموا هذه البلدة، وأعملوا فيها القتل، والتفتوا بعد ذلك إلى المشهد الحسيني، وسلبوا كل ما كان فيه من أموال، من سجاد الحرير، إلى قناديل الذهب، إلى السيوف المرصعة بالذهب إلى غير ذلك، وأتلفوا ما كانوا لا يرون فيه فائدة، فكما يقول المحققون: بعض نسخ القرآن الكريم، ترجع إلى القرن الإسلامي الأول. وهي مخطوطات لها قيمة عالية جدا، ولكن هؤلاء مجموعة ممن تعرفون، لا يعرفون أن هذا له قيمة، فالمهم أن يكون أمامهم الذهب والفضة.
أما قرآن، حضارة، تاريخ، فهم لا يفهمون كم لهذه من قيمة. فسلبوا ودمروا وأحرقوا وكسروا الصندوق الذي كان على قبر الإمام الحسين (ع)، وفروا راجعين قبل أن يأتي الكربلائيون من زيارتهم في الغدير، وكانت هذه الثالثة لهذا المشهد ولهذا المرقد، وما أشبه الليلة بالبارحة. لكن بالتالي ليظهر الله دينه ولو رغم كل أحد.
وها هو الحسين (ع) لا أنبيك عنه، هو يحكي عن وجوده، فليس عندنا من شيء يمكن أن يجمع هذه الجموع البشرية، مع كل هذه التأثير العجيب الذي لا نظير له، والذي تعرفونه في أماكن أخرى، في الحج مثلا، فنحن نشهد التاجر يستغل هذا الموسم حتى يرفع الأجور بأقصى ما يمكن، حتى لو يتعطل الحج، فلا مشكلة عنده. طيب، فالأهم أن ياتي هذا المال له.

مرات العرض: 3221
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2584) حجم الملف: 28478.21 KB
تشغيل:

الدور العلمي والسياسي للامام الكاظم عليه السلام
وقفة مع وصية أمير المؤمنينن علي بن أبي طالب 21