زيارة الناحية بحث في السند والمضامين
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 13/1/1435 هـ
تعريف:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

بحث في السند والمضامين لزيارة الناحية

 

اللهم صلِ على محمد وآل محمد

جاء في الزيارة الناحية: (فَهَوَيْتَ إِلَى الأرْضِ جَرِيْحاً ، تَطَأُكَ الخُيولُ بِحَوَافِرِهَا ، وَتَعْلُوكَ الطُّغَاةُ بِبَوَاتِرِها ، قَدْ رَشَحَ لِلمَوْتِ جَبِيْنُكَ ، واخْتَلَفَتَ بالاِنْقِبَاضِ والاِنْبِسَاطِ شِمَالُكَ وَيَمِينُكَ ، تُدِيرُ طَرَفاً خَفِيّاً إلى رَحْلِكَ وَبَيْتِكَ ، وَقَدْ شُغِلْتَ بِنَفسِكَ عَنْ وُلْدِكَ وَأهَالِيكَ .

وَأَسْرَعَ فَرَسُكَ شَارِداً إِلَى خِيَامِكَ ، قَاصِداً مُحَمْحِماً بَاكِياً ، فَلَمَّا رَأَيْنَ النِّسَاءُ جَوَادَكَ مَخْزِيّاً ، وَنَظَرْنَ سَرْجَكَ عَلَيهِ مَلْوِيّاً ، بَرَزْنَ مِنَ الخُدُورِ ، نَاشِرَات الشُّعُورِ عَلى الخُدُودِ ، لا طِمَاتُ الوُجُوه سَافِرَات ، وبالعَوِيلِ دَاعِيَات ، وبَعْدَ العِزِّ مُذَلَّلاَت

هذه الفقرات من زيارة الناحية المقدسة ( إحدى زيارات الإمام الحسين سلام الله عليه ) ولفظ الناحية يُطلق على إمامين من الأئمة المعصومين عليهم السلام (الإمام الحجة المنتظر وأبيه الإمام الحسن العسكري سلام الله عليهم )

تعبير زيارة الناحية أتى في موضعين, فهناك زيارتان تسميان بالزيارة الناحية.

الزيارة الأولى: يُعدّد فيها المعصوم أسماء الشهداء الذين استشهِدوا مع الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء, وكذلك يُعدد قتَلتهُم , مثلاً : (السلام على أبي الفضل العباس الفادي أخاه بنفسه الآخذ لغده من أمسه... لعن الله زيد بن رقاد)

ثم يذكر عليّاً الأكبر فيُسلم عليه, ويذكر شيئاً عنه ثم يذكر اسم قاتله مُرّة بن منقذ,, ثم القاسم ... وهكذا... ثم الأنصار واحداّ تلو الآخر, يذكر أسمائهم وأسماء قتلتهم...

وهذه الزيارة تعتبر وثيقة تاريخية مهمة فهي صادره عن إمام معصوم,, وتتضمن تعداداً لشهداء كربلاء وتحديد أسماء قتلتهم .

فمن أراد البحث في موضوع أنصار الإمام الحسين, سواء لجهة موضوع كربلاء أو لجهة توثيق الإسم يجدهم في زيارة الناحية المقدسة . أحياناً في الكتب الرجالية يرد ذكرُ أسماء الانصار , فيُقال ورد ذكره في أسماء أنصار الحسين في كربلاء , ليكون توثيقاً كافياً.

فالزيارة الأولى يُطلق عليها زيارة الناحية وهي مختصة بأسماء شُهداء كربلاء وأسماء قتلتهِم .

أما الزيارة الأخرى: عُرفت في كتب الأدعية بزيارة الناحية المقدسة وفيها إشارة إلى الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف , فهي استثنائية تحمل خصائصاً قد لا تجتمع في بقية الزيارات.

من هذه الخصائص: أن الزيارة  تبدأ بتعداد أسماء بعض الأنبياء والنقاط المُهمة في حياتهِم : (السَّلامُ عَلى آدمَ صَفْوةِ اللهِ مِن خَليقَتِهِ ، السَّلامُ عَلى شِيثَ وَليِّ اللهِ وخِيرَتِهِ ، السَّلامُ عَلى إدْريسَ القائِمِ للهِ بِحُجَّتِهِ ، السَّلامُ عَلى نُوح المُجَابِ في دَعوَتِهِ ، السَّلامُ عَلى هُود المَمْدودِ مِنَ اللهِ بِمَعونَتِهِ .

السَّلامُ عَلى صَالِح الَّذي تَوَجَّهَ للهِ بِكَرامَتِهِ ، السَّلامُ عَلى إِبْراهِيم الَّذي حَبَاهُ اللهُ بِخُلَّتِهِ ، السَّلامُ عَلى إِسْمَاعيل الَّذي فَداهُ اللهُ بِذِبْحٍ عَظيمٍ مِنَ جَنَّتِهِ ، السَّلامُ عَلى إِسْحَاق الَّذي جَعَل اللهُ النُّبُوَّةَ في ذُرِّيَّتِهِ .

السَّلامُ عَلى يَعقوب الَّذي رَدَّ الله عَليهِ بَصَرَهُ بِرَحمَتِهِ ، السَّلامُ عَلى يُوسف الَّذي نَجَّاهُ اللهُ مِنَ الجُّبِّ بِعَظَمَتِهِ ، ...)

, وكذلك موسى , داؤود, وهكذا... إلى أن يصل إلى نبينا المصطفى محمد صلى الله عليه وآله ويصفه , ثُمّ أمير المُؤمنين علي بن أبي طالب الذي خصه الله بأخوّة محمد صلى الله عليه وآله, ثم فاطمة الزهراء, ثم الحسن, (السَّلامُ عَلى مُحمَّدٍ حَبيبِ اللهِ وصَفْوتِهِ ، السَّلامُ عَلَى أميرِ المُؤمِنين عَليِّ بْن أبي طَالِبٍ المَخْصُوص بِأخُوَّتِهِ ، السَّلامُ عَلى فَاطِمَةَ الزَّهراءِ ابنَتِهِ ، السَّلامُ عَلى أبِي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ وَصِيِّ أبِيهِ وخَليفَتِهِ(..  ثم الحسين, فيبدأ السلام على الحسين من خلال الخصائص التي خص الله حُسيناً بها , (السَّلامُ عَلى مَنْ جَعَلَ اللهُ الشِّفاءَ فِي تُرْبَتِهِ ، السَّلامُ عَلَى مَن الإِجَابَة تَحْتَ قُبَّتِهِ ، السَّلامُ عَلى مَن الأئمَّة مِنْ ذُرِّيَّتِهِ) .

ثم الخصائص التي ترتبط بالمأساة, غَريبِ الغُرَبَاءِ, المَهْتُوكِ الخِبَاءِ...( إلى آخره, فهذا هو القسم الأول.

أما القسم الثاني : أن في هذه الزيارة سلاماً خاصاً على الأجزاء, (السَّلامُ عَلى الأجْسَادِ العَاريَاتِ ، السَّلامُ عَلى الجُسُومِ الشَّاحِبَاتِ ، السَّلامُ عَلى الدِّمَاءِ السَّائِلاتِ ، السَّلامُ عَلى الأعْضَاءِ المُقطَّعَاتِ ، السَّلامُ عَلى الرُّؤوسِ المُشَالاَتِ ، السَّلامُ عَلى النُّسْوَةِ البَارِزَاتِ..) وهكذا.. فلا نجد في سائر الزيارات سلامٌ على الحسين نفسه بل نجد السلام عليك يا أبا عبد الله, السلام عليك يا بن رسول الله, أما سلامٌ بتفاصيل المصيبة والمأساة فهذه من الخصائص  الموجودة في زيارة الناحية المعروفة.

 

القسم الثالث : يتحدث عن دور الإمام الحسين عليه السلام قبل أن يخرج إلى كربلاء , فيقول : (أشْهَدُ أنَّكَ قَدْ أقَمْتَ الصَّلاةَ ، وَآتَيْتَ الزَّكَاةَ ، وَأَمَرْتَ بِالمَعرُوفِ ، وَنَهَيْتَ عَنِ المُنْكَرِ والعُدْوَانِ .. تحُوطُ الهُدَى وَتَنْصُرُهُ ، وَتَبْسُطُ العَدْلَ وَتنْشُرُهُ ، وتنْصُرُ الدِّينَ وتُظْهِرُهُ ، وَتَكُفُّ العَابِثَ وتَزجُرُهُ ..) إلى آخره..

فهذه الزيارة قامت في تبيين دور الإمام الحسين قبل خروجه إلى كربلاء .

 

القسم الرابع.. يتحدث عن تغيير المرحلة إلى مرحلة أخرى.

يقول: (حتَّى إِذَا الجَورُ مَدَّ بَاعَهُ ، وأسْفَرَ الظُّلْمُ قِنَاعَهُ ، وَدَعَا الغَيُّ أتْبَاعَهُ .

وأنْتَ فِي حَرَمِ جَدِّك قَاطِنٌ ، وَللظَّالِمِينَ مُبَايِنٌ ، جَلِيسُ البَيتِ وَالمِحْرَابِ ، مُعتَزِلُ عَنْ اللَّذَاتِ والشَّهَوَاتِ ، تَنْكُرُ المُنْكَرَ بِقَلبِكَ وَلِسَانِك ، عَلى حَسَبِ طَاقَتِكَ وَإمْكَانِكَ .

ثُّمَّ اقْتَضَاكَ العِلْمُ للإِنْكَارِ ، وَلزمَكَ أنْ تُجَاهِدَ الفُجَّار ) الآن يتحدث عن مرحلةٍ حدَثَ فيها تصعيد من قِبل النظام الأموي, مما اقتضى أن يتحرك الإمام الحسين عليه السلام بطريقه أخرى)  فَسِرْتَ فِي أوْلادِكَ وَأهَالِيكَ ، وشِيعَتِكَ ومُوَالِيكَ ، وصَدَعْتَ بِالحَقِّ وَالبَيِّنَةِ ، وَدَعَوتَ إِلَى الله بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) بمعنى تأريخ  هذه المرحلة إلى ما بعد خروج الإمام الحسين سلام الله عليه وتنتهي بوصف المقتل في قوله: (وَحَالُوا بَيْنَكَ وَبَينَ الرَّوَاحِ ، وَلَمْ يَبْقَ لَكَ نَاصِرٌ ، وَأنْتَ مُحْتَسِبٌ صَابِرٌ.تَذُبُّ عَنْ نِسْوَتِكَ وَأوْلادِكَ ، حَتَّى نَكَّسُوكَ عَنْ جَوَادِكَ ، فَهَوَيْتَ إِلَى الأرْضِ جَرِيْحاً ، تَطَأُكَ الخُيولُ بِحَوَافِرِهَا ، وَتَعْلُوكَ الطُّغَاةُ بِبَوَاتِرِها ، قَدْ رَشَحَ لِلمَوْتِ جَبِيْنُكَ ، واخْتَلَفَتَ بالاِنْقِبَاضِ والاِنْبِسَاطِ شِمَالُكَ وَيَمِينُكَ ، تُدِيرُ طَرَفاً خَفِيّاً إلى رَحْلِكَ وَبَيْتِكَ ، وَقَدْ شُغِلْتَ بِنَفسِكَ عَنْ وُلْدِكَ وَأهَالِيكَ ..إلى آخر النص الذي ذُكر)..

 

من مميزات هذه الزيارة :

أولاً : ربط قضية الحسين سلام الله عليه بالأنبياء وخصائصهم. فلو أن أهل المعرفة بدأوا في استقصاء المغزى من اختيار البداية، فالبداية نبوية , ليس فقط من النبي محمد وإنما من نبي الله آدم وهذا ما تشير له الزيارات (السَّلامُ عَلى آدمَ صَفْوةِ اللهِ مِن خَليقَتِهِ)..؟؟

فالصفات التي اخِتيرت مع الأنبياء تحمل جهةً خاصة لابد من التركيز عليها وكذلك دور الإمام الحسين عليه السلام في المدينة وقبل خروجه وتجرعِه الحُزن والأسى في السلام على الصور المأساوية : ( النُّسْوَةِ البَارِزَاتِ) , الأروَاحِ المُختَلسَاتِ) (الأعْضَاءِ المُقطَّعَاتِ) ,.....والكلام في وصف المقتل مما لا نشاهده في أي زيارة من الزيارات.

فهذه الزيارة تحمل بعض الكلمات التي تُثير الأسئلة,, مثلاً:

·       منها ما ورد في وصف المقتل:( بَرَزْنَ مِنَ الخُدُورِ ، نَاشِرَات الشُّعُورِ ..)-

·       ومنها ما يرتبط بدفن الإمام الحسين سلام الله عليه : ( السَّلامُ عَلى مَن دَفنَهُ أهْلُ القُرَى ..) فهذه إشارة إلى أن الدفن كان من قبل أهل القرى, وهذا ظاهراً  يُخالف المشهور الذي عليه الإمامية في أن الإمام الحسين سلام الله عليه دفنه الإمام زين العابدين عليه السلام...

فلا بد من ذكر التوجهات التي تُشير إليها هذه الزيارة :

التوجه الأول : إن هذه الزيارة من إنشاء بعض العلماء تحديداً (الشريف المرتضى) رحمة الله عليه , وهو تلميذ الشيخ المفيد , وأستاذ شيخ الطائفة الطوسي, وأحد الأعلام البارزين, له كتب كثيرة جداً , ويُعتبر من المؤسسين للمدرسة الإمامية في علم الأصول, والعقائد, وقضايا القرآن, ويحتل مكانة خاصة , وفي الشعر والأدب لا يُشق له غبار.

فالبعض يُشير إلى أن الشريف المرتضى هو من أنشأ هذه الزيارة ففي بعض كلمات العلامة المجلسي رضي الله عنه  في البحار إشارة لهذا المعنى, فهذه الزيارة لم تأتي بسند متصل لإمامٍ معصوم ولذلك يُظن أنها من إنشاء الشريف المرتضى حيث لديه هذا السبق والصياغة,, ويؤيد ذلك أن بعض كلمات الزيارة تحمل صياغة فقهية أقرب إلى لسان العلماء.. مثل: (اقْتَضَاكَ العِلْمُ للإِنْكَارِ) وأمثالها من العبارات التي هي عادةً أكثر رواجاً على ألسنة الفقهاء , فذهب البعض لهذا الرأي.

التوجه الآخر : وهو المشهور, أن الزيارة صادرة عن المعصوم عليه السلام وإن لم يكن لها سند من الإمام, فثبوت الرواية لا يتوقف على السند المتصل .

فالسند هو أحد الطرق لإثبات الرواية بينما هناك طرق أخرى يعتمد عليها الفقهاء ويتعاملون بها أيضاً.

وبالتالي عندما يتلقى العلماء هذه الزيارة بالقبول ويتعاملون معها باعتبار أنها  نصٌ واردٌ عن المعصوم وذلك نراه واضحاً عندما يَرِدُ في بعض كتبهم نصٌ من نصوص المعصومين, بل في بعض الإجابات ما يُفيد أنها من الزيارات المعروفة والمشهورة لدى الطائفة, وكأن هذه الشهرة تُغني عن السند.

فلذلك ذهب الكثير من العلماء إلى أنها زيارة عن المعصوم عليه السلام فبعض الألفاظ الموجودة فيها تُشير إلى أن قائلها لابد أن يحمل علماً خاصاً لا يكون لدى الآخرين ولاسيما في مقدمتها من بيان خصائص الأنبياء.

لفتة: إذا لم تكن هذه الزيارة مروية عن المعصوم فالإشكالات التي تُثار حول ما ورد في الزيارة، مثل (نَاشِرَات الشُّعُورِ)..(السَّلامُ عَلى مَن دَفنَهُ أهْلُ القُرَى) تُصبح غير مهمة على الأكثر, فالمهم هو كلام المعصوم -عليه السلام- ونصُّه , وهذا رأي أحد العلماء رداً على الإشكالات التي ترِد حول بعض مقاطع الزيارة .

أما إذا نسبنا الزيارة للإمام المعصوم فلا بُدّ من الرد على الإشكالات التي تُثار حول هذه المقاطع من الزيارة  كـ (نَاشِرَا&

مرات العرض: 5046
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (662)
تشغيل:

 المجتمع الشيعي و السمعة الحسنة
الصحابة ونهضة الحسين