قال الله العظيم في كتابه الكريم : ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرةٍ أنا ومن اتبعنَ وسبحان الله وما أنا من المشركين )
حديثنا يتناول كتابًا كتبه الإمام الرضا عليه السلام في محض الإسلام وعقائد الدين ، فأهمية هذا الكتاب من جهاتٍ متعددة ، أولها أصل الكتاب فإن هناك قسمًا من الناس يقولون : لماذا لم يكتب الأئمة عليهم السلام كتبًا ويضعوها بين يدي الناس وإنما نحن نعتمد على الروايات . طبعًا هذا السؤال من السائل فيه شيء من الغفلة لأنه حتى كتابة الكتاب لا بد له من رواية . فلو كتب الإمام كتابًا فليس هو الذي سينشره بعشرات الآلاف من النسخ في تلك الأزمنة وإنما سيعطيه إلى بعض أصحابه وهذا الصاحب يستنسخه وذاك يستنسخه فرجعنا أيضًا إلى موضوع الرواة ، من الذي استلم هذا الكتاب ؟ ومن رواه ؟ ومن أخذه عن الإمام ؟ ومن أخذه عن الذي أخذه ؟ وهكذا . فوجود كتاب لا يحل مشكلة السند فتبقى مشكلة السند وكيف انتقل إلينا وعبر من من الرجال ؟ يبقى أمرًا قائمًا . نعم في هذه العصور لا نحتاجها غالبًا ، فلو افترضنا أن كتابًا كتب قبل مائة سنة طبع منه آلاف النسخ يستنسخ بآلاف وهكذا ، لكن في تلك العصور لا بد أن يكون الناقل والآخذ للكتب ثقةً ويسلمه أو يستنسخه عنه ثقةٌ آخر وهكذا ، وهذا أمر غير مربوط بالإمامية فقط وإنما بالنسبة للجميع ولذلك كان العلماء السابقون في تلك العصور يقرأ بعضهم على بعضٍ النسخة ، فيقول مثلًا أنا قرأت على أستاذي الفلاني كتابه الفلاني وقرأته من أوله إلى آخره وأجازني في روايته عنه . لكن مع ذلك وجود شيء مكتوب أبقى وأثبت وهذا ما يتميز به هذا الكتاب الذي كتبه الإمام الرضا عليه السلام للمأمون العباسي والذي عنون بعنوان (محض الإسلام ) فأول ميزة فيه أنه كتابٌ . والميزة الثانية في مضمون هذا الكتاب فإنه يعتبر تلخيصًا كاملًا ومركزًا للنسخة الأصلية للإسلام والتي عبر فيها الإمام عنه بأنه محض الإسلام . فمحض الشيء هو الشيء الفارغ من الشوائب والعوالق فتقول أنا محضته النصيحة يعني نصيحة خالصة ليس وراءها شيء ولا غرض وبدون زيادة ولا نقيصة فهي هي بذاتها تامةًً . وهذا محض الشيء من دون خلط فمحض اللبن يعني اللبن الخالص دون إضافة أي شيء يخفف تركيزه أو يفسد كثافته .
ولما يقول الإمام هذا محض الإسلام فهذا يعني النسخة الأصلية للإسلام بحيث ينبغي عرض بقية النسخ عليها فإذا رأينا مذهبًا من المذاهب وأردنا أن نعرف مقدار قربه وبعده عن محض الإسلام فيجب أن نعرضه في مبادئه وأفكاره وأحكامه على هذه النسخة التي يقدمها الإمام الرضا عليه السلام ، فهو كتابٌ أولًا وثانيًا هو تلخيصٌ للنسخة الأصلية للإسلام ، فهو يعتمد على باب عقائد في الله عز وجل وصفاته وفي ذكر نبينا محمد ( ص ) وبتبعه القرآن الكريم وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولا يحتوي على نقصٍ ولا زيادة ثم بعد ذلك تعداد ولاة الأمر أئمة أهل البيت عليهم السلام من أمير المؤمنين سلام الله عليه إلى الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف . واللطيف أن هذا الكتاب مكتوبٌ للمأمون العباسي وفيه الإمام الرضا يعد الأئمة واحدًا واحدًا ويذكر اسمه أيضًا كإمامٍ . بعد ذلك يتعرض لبعض التوجيهات الأخلاقية وأن الدين كما فيه عقائد كذلك فيه قضايا الأخلاق ثم يعطف أخيرًا على ذكر مجموعةٍ من المسائل الفقهية في العبادات وفي المعاملات ويركز على تلك التي فيها مخالفات عند سائر المذاهب مع النسخة الأصلية للإسلام وهي فقه آل محمد . فهو وإن لم يذكر كل المسائل الفقهية باعتبار أن الكتاب مبني على الاختصار إلا أنه ركز على تلك المسائل الفقهية التي يخالف فيها مذاهب مدرسة الخلفاء لما جاء عن رسول الله وما جاء في القرآن الكريم وبصفة عامة فهو مسطرة نجعلها على أي مذهبٍ إذا كان موافق لها تمامًا نجا وإن كان فيها اختلاف سواء في العقائد أو في باب الإمامة أو في باب الفقه والشرائع فهذا يتبين أن بنفس ذلك المقدار هناك اختلاف وتباعد عن النسخة الأصلية للدين .
ومن ميزاته المرسل لهذا الكتاب والمرسل إليه ، فإن المرسل لهذا الكتاب هو الإمام الرضا سلام الله عليه والإمام الرضا هو بمثابة رائد النهضة الثقافية والتبليغية والعلمية الثالث في تاريخ التشيع بعد الإمام علي عليه السلام وبعد الإمامين الباقر والصادق صلوات الله وسلامه عليهما ، يأتي بعدهم في هذه المرتبة من حيث نشر العلم والمعرفة والأحكام والشريعة عليه السلام حتى لقب من قبل ثلاثة من الأئمة بأنه عالم آل محمد . فقد لقبه الإمام الصادق والذي استشهد قبل ولادة الإمام الرضا بعدة أشهر أخبر عن ولاية ابنه الكاظم وعن إمامته وأنه سيكون من صلبه عالم آل محمد ويقصد به الإمام الرضا ، يعني بتلقيب الإمام الصادق نال هذا اللقب .
ونشير هنا إلى بعض ما يرتبط بالإمام الرضا عليه السلام فقد كانت ولادته سنة 148هـ واستشهد سنة 203 هـ يعني كل عمره الشريف كان 55 سنة وهذه من القرائن التي يقيمها الباحثون أنه لم يذهب من هذه الدنيا حتف أنفه وإنما بفعل فاعل . وكانت إمامته نحو عشرين سنة أكثرها كان فيها في المدينة وكان يسجد في مسجد رسول الله من أيام أبيه مذ كان عمره عشرين سنة كان عنده حلقة وكانت إذا استصعبت المشاكل عند الناس جاؤا إليه ، وفي السنوات الثلاث الأخيرة من عمره استجلب إلى خراسان في قضية المأمون العباسي وولاية العهد وما بقي في ولاية العهد إلا أقل من ثلاث سنوات بحسب الأشهر .
والموجه إليه الكتاب بطلبٍ منه هو المأمون العباسي عبدالله المأمون بن هارون الرشيد العباسي ونوهنا أكثر من مرة أن هذه الألقاب ليست ألقابًا حقيقيةً فلا الرشيد كان رشيدًا ولا المأمون كان أمينًا ولكن من أجل التمييز بين الأشخاص فلو قلنا عبدالله العباسي فلن يعرفه أحد . المأمون كانت ولادته بعد ولادة الإمام الرضا عليه السلام ب22سنة يعني الإمام الرضا أكبر منه ب22 سنة . وهذا من القرائن العادية على أن قضية ولاية العهد لم تكن شيئًا جديًا فعادةً ولي العهد يكون أصغر من الخليفة . لأنه بحسب المقاييس الطبيعية ولي العهد لن يعيش عمرًا أطول من الخليفة . وجاء المأمون إلى الحكم لأن هارون قسم الدولة الإسلامية إلى ثلاثة أقسام فقال محمد الأمين على بغداد وما جاورها ، والمأمون على خراسان ، والمعتصم على ما بقي . وأن الخليفة الأمين وولي العهد المأمون .
ولكن حين هلك هارون نزع الأمين أخاه من ولاية العهد وبأن ولي العهد ابنه الذي قيل أن عمره في ذلك الوقت أربع سنوات . وبطبيعة الحال لم يقبل المأمون بهذا فصارت الحرب بينهما وكان الجمع الأكبر الذي مع الأمين هم العرب ، بينما الجمع الأكبر مع المأمون كانوا من خراسان والفرس وحصلت معارك متعددة انتهت إلى غلبة المأمون على الأمين وقتل الأمين وصار المأمون هو الخليفة وفيما بعد سيكون في مرو وسيطر على كل المملكة .
يظهر أن المأمون مع كل مشاكله كان عنده نقطة محبة العلم وكان عنده ذهن ذكي . بل ربما يظهر منه شيء إيجابي على المستوى النفسي تجاه أهل البيت عليهم السلام وهذا يظهر من مواقف متعددة ولكنه قتل الإمام لأن الملك عقيم والذي يقتل أخاه لا غرابة وتاريخ العباسيين فيه الكثير من هذه الأمثلة فالأم تقتل ابنها والابن يقتل أمه ، والأخ يقتل أخاه من أجل الملك ، وأبناء العمومة مع بعضهم .
لكن إجمالًا كان يحب مثلًا المناظرات وهو نفسه كان يسأل الإمام الرضا بعض المسائل ولكن هذا طبعًا لا يغسل عنه درن اغتياله للإمام الرضا عليه السلام ، نعم بعض العلماء والباحثين حتى من الشيعة ما قبلوا أن المأمون مع كل ما ينقل عنه يمكن أن يكون قد اغتال الإمام الرضا بالسم ، لكن هذا الرأي رأي لا توجد أدلة كثيرةٌ تعضده بينما الرأي الآخر وهو أنه نعم يمكن أي إنسان ممكن أن يحب الابتكار والاختراع والمعلومات والمناظرات لكن حين تصل لمصالحه لا يعرف أخ ولا أخت ، فسأل المأمون ضمن هذا الإطار الإمام الرضا أن يكتب له كتابًا فيه محض الإسلام ،صفاء الإسلام ، خلوص الإسلام ، العقائد التي لا بد منها والقضايا التي يتشكل منها الدين ، فالإمام الرضا عليه السلام كتب له كتابًا معروفًا رواها الشيخ الصدوق في عيون أخبار الرضا وغيرها من الكتب ونشير إلى بعضها وما أحسن ما نأخذ عقائد الشيعة جاهزةً تامةً مرتبةً من قلم علي بن موسى الرضا سلام الله عليه .
روى الصدوق بأسانيده أن المأمون سأل علي بن موسى الرضا أن يكتب له محض الإسلام على سبيل الإيجاز والاختصار ( ومن هذا الحديث يعرف الإسلام الأصلي فبعض الناس يتساءل متى نشأ التشيع فالبعض يقول أنه نشأ منذ خمسين عامًا على أثر أحداث سياسية والبعض الآخر يقول أن التشيع نشأ من أيام الشيخ المفيد سنة 413هو من أسس التشيع والبعض الآخر يقول في زمان جعفر الصادق يعني سنة 140 ونحوها وبعضهم يقول أنه تأسس بعد مقتل الحسين عليه السلام في كربلاء والبعض الآخر يقول في زمان الإمام علي جاء عبدالله بن سبأ وأسس التشيع ونشره هنا وهناك . والحق أن التشيع لم يتأسس وإنما كان هو الصورة الأصلية للإسلام وهو الذي يقول عنه الإمام محض الإسلام الإسلام الصافي النقي من الشوائب وهو من زمان رسول الله الذي كان يشير إلى هذا ويقول ( يا علي أنت وشيعتك الفائزون يا علي أنت شيعتك على منابر من نورٍ يوم القيامة وهم حولي وجيراني ) وتعددت التيارات في زمن رسول الله فالمنافقون كانوا في زمن رسول الله حول النبي ومعه وهناك تيارات أخرى لديهم حسابات مع النبي ومع قريش مع من يربح ، ولم يكونوا أهل المعارك ولا أهل التضحيات وإنما كانوا كما قالت الزهراء عليها السلام ( تتربصون بنا الدوائر وتنكصون عند النزال وتفرون من القتال) وكان هناك الرجال المخلصون السابقون أهل التضحية ( أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا ) فالمقياس في ذلك الوقت بين كل هؤلاء ( ياعلي أنت وشيعتك ) هذا هو المقياس من كان حولك ومعك ومنسجمًا وإياك هذا هو الذي يمثل النسخة الأصلية للإسلام .
فكتب الرضا عليه السلام : ( إن محض الإسلام شهادة ألا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهًا واحدًا أحدًا فردًا صمدًا قيومًا سميعًا بصيرًا قديرًا قديمًا قائمًا باقيًا عالمًا لا يجهل قادرًا لا يعجز غنيًا لا يحتاج عدلًا لا يجور وأنه خالق كل شيءٍ ليس كمثله شيء ولا شبه له ولا ضد له ولا ند له ولا كفو له وأنه المقصود بالعبادة والدعاء والرغبة والرهبة ) هذه المرحلة الأولى فرأس كل شيءٍ هي شهادة ألا إله إلا الله وإثبات الصفات التي وصف بها نفسه ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) وواضح فيها قضية التوحيد وواضح فيها أنه لا يوجد تعطيلٌ للصفات ولا فصلٌ لها عنه . وقد تحدثنا في أوائل هذه السلسلة عن مشكلة بعض الاتجاهات في المذاهب الأخرى التي لم تفهم صفات الله وهذه الفقرة تؤكد المعنى الذي تحدثنا عنه . هذا أولًا .
والثاني ( وأن محمدًا عبده ورسوله وأمينه وصفيه وصفوته من خلقه وسيد المرسلين – فكل من يقول لو لم يبعث محمدًا لبعث فلان لا بد أن يحشو فمه بالتراب - وخاتم النبيين وأفضل العالمين لا نبي بعده ولا تبديل لملته ولا تغيير لشريعته – فليس من التقدم حين يصوغ أحدهم كلمات فيقول الإسلام قابلٌ لكل زمان ومكان ولكن حيث أن أحكامه كانت في السابق ضمن إطارٍ زمني وموقع جغرافي فنحن نستطيع أن نغير فيها لأن زماننا غير ذلك الزمان ولأننا نعيش في جغرافيا غير تلك الجغرافيا التي عاش فيها رسول الله فإذن لازم تتغير الأحكام ، هذا كلامٌ باطل ز فالإمام يقول لا تغيير لملته ولا تبديل لشريعته وأن حلال محمدًا حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة وهذا معنى الخاتمية ونسخ الرسالات السابقة فالرسالات السابقة لها مدة انتهاء وحين تنتهي هذه الشريعة وتأتي التي بعدها تلك الشريعة تكون غير قادرة على تلبية احتياجات البشر بتمامها وكمالها فيحتاج البشر أن يتعبدوا بشريعة جديدة وتلك تكون منسوخة ، والنبي عندما جاء نسخ الشرائع كلها لأن ما عنده أفضل مما فيها وأقوم وهو المناسب للإنسان إلى آخر الدنيا ولذلك لم يبعث الله نبيًا بعده . فلو كانت هذه الشريعة لا بد أن تتغير وأن تتبدل وسيمر عليها الزمان فتصبح بعض أحكامها غير تامة وغير صحيحة وغير مناسبة لكان لا معنى لنسخ سائر الشرائع ولكان لا معنى لخاتميتها ولا معنى لأنه لا نبي بعدي . فالنبي خاتم الأنبياء ورسالته خاتمة الرسالات لأجل أنها صالحةً إلى قيام الساعة . نعم لو فرضنا أن شيئًا من الأشياء تغيرت حقيقته كان يعنون بعنوان آخر وهذا يبحثونه في الفقه فأكثر المذاهب يعتقدون به والإمامية كذلك أنه إذا تغير الشيء عن حقيقته وعن ماهيته فأصبح شيئًا آخر فهذا فالخمر على سبيل المثال حرامٌ ونجسٌ على رأي كثير من العلماء فلو فرضنا بعمليات معينة حولناه إلى خل فحين يتذوقه الإنسان ويميزه يقول هذا كان خمرًا فتحول وتغير وتبدل إلى عنوان آخر فمادام أصبح خلًا فالخل حلالٌ وذهبت حرمته هذا لا إشكال فيه . أو كان عندنا على سبيل المثال جلد أو عظم من حيوان مذبوح على غير الطريقة الشرعية ، سيكون جلده نجسًا ، ولكن بعمليات معينة تحول إلى مسحوقٍ مختلف في مادته الكيماوية وفي عناصره الفيزيائية على سبيل المثال أصبح كريم ، فلا يحمل نفس العنوان الذي كان يحمله سابقًا ليس بالطحن فقط وإنما تغيرت مادته وذاتيته وحقيقته فأصبح شيءٌ جديدٌ لا ينطبق عليه عنوان جلد بقرةٍ ميتة أو جلدٌ غير مذكى فهذا لا مشكلة فيه . وهذا عمل العلماء أنه هل تغيرت حقيقته هذا الشيء وصارت شيء آخر فينسلخ عنه الحكم الشرعي مع كونه ذلك تقول نحن بناءً على الزمان والمكان نغير حكمه ، هذا افتراءٌ على الله سبحانه وتعالى ( ءألله أذن لكم أم على الله تفترون )
كأن يقول البعض لنعمل زواج فريند ، فنقول له إذا فيه عقد وإنما يحلل الكلام ويحرمه بعقدٍ منقطع أو دائم ، سمه أي تسمية لكن هذه هي الحقيقة وهي علقةٌ بين ذكرٍ وأنثى في محلٍ قابل مع وجود عقد نكاح إما دائم أو منقطع ، فلو تغير هذا وصار مجرد اتفاق فيما بينهم تقول له أنا راضية وأنت راضٍ لنذهب إلى الفندق ، يقال هذا سفاح وزنى ولا محل لتصحيحه مادام بدون عقد . ولو قيل الزمان تطور وتغير ويعرفها من أيام الجامعة سنة كاملة ... ما لم يكن هناك ما يحلل وهو العقد الشرعي لا مجال لذلك . ومنه ما يسمى بالزواج العرفي وهو شائع في بعض البلاد الإسلامية ، نقول إذا هذا الزواج تم بعقد مستجمع للشروط وكانت البنت الباكر مع وجود وليها يكون شرعًا حلال ولا إشكال في ذلك أما إذا فقد شرطًا من هذه الشروط يسمى سفاح . فتبديل وتغيير الشريعة ليس تقدمًا وإرضاء الآخرين بدعوى التقدم والتطور هذا لايرضى به الله عز وجل فالرواية تقول ( إن الله قد جعل لكل شيءٍ حدًا وجعل على من تعدى الحد حدٍا ) .
يقول الإمام عليه السلام ( لا تغيير لشريعته ولا تبديل لملته وأن جميع ما جاء به محمد هو الحق المبين والتصديق به وبمن مضى من رسل الله ) وهنا نشير إلى نقطة وهو أن ما جاء به محمد لا يعني الموجود في كتب المسلمين الآن بالضرورة كأن يعرض عليك ما ورد في صحيح البخاري وفيه سنة النبي فلم لا تعملون بها ؟ هناك فرق عندنا بين السنة في ذاتها والسنة المنقولة فالسنة في ذاتها حجة على جميع المسلمين لكن السنة المنقولة فيها كلام ، فقد تجد في صحيح البخاري أو مسلم أو الترمذي أو حتى الكافي أو من لا يحضره الفقيه منقولٌ عن رسول الله ( ص ) لكن ليس بالضرورة أن يكون هذا النقل عنه نقلًا تامًا وصحيحًا ولذلك شيعة أهل البيت إلى الآن وإلى غدٍ يدققون في كل سندٍ مهما كان من صحيح البخاري أو من الكافي وكل فقيه لابد أن يعتمد على نفسه وليس على غيره . فالبخاري قال كل هذه الأحاديث صحيحة هذا شأنه هو عنده مسالك ومباني خاصة به ممكن علماء الشيعة يرونها خاطئة فلا يعملون بها . فالسنة في ذاتها والتصديق بها وبجميع ما روي عن رسول الله . وأيضٍا لا نقول هنا أنتم أعلم بشؤون دنياكم أو أن النبي يجتهد وأنا أجتهد ، لا وإنما ما قاله رسول الله أو فعله أو أجازه سنةٌ لا يجوز أن تتخطى من أحد والنقاش في السنة المنقولة ، هل وصلت إلينا بطريقٍ صحيح أو لا ؟ وهل مضمونها موافقٌ للقرآن أو لا ؟ وهل مضمونها موافقٌ للأصول الدينية العامة ؟ إذا اجتازت هذه المراحل فلا بد أن يعمل بها الإنسان وإن كانت سنةً منقولةً . وأما السنة في ذاتها يعني لو رأيت النبي أو سمعته بأذني فيجب أن أستجيب له وليس لي حق في أن أتأخر عن كلام رسول الله (ص) . ( والتصديق به وبمن مضى من رسل الله والتصديق بكتابه الصادق العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيمٍ حميدٍ ) وهذا يعني كما سيكون كما سيقول بعد ذلك ( وأنه حقٌ من فاتحته إلى خاتمته ) لا يوجد شيء اسمه تحريف القرآن أو أن القرآن ناقص أو زائد ، فهذا كلام الإمام الرضا وبه يتعبد شيعة أهل البيت عليهم السلام ، لأنه لو كان زيادةً فتلك الزيادة ليست بحق والقرآن قد قال لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . فإما أن نصدق القرآن الكريم الذي يقول لا يأتيه الباطل وإما أن نصدق ذاك الذي يقول فيه زيادة أو نقيصة . فالإمام الرضا عليه السلام في هذه الكلمات وفيما بعدها سيشرح أصول العقائد أولًا وسيذكر أسماء أئمة الهدى عليهم السلام واحدًا واحدًا من الإمام أمير المؤمنين إلى الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف وهذا يعتبر من النصوص الصريحة والواضحة على إمامة المعصومين بلسان المعصومين وقد تقدم لنا كلامٌ في هذا الباب . والإمام الرضا خلف من الآثار الفكرية والعلمية كثيرًا جدًا فأحد المؤلفين وهو الشيخ عزيز الله العطاردي رحمه الله عنده سلسلة بعنوان مسند الإمام ، والمسند معناه أن يجمع الأحاديث المروية عن ذات الإمام فمثلًا الكافي ليس مسندًا بهذا المعنى لأن الكافي ينقل عن رسول الله وعن الإمام علي وعن الإمام الصادق وعن الرضا فهو بهذا المعنى ليس مسندًا ولكن لو كان ينقل عن إمام واحد يسمى مسند الإمام . وهذا الشيخ عنده مسند الأئمة واحدًا واحدًا . فمثلًا مسند الإمام علي كل الروايات الموجودة في كتب منسوبة للإمام علي جمعها في كتاب واحد سماه مسند الإمام علي ومن هذا تعرف أيضًا روايات كل معصوم ومدى حجمها ونسبتها إلى غيرها . بالنسبة إلى مسند الإمام الرضا هو ذكر أيضًا وهو ما يقارب سبعة أو ثمانية مجلدات فقط أحاديث الإمام الرضا في العقائد وفي المناظرات والمناقشات أيام المأمون وغيره مع مختلف أرباب المذاهب والملل والنحل وتوصيفه للباري سبحانه وتعالى وبيانه لأحوال رسول الله (ص) وبيانه في تفسير القرآن الكريم وبيانه في الأخلاق وفي السيرة والتاريخ وهكذا في سائر
الموارد كان له صلوات الله عليه آثارٌ جمةٌ لا تزال نافعةً لمن اطلع عليها .
وللإمام عليه السلام وقفاتٌ في كربلاء والكثير من الروايات حول زيارة الإمام الحسين عليه السلام وله الكثير فضلها وآثارها بل فيما يرتبط بسيرة الإمام الحسين في يوم عاشوراء وفي كربلاء وأحد المصادر التي يعتمد عليها الباحثون في تفاصيل ما جرى ويجري في قضية كربلاء هي أحاديث الإمام الرضا عليه السلام ولعله لا يمر محرمٌ على خطيبٍ أو باحثٍ إلا ولا بد أن يذكر أحاديث الإمام الرضا ومن ضمنها الحديث المشهور حديث الريان ابن شديد ( يابن شبيب إن كنت باكيًا لشيءٍ فابكِ الحسين فإنه قد ذبح كما يذبح الكبش وقتل معه سبعة عشر من أهله ما لهم على وجه الأرض شبيه ، يابن شبيب إن سرك أن تكون مع أصحاب الحسين فقل متى ذكرته يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزًا عظيمًا ، يابن شبيب إن شهر محرم كانت توقره العرب في الجاهلية فيتركون القتال فيه ولكن ما حفظت هذه الأمة حرمة شهرها ولا حرمة ابن بنت نبيها )