قال الله العظيم في كتابه الكريم: ((أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون))
حديثنا يتناول بإذن الله الأصل الخامس من أصول المذهب والدين كما هو عند الإمامية وهو الاعتقاد بالمعاد ويوم القيامة، وقد تحدثنا فيما سبق عن أصل التوحيد وبتبعه العدل، ثم النبوة وبتبعها الإمامة وانتهينا من كل ذلك، ونتحدث بإذن الله تعالى عن أصل الإيمان بالمعاد والاعتقاد به.
الإيمان بالمعاد وهو عودة الإنسان وسائر المخلوقات بعد الممات وبعثهم من بعد الفناء إلى أن يحاسب كل إنسان منهم بحسب عمله، إن كان خيراً فسيجزى بالجزاء الحسن، وإن كان شراً فالعقاب الإلهي ينتظره، هذا المعنى تارة يفهم على نحو المعاد الجسماني وأخرى على نحو المعاد الروحاني، فالمعاد الجسماني يشتمل أيضاً على الإحساس الروحي وهو ما تدل عليه الآيات المباركات والنصوص المتواترة خلافاً لما ذهب إليه بعض الفلاسفة من المسلمين ومن غيرهم، فإنهم بعد ان أقروا بان المعاد أصل تدل عليه الأدلة العقلية لكنه بحسب رأي هؤلاء هو معاد روحاني لا دخل للجسد فيه، فالأرواح تبعث وتعذب وتنعم، فكأنما مثلاً الألم في الدنيا يحصل من امتزاج في الشعور من البدن ومن الروح فإنه يوم القيامة يكون الألم الذي يشعر به الإنسان روحياً في هذه الدنيا هو الذي يحصل في ذلك العالم ولا دخل للبدن في ذلك، ففي هذه الدنيا من الواضح أن الإنسان عندما يأكل فإن بدنه ولسانه يلتذ ويعقب ذلك حالة من الارتياح والنشوة في روحه، وكذلك الحال عندما يتزوج فإن بدنه يلتذ وينتهي إلى أن روحه تشعر بالنشوة واللذة التي هي لذة جنسية.
يقول هؤلاء الفلاسفة أن الألم والعذاب من جهة والنعيم والاحساس بالراحة من جهة أخرى تكون يوم القيامة فقط في إحساس الروح، ولذلك ما هو موجود أيضاً من تعابير لابد أن تحمل على غير معانيها الحقيقية، فعلى سبيل المثال الحور العين وفواكه مما يشتهون ولحم طير وغيرها من التعبيرات إنما هي تعبيرات عن الارتياح الروحي الذي يحصل للإنسان، ولأنه لا بد من التعبير عنها بنحو قريب من الناس عبر عنها بهذه الطريقة، فهذا ما يقوله الفلاسفة المسلمون وغير المسلمين، وحتى الفلاسفة المسلمين ممن ابتعدوا نسبة عن التعبد بظواهر الآيات والتعمق في الروايات فإنهم يذهبون إلى هذا الكلام.
نحن نعتقد وما عليه الطائفة بعلمائها وكبارها بل يمكن أن يدعى عليه تسالم المسلمين جميعاً نعتقد أن المعاد هو معاد جسماني وروحاني، أي أن نفس هذا البدن الذي تنعم في هذه الدنيا هو نفسه الذي يتنعم في الآخرة مع شيئاً من الترتيب كان يصبح شاباً، حواسه تكون أفضل وعلى هذا المعدل الروح أيضاً تتنعم كما يتنعم الجسد، وفي المقابل الروح تتألم كما يتألم الجسد في ذلك العالم، ويخطئون القول بأن المعاد روحاني فقط لا محل فيه للبدن، فإن الآيات كما يقول هؤلاء العلماء صريحة في هذا المطلب كما قال تعالى: ((كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها)) وهو واضح في هذا المعنى، وهكذا الحال بالنسبة إلى ما ورد من آيات كثيرة تشير إلى تنعم الإنسان بالمأكولات والمشروبات والنكاح وما شابه ذلك.
إذا كأصل أولي فإن المعاد والرجوع وبتبعه العذاب للمسيء والنعيم للمطيع لا يقتصر فقط على ألم الروح أو تنعم الروح وإنما البدن والجسم هنا هو أيضاً متنعم ومتألم.
هذا الموضوع يحتاج إلى استدلال كسائر الأمور مع انه من نقاط الاشتراك والاتفاق بين جميع الديانات السماوية فإن كل الديانات كما أتت بمعرفة وتعريف مصدر وبدء الخلق وهو الله سبحانه وتعالى وقررت أصل التوحيد أصلاً للمعرفة وبداية له، فكذلك بالنسبة إليهم فإن نهاية هذا الامر نهاية الخلق تكون بعودتهم يوم القيامة وببعثهم وحشرهم، فهذه نقطة اتفاق بين جميع الديانات السماوية، يستدلون على ذلك أيضاً بنوعين من الأدلة قسم منها أدلة عقلية وقسم منها ادلة نقلية، نتحدث الآن عن الأدلة العقلية.
هؤلاء العلماء يقولون أن هناك أدلة متعددة يحكم بها العقل على وجوب ان يكون هناك معاد وقيامة وحشر وحساب وجزاء، وهذه الأدلة:
أولها دليل الحكمة الإلهية: من المسلمات ان الله سبحانه وتعالى حكيم والحكيم لا يفعل شيئاً عبثاً لأن العبث مخالفاً للحكمة.
لو نظرنا إلى هذا البرنامج الذي حدث للكون وللبشر، فالله سبحانه وتعالى خلق هذا الكون وأنشأ البشر وبعد ذلك طلب منهم طاعته وعبادته، أرسل رسله إليهم لأجل إرشادهم، فما نهاية هذا المطاف؟
نهايته أحد أمرين: أما يكون لا حساب ولا ثواب وإنما تكون القضية كما قال بعضهم: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، فهذا الكلام ينتهي إلى عبثية الخلق لأن الله سبحانه وتعالى عندما خلق هذا الخلق لأجل العبادة وبعض الخلق فعلوا وبعضهم لم يفعلوا ولذلك لا بد أن تكون هناك نتيجة للفاعل ونتيجة ومغايرة للعاصي، فلو تصورنا ان الإنسان المؤمن المتقي الطائع يعيش حياته ثم ينتهي به الأمر دون شيء ومن دون مكافأة وعطاء وقد يكون كما هو حاصل في هذه الدنيا أن الإنسان الطائع قد لا يحصل إلا على العناء والتعب والجهد إن لم يحصل على أكثر من ذلك من الظلم والاضطهاد وقد يعذب مثل عذابات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد كانوا يوضعون في اليوم القائض بعد أن يلبسوا أدرع الحديد ثم يوضعون على الرمال الساخنة ويجلدون ويضربون وهم مؤمنون ثم ينتهي بهم الامر ان يموتوا تحت التعذيب، وفي المقابل ذلك الآخر الطاغي الجبار السفاك السفاح الذي في بعضهم كما حصل ويحصل يشرد شعباً كاملاً ويقتل عشرات الآلاف من الناس ويهجر مئات الآلاف من البشر ويرتكب كل محرم يستطيعه فيأتي هكذا يموت بدون أي شيء ولا عقاب ولا حساب.
فهذا من أوضح أنواع العبث وقد نفينا قبل قليل بمقتضى دليل الحكمة الإلهية بان الله سبحانه وتعالى حكيم فلا يصدر منه أي نوع من أنواع العبث تنزه الله وتعالى عن ذلك، ونحن نلاحظ ان حكمة الله تظهر في ادق الأشياء وأصغرها كما يوصف نفسه باستمرار أنه حكيم عليم وانه عزيز حكيم وغير ذلك، هذه صفة الحكمة الدائمة وهي مما استقرت عليه العقول أيضاً قبل أن يكون وحياً إلهياً فالله عز وجل حكيم للغاية بما لا يستطيع اللسان التعبير عنه.
إذاً أولاً: فإن دليل الحمة الإلهية يقتضي بأن يكون هناك يوم يحاسب فيه المسيء على إساءته ويلقى جزاء عمله، وأن يكون هناك يوماً يثاب فيه المحسن على إحسانه وإطاعته وليس ذلك إلا يوم القيامة والمعاد والرجوع والحشر فيها بالتفاصيل التي ذكرتها الآيات القرآنية والروايات المتواترة عن المعصومين عليهم السلام.
الأمر الثاني والدليل الثاني الذي يستدلون فيه هو دليل العدل الإلهي، فقد ذكرنا فيما سبق أن الإمامية يقيمون للعدل مرتبة متميزة مع أن العدل صفة كسائر الصفات كصفة الحياة ((الله لا إله إلا هو الحي القيوم))، وكصفة القيومية والرزاقية وصفة الغفور والرحيم وكذا سائر الصفات فهم أيضاً عدل، لكن الإمامية أفردوا لصفة العدل مساحة خاصة ولذلك ربطوها بالتوحيد وجعلوها من أصول المذهب التي يتميز بها عن سائر المذاهب الأخرى، فقالوا ان الأصول خمسة: التوحيد ويتبعه العدل، والنبوة ويتبعها الإمامة ثم المعاد، فهذه خمسة أصول، فقد أفردوا للعدل هذه المساحة وجعلوه أصلاً أصيلاً لما له من مواضع كثيرة في الاستدلال على صفات الله عز وجل وعلى جملة من الأمور، كالجبر والاختيار انت تحتاج إلى العدل، في القضاء والقدر انت تحتاج إلى العدل، في يوم القيامة كذلك أنت تحتاج إلى العدل وهكذا في موارد أخر، فتقريب استدلالهم بالعدل هكذا ان الله سبحانه وتعالى عدل لا يجور.
مساواة المخطئ مع المحسن في أصلها الأولي هو ظلم وجور لا يمكن أن يكون من الله عز وجل، فلو أن الله تعالى خلق الناس في هذه الحياة وطلب منهم ان يجتنبوا المعاصي ويعملوا الواجبات، ثم جاء هذا الإنسان وعصى ربه وغرق في المعاصي فسرق وزنا وآذى وظلم وارتكب المنكرات فتحول إلى كتلة من الانحراف والإجرام، وفي المقابل ذاك الإنسان الصالح المؤمن المتدين الذي عانى من اجل دينه الكثير، ففي الدنيا نجد ان العادة لا يقتص لا من هذا ولا من ذاك لأن هذا المجرم يكون محمياً من أنصاره الذين يدافعون عنه وقد رأينا حاضراً وماضياً ما الذي جرى بالنسبة إلى هؤلاء المجرمين فالنادر منهم من حصل جزاءه في هذه الدنيا، وفي الطرف المقابل الإنسان المؤمن يموت بغصته من الألم، يصلي فيؤذى ويصوم فيعتدى عليه ويعمل الصالح فيؤخذ ماله من قبل أولئك المجرمين، فهل يصح أن يموت ذاك المجرم وهو مرتاح ومتمتع قد أخذ الدنيا طولاً وعرضاً لا حساب في الدنيا ولا في الآخرة؟
هل هذا من العدل في شيء أم أنه من الظلم الصريح؟
مثلاً لو أنك لديك ابنان أحدهما طائع بار والآخر بخلافه، وأعطيت كلاً منهما نفس المكافأة فسيشعر الابن الصالح بأنك ظالم والابن العاصي فسيشعر بانه فاز بالأمرين، فهذا يعتبر من الظلم عند كل ذي فطرة سوي، ولو أن الله سبحانه وتعالى فعل بعباده كذلك لكان ذلك من الظلم البين الواضح، تعالى الله عز وجل من أن يظلم أحداً فالله لا يظلم مثقال ذرة.
إذاً فإن دليل العدل الإلهي يقتضي ان الله سبحانه وتعالى يوقف هؤلاء للحساب فيثيب الطائع ويعاقب العاصي، وحيث ان الدنيا لم تخلق لهذا الغرض فلابد أن تكون هناك دار آخرة يسبقها حساب ويسبق الحساب إعادة ومعاد وحشر ونشر حتى يتقرر مصير كل شخص.
الدليل الثالث: دليل إطلاق القدرة الإلهية، الذين يستنكرون عادة قضية البعث والنشور هل عندهم دليل على ذلك؟؟ لا يوجد دليل.
ما الذي يدفعهم إذاً إلى الانكار؟ سبب وحيد وهو الاستبعاد والاستغراب فيستغرب الواحد منهم كيف أن الشخص بعد أن يموت ويتحلل في التراب سوف يرجع كما كان، فكلما كان الإنسان في زمان معين نراه يستبعد أشياء تكون في زمن آخر من البديهيات، فمثلاً لو ان شخصاً في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله قال لأصحابه أنه ذهب إلى بيت المقدس في جوف الليل ثم رجع بالمعجزة فليس من الممكن ان يصدقوه، بعكس الآن في زماننا لا يحتاج إلى معجزة فذلك الذي كان مستبعداً حتى بالمعجزة عند الناس أصبح متاحاً بدون المعجزة فقد أصبح السفر متاحاً بالطائرات السريعة، وهذا يشير إلى أن الاستبعاد بذاته ليس ديلاً ولا يمكن ان يكون دليلاً وإنما هو بحسب الطاقة الذهنية للإنسان، فلو أن أحدهم قبل أربعمئة سنة قال أنه سيأتي وقت من الأوقات ويكلم من هو في المشرق الذي هو المغرب ويرى صورته فسيقف الناس موقف المتشكك من هذا الكلام، لكن واقعاً هذا أصبح ممكناً الآن، ولهذا فإن الاستبعاد لا يكون دليلاً على شيء لا سيما إذا كان بالنسبة لقدرة الله عز وجل، فبعض الأشياء نستبعدها في قدرة الإنسان لأننا نعرف طبعه وقدراته، ولكن الذي لا يعرف قدرة الله عز وجل ولا حدودها وإنما رأى أقل ما يكون منها فكيف يستبعد من الله سبحانه وتعالى مثل هذا الأمر، قال تعالى في سورة يس: ((وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ )).
جاء احد الكفار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأخذ عظماً من الأرض وفته بيده وقال: يا محمد انت تزعم أنا إذا صرنا مثل هذا العظام يردنا ربك؟، فقال صلى الله عليه وآله: نعم قلت ذلك ويدخلك أنت النار، ومن جملة ذلك نقول ان القرآن الكريم يقول: ((قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)) ففي رأيكم أنتم أن الإنشاء الابتدائي أصعب من إعادة الإنشاء، مثل لو أن شخص ليس لديه مواد بناء ويريد بناء منزل فهذا أصعب من لو أن المنزل انهدم ومواده موجوده فيستطيع إعادة بناءه، كما قال تعالى: ((أفعيينا بالخلق الأول))، فقدرة الله سبحانه وتعالى التي لا يحدها شيء ولا يتعاظمها شيء ينبغي ان ترفع استبعاد إمكان ذلك ممن يستبعد هذا الأمر من البشر وقد نوه القرآن الكريم كثيراً إلى هذا الأمر، حتى ان كفار قريش مع أنهم كانوا وثنيين إلا انهم يقرون في داخل أنفسهم أن الله هو الذي خلق السموات والأرض وخلق الإنسان، فخلق الإنسان ليس بالشيء السهل ولو تأملنا في خلق الإنسان لوجدنا انه أمر عجيب، فالله عز وجل خلق آدم من تراب، فما العلاقة بين التراب وبين ماء العين؟ لو قلنا أننا نخلق من التراب مسجداً مثلاً فسنرى أن هناك مجانسة بين التراب والبناء، لكن تراب يتحول إلى ماء العين ويتحول إلى اظفر وإلى جلد وإلى عظم وكلها متلائمة ومنسجمه مع أن كلها لا يرتبط بنحو من الانسجام العادي مع التراب.
الله سبحانه وتعالى يأتي بهذه القضايا لتوجيه الإنسان وإلفات نظره إلى لا محدودية قدرة الله عز وجل، فالبشر الآن يقومون بعمل أشياء إن صحت فإنها تكون منبهة على شيء من القدرة الإلهية، كأنهم يقومون باستعادة بعض الأجناس مثل الذئب الرهيب وهو بحسب قولهم انه ذئب كان قبل ملايين السنوات وانقرض ولكن وجدوا منه شيء متجمد ومتكلس في بعض الأماكن فيأخذوا منه تلك البقايا ويعيدوا معالجة الجينات ويقومون بعمليات معقدة أخرى ليتخلقوا ذئب جديد مشابه في صفاته إلى ذلك الذئب الذي كان قبل ملايين السنين، وهذا موجود في التقارير العلمية، فإن لم يكن صحيحاً فنحن في غنى عن ذلك وإن كان صحيحاً كما يظهر من بعض القرائن نجد أن هذه قدرة الإنسان العادي العاجز الفقير الذي زوده الله عز وجل بالعقل وزوده بالإدراك، فهل نستبعد أن الله عز وجل الذي خلقه وخلق أمثاله وخلق الخلق كله أنه يستطيع أن يسترجعه بعد ما ضمنه أرضه وجعل التراب يسطوا عليهم وجعل تحلل بدنه بهذا التراب؟
إذاً فإن الدليل الثالث الذي يقيمه العلماء هو دليل عموم القدرة الإلهية وأنها شاملة لكل شيء وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهذا الامر من الأمور التي هي في الأرض فيبعث الخلائق في لحظة واحدة وفي صيحة واحدة، وقد ذكرنا قبل ذلك في سلسلتنا التي هي بعنوان (نافذة على العالم الآخر) ذكرنا أنه بنفخة واحدة يقوم بها عبد من عباد الله وهو إسرافيل فيموت بها الإنسان ونفخة أخرى تحييه من جديد، وهذا فعل العبد بأمر الله عز وجل فضلاً عن فعل الله عز وجل.
لا بد من الاعتقاد بالمعاد في يوم القيامة ولو على نحو الاجمال، فالإنسان ليس مطالباً بان يعرف تفاصيل التفاصيل ولكن أصل الاعتقاد بإعادة الله المخلوقات إلى الحساب لمحاسبتهم وجزاء المحسن بما يستحق وجزاء المسيء بما هو نصيبه هذا لا بد من الإيمان به ولابد أن لا يتركه الإنسان، كما ان الإيمان بالمعاد ويوم القيامة لها آثار كبيرة جداً على الإنسان ومنها آثار تربوية، فمعرفة هذا الأمر عند البشر تضع كابحاً لهم امام الجرائم، وفي المقابل أن الإنسان المؤمن يرجو الخير لأنه يتعب في الطاعة والاستقامة وعمل الواجبات والمستحبات فإذا كان يعلم أنه سوف يجازى ويثاب وتكون له درجات يوم القيامة ويجاور الأنبياء والأئمة والأولياء والصالحين فإنه حينها سوف يمضي بقوة على طريقه، ولهذا نرى الشهداء سباقين إلى شهادتهم.
بل حتى في الحياة الدنيا مما يطيب جراح الإنسان هو هذا الامر، فإذا كان مظلوماً مثلاً فإنه يطيب جراحه بأن الله سبحانه وتعالى أعد للمظلومين نعم الثواب وحسنت مرتفقاً.
فإذا كان الإنسان لا يؤمن بهذه العقيدة فستراه سيء الفطرة والعمل والمصير والنتيجة.
نقل البلاذري في كتابه (أنساب الأشراف) وهو متوفى قبل سنة 300 هـ، وكتابه مهم في قضايا التاريخ والشخصيات في ترجمة أبي سفيان بن حرب والد معاوية وجد يزيد، وذكر نفس الكلام محمد بن جرير الطبري في تاريخه وهو متوفى سنة 310 هـ، كما ذكره متأخرون ايضاً كابن الجوزي في (المنتظم) والمسعودي في (مروج الذهب) وغير هؤلاء من العلماء، ذكروا هذه الحادثة:
أنه لما كان في أيام الخليفة الثالث وقد كف بصر أبي سفيان كما كفت بصيرته من أول أيامه، فلما كان في مجلس الخليفة الثالث قال: أفي المجلس أحد يحتشم منه؟، فقالوا: لا، فقال: تلاقفوها يا بني أمية تلاقف الصبيان بالكرة فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من جنة ولا من نار. وقد تبين أن ابن عباس كان موجوداً هناك فقام عليه وتكلم عليه.
نجد أن هذه الفكرة هي التي جعلته لا يؤمن بالأعمال ويقاوم رسول الله صلى الله عليه وآله، وانه لما صارت مواجهة في معركة تبوك مع الروم هو كان في المدينة وكان يفرك يديه جدلاً ويقول: إيهاً بني الأصفر خذوهم من بين أيديهم ومن شمائلهم ظنوا أنهم يلقون جمعاً من الأعراب، وهذا كان من بعد ما أظهر إسلامه ولكنه يجد نشوة ولذة عنما يفتك الروم بالمسلمين.
وابنه معاوية وحفيده يزيد عندما قالوا: لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل، فأصل الشعر كان لعبد الله بن الزبعرى السهمي وهو واحد من الكفار كان يأتمر بأوامر ابي سفيان وأبي جهل فيهجو النبي، فتمثل به يزيد لما أخذ سبي أبي عبد الله إلى الشام وأضاف إليه بيتين من عنده أيضاً وقد كان شاعراً لعنة الله عليه فقال:
لست من خندفة إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعل قد قتلنا القرم من ساداتهم وعدلناه ببدر فاعتدل
هذا الفرق بين إنسان لا يؤمن بالجنة ولا بالنار وبين مثل الحر الرياحي الذي قال إني أخير نفسي بين الجنة والنار، وقصته معروفة وهي عندما واجه الإمام الحسين عليه السلام وقد اقترب من الكوفة ونعه من الدخول إليها وسايره حتى وصل إلى كربلاء وفي الطريق بانت له الحقائق، فما رأى من الحسين في أخلاقه وهداياته وغير ذلك أعادت له البصيرة وازالت العمى عن عينيه وأرته أن الطريق إلى الجنة إنما يمر بالحسين عليه السلام، وفقنا الله وإياكم لولاية أبي عبد الله الحسين، فما إن جاء صباح العاشر وقد بلغ عنده الصراع في داخله أقصاه ومداه حتى أخذه مثل الافكل وهي الرجفة العامة في البدن وقد كان بجانبه قرة بن قيس فقال له: ما الذي أراه منك يا حر؟ والله لو سئلت من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك، فقال الحر: إني أخير نفسي بين الجنة والنار ووالله لا أختار على الجنة شيئاً أبداً، فتحرك وكأنه ذهب ليسقي فرسه من المشرعة وعطف على جهة الحسين عليه السلام إلى أن وصل إلى مقربة من عسكر الحسين فأغمد سيفه ونزع خوذته ونزل من على ظهر فرسه وهو يقول: السلام عليك يا أبا عبد الله السلام عليك يا بن رسول الله، يا أبا عبد الله كنت اول خارج عليك انا الحر بين يزيد الرياحي حبستك عن المسير وجعجعت بك في الطريق وما ظننت ان القوم يصلون إلى ما أرى وقد تبت إلى الله من ذلك فهل ترى لي من توبة؟ فقال له الحسين عليه السلام: إن تبت تاب الله عليك، ففرح فرحاً شديداً وقال: أبا عبد الله كنت أول خارج عليك فأذن لي ان أكون اول شهيد بين يديك.
وبالفعل تقدم إلى المعركة وقاتل قتال الأبطال فما لبث قليلاً إلا وقد قتل ووقع على التراب وهو ينادي: عليك السلام مني يا أبا عبد الله الحسين.