صلاة الانبياء والأديان السماوية 7
المؤلف: الشيخ فوزي السيف
التاريخ: 7/9/1439 هـ
تعريف:


صلاة الأنبياء والأديان السماوية

تفریغ نصي الفاضل نزار الناصر
تصحيح الفاضلة أفراح البراهيم

قال الله العظيم في كتابه الكريم (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ)(1) .
حديثنا بإذن الله تعالى سيكون انطلاقًا من دعاء نبي الله إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام يتناول موضوع الصلاة لدى الأنبياء والمرسلين السابقين وفي الأديان الماضية وكيفية تشريع الصلاة في دين الإسلام .
معنى الصلاة
 الصلاة بما هي تعبير عن الخضوع والتعبد لله عز وجل ،والوقوف بين يدي الله في صورة التذلل والخضوع والركوع بين يديه ثم وضع أعلى شيء في الإنسان في الأرض تذللًا وخضوعًا ، هذا المعنى موجود لدى كل الأنبياء وموجود في الديانات السماوية على اختلافها وربما ماورد من الأحاديث في أنّ الصلاة ثلاثة أثلاث ، ثلث طهور وثلث ركوع وثلث سجود ،لعلّ أحد معانيه بالإضافة إلى نظره إلى الصلاة الإسلامية لعل أحد معاني طبيعة الصلاة وهذه الطبيعة القدر المشترك الموجود في سائر الديانات ،ولقد سبق من الحديث في تأريخ تشريع الوضوء أنّ الأديان السابقة والأنبياء السابقين كانوا يتهيؤون للصلاة بنحو من التطهير يتشابه مع ما هو موجود عند المسلمين، وأيضًا كان لصلواتهم ركوع وسجود ، وتبقى القراءآت والذكر تعبيرات عن التذلّل لله والحمد والثناء عليه مما هو مرتبط بتلك اللغات ،ربما يصلي نبي بالسريانية مثلًا وآخر يصلي بالعبرانية ونبي آخر يصلي بالعربية لكنّ المعاني التي تتضمنها الصلاة هي نفس هذه المعاني .
في نظرة سريعة لو نظرنا إلى الآيات المباركات سوف نجد أنّ القرآن الكريم يتحدّث عن وجود الصلاة وحضورها في حياة الأنبياء وفي دياناتهم ، وأنّ التبليغ بها وقيامتها من قبل الأنبياء كان الهدف الأساس بعد الحديث عن العقائد التوحيدية.
 ومن المناسب للإخوة  والأخوات ولاسيما والجميع يقرأ القرآن في هذه الأيام المباركة أن يتدبروا في الآيات عند قراءتها .
وممّا يذكره القرآن الكريم أنّ آدم وذريته وأنّ نوح وذريته وأنّهم أوائل الخلقة البشرية التي ننتمي إليها، هؤلاء كانوا يقيمون الصلاة، قال تعالى: (.....إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا)(2) ، فهم يسجدون في حالة الخضوع ولكنّ الجيل الذي بعدهم أضاعوا الصلاة كما قال تعالى: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ.....)(3) ، الخلْف يختلف عن الخلف( بفتح اللام) فهي تعطي معنى مضاد لها، نفس الكلمة والأحرف ولكن إذا حركت اللام تعطي معنى مضاد لها ، الخلف (بفتح اللام) يشير إلى حسن من جاء بعد الأوائل السلف ،فمثلا لوكان عندنا أب صالح متدين وأتى بعده أبناء صالحين مثله وعلى نفس منهاجه ،فيقال هنا هؤلاء خلف (بفتح اللام) فلان وهذه إشارة إيجابية إلى حسن السابق وحسن اللاحق وأنه سائر على نفس المنهج ، ولذلك هناك تعبير متداول في الثقافة الشيعية عن الإمام المهدي عجل الله فرجه أنه الخلف الصالح ، عكس هذا كلمة خلْف (بتسكين اللام) وهذا يعني أنّ السابقين كانوا صالحين ولكن اللاحقين كانوا سيئين لم يرثوا الحسن ممّن سبقهم بل خالفوهم ، هؤلاء الأوائل الخلف (بفتح اللام) ينظر إلى جهة إيجابية في أنّ من جاء لاحقًا أناس ساروا على منهج السابقين  بينما الخلْف ( بتسكينها) خالفوا السابقين ولم يسيروا على نهجهم.
 فهنا أنت تجد ذرية آدم وذرية نوح تبعا لآدم ونوح كانوا على درجة عالية من الهدى والتقوى ، ويخرون سجدًا إذا تليت عليهم الآيات ولكن فيما بعد خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة فتبين أنّ الصلاة كانت موجودة وهؤلاء ضيعوها ،الآية المباركة هكذا تقول :( أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58) فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ)(4) ، فتلك الصلاة التي كانت عند السابقين هؤلاء الخلْف أضاعوها ومن هنا يتبيّن أنّ الصلاة كانت  موجودة في زمن الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم ويعقوب وغيرهم . وفي آية أخرى محفوظة ومعروفة عندكم قال تعالى :( رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ.......)(5) ، فالعمل هذا وهو أن أتيت بهم من الشام وأسكنتهم في هذه المنطقة وبنيت لهم بناء التوحيد –الكعبة- لماذا؟، ربنا ليقوم الصلاة وهذا التصريح لا يخص الصلاة فقط بل أمر الله نبيه إبراهيم وإسماعيل بأن يطهرّا البيت الحرام للطائفين والمعتكفين والركع السجود قال تعالى: (وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ )(6)، هؤلاء المؤمنون بنبوة النبي إبراهيم سوف يطوفون البيت ويعكفون فيه ويركعون ويسجدون أيضا وهذه فيها إشارة إلى الصلاة. بقية الأنبياء أيضا إسحاق ، يعقوب، ارجع لسورة الأنبياء مثلا عندما يستعرض صورة من حياة الأنبياء يلخص الأمر فيما بعد ويقول: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)(7)،
ومع أنّ الصلاة في الواقع هي جزء من الخيرات فلماذا لم يكتف بذكر الخيرات فقط بل نص على ذكر الصلاة وعلى إقامتها ؟

الصلاة والأنبياء

وردت كثير من الآيات التي تدلّل على موقع وأهمية الصلاة عند الأنبياء ،فالأنبياء إذاً كانوا يقيمون الصلاة وليس فقط يقيمونها بل يجعلونها قائمة مستقرة في المجتمع يدعون إليها ويوجّهون إليها ، وبقية الأنبياء كذلك مثلًا النبي زكريا وهذه الآية – التي هي موجودة عادة في أغلب محاريب المساجد، قال تعالى : (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ)(8) ،فهنا تصريح بالمحراب من جهة وعلى الصلاة من جهة أخرى وأنّه كان يصلي في المحراب أيضًا.
وفي مريم أيضا كذلك فلقد أمرت أن تقنت لربها وتسجد وأن تركع مع الراكعين ،وإن كانت السيدة مريم ليست من الأنبياء ولكنها في نفس المرحلة الزمنية ،  وكذلك بالنسبة إلى نبي الله عيسى إذ قال تعالى على لسان النبي عيسى بن مريم:( قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31))(9)
يعني أنّي مأمور بالصلاة وسيأتي إشارة إلى هذا المعنى أنّه للأسف الآن الصلاة المعهودة ومنهم صلاة عيسى بن مريم غير حاضرة في الديانة المسيحية وإلا فإنّ عيسى بن مريم كما هو مذكور في سيرته يذهب إلى المعبد ويصلي ، وفي الليل كان يصلي - ربما هؤلاء الناس الذين يرون أنّ عيسى جزء من الإله أو أنّه ابن الله يرون أنّه لا حاجة له بهذه الصلاة- ، فإذا كان النبي عيسى مأمورًا بالصلاة ، وهكذا أيضًا في نبي الله داوود ( فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ)(10)، وفي قضية سليمان عندما أمر الجن بالقيام بإعمار مدينته فكانوا يعملون فيها ما يشاء من محاريب وتماثيل ، والمحاريب جمع محراب وهو المكان الذي يصلى فيه ولو أنّ بعض اللغويين قالوا بأنّ المحاريب تعني الأبنية ولكنّ القرآن يفسر بعضه بعضًا (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ)(11) ، أي المحراب المعهود للصلاة، فعندما تأتي الآية تتحدّث عن قضية سليمان والجن (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ)(12)، فالمحراب هنا إشارة إلى تلك المحاريب المعهود ذكرها في القرآن الكريم .
النبي إسماعيل أيضا (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55))(13) ،فهذه الآيات الكثيرة التي أوردنا قسمًا منها وإلا فنحن لو أوردنا جمع الآيات التي تتحدّث عن صلاة الأنبياء والصلاة في القرآن الكريم في الأمم السابقة والأديان السابقة لطال بنا المقام ، ولكنّ الشاهد في أنّ الصلاة في غرضها وهو إظهار للخضوع والتذلّل بين يدي الله عز وجل والقيام بين يديه عز وجل بالإضافة إلى الركوع والسجود ، هذا المعنى كله هو المراد بالصلاة ، نعم قد تختلف الأذكار من نبي إلى نبي آخر والسور تختلف أيضًا من نبي لآخر ولكنّ الصورة العامة أو الهيكل العظمي للصلاة إن صحّ التعبير موجود في حياة الأنبياء وفي الأديان السماوية .

ما يرتبط بوجود الصلاة الآن في الأديان - فنحن نلاحظ الآن أنّ ما بقي من التعاليم التي لم تتعرّض للتزوير والتحريف والتغيير في الأديان السماوية فيها إشارة لوجود الصلاة في تلك الأزمنة.
والحديث لا يخص فقط الأنبياء والمرسلين بل أيضًا ورثة الأنبياء وطبقة المؤمنين الأولى وبما أنّنا في مناسبة هذه الليلة وهي وفاة مؤمن آل قريش الأكبر والمدافع عن رسول الله محمد صلى الله عليه وآله  وهو أبو طالب والد أمير المؤمنين ،هؤلاء أيضًا كانوا يصلون إلى البيت ولدينا رواية ينقلها الشيخ الصدوق رضي الله عنه في كتابه ( كمال الدين وتمام النعمة ) ينهيها في سنده إلى أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال عليه السلام: «والله، ما عبد أبي ولا جدي عبد المطلب، ولا هاشم، ولا عبد مناف صنمًاً قط»(14) ، معناه أنه ليس فقط كانت ولادتهم طاهرة كما هو في الأحاديث المتواترة المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله في هذا الشأن،« خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي، ولم يصبني من سفاح الجاهلية شيء»(15)  بل بالإضافة إلى ذلك جانب التوحيد والعبادة، يكشف عنه أمير المؤمنين بقوله لم يعبد هؤلاء صنم قط ،فسأله سائل فماذا كانوا يصنعون أو يفعلون؟، فقال أمير المؤمنين عليه السلام كانوا يعبدون الله عز وجل ويصلون إلى البيت ، قبلتهم الكعبة المشرفة وكانوا يصلون إليها.
فهؤلاء في طبقة علية المؤمنين وفي بعض الروايات تذكر بأن أبا طالب أو عبدالمطلب كان لديهم كتب الأوصياء أو ما شابه ذلك ، هؤلاء إذاً كانوا يصلون إلى البيت ويعبدون الله سبحانه ويتخذون من الكعبة المشرفة قبلة لهم ولاشك أنّ ذلك من مواريث الأنبياء التي خلفوها في الأمم.

 قضية الأديان
الأديان بقي فيها بعض الأمور المرتبطة بقضية الصلاة ، وهذا كما قلنا يؤكد أنّ موضوع الصلاة كان موجودًا في الديانات السابقة وعلى سبيل المثال لدينا مثلا في المجوسية والزرادشتية وقد تحدثنا في السنة الماضية عن تأريخ الديانات وقصص الرسل وذكرنا عن المجوسية والزرادشتية أنّ رسول الله ص قال عنهم : « سنّوا بهم سنة أهل الكتاب ـ يعني: المجوس ـ. »(16) ، أي يعامل المجوس كما يعاملون المسيح واليهود في موضوع الطهارة ، لأنّ المسيح واليهود على الرأي المشهور هم على الطهارة ،فإن كان لديك عاملة مسيحية أو يهودية فهي على الطهارة غير نجسة على الرأي المشهور بين فقهائنا ، المجوس كذلك كما قال الرسول ص في الرواية السابقة هم نفس أهل الكتاب فهم غير نجسين ، أي بالإمكان النكاح منهم وليسوا كالكفار لا يجوز النكاح منهم، لأنّ هؤلاء المجوس في الأصل هم من أهل الكتاب ولكنهم عمدوا إلى نبيهم فقتلوه وإلى كتابهم فأحرقوه ، وقد حصل هذا التغيير والتزوير بفعل بعض السلاطين الظالمين المتحكمين في وقتهم ، هؤلاء المجوس إلى الآن لديهم أوقات الصلوات ثلاث صلوات ،صلاة الصباح والصلاة الظهر وصلاة المغرب ، وسوف نلاحظ أنّ هذه الأوقات الثلاثة مشتركة بين الصابئة واليهودية والمسيحية وعند المسلمين أيضًا، ولعل هذا ناظر إلى ما أشار إليه بعض الباحثين من أنّ هذا الترتيب الثلاثي للصلوات هو الترتيب الطبيعي والسهل على الناس ، فمثلًا لو قلنا لرجل قم وصل الساعة الثالثة والنصف وأنت لا تملك ساعة في الأزمنة القديمة ومعرفة الوقت كانت صعبة جدًا ولا يعرفها إلا المتخصصين ، فقط الذين يتخصّصون بالفلك وقضاياه هم الذين يعرفون بالدقة ، مثلا مرّت أربع ساعات من بعد الفجر أو بقي ساعة على الزوال ، هذا من عمل المتخصصين وليس عامة الناس ، والعبادة عبادة عامة لكل الناس ولذلك جعلها الله في أوقات لا يقع فيها الاختلاف ، مثلا صلاة الصبح من طلوع الفجر إلى شروق الشمس ،وهذا وقت واضح جدًا لعامة الناس، بعد غروب الشمس أيضًا ، وكذلك الزوال وإن كان يصعب على عامة الناس تحديد وقتها بالدقة إلا أنّه ممكن معرفته بشكل إجمالي ،وإن كان الفرق خمسة عشر دقيقة إلى ثلاثين دقيقة فهو ليس بالكبير ،  بين نظرك بالعين المجردة لزوال الشمس وبين  تحديد وقتها عند علماء الفلك .
فهذا إذًا عنصر مشترك بين الديانات ويمكن أن ينفع في الاستشهاد والاستئناس في قضية الجمع بين الصلوات الذي عليه الإمامية الإثني عشرية ، فالإمامية ترى أنّه يجوز للإنسان أن يفرق بين الصلوات الخمس ويجوز له أن يجمعها في ثلاث أوقات  صبح ، ظهر ،ليل وهذا لا يحتاج للرجوع للتقويم أو الفلسفة أو أي شيء آخر ، بل نجده في سائر الديانات ومع الأنبياء السابقين .
فالمجوس كانوا هكذا في أوقات صلواتهم ، وكما ذكرنا  لا يعني هذا أنّ المجوس عندما تتشابه مع الإمامية في أوقات الصلوات معناها أنّ الشيعة مجوس كما يتهموننا ، بل إنّ التشابه بين الأديان هو القاعدة لأنّ كل دين يصدّق الدين الآخر، و إذا اختلف عنا مثلا وقال أنّ الإله ثاني اثنين نقول إنّ هذا خطأ فالإله واحد لا ثاني له، ولكن لو قال هذا الدينّ أن للصلاة ثلاث أوقات وهذا الدين قال نفس الكلام معناه أنهما متطابقان ، والقاعدة الأساسية هي هكذا أن يتشابه مثلا المسلم واليهودي في حكم معين ، فليس هذا من العار بل هذا هو الطبيعي أن تتفق الأديان في تشريعات الله عز وجل .

الصلاة اليهودية
 اليهود لديهم الصلاة ثلاثة أوقات وأهمها الصباح وتسمى عندهم ( شحرين ) بمعنى وقت غلس السحر وهو قريب الفجر ، مع ملاحظة أنّ كلمة شحرين تقريبَا تشبه سحر وهذا لقرب اللغة العربية بالعبرية ، وعندهم أيضا صلاة المغرب أو العشاء وتسمى عندهم ( يشماع ) أي السماع باللغة العربية ،وعندهم الصلاة المتوسطة وهي الظهر ، ولكن لدهم مشكلة – اليهود المتأخرين- والتي جعلتنا نقول أنّ هذا الحكم مستحيل يصدر من الأنبياء ، حيث أنهم يقفون بين يدي الله عز وجل وعندهم ركوع وأذكار ولكن ليس لديهم سجود ، بالرغم من أنّ قراء التوراة والباحثين فيها يقولون أنّ هناك تسعين موضعّا في التوراة يتحدّث عن السجود وسجود الأنبياء ، ولا نعلم حقيقة إذا كان عندنا في القرآن نفس هذا العدد من تكرار لفظ السجود، والعجيب أنّ اليهود عندهم أنّ إبراهيم وموسى ودانيال وفلان وغيره كلهم سجدوا لله ويأتون يحذفون السجود من صلاتهم ، حقيقة هذا أمر عجيب ، ولعل نفس اليهود الذين قاموا بحذف غسل الأرجل أثناء الوضوء -وقد ذكرنا ذلك من قبل أنّ بعض اليهود قاموا بتغيير بعض أحكام التشريعات اليهودية- إلا إذا كانت هذه الأرجل متّسخة وإلا  فهؤلاء يقولون لا نحتاج أن نغسل الأرجل للطهارة إذا كانت نظيفة ، ولعل مثل هؤلاء هم الذين يزيلون عنصر السجود من الصلاة وهذا هو الذي يعيبه عليهم القرآن الكريم ويندّد به ويقول: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّه)(17)،
عدي بن حاتم الطائي لما أراد أن يسلّم تحدث مع الرسول ص والنبي قال له أنا أعرف منك بدينك استشهد له بهذا الآية السابقة، فقال له عدي: ماكنا نعبدهم، وكان عدي من القساوسة ، وكانت عنده معرفة جيّدة  بالدين المسيحي  وكان هو على المسيحية حينها ، فقال له النبي: أولم يكونوا يحلّلون الحرام لكم ويحرّمون الحلال عليكم ، فقال عدي : نعم ، فقال الرسول هذه العبادة – أي أنكم كنتم تعبدونهم من دون الله تتركون ما شرع الله وتطيعون رهبانكم- ، الله يأمركم بتطهير أرجلكم عند الوضوء وأنتم لا تفعلونها لأنّ أحد الحاخامات قام بتغييرها فأطعتموه .
إذاً فاليهودية كانت لديهم الصلوات وكانوا يصلون لله على اختلافات لسنا بصدد ذكرها الآن .

الصلاة عند الصابئة
هؤلاء الذين يتبعون النبي يحيى بن زكريا عليه السلام ، وقد ذكروا عندهم أنّ الصلوات في الأصل كانت خمسة أوقات (صباح ، ظهر ، عصر، مغرب ، الليل )  فجاء يحيى بن زكريا وجعلها ثلاثة أوقات ، وهم في الأصل عبارة عن شعبة متأثرة بالمسيحية والمسيحية متأثرة بالديانات السابقة ولاسيما التوراة ،فتشريعهم كان هكذا في بداية الأمر فلما أتى زكريا جعله لهم ثلاثة أوقات ولعله جعله بنفس المعنى الموجود في الدين الإسلامي أي بالإمكان أن يصليها مفرّقًا وبالإمكان أن يأخذ برخصة الله ويصليها جمعا في ثلاثة أوقات، وهذا الاحتمال هو الأقوى فيما نعتقد.
فهذه إذاً جملة من الصلوات التي كانت عند الأنبياء وفي الديانات السابقة.

-------------------------------------

1-  سورة إبراهيم آية 40
2- سورة مريم آية 58
3- سورة مريم آية 59
4- سورة مريم آية 58 - 59
5- سورة إبراهيم آية 37
6- سورة البقرة آية 125
7- سورة الأنبياء آية 73
8- سورة آل عمران آية 39
9- سورة مريم آية 30-31
10- سورة ص آية 24
11- سورة آل عمران آية 39
12- سورة سبأ آية 13
13- سورة مريم آية 54-55
14- كمال الدين ص104 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص 174 وبحار الأنوار ج15 ص144 وج35 ص81 والغدير ج7 ص387 والدر النظيم ص221 وإيمان أبي طالب للأميني ص79 وتفسير أبي الفتوح ج4 ص210 وعن البرهان ج3 ص795
15- البداية والنهاية الجزء الثاني
16-أمالي الطوسي 1: 375
17- سورة التوبة آية 31

 

مرات العرض: 5622
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2558) حجم الملف: 63147.41 KB
تشغيل:

عمرو بن الحمق الخزاعي أول رأس يهدى
والدة النبي : آمنة بنت وهب